LOGINالراوي
كان الليل ساكنًا بشكل مرعب. حتى صوت الرياح حول المعبد القديم بدا وكأنه همسات بعيدة قادمة من مكان غير بشري. خرجت هرلين ببطء من القاعة، وقدماها تتحركان وحدهما تقريبًا نحو الباب الحجري خلف المعبد. الرموز الحمراء فوقه كانت تتوهج أكثر الآن. وكأنها… حية. وقفت أمامه وهي تشعر بقلبها ينبض بقوة داخل صدرها. حتى جوليا داخلها كانت خائفة. — “لا أحب هذا…” ابتلعت هرلين ريقها وهي تحدق بالباب. لم تكن تعرف ماذا يجب أن تفعل. لكن فجأة… سمعت الصوت مجددًا داخل رأسها. صوت ناعم… بعيد… يشبه صوتها بطريقة مخيفة. — “دم…” تجمدت. رمشت بارتباك وهي تنظر حولها. لكن لم يكن هناك أحد. عاد الصوت مرة أخرى، أوضح هذه المرة. — “استخدمي دمك…” ارتجفت أصابعها قليلًا. ثم بعد تردد طويل… أخرجت خنجرها الصغير. جرحت طرف إصبعها بخفة. شهقت بصوت منخفض عندما ظهرت قطرة الدم الحمراء. وببطء… مدت يدها نحو الباب الحجري. فور ما لامست الدماء الرموز الحمراء— اهتزت الأرض تحتها. اتسعت عيناها برعب. ثم بدأت الرموز تتوهج بقوة مخيفة، قبل أن يصدر الباب صوتًا عميقًا قديمًا… ويبدأ بالانفتاح ببطء. هواء بارد جدًا خرج من الداخل. هواء… لا يشبه أي شيء حي. ظهرت خلف الباب درجات حجرية طويلة تنزل نحو الظلام. عميقة جدًا… وكأنها تقود إلى عالم آخر. تراجعت هرلين خطوة دون وعي. حتى جوليا زمجرت بخوف. لكن الصوت عاد مجددًا. — “أسرعي…” ثم همس هذه المرة بحزن مؤلم: — “قبل أن يفوت الأوان…” شعرت هرلين بقلبها ينقبض. لينيا. كانت متأكدة أن الصوت لها. وبدون أن تشعر… بدأت تنزل الدرج. --- في نفس اللحظة… فتح هيفان عينيه فجأة. شعور سيئ ضرب صدره بعنف. حتى هيف داخله استيقظ وهو يزمجر بجنون. — “رفيقتي…” جلس بسرعة وهو ينظر نحو المكان الفارغ بجانبه. ثم تجمد. هرلين لم تكن هناك. وقف فورًا. — “هرلين؟” لا جواب. خرج من القاعة بسرعة، وبدأ يبحث داخل المعبد بعصبية واضحة. لكن كلما بحث أكثر… كلما ازداد خوفه. حتى رابط الرفقة بينهما بدا مضطربًا بشكل غريب. ثم فجأة ركض نحو القاعة الأخرى حيث كان زاك. كان زاك نائمًا بطريقة مصاصي الدماء، معلقًا فعلًا قرب السقف المظلم. لكن فور دخول هيفان بعنف— فتح زاك عينيه الحمراء مباشرة. وقفز للأسفل بسرعة. — “ماذا حدث؟” نظر إليه هيفان بعينين ممتلئتين بالغضب والخوف. — “هرلين اختفت.” تجمد زاك فورًا. حتى أيان استيقظ بسبب صوتهما. ثم فجأة… شعروا جميعًا بطاقة غريبة تهز المكان. ركضوا خارج المعبد بسرعة. وفور ما وصلوا… توقفوا بصدمة. الباب الحجري… كان مفتوحًا. والرموز الحمراء تتوهج بقوة داخل الظلام. همس زاك بعدم تصديق: — “مستحيل…” أما هيفان… فشعر بالخوف يضربه بعنف لأول مرة منذ سنوات. لأن رائحة هرلين كانت واضحة جدًا هناك. داخل الباب. بدون تفكير اندفع نحوه فورًا. لكن زاك أمسك ذراعه بسرعة. — “توقف!” زمجر هيفان بعنف. — “اتركني!” لكن زاك نظر إليه بجدية مرعبة. — “إذا دخلت بلا تفكير… قد لا تستطيع الخروج.” حتى أيان بدا شاحبًا وهو ينظر نحو الظلام داخل الدرج. ثم همس: — “هرلين بالداخل…” أما هيفان… فكان يسمع فقط صوت هيف داخله وهو يكرر بجنون: — “رفيقتي… رفيقتي…” --- في الأسفل… كانت هرلين تنزل الدرج ببطء. الظلام كان كثيفًا بشكل غير طبيعي. حتى صوت خطواتها بدا غريبًا هنا. وكأن المكان يبتلع الأصوات. استمرت بالنزول… والنزول… والنزول… حتى بدأت تشعر أن الدرج لن ينتهي أبدًا. الجدران الحجرية حولها كانت مليئة برموز قديمة متوهجة بلون أزرق باهت. والهواء صار أبرد كلما نزلت أكثر. شعرت بالخوف يزداد داخلها. حتى جوليا أصبحت صامتة تمامًا. ثم أخيرًا… وصلت. توقفت هرلين فجأة وهي تلهث بخفة. أمامها كان باب ضخم جدًا. أكبر حتى من بوابة المعبد نفسها. أسود بالكامل. وعليه رسم غريب لعين فضية كبيرة. مجرد النظر إليها جعل جسدها يقشعر. تراجعت خطوة. — “هذا مخيف…” همستها بصوت مرتجف. لكن الصوت عاد مرة أخرى. قريب جدًا هذه المرة. — “أكملي…” شعرت هرلين بأنفاسها تتسارع. ثم وضعت يدها ببطء على الباب. وفور ما لمسته… بدأت العين الفضية فوقه تنفتح ببطء. وكأنها… تنظر إليها مباشرة.من وجهة نظر أفيني. مع مرور الأيام، بدأت أشعر أنني أصبحت أكثر اعتيادًا على حياتي الجديدة داخل مملكة نايت فورد. الغريب أنني لم أعد أشعر بذلك الخوف الشديد كلما كنت أقف بالقرب من الملك لايرس كما في الأيام الأولى. صحيح أنني ما زلت أتوتر كلما اقترب مني أو تحدث معي، لكنني أصبحت أحب الأوقات التي أرافقه فيها أثناء شربه للشاي أو عندما يقرأ كتبه بصمت بينما أقوم بترتيب مكتبه. بل إنني بدأت أكتشف أن هناك جانبًا مختلفًا منه لا يعرفه الكثيرون. كان هادئًا أكثر مما ينبغي، وكأنه يحمل فوق كتفيه أشياء لا يستطيع إخبار أحد عنها. وفي ذلك اليوم، وبعد يوم طويل من العمل، عدت أخيرًا إلى غرفتي وأنا أتمنى فقط أن أغط في النوم حتى صباح الغد. لكن بعد دقائق قليلة، سمعت طرقات خفيفة على الباب. "ادخلي." فتحت صوفي الباب وهي تحمل معها إبريقًا صغيرًا من الشاي وبعض الحلوى التي أحضرتها من مطبخ القصر. ابتسمت لها وهي تجلس بجانبي فوق الأريكة الصغيرة الموجودة في الغرفة. "يبدو أنك متعبة اليوم." ضحكت بخفة وأنا أتنهد. "الملك كان مشغولًا طوال اليوم، لذلك كان عليّ أن أركض خلفه في نصف أنحاء القصر." ضحكت صوفي قليلًا قبل أن
من وجهة نظر أفيني. بصراحة، منذ حادثة الصباح وأنا لا أفهم ما الذي يجري مع الملك لايرس. أقصد، كيف يمكن لشخص أن يغضب لمجرد أنني تحدثت مع أحد الحراس لمدة دقيقة واحدة فقط؟ ثم يقول لي بكل هدوء إنني "ملكه" ما دمت أعمل لديه؟ حتى الآن لا أعرف إن كان هذا أمرًا طبيعيًا بالنسبة لملوك نايت فورد أم أن ملكنا فقط غريب الأطوار قليلًا. على أي حال، قررت أن أتوقف عن التفكير بالأمر، لأنني إذا حاولت فهمه أكثر فمن المحتمل أن أصاب بالجنون قبل أن أجد طريقة للعودة إلى منزلي. حل الليل أخيرًا، وكان موعد العشاء قد حان. رتبت الطاولة كما أفعل كل يوم، وتأكدت من أن الشاي بدرجة الحرارة التي يفضلها، وأن جميع الأطباق موضوعة في أماكنها الصحيحة. ثم وقفت في مكاني المعتاد بالقرب من الحائط أنتظر وصوله. خمس دقائق... عشر دقائق... ثم خمس عشرة دقيقة أخرى. رفعت رأسي قليلًا نحو الساعة المعلقة على الحائط وأنا أعبس بخفة. "هذا غريب." عادةً لا يتأخر عن موعد العشاء أبدًا. حتى صوفي أخبرتني منذ أيام أنه أكثر شخص منظم عرفته في حياتها. لذلك، وبعد أن تأكدت من أن الطعام سيبرد قريبًا، قررت أن أذهب للاطمئنان عليه. طرقت باب جناح
من وجهة نظر أفيني. مر أسبوع كامل، ثم تبعه أسبوع آخر دون أن أشعر كيف مضى الوقت. الغريب في الأمر أنني بدأت أعتاد هذا العالم شيئًا فشيئًا. في البداية كنت أظن أنني سأهرب في أول فرصة تتاح لي، لكن مع مرور الأيام بدأت أشعر بالفضول تجاه مملكة نايت فورد أكثر فأكثر. كانت مملكة جميلة ومختلفة تمامًا عن نورفاي. فإذا كانت نورفاي تشبه الشتاء الأبدي والثلوج البيضاء، فإن نايت فورد كانت تشبه الليل الهادئ. حتى القصر الملكي بني من حجارة سوداء تتزين بخطوط فضية جعلته يبدو وكأنه خرج من إحدى القصص الخيالية. أما بالنسبة لعملي... فقد أصبح جزءًا من روتيني اليومي. أستيقظ قبل شروق الشمس، وأساعد في تجهيز ملابس الملك، وأتأكد من أن طعامه جاهز في موعده، وأرافقه أحيانًا أثناء اجتماعاته المهمة حتى أحضر له ما يحتاج إليه. وخلال هذين الأسبوعين اكتشفت الكثير من الأشياء عنه. أولها أن اسمه هو "لايرس". بصراحة، تفاجأت قليلًا عندما أخبرتني صوفي باسمه، لأنه بدا اسمًا مناسبًا له بطريقة غريبة. وثانيها أنه ليس مخيفًا كما كنت أعتقد. أعني... نعم، هو مرعب عندما يغضب على ما يبدو، لكنني لم أره يغضب ولو مرة واحدة منذ وصولي إل
من وجهة نظر أيفني. إذا كان هناك شيء واحد تعلمته خلال أول يوم لي في هذا العالم، فهو أن العمل خادمةً لدى ملك اليكان أصعب بكثير من النجاة من تدريبات والدي إيفان في طفولتي. بل وأكثر رعبًا بقليل من غضب جدي زاك عندما كنت أسرق قطع الحلوى الخاصة به. بعد أن قبل الملك أن أعمل لديه، خرجت أنا وصوفي من جناحه الخاص، وما إن أغلق الباب خلفنا حتى أطلقت الزفير الذي كنت أحبسه طوال الوقت. نظرت إليَّ صوفي بفخر وكأنني نجحت في اجتياز اختبار دخول الجيش الملكي. "أهنئك." رمشت عدة مرات باستغراب. "على ماذا؟" "لقد نجوتِ." "..." "هناك ثلاث خادمات بكين خلال أول خمس دقائق من مقابلته." بصراحة، لا أعلم إن كان عليّ الشعور بالفخر أو بالخوف أكثر. وبعدها بدأت رحلتي الحقيقية مع العمل. اكتشفت أن الملك شخص منظم بشكل مرعب. فكل شيء في جناحه مرتب بدقة شديدة، حتى الكتب الموجودة داخل مكتبته كانت مرتبة بحسب أحجامها وألوان أغلفتها! كما اكتشفت أنه لا يحب الفوضى إطلاقًا. خلال الصباح، كان عليَّ تحضير طاولة الإفطار، ثم الانتظار بجانب الباب حتى ينتهي من تناول طعامه في حال احتاج إلى شيء. وبالمناسبة... كا
من وجهة نظر أفيني. إذا كان هناك شيء تعلمته خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، فهو أن القدر يكرهني. حقًا، لا أجد تفسيرًا آخر لما يحدث معي. فأنا انتقلت إلى عالم آخر، وكدت أُعدم قبل أن أستيقظ، وأصبحت خادمة لدى ملك مرعب يقتلع الأشجار عندما يغضب، والآن أنا أقف أمام المرآة منذ الفجر أحاول ألا أموت في أول يوم عمل لي. استيقظت قبل شروق الشمس كما طلبت مني صوفي، وما إن انتهيت من غسل وجهي حتى دخلت الغرفة وهي تحمل بين يديها فستانًا بسيطًا لكنه جميل للغاية. كان بلون العسل الفاتح تتداخل معه خيوط بيضاء ناعمة عند أطرافه، كما أن تصميمه كان أنيقًا بشكل لا يليق بخادمة عادية. "ألستِ متأكدة أنه خاص بالخادمات؟" سألتها بتردد. ضحكت وهي تعطيني الفستان. "بالطبع! الملك يكره الأشخاص غير المرتبين، لذلك حتى خدم القصر يجب أن يكونوا في أفضل مظهر لهم." بدأت أشعر أنني أعمل لدى شخص مهووس بالكمال قليلًا. بعد أن ارتديته وساعدتني صوفي في ترتيب شعري، خرجنا متجهتين نحو جناح الملك. طوال الطريق كانت تعطيني تعليمات جديدة جعلتني أتساءل إن كنت سأتمكن من تذكر اسمي في النهاية. "أولًا، لا ترفعي رأسك أمام الملك." "حسنًا.
من وجهة نظر الكاتب. حلَّ الليل أخيرًا فوق القصر الملكي، وكانت أفيني ما تزال جالسة قرب النافذة وهي تنظر إلى القمرين المعلقين في سماء هذا العالم الغريب. ورغم جمال المنظر، لم تستطع منع نفسها من التفكير في عائلتها وفي ما إذا كانوا بخير الآن. قطع صوت طرقات خفيفة على الباب شرودها. "أدخلي." دخلت صوفي وهي تحمل صينية كبيرة مليئة بالطعام الساخن، وكان يعلو وجهها تعبير جاد لم تره أفيني منذ استيقاظها. وضعت الصينية فوق الطاولة ثم جلست بجانبها. "حسنًا، لقد حان الوقت للحديث الجدي." رمشت أفيني باستغراب. "عن ماذا؟" تنهدت صوفي قبل أن تقول: "عن كيفية بقائكِ على قيد الحياة ابتداءً من الغد." ساد الصمت داخل الغرفة للحظات. "هل الأمر بهذا السوء؟" "أسوأ." شعرت أفيني أن حياتها أصبحت أكثر صعوبة مع كل دقيقة تمضي في هذا العالم. أخذت صوفي نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ بالشرح. "أولًا، استيقظي قبل شروق الشمس. الملك يستيقظ مبكرًا جدًا ويكره الأشخاص الكسالى." "حسنًا." "ثانيًا، لا توقظيه من نومه." "هذا طبيعي." "ثالثًا، لا تلمسي أغراضه الخاصة." "مفهوم." "رابعًا، لا تسأليه عن البركة المقدسة مهما حدث." هن
من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تار
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظ







