تسجيل الدخولهل تذوقت يوماً طعم الصدمة؟ ذلك الشعور الضاري الذي يبدأ بذهول ومفاجأة، ويمر بإنكار مـُرّ، وينتهي بخذلان يفتت الروح، خاصةً إن كانت الطعنة قادمة من الشخص الذي يمثل لك الحياة بأسرها.كان هذا حرفياً هو الإعصار الذي يضرب وجدان "صبا" الآن. وقفت عاجزة عن الرد على كلمات "سليم" اللاذعة، والتي جرحت كبرياءها في مقتل. ألهذا الحد يحمل في قلبه حنقاً دفيناً تجاهها؟ ولماذا لم يخبرها بذلك من قبل؟ لقد رسمت في عقلها مئات المشاهد المشحونة لعلاقتها به؛ تخيلت شجارهما، بل تمنت لو يضمها بغيرة وتملك عاصف، لكن أن يجلدها بكلمات هو أكثر من يعلم أنها لن تحتملها.. فهذا كان أقصى وأقسى أنواع الانتقام.كانت الأفكار تعصف برأسها كالأمواج العاتية، بينما لم تشعر بدموعها الساخنة التي شقت طريقها فوق وجنتيها. أغمضت عينيها لتلوذ بالظلام، فلم ترَ نظرات الندم القاتل التي ارتسمت فجأة في عيون سليم وهو يعض على شفتيه، متمنياً لو يبتلع كلماته أو يختنق بها قبل أن يلفظها.تحدثت صبا بصوت متهدج مرتجف، وهي تحاول جمع شتات كرامتها:ـ "أنا هاخد روفي.. وأروح أقعد عند بابا شوية.. أعصابي تعبانة ومحتاجة أرتاح."شعرت بنغزة حادة في قلبه، ووبخ
لا يمكن لإنسان أن يلوي ذراع الزمن ليعود به إلى الوراء، سواء بسلطان العلم أو بخرافات السحر، حتى وإن كان كل ما يرجوه هو بتر حدثٍ معين من ذاكرته.أحياناً، تضعنا الحياة أمام معضلات لا تُجدي معها المسكنات المؤقتة، بل تتطلب حلولاً جذرية.. تتطلب شجاعة البدء من جديد، تنحية المخاوف والماضي جانباً، والارتماء في أحضان الحاضر لصناعة الغد.كانت "كيان" ما تزال غارقة بين أحضان "مالك" في مكتبه، حين اتخذت قرارها السري بأن تستمتع بكل ثانية تقضيها معه، متجاهلة أي قلق قادم. شعرت بأنامله التي تسللت بهدوء من تحت شالها، تداعب بشرة ظهرها العارية بحنوّ، فابتعدت عنه بارتباك أنثوي داهمها. في تلك اللحظة، وقعت عيناها على حاسوبه المحمول القابع فوق المكتب، فبرقت في رأسها فكرة استغلاله للبحث وراء موضوع "سهام".قطع حبل أفكارها صوت مالك الدافئ، وهو يهمس بنبرة تقطر حناناً:ـ "كيان.. ممكن أطلب منكِ طلب؟"نظرت إليه بعينين متسائلتين، فحاوط كتفيها بذراعيه مكملاً:ـ "عايزك تغيري الفستان ده، وتنسي كل الهدوم اللي في الشنطة فوق."قطبت جبينها بدهشة وقالت بتعجب:ـ "بس أنا ماعنديش بديل يا مالك،!" ثم ضيقت عينيها بريبة أفسدت صفو
أشرقت الشمس في صباح اليوم التالي، لتكسر بخيوطها الذهبية عتمة الغرفة، معلنةً عن ميلاد يوم جديد يغلي فوق صفيح ساخن من الأحداث. تململ "مالك" في نومه الخفيف، محاولاً الفكاك من أسر النعاس والاعتدال في جلسته، لكن ثقلاً دافئاً، محبباً ومربكاً، رابضاً فوق صدره، شلّ حركته تماماً.فتح عينيه ببطء، لتتسع حدقتاه بذهولٍ صاعق تغلغل إلى أعمق خلايا جسده؛ كانت "كيان" تتوسط صدره العاري، دافنةً جسمها الصغير بين أحضانه، في حين التفّت ذراعها الرقيقة بعفويةٍ آسرة حول عنقه.في ثوانٍ، اختلّت أنفاس مالك، واستيقظت رغبته الثائرة من مرقدها بعنف، وهو يستشعر لفحات أنفاسها الساخنة المنتظمة تضرب بشرة عنقه وصدره. حاول حبس أنفاسه، متلمساً طريقاً للتحرك والنهوض قبل أن تستيقظ، هرباً من حرجٍ داهم سيقتلهما معاً لو أدركت حقيقة وضعهما.. ولكن، ما زاد الطين بلة، وجعل آخر معاقل تحكمه تنهار، هو تلك الحركة العفوية الساحرة التي صدرت عنها؛ إذ تحركت كيان في نومها، ولفّت قدمها حول خصره، وكأنها تتشبث بأأمن ملاذ لها في الوجود.عند تلك النقطة، تلاشت آخر ذرة تماسك كان يتمسك بها مالك. غاب عقله تماماً، واحتجب المنطق، ولم يشعر بنفسه إل
في الصباح التالي، كان "مالك" و"أمجد" و"سيف" يجلسون في غرفة المكتب، تحفهم مشاعر متفاوتة تضطرب في الأثير؛ ما بين أملٍ حذر يداعب صدر مالك، وسعادة عفوية يشعر بها أمجد، وحزنٍ مكتوم يخيم على ملامح سيف الساهرة.بعد قليل، انكسر هذا الصمت بدخول "سهام" وهي تحمل صينية أنيقة تنبعث منها رائحة البن النفاذة، وضعت الفناجين أمامهم بابتسامة هادئة تود لو تذيب هذا الوجوم. مدّ مالك يده وأمسك بفنجانه، وما إن لامست الشريحة الدافئة باطن كفه، حتى استدعت ذاكرته على الفور رشفات قهوة كيان؛ تلك القهوة التي اشتاق لأيامها، واشتاق لجلستها وصحبتها التي كانت تملأ دنياه بالروح.وكأنها خرجت من رحم أفكاره في تلك اللحظة بالذات... التفتت عيناه تلقائياً نحو النافذة الكبيرة المطلة على الحديقة، فلمحها.كانت كيان تدلف إلى الحديقة برفقة الصغيرة "تاليا". كانت ترتدي فستاناً أبيض ناصعاً، تتماوج فوقه نقوشٌ زرقاء بلون البحر، فستاناً صيفياً رقيقاً بلا أكمام، ينتهي بحمالات رفيعة تُعقد خلف العنق، مما ترك جزءاً كبيراً من ظهرها مكشوفاً للهواء، وينساب الفستان بنعومة ليصل إلى ركبتيها.تسمرت نظرات مالك عليها، وما إن وقعت عيناه على الفس
مرّت ثلاثة أيام كاملة، والفيلا الساحلية تخضع لقانونٍ جديد صامت، قانونٍ خطّه "مالك" بنفسه بمدادٍ من صبرٍ مرير.لم يحاصرها. لم يطرق باب غرفتها ليلاً ليستجدي حديثاً، ولم يتعمد التواجد في ردهة المنزل إذا علم أن خطوتها قد تقودها إلى هناك. كان كالعطر الخشبي العتيق الذي يملأ الأركان؛ موجوداً بكثافة، لكنه غير ملموس. كان يراقبها من شرفة مكتبه وهي تجلس مع "تاليا" في الحديقة، يرى كيف انكمشت ضحكتها الصافية، وكيف أصبحت نظراتها تلتفت حولها بوجلٍ بين الحين والآخر، كعصفورٍ يخشى مباغتة الصياد. وكل التفاتة منها، كانت بمثابة طعنة نافذة في كبريائه، تذكره بما اقترفت يداه في لحظة طيش.في صباح اليوم الرابع، قرر مالك أن يبدأ خطواته الصامتة نحو ترميم ما انكسر.كانت كيان تجلس في بهو الفيلا، تحاول القراءة في كتابٍ لم تقلب صفحته الأولى منذ ساعة كاملة؛ فالكلمات كانت تمر أمام عينيها دون أن تصل إلى عقلها المشغول به. تناهت إلى مسامعها حركة أقدامه المألوفة، فتصلب جسدها فوراً بآلية دفاعية باتت تتقنها في حضوره. لكنها لم تجد حصاراً هذه المرة؛ بل رأته يمر من بعيد، واضعاً صندوقاً خشبياً صغيراً فوق الطاولة القريبة منها
داخل مكتبٍ جُهّز على أحدث طرازٍ عصريّ، حيث تتصدر الجدار شاشة عرض ضخمة للمؤتمرات المرئية تخبرك للوهلة الأولى أن صاحبها لا يفصل بين العمل والعطلة حتى وهو في قلب الإسكندرية الساحلية، كان "مالك" يجلس على مقعده الجلدي الوثير، وعيناه عالقتان بالفراغ.غادر "أمجد" الغرفة منذ دقائق، تاركاً خلفه إعصاراً من الغيرة يمزق صدر مالك؛ غيرةٌ لم يكن يعلم بوجودها أو بمدى شراستها من قبل. منذ أن رأى "كيان" بذلك الفستان الذي صبّ الزيت على نار رغبته قبل غيرته، وهو يشعر أنه فقد مقود التحكم في ذاته. يكفيه جنوناً أن "أمجد" رآها، وأن طاقم الحراسة المنتشر في أنحاء الفيلا قد حظي بلمحة من ذلك الجمال الفاتن.كانت فكرة أن العيون قد تتوجه نحوها تزيد من اشتعاله. انتفض من مقعده بخطوات غاضبة متعجلة، يخرج من المكتب باحثاً عن أي شيء يستر به ذلك الجسد الذي يراه ملكية خاصة ومقدسة له وحده. تذكر غرفتها وحقيبة ملابسها، لكنه تراجع؛ فمؤكداً أن "سها" اختلط عليها الأمر وظنت أن هذه الرحلة ما هي إلا شهر عسل، فلم تترك لها سوى ملابس تزيد الموقف تعقيداً.فجأة، وقعت عيناه على غطاء وثير مصنوع يدوياً بحنكة وممتد بإهمال على ظهر الأريكة
كان الهواء داخل مكتب "سيف" بالمعرض ثقيلًا، خانقًا، ومريبًا إلى الحد الذي جعل أنفاس "كيان" تتهدج في صدرها. وقفت متصلبة وعيناها تتسعان بذهول وقلق ينهشان هدوءها، وهي تتأمل ذلك الرجل القابع أمامها. ملامحه لم تكن غريبة فحسب، بل كانت تحمل آثار معركة حامية وطازجة؛ كدمات زرقاء، وخدوش متفرقة تشي بشجار عني
"ما أجمل ذلك اللقاء الذي يجمعك بمن تحب.. فهو ينسيك حنين الأمس، ويسرق من قلبك مخاوف الغد.. لكن احذر، فبعض اللقاءات تأتي محملة بالعواصف، لتبدد دفء الأمان في لحظة واحدة."لم تذق "صبا" طعم النوم في تلك الليلة؛ كانت تتقلب في فراشها وشريط ذكرياتها مع "سليم" يمر أمام عينيها كفيلم سينمائي طويل.انتظرت خي
في صباح اليوم التالي، وتحديداً داخل ذلك المكتب الأنيق المخصص لـ "سها" سكرتيرة مالك الجمال، كانت الأجواء مشحونة بهدوء غريب يسبق العواصف المعتادة في هذه الشركة.جلست "كيان" على مقعدها الجلدي بملل يكاد يخنق أنفاسها؛ فقد مرت ساعتان كاملتان وهي تقبع في مكانها كتمثال مهجور، دون أن تُكلف بمهمة واحدة تبرر
جلست "صبا" في ركن الغرفة كتمثال من رخام، عيناها شاخصتان نحو الفراغ، وعقلها يدور في حلقة مفرغة من الذهول. أيعقل؟ "سليم"؟ الرجل الذي اختصرت فيه العالم، وحاربت لأجله، يكون خائناً؟ انسابت دمعة حارة حررت معها غصة مكتومة في حلقها، وهي تستحضر شريط خمس سنوات من الحب الجارف الذي توج ببيت صغير ظنته دافئاً.







