تسجيل الدخولومرت دقائق وساعات، وانجلى الليل على المدينة، ثم بدأ قرص الشمس الأحمر في الظهور أعقاب بزوغ شمس صباح جديد، كانت أشعتها الذهبية الباردة تخترق المكان من النوافذ العالية. وفي إحدى القاعات كان السكون مطبقاً، لا يُسمع فيه إلا صوت دقات الساعة، ثانية بعد ثانية، ودقيقة بعد دقيقة، وساعة بعد ساعة، كأنها تعدّ ما تبقى من عمر ساكنها؛ حيث بقي رافائيل ينظر إلى الساعة بتوتر، وقد أسند يديه إلى الطاولة وشبكهما معاً، وهمس:»هل هذه نهايتي؟«وفجأة قطع حبل أفكاره صوت طرقات خفيفة متتابعة، ثم دخل رجل يرتدي قناعاً ومعه رجل آخر. فنظر رافائيل إليهما بتوتر، وقال للرجل الثاني:»داميان، هل أنت متشوق لفنائي؟«ليجيب داميان بعد أن ابتسم:»أجل، لحدٍّ كبير!«أما الرجل المقنع فقال بصوت خشن معدَّل:»لسنا هنا للنقاش«.وبينما كان الرجل يتحدث مع داميان، فتح رافائيل الدرج بيد مرتجفة، وقبل أن يخرج مسدسه أتت طلقة مكتومة من سلاح الرجل المقنع، فأمسك رافائيل يده وبدأ يكتم ألمه.بعد ذلك تقدم داميان وجرّ رافائيل وألقاه على الأرض، ثم نظر إلى الرجل المقنع، وقال بنبرة مستفزة:»سفن اي، هل يمكنك تركي معه؟«ليردّ كايل قائلاً:»عندك خمس دقا
وبعد أن لوّحت ليان مودّعة رافائيل وأغلقت الباب خلفها، ساد المكتب سكون ثقيل، ثم انبعث ضوء أحمر خافت من الكاميرا المركونة في زاوية المكتب، ضوء يوحي بأن نظامها قد اختُرق، وأن شخصاً ما يشاهد كل تحركاته. أما رافائيل نظر إلى الكاميرا بعينين متعبتين، وقال بعد أن تأكد أن لا أحد يسمعه:»سفن اي، لم أفعل أي شيء لتقدم على تهديدي، ومهما فعلت لن أخضع لنظامكم اللعين ذاك، هل فهمت يا سفن اي؟«وأما على الجانب الآخر من نظام المراقبة، كانت مجموعة من الحواسيب تعرض على شاشاتها المتوهجة في العتمة صراخ رافائيل، ونهض أحد الرجلين اللذين يراقبان حركته، ونظر إلى ظل كان واقفاً في زاوية الغرفة المظلمة، ونادى:»سيد كايل، الهدف يبدو أنه لن يتراجع، وأنه مصمم على إثبات مصيره«.سمع كايل كلام المساعد، فتقدم من الظل حتى وقف أمام شاشة الحاسوب، وقال:»يعني ليس لدي خيار إلا أن يكون القرار تصفيته، مؤسف حقاً«.أما المساعد فقال:»سيدي، هناك فتاة كانت قبل قليل في مكتبه، يبدو أنها على علاقة وثيقة مع رافائيل، ويمكن أن تكون ابنته«.ليرد كايل ببرود:»لا أهتم، فرافائيل أعزب، وأنا لا أهتم إن كان محاطاً بأشخاص مهمين له، المهم أنه تماد
فيلاريس؛ مدينة اشتهرت باسم مدينة الضباب والعالم الموازي الغامض، وميّزتها هالتها التي تمزج الرعب بالجمال، إذ تخفي خلف أسوارها العالية عالماً خفياً يواري أبشع أنواع الحكايات والأسرار، تلك التي دُفنت في العتمة ولم تجد سبيلاً للخروج. وبين أزقتها العتيقة، حيث يتسلل الضباب الرمادي فوق حجارة الطرق كأنه أنفاس مدينة نائمة، كانت السماء تمطر بلا توقف، وتذرف وابلاً من الماء وكأنها تبكي على فراق شخص عزيز رحل عن هذا العالم، أو تشارك ساكنيها أحزانهم الثقيلة.تبدأ حبكتنا في ممر بعيد عن الطرقات التي أغرقها المطر الكئيب كبقية الأماكن؛ ممر يعيش أجواءً بعيدة كل البعد عن أصوات الأمطار وهمسات المارة وضحكات الأطفال، يلفّه صمت غريب، ويشعّ بهالة باردة قد يظن البعض أنها بوابة إلى العالم الآخر. ༒ ━━━━━ ༒وبينما كانت قطرات قليلة من المطر تتساقط في ذلك الممر، ترجّل شاب من سيارة سوداء لامعة وهو يمسك مظلة قاتمة. وقف لحظة يحلل بنظراته الثاقبة كل شبر من ممر ذلك الحي، من الجدران المتآكلة إلى الزوايا المعتمة، كمن يحفظ تفاصيل المكان قبل أن يخطو فيه. ولم يدم الأمر إلا دقائق حتى سمع شخ
أعزائي القرّاء، يؤسفني القول إن التغيير الذي أجريته على الحبكة لم يلقَ إعجابي، لذلك أعمل حاليًا على إعادة كتابتها من الصفر. وللعلم، ستبدأ الحكاية الأصلية قبل خمس سنوات من لقاء ليان بكايل، حيث سيلتقيان بالصدفة قبل وقوع مجزرة عائلته. لكن لقاءهما لن يكون سوى لحظة عابرة، وخلالها سيلتقط كايل صورة لها، إلا أنها ستختفي قبل أن تتاح له الفرصة لإعادتها إليها. وربما لاحظتم أنني ذكرت هذا الأمر سابقًا دون أن أوضح سبب حدوثه، وهو ما ستكشفه الأحداث لاحقًا. عندها ستتعرفون إلى شخصيات مثل أفراد عائلته، ودوافع ماري، بالإضافة إلى بعض الشخصيات الأخرى. أما ليان، فستكون كما تصورتها في حبكتي الأصلية، وسألتزم بالمسار الأول للحبكة؛ لأن التغييرات التي أجريتها لم تعجبني إطلاقًا، خاصة أنني حذفت العديد من الأحداث المهمة التي كان من المفترض أن أذكرها وأتطرق إليها. لذلك قررت العودة إلى الفكرة الأصلية والسير وفق الأحداث التي خططت لها منذ البداية.
الفصل مئة وستة سمعت ليان كلام ستيفن كله بتركيز تام، وألقت نظرة سريعة وثابتة على المسدس، ثم وجهت ضربتها الثالثة نحو لوحة الأهداف... لتستقر الطلقة هذه المرة في المنتصف تماماً بدقة متناهية! ثم همست بصوت خافت يعكس عمق تفكيرها: — هناك حلقة ناقصة في هذه القصة بأكملها... أو ربما تم تزييفها وتغيير حقائقها متعمداً أيضاً! وكايل... هو بالتأكيد يعلم ذلك جيداً، ولكنه يأبى أن يقولها أو يكشف حقيقتها لي. وبعد أن رأت الهدف مصاباً، قالت بتساؤل ورغبة واضحة في التعلم: — سيد ستيفن... هل يمكنني أن أطور مهارتي في القتال والرماية أكثر من ذلك؟ ليجيبها بعد أن تقدم أمامها بخطوات ثابتة وقال: — بالطبع، يمكنك ذلك بكل تأكيد. ثم مدّ يده والتقط مسدساً آخر من الطاولة، وأكمل بنبرة هادئة وواثقة: — اعلمي سيدتي أن الاشتباك الجسدي القريب ليس هو الحل دائماً؛ فالصياد المحترف لا يحتاج لأن يكون قريباً من هدفه لينقض عليه وينال منه! وبعدها، رفع السلاح بسرعة وبحركة خاطفة، ومن محاولة واحدة فقط أطلق النار ليصيب الهدف بدقة مذهلة.ونظرت ليان بسرعة إلى مكان الرصاصة فوجدتها إصابة فائقة ودقيقة في المنتصف تماماً، وقد حق
الفصل المئة وخمسة ثم نظرت إلى الشرفة، ونهضت من مكانها وقالت بحزم ونبرة واثقة:— ليس لدي وقت لطرح الأسئلة... يجب عليّ أن أتحرك الآن!ثم وجهت نظرها نحو الباب، وتوجَّهت إليه بخطواتٍ ثابتةوفتحته بمهل وحذر، وبدأت تراقب الممر يميناً ويساراً للتأكد من خلوه.حيث ظهرت عليها علامة من الارتباك الواضح على وجهها، لاسيما أنها كانت تخرج من غرفة كايل وكأنها لصّ في منتصف الليل لا كزوجة له!وبينما هي كذلك، إذا به يواتيها صوت مفاجئ من الخلف:— سيدتي...فانفجرت من شدة المفاجأة واستدارت بسرعة نحو مصدر الصوت، فإذا به ستيفن الواقف بهدوء تام، لترد وهي تلتقط أنفاسها المتسارعة:— آه!... لقد أفزعتني حقاً.ليقاطعها باحترام قائلاً:— أنا آسف جداً سيدتي...وعلى إثر ذلك، نظرت إليه فوجدت ملامحه عادية وهادئة تماماً، بينما كانت هي وحدها من تسيطر عليها مشاعر التوتر والارتباك. لتهمس في نفسها ببعض الحيرة:— لماذا أشعر بكل هذا التوتر أصلاً؟ كايل زوجي في النهاية!ثم تنحنحت بخفة واعتدلت في وقفتها قائلة:— بما أنك هنا يا ستيفن، أنا أريد الذهاب إلى قاعة الرماية... هل يمكنك مرافقتي؟ليجيبها باحترام:— حسناً يا سيدتي، تفضلي من







