LOGINكان مبنى الإدارة الجنائية يعج بالحركة.
ضباط يدخلون ويخرجون.
هواتف لا تتوقف.
ملفات تنتقل من يد إلى أخرى.
وفي زاوية المبنى، كان عدد من الصحفيين يحاولون الحصول على أي معلومة.
دخلت لبنى من الباب الرئيسي دون أن تنظر إلى أحد.
كانت تمشي بهدوء.
من يعرفها، يعرف أنها لا تحب الكلام.
ومن لا يعرفها، كان يظنها باردة.
وصلت إلى الطابق الثاني.
طرقت باب مكتب اللواء كامل.
“ادخلي.”
دخلت.
كان كامل يقف أمام لوحة كبيرة.
على اللوحة سبع صور.
ستة قديمة.
وواحدة جديدة.
رفعت لبنى عينيها.
“أجوميت.”
قال كامل:
“أيوه.”
تقدمت.
كانت الصور لضحايا سابقين.
رجل أعمال.
موظف في شركة كبيرة.
محاسب.
ضابط سابق.
صاحب مصنع.
وشخص سادس لم تكن تعرفه.
أما الصورة السابعة فكانت للرجل الذي قتل الليلة الماضية.
قال كامل:
“ستة قتلى خلال سبعة أشهر.”
“والآن السابع.”
“بالضبط.”
تأملت لبنى الصور طويلًا.
قالت:
“كلهم ماتوا بطريقة مختلفة.”
“لكن؟”
“البطاقة نفسها.”
كامل ابتسم.
“لهذا أنت هنا.”
التفتت إليه.
“أريد كل الملفات.”
“وصلت.”
“كلها؟”
“كلها.”
ناولها صندوقًا أسود.
قال:
“لكن عندي طلب.”
“إيه؟”
“لا تتعاملي مع القضية كأنها قضية قتل عادية.”
وضعت الصندوق على الطاولة.
“أنا عارفة.”
“لا.”
صمت كامل.
ثم قال:
“أنتِ مش فاهمة قصدي.”
فتحت لبنى الملف الأول.
كانت هناك صورة للضحية الرابعة.
قالت:
“قول.”
كامل اقترب من النافذة.
“أجوميت مش مجرد سفاح.”
رفعت رأسها.
“ماذا تقصد؟”
“الطريقة اللي بيختار بيها ضحاياه… مش عشوائية.”
“يعني؟”
“كل شخص من السبعة مرتبط بشيء حدث قبل خمسة عشر سنة.”
توقفت يد لبنى.
“ما هو؟”
كامل لم يرد فورًا.
سألته:
“إيه اللي حصل من خمسة عشر سنة؟”
نظر إليها.
ثم قال:
“كانت هناك قضية اسمها قضية 1749.”
تغير وجه لبنى قليلًا.
“1749؟”
“تعرفي الرقم؟”
“لا.”
أغلقت الملف.
“لكن واضح إنك مش بتقول كل حاجة.”
ضحك كامل بطريقة قصيرة.
“أنتِ لسه زي ما أنتِ.”
“وإنت لسه بتخبي.”
جلس خلف مكتبه.
ثم قال:
“أبوكِ كان محققًا.”
لبنى لم تتحرك.
“أعرف.”
“وكان يعمل على القضية.”
صمتت.
“إنت متأكد؟”
“أيوه.”
“وليه ما حدش قال لي؟”
رفع عينيه إليها.
“لأن الملف كان سري.”
“أبويا مات من سنين.”
“عارف.”
“وإنت كنت تعرف؟”
“أيوه.”
وقفت.
“ليه؟”
قال كامل:
“لأن حادث وفاة والدك ووالدتك لم يكن عاديًا.”
هذه المرة تغيرت ملامح لبنى.
تراجعت خطوة.
“إيه؟”
كان كامل ينظر إليها.
“الحادث الذي أخد والديك…”
صمت.
“كان مدبرًا.”
لم تتكلم لبنى.
لثوانٍ طويلة.
ثم قالت:
“مين؟”
قال كامل:
“لسه ما نعرفش.”
“لكن أنت قلت مدبر.”
“لأن الأدلة قالت كده.”
“إذن مين عمله؟”
“مش عارف.”
ضربت لبنى يدها على الطاولة.
“من خمسة عشر سنة وأنا فاكرة إنهم ماتوا في حادث!”
“كنتِ طفلة.”
“ودلوقتي؟”
صمت كامل.
قالت:
“دلوقتي أنا مش طفلة.”
اقتربت من المكتب.
“هات كل الملف.”
قال:
“سيكون عندك.”
أمسكت بالصندوق.
ثم استدارت.
قال كامل:
“لبنى.”
وقفت.
“في حاجة تانية.”
نظرت إليه.
“باجوميت يعرف إنك على القضية.”
توقفت.
“إزاي؟”
“ما أعرفش.”
قال كامل:
“لكن الليلة اللي فاتت وصلنا شيء.”
أعطاها ظرفًا.
فتحته.
صورة.
صورة لمبنى الإدارة.
وفي الصورة…
كانت لبنى نفسها.
قالت:
“إمتى اتصورت؟”
“الساعة الثانية صباحًا.”
نظرت إلى الصورة.
“أنت بتقول إنه كان بيراقب المبنى؟”
“أيوه.”
ثم قال:
“ويمكن كان بيراقبك أنتِ.”
خرجت لبنى من المكتب.
كان يوسف ينتظرها في الممر.
ابتسم.
“لسه زي ما أنتِ.”
قالت:
“وإنت لسه بتستنى عند أبواب الناس.”
ضحك.
“كامل قال لي أساعدك.”
“مش محتاجة.”
“عارف.”
“إذن؟”
“أنا محتاج خبرة في قضية كبيرة.”
نظرت إليه.
“دي مش لعبة.”
“عارف.”
“ممكن تتأذى.”
ابتسم.
“وأنتِ؟”
صمتت.
قال:
“أنتِ كمان.”
استدارت.
“العربية تحت.”
“إذن نروح.”
ابتسم يوسف.
“كنت متأكد.”
لكن قبل أن تتحرك…
رأت رجلًا يمر في نهاية الممر.
شابًا في قسم السجلات.
هدوء غريب.
وجه غير معبر.
نظر إليها لحظة.
ثم أكمل طريقه.
سألت:
“مين ده؟”
قال يوسف:
“باسم.”
“يشتغل هنا؟”
“في السجلات.”
نظرت إليه.
“غريب.”
“ليه؟”
“عينيه.”
“مالها؟”
“مش عارفة.”
ثم تابعت السير.
لكن باسم كان قد توقف في نهاية الممر.
وأخرج هاتفه.
كتب رسالة قصيرة:
“لبنى دخلت القضية.”
ثم أرسلها
بعد سنوات من الملاحقة والتحقيق أصبحت لبنى واحدة من أهم الشخصيات في جهاز التحقيق، ولم تعد تتعامل مع القضايا كمن يبحث عن مجرم واحد فقط، بل أصبحت ترى الصورة الكاملة؛ المال الذي يقود الجريمة، والخوف الذي يحميها، والسر الذي يجعل الضحية تصمت، والأشخاص الذين يعتقدون أن النفوذ يستطيع شراء الحقيقة. كان هذا التحول هو السبب الحقيقي وراء ترقيتها واستمرار ثقة القيادة بها، فقد أصبحت الآن نائب رئيس المحققين، والمسؤولة عن تدريب فرق جديدة واتخاذ قرارات يمكن أن تغير حياة عائلات كاملة.في أحد الأيام دخل رائد مكتبها وقال: «عندنا ملف جديد، ومحتاجينك تشوفيه بنفسك.»رفعت لبنى رأسها وقالت: «إيه اللي فيه؟»«جريمة سرقة مرتبطة بشركة كبيرة، بس في تفصيلة غريبة.»«فين الغرابة؟»«المكان قريب من المخزن الأسود.»توقفت للحظة، ثم أخذت الملف وقالت: «هنروح.»لم يكن في القضية قاتل متسلسل، ولا بطاقة موت، ولا قناع، بل كانت عملية سرقة مدبرة بعناية، وتمكنت لبنى من حلها خلال أيام، وعندما انتهت عادت إلى سيارتها ووجدت الطريق المؤدي إلى المخزن القديم قريبًا منها، فتوقفت للحظات أمام المبنى الذي كان يمثل بداية كل شيء.نزلت من السيا
بعد انتهاء قضية لوسيفر الأسود، كانت لبنى تعتقد أن حياتها ستعود إلى الهدوء الذي حلمت به، لكنها اكتشفت أن القضايا لا تتوقف، وأن نجاح المحقق يجعل الناس يرمون على مكتبه المزيد من الملفات، ومع ذلك كانت هذه المرة مختلفة؛ لأنها لم تعد تعمل كالمحققة الوحيدة التي تتحمل كل شيء، بل أصبحت جزءًا من قيادة القسم.جاءها قابيل صباحًا وقال: «اللجنة وافقت.»سألته: «على إيه؟»قال: «ترقيتك.»سكتت.«هتبقي نائب رئيس المحققين.»ابتسمت لبنى ابتسامة صغيرة.«كنت فاكرة إن ده آخر حاجة أفكر فيها.»«يمكن الحياة بتدينا حاجات بعد ما تخلينا ندفع تمنها.»قبلت المنصب، وأصبح مكتبها أكبر، ومسؤوليتها أثقل، ولم تعد مهمتها حل القضايا فقط، بل إدارة فرق كاملة، وتقييم المخاطر، وتوجيه المحققين الشباب، واتخاذ قرارات تؤثر في حياة أشخاص لا تعرفهم.في أول أسبوع جاءها محقق شاب وقال: «مدام لبنى، أنا محتاج رأيك في ملف.»نظرت إليه وقالت: «هات.»كان ملف سرقة وشكوك داخل مؤسسة مالية، وليس فيه أي شيء من رعب باجوميت أو لوسيفر، لكنها قرأته بالكامل، ثم قالت له: «أنت بتدور على السارق، بينما الملف بيدور على سبب السرقة، افتح الخط ده.»قال: «حاضر.
أثبتت السجلات أن مروان كان أحد الأشخاص الذين يعملون في محيط الشبكة القديمة، لكنه لم يكن عضوًا رسميًا، بل كان يشارك في نقل الأموال والملفات، وكان قد اختفى بعد سقوط مجموعة المقلدين مباشرة، ومع ذلك وجدت لبنى صورة له في ملف يخص حادثة المخزن الأسود الأولى، وكان يقف في الخلف، بعيدًا عن الجميع، ينظر إلى الكاميرا وكأنه يعرف أنه سيُرى في يوم من الأيام.ذهبت لبنى إلى المنزل القديم لعائلته، ووجدت أخته تعيش وحدها، وعندما سألتها عن مروان قالت لها إنه مات منذ سبع سنوات في حادث سير، لكن لبنى طلبت صورته، وعندما شاهدتها عرفت أن الرجل لم يكن هو نفسه الذي ظهر في الصورة القديمة.قالت: «أخوكي كان عنده ندبة هنا؟»أجابت المرأة: «لا.»قالت لبنى: «إذن الرجل اللي مات مش مروان.»أدركت أن هناك شخصًا تعمد صناعة وفاة مزيفة.عاد فريقها إلى السجلات، وبعد ساعات وجدوا أن شهادة الوفاة ظهرت من نفس الإدارة التي اختفى منها عدد من الملفات في قضية قديمة، وكان اسم الموظف المسؤول قريبًا من ملف لوسيفر.لكن قبل أن يصلوا إلى الحقيقة وصلهم بلاغ بجريمة جديدة، وكانت هذه المرة مختلفة؛ الضحية لم تكن من الشبكة، بل رجل عادي يعمل في ورش
وصلت لبنى إلى المخزن الأسود قبل منتصف الليل بقليل، وكانت السماء تغطيها سحب كثيفة، والهواء في الخارج يحمل رائحة الرطوبة، بينما بدا المبنى كما لو أنه لم يتحرك منذ السنوات الأولى للقضية، فقد بقيت بعض السلاسل معلقة في السقف، وظلت الجدران تحمل آثار الرصاص، وفي أحد الأركان كانت هناك العلامة القديمة التي جعلتها تتذكر أول ليلة رأت فيها باجوميت.دخلت ببطء وسلاحها في يدها، ونظرت إلى كل زاوية قبل أن تتقدم، لكن الهدوء كان كاملًا بطريقة غير طبيعية.قالت بصوت مرتفع: «أنا جيت، طلع.»جاءها صوت خشن: «كنت أعرف أنك ستأتين.»ظهر المقنع خلفها فجأة وضرب يدها، فسقط السلاح بعيدًا، ثم اندفع نحوها قبل أن تستعيد توازنها، وكانت المواجهة الأولى سريعة وعنيفة، إلا أن الرجل كان مدربًا بصورة واضحة، وكان يعرف نقاط ضعفها، ويهاجمها بطريقة تجعلها تتراجع باستمرار.صرخت: «أين نور وأنجي؟!»أجاب: «لا تهتمي بهما الآن، أنتِ وقعتِ في مصيدتي.»قالت: «من أنت؟ مقلد آخر؟»ضحك وقال: «أنا لست مقلدًا لأحد، أنا فريد من نوعي، وستدركين الآن أنكِ أصبحتِ داخل عالمي.»حاولت لبنى الهجوم مرة أخرى، لكن الرجل صد ضرباتها ودفعها إلى الأرض، ثم جره
مرت شهور طويلة منذ سقط آخر رجال عصابة المقلدين، ومنذ ظنت لبنى أن اسم باجوميت أصبح مجرد حكاية سوداء تنتمي إلى ماضٍ أُغلق أخيرًا، ومع ذلك لم تستطع أن تتخلص من الإحساس بأن بعض العيون ما زالت تراقبها، وأن كل خطوة تقوم بها في الشارع قد تكون محسوبة عليها من شخص لا يظهر في الصورة. كانت قد عادت إلى عملها بصورة هادئة، وكانت تستقبل القضايا اليومية، تراجع التقارير، تحضر الاجتماعات، وتغادر في المساء إلى شقتها حيث تحاول أن تعيش حياة طبيعية، لكن هاتفها ظل يزعجها من وقت إلى آخر برسائل مجهولة لا تحتوي إلا على صور بعيدة لها أمام مبنى التحقيقات أو وهي تخرج من متجر أو تجلس داخل سيارتها، وكان صاحب الرسائل يعرف متى تكون وحدها ومتى تكون مع فريقها، وكأنه لا يراقبها فقط، بل يدرسها.في صباح بارد دخلت لبنى مكتبها، وضعت الملفات على الطاولة، ثم أخرجت هاتفها لتكتشف رسالة جديدة تقول: «أنتِ أغلقتِ باب باجوميت، لكنكِ نسيتِ أن هناك من يملك المفتاح». بقيت تنظر إلى الشاشة طويلًا، ثم أغلقت الهاتف وقالت في داخلها إنها لن تسمح مرة أخرى لشخص مجهول بأن يحدد لها طريقة حياتها، وبعد دقائق دخل يوسف يحمل ملفات جديدة، وقال لها إن
في الجريمة الجديدة وجدوا رجلًا مقتولًا، لكن لا بطاقة هذه المرة، فقط قطعة معدنية على الأرض تشبه المفتاح الذي وجدته لبنى قديمًا، وعلى الجدار جملة: "لن تعرفي المالك حتى تعرفي البداية." كانت الجملة موجهة إليها بوضوح، ومع ذلك رفضت أن تتسرع، وطلبت من ريم تحليل الحبر ومن رائد مراجعة كاميرات المنطقة. ظهر رجل في التسجيلات يدخل المنطقة قبل الجريمة ويخرج بعدها بدقائق، لكنه لم يكن عاصم ولا هانور ولا أي شخص معروف. كانت ملامحه غير واضحة، لكن إحدى الكاميرات أظهرت أنه كان يحمل ملفًا أسود. قالت لبنى إن هذا ليس تقليدًا لباجوميت، بل شيء جديد يستخدم أثره فقط لجذب انتباهها. وفي نهاية اليوم وصلت رسالة: "أنتِ أصبحتِ نائبًا للرئيس، وأنا أصبحت شيئًا آخر." لم تفهم الجملة، لكنها أدركت أن الشخص الجديد يريد بناء علاقة خاصة معها مثل آدم، ولذلك قررت ألا تمنحه ذلك. قالت للفريق إنهم سيتعاملون مع القضية كأي قضية أخرى، بلا أسطورة وبلا خوف وبلا إعجاب بالقاتل، ثم أغلقت ملف باجوميت وأخرجت ملف الجريمة الجديدة. كانت هذه أول مرة تفعل ذلك دون أن تشعر أن أحدًا يسحبها إلى الماضيفي ليلة متأخرة، عادت لبنى إلى دفتر هارون للمرة ال







