Home / الرومانسية / كيان مالك / الفصل السابع

Share

الفصل السابع

Author: Dina Hammad
last update publish date: 2026-06-10 21:32:35

في صباح اليوم التالي، وتحديداً داخل ذلك المكتب الأنيق المخصص لـ "سها" سكرتيرة مالك الجمال، كانت الأجواء مشحونة بهدوء غريب يسبق العواصف المعتادة في هذه الشركة.

جلست "كيان" على مقعدها الجلدي بملل يكاد يخنق أنفاسها؛ فقد مرت ساعتان كاملتان وهي تقبع في مكانها كتمثال مهجور، دون أن تُكلف بمهمة واحدة تبرر وجودها. فـ "مالك" لم يعطها الى الان ذلك العقد اللعين المطلوب منها ترجمته. تطلعت بعينين ذابلتين إلى أكوام الأوراق والملفات التي تغرق فيها سها، وزفرت بضيق حارق وهي تطرق بأصابعها الصغيرة على مكتبها:

— هاتي يا سها شوية ورق أخلصه معاكي، بدل ما أنا قاعدة زي قتيل اللوكاندة كده وزهقانة والوقت مبيعديش!

التفتت إليها سها، وارتسمت على وجهها ابتسامة مجاملة باهتة، لكن عينيها كانتا تخفيان رعباً حقيقياً وغير مبرر وهي تجيب بارتباك ملحوظ وتجذب الملفات نحو صدرها كأنها تحمي كنزاً:

— لا معلش يا كيان.. تسلمي، أنا بحب أراجع وأتأكد من شغلي بنفسي.

شعرت كيان بوخز الإحراج يسري في عروقها؛ فكل ما ابتغته هو المساعدة وكسر حدة الوقت الراكد. انتبهت سها لملامح كيان التي انطفأت بغتة، فعضت على شفتها السفلى بندم، وحاولت تبرير موقفها بنبرة خفيضة أقرب للهمس:

— متزعليش مني يا كيان، بس مستر مالك في الشغل مبيسامحش نهائي في الغلطة.. وعينه بتلقط الهفوة والهمزة الطايرة. عشان كده بحب أضمن إن لو حصلت مشكلة، تبقى غلطتي أنا وأتحملها لوحدي، مش ناقصة رفد الله يخليكي.

ابتسمت لها كيان بتفهم، وقامت من مكانها تحاول تجديد طاقتها ونفض غبار الكسل عن جسدها:

— عادي يا سها ولا يهمك أنا فاهمة ده كويس.. بقولك إيه، أنا هقوم أعمل فنجان قهوة عشان بدأت أصدع ودماغي قفلت، أعملك معايا؟

حركت سها رأسها نفياً بنظرة تعجب واستغراب؛ فالشركة تعج بالعمال والسعاة المخصصين للمشروبات، والذين يتحركون بإشارة إصبع، لكن كيان كانت تصر دائماً على صنع قهوتها بيديها، وكأنها طقس مقدس لا يجوز لأحد تدنيسه.

دلفت كيان إلى المطبخ الصغير الملحق بجناح المدير؛ ورغم صغر مساحته، إلا أنه كان آية في الأناقة والحداثة، مزوداً بأحدث ماكينات صنع القهوة العالمية ذات الهيكل الفضي اللامع.

ابتسمت بعفوية وتجاهلت كل تلك التكنولوجيا المعقدة، وهي تتناول "كنكة" نحاسية صغيرة ذات مقبض خشبي عتيق، وبدأت تبحث عن علبة البن الخاص. وما إن فتحتها حتى انتشرت في الأجواء رائحة غنية، نفاذة، تزكم الأنوف وتنعش الروح.. رائحة مألوفة للغاية، هزت شيئاً في أعماقها، تشبه تماماً تلك الأنفاس الرجولية الساحرة التي تحيط بـ "مالك" في اجتماعاته الصباحية وتملأ ردهات المكان.

توقفت لثوانٍ مذهولة، مستوعبة أنها تفكر فيه وفي تفاصيله الدقيقة، ففضت الأفكار عن رأسها بحرج واحمرار طفيف يكسو وجنتيها، وألقمت البن في الماء ثم وضعته على نار هادئة تكاد لا تُرى. وما إن انتهت وصبت فنجانها السميك بـ "وش" مثالي، حتى عادت تختال برائحته الزكية إلى مكتب سها التي كانت ما تزال غارقة في تجهيز عقود وأوراق تحتاج لتوقيع رب عملها الذي لم يحضر بعد.

جلست كيان على المقعد المقابل للمكتب وهي تضع الفنجان على سطحه، ثم سألت بفضول أنثوي لم تستطع لجمه:

— قوليلي يا سو.. إنتي بتشتغلي مع مستر مالك بقالك قد إيه؟

نظرت سها للأعلى بتفكير، وهي تزيح خصلة سقطت على عينيها:

— ممم.. من حوالي سنتين تقريباً.

وضعت كيان كفها تحت ذقنها، واستندت بكوعها على المكتب قائلة بذهول طفولي وعينين متسعتين:

— وااو! واستحملتي تكملي معاه سنتين كاملين؟ شابو ليكي بجد.. ده أنا مبقاليش يومين هنا ونفسي أقدم استقالتي وأهرب!

ضحكت سها بخفة دون أن ترفع عينيها عن الأوراق:

— ليه بس يا كيان؟ ده حتى مستر مالك طيب جداً من جوه.. هو بس بيحب يدي الشغل حقه زيادة عن اللزوم، ومبيحبش التسيب والهرجلة.

هتفت كيان بصوت أقرب للصراخ المتعجب، ملوحة بيديها في الهواء:

— ده طيب ده؟! يا شيخة حرام عليكي، ده مبيعملش حاجة في يومه غير إنه يزعق ويكشر ويدي أوامر! ده أنا مشوفتوش ضحك غير مرة واحدة، وكانت غلطة تقريباً.

رفعت سها أنظارها فجأة نحو كيان، وكادت أن تنطق بكلمة لتردعها، لكن الكلمات تجمعت في حلقها وتجمدت ملامحها تماماً وتحول وجهها إلى اللون الأبيض كالموتى، ما إن أبصرت "مالك" يقف بكامل هيبته وشموخه، ببدلته السوداء الفاخرة التي تفصل جسده الرياضي، خلف مقعد كيان مباشرة.. وعلى ما يبدو، فقد كان واقفاً يستمع بإنصات وجفاء منذ دقائق!

أكملت كيان حديثها بحماس، غافلة تماماً عن نظرات سها التحذيرية وحركات عينها المستغيثة التي تكاد تخرج من محجريها:

— وأهو سي مستر مالك اللي بيحب يدي الشغل حقه، الساعة داخلة على حداشر وهو لسه مشرفش لحد دلوقتي! ياترى نايم ولا..

انتبهت كيان أخيراً لجمود سها ونظراتها الشاخصة نحو نقطة ما وراء ظهرها. ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت برعدة باردة تسري في جسدها. أخذت نفساً عميقاً وأخرجته على دفعات وهي تجلي صوتها بارتباك شديد تحاول تداركه:

— اللي أنا فهمته من وشك المرعوب ده صح.. واقف ورايا.. مش كده؟

أومأت سها برعب صامت، فأغلقت كيان عينيها بيأس شديد، داعية الله أن تنشق الأرض وتبتلعها قبل أن تمر هذه العاصفة. لم تكد تفتح عينيها حتى جلجل صوته الرخيم كالفحيح الحاد القريب جداً من أذنها، حاملاً نبرة سخرية وغضب مكتوم جعلت شعر رأسها يقف:

— قدامي على المكتب.. يلا!

وقبل أن تتحرك حركة واحدة، امتدت يده الطويلة ذات العروق البارزة وساعته الفاخرة، لتلتقط فنجان القهوة الساخن الذي أعدته كيان لنفسها . نظر للفنجان ثم وجه نظرة نارية حارقة نحو سها متسائلًا بغضب زلزل أركان الغرفة:

— أنا مش نبهت على الزفت اللي اسمه خالد ميت مرة إن قهوتي متتعملش بدري تاني عشان مبحبهاش باردة؟!

نظرت كيان للفنجان الذي بات في قبضة الأسد بحسرة مريرة، وأشفق عقلها على الساعي المسكين الذي قد يُقطع عيشه ويُشرد بسبب خطأ لم يرتكبه، فتحاملت على رعبها ودقات قلبها المتسارعة، ورسمت ابتسامة متوترة بلهاء قائلة:

— بس القهوة دي حضرتك.. دي بتاعتــ........

قاطعها بصيحة جهورية غاضبة اهتزت لها جدران المكان وجعلت سها تقفز من مقعدها:

— قولت على المكتب!

تحركت كيان أمامه بخطى سريعة مرتعشة وهي تنطق الشهادتين في سرها، وتتمتم بنبرة هامسة مسموعة وهي تبرطم بغيظ:

— اتطردت والحمد لله.. يلا، تبقى جت منه هو، بلا تحدي بلا بتاع.. أهي عيشة والسلام.

ما إن دلفت إلى مكتبه الشاسع الذي يطل على أفق المدينة من خلال واجهة زجاجية عملاقة، حتى أغلق الباب خلفها بقوة وعنف مفرط جعلها تجفل في مكانها وتلتفت إليه برعب.

وقف مالك يراقبها بجمود قاتل، يضع يداً في جيب بنطاله والأخرى تمسك بالفنجان، متأملاً إياها من رأسها حتى أخمص قدميها بنظرات فاحصة.

التمعت عيناه ببريق غامض ومثيـر وهو يرى هيئتها؛ كانت ترتدي قميصاً رقيقاً بلون الكشمير الناعم، بأكمام قصيرة تنتهي عند خصرها بربطة أنيقة تشبه شريط الهدايا، ينسدل تحته تنورة بنية كلاسيكية تصل لركبتيها بدقة. كانت تبدو فاتنة، رقيقة، وطفولية بشكل استفزه بعنف غير مفهوم..

لا يعلم لماذا اشتعلت غيرة عمياء في صدره وضاق بها، من مجرد فكرة أن يراها أحد من موظفي أو رجال الشركة بهذا المظهر الساحر.

بدأ يقترب منها بخطوات بطيئة، مدروسة ومثيرة للأعصاب كصياد يحيط بفريسته، بينما هي تأخذ أنفاساً عميقة متلاحقة محاولة تهدئة دقات قلبها المتمردة التي باتت تُسمع في صمت الغرفة.

تجاوزها مالك متجهاً نحو مقعده الجلد الوثير خلف مكتبه الضخم، وجلس ببرود وثقة ملوك، ثم رفع الفنجان وارتشف منه رشفة روتينية وهو ينظر إليها بعينين متكاسلتين. وفجأة، تيبست ملامحه؛ الطعم كان غريباً.. مميزاً.. غنياً بطريقة لم يعهدها من قبل في أي مكان في العالم! لم تكن مجرد قهوة، كانت مزيجاً من الحب والدفء والمهارة. أخذ يرتشف القهوة ببطء شديد واستمتاع جارف، مغمضاً عينيه لثوانٍ، متناسياً تماماً وجود تلك الواقفة أمامه تتجرع القلق وتنتظر حبل المشنقة.

لم تمر سوى دقيقة حتى طرقت سها الباب برعب، ووضعت بعض الملفات العاجلة، ثم نقلت نظرتها لكيان؛ نظرة تحمل كل معاني الشفقة والوداع الأخير، وخرجت سريعاً كأنها تهرب من حقل ألغام.

بعد إغلاق الباب، نقل مالك بصره ببطء إلى كيان التي بدأت تتململ من وقفتها الطويلة وتفرك يديها ببعضهما، وتحدث بنبرة هادئة للغاية، هدوءاً جعلها ترتاب وتتوجس:

— إنتي طبعاً فاكرة إني هطردك بعد الكلام اللي قولتيه بره؟

أومأت برأسها ببطء شديد، وبلعت ريقها وهمست بنبرة خافتة:

— أي حد طبيعي في مكانك هيعمل كده.. دي أقل حاجة.

انطلقت من مالك فجأة ضحكة قوية رجولية، رنت في أرجاء المكتب الواسع، فاجأتها لدرجة جعلت كيان تنظر إليه بذهول وكأنه كائن فضائي أخضر هبط للتو في المكتب. تلاشت ضحكته تدريجياً وحلت محلها ابتسامة غامضة مليئة بالتحدي وهو يقول بثقة هزت كيانها:

— ما هو أنا عشان مش زي أي حد.. ومش طبيعي في نظرك.. مش هطردك يا كيان.

تنفست الصعداء أخيراً، وشعرت براحة غمرت صدرها وظنت أن الأزمة مرت بسلام، لكن كلماته التالية طيرت تلك الراحة أدراج الرياح وجعلت عينيها تتسعان بصدمة أكبر:

— إنتي من هنا ورايح.. هتبقي المساعدة الشخصية بتاعتي... سواء نجحتي في اللي طلبته منك، أو فشلتي..

سألته كيان بتوجس شديد، مستنكرة هذا المسمى الوظيفي الجديد الذي هبط عليها من السماء:

— وهي دي.. حاجة كويسة وأفرح بيها، ولا لا؟

نظر لها مالك بعينين تلمعان بالسيطرة والتحدي، واقترب بجسده للأمام ساندًا مرفقيه على المكتب:

— فوق ما تتخيلي.. مميزاتها كتير جدا.

نظرت إليه بشك وريبة، لكنها أدركت بذكائها أنه لا مجال للاعتراض أو الجدال الآن فالأوراق كلها في يده. تحركت بجرأة وعفوية أذهلته، متجهة نحو أحد المقاعد الوثيرة أمام مكتبه وجلست بكل أريحية، واضعة حقيبتها جانباً، ضاربة بالرسميات والقواعد الصارمة عرض الحائط.

اندهش مالك من تلقائيتها التي لا تنتهي وتمردها العذب، وسألت وهي تسند ظهرها للمقعد وتنظر له بندية:

— وبتعمل إيه بقى المساعدة الشخصية دي إن شاء الله؟ ايه شغلتها؟.

قرر مالك التغاضي عن جلوسها دون إذن؛ فهي في النهاية ليست تلميذة مذنبة في مكتب الناظر. زفر بقوة وشرح لها بجدية عملية صارمة:

— ترتيب جدول مواعيدي بالدقيقة والثانية، تحضري معايا أي اجتماع وتكتبي كل الملاحظات الكبيرة والصغيرة، أي إيميلات أو خطابات رسمية بتجيلي تكون مسؤوليتك إنتي.. والأهم من كل ده، إني ألاقيكي على شمالي ويميني. من الآخر يا كيان.. هتبقي معايا زي ضلي، منين ما أروح تروحي، خطوتك بخطوتي.

أنهى كلماته وارتسمت على وجهه ابتسامة مستفزة مستمتعة بملامحها النقمة، فعلقت بتهكم لاذع وهي ترفع حاجبها:

— مستر مالك.. ده مش فاضل غير إني أظبط مواعيد نومك وصحيانك بالمرة! وأغطيك وأنت نايم!

نظر إليها باستخفاف، ولم يجب على وقاحتها المحببة لقلبه. وفي تلك اللحظة بالذات، داهم كيان ذلك الصداع الشديد مجدداً بعنف، فأغمضت عينيها بألم وضغطت بإصبعيها أعلى أنفها بقوة.

تسلل القلق سريعاً إلى ملامح مالك الصارمة، وظهر جلياً في نبرة صوته التي تحولت إلى نغمة دافئة داكنة:

— مالك يا كيان؟ فيه إيه؟ مال وشك اتقلب ليه؟

أخذت تدلك جبهتها بإرهاق وعيناها مغلقتان:

— مشربتش قهوتي النهاردة خالص من الصبح.. والصداع هيفرتك دماغي نصين.

هتف باندهاش وتعجب، عاقداً حاجبيه:

— ما إنتي موجودة من بدري بره! مطلبتيش من حد يعملك فنجان ليه؟

نظرت إليه بعينين متعبتين ذابلتين، ونبرة لوم وعتاب واضحة:

— مبحبش أشرب قهوة غير اللي بعملها بإيدي.. وبطريقتي. وأنا عملت فعلاً يا مستر مالك وكنت لسه هسمي وأشربها..

ثم وجهت نظرات حزينة ومتحسرة للغاية إلى الفنجان الفارغ الذي يقبع أمامه على المكتب، وأكملت بنبرة درامية مضحكة:

— بس خلاص.. ذهبت مع الريح في بطن المدير!.

كادت أن تفلت منه ضحكة قوية صاخبة من طريقتها الدرامية المستكينة المستسلمة. التقت نظراتهما في صمت ساحر، فابتسمت كيان بخفة؛ كانت دائماً وأبداً تحاول تلطيف الأجواء المشحونة بينهما، لتلمح فقط تلك الابتسامة التي تغير ملامحه القاسية إلى وسامة تذيب القلوب. لم تكن تملك أي تفسير منطقي لشوقها الغريب لرؤيته يبتسم، ولا لسبب الراحة والأمان اللذين يغمران روحها عندما تكون هي السبب في رسم تلك الابتسامة على ثغره.

أما هو، فقد نقل نظراته إلى الفنجان الفارغ، وكان طعم قهوتها الساحر ما يزال عالقاً بين شفتيه كالشهد. طالما استعجب في ماضيه وسخر من الشعراء الذين يكتبون قصائد ودواوين في عشق القهوة وتفاصيلها، ولكنه الآن، ولأول مرة في حياته، تذوق المعنى الحقيقي وفهم السبب؛ لقد تملكه طعم صنع يديها، وبات أسيراً له من رشفة واحدة.

استفاق مالك من شروده على صوت كيان وهي تستقيم واقفة وتعدل حقيبتها:

— أنا هروح المطبخ أعمل فنجان تاني عشان أفوق وأركز، وأجي أشوف موضوع المساعدة الشخصية ده.

وقبل أن تضع يدها على مقبض الباب لتفتحه، باغتتها نبرته الآمرة، لكنها كانت نبرة لطيفة تحمل دلالاً خفياً:

— واضح إنك الوحيدة اللي بتعرف تعمل قهوة تتشرب في المكان ده… من النهاردة قهوتي عليكي يا كيان. اعتبري دي أول مهمة رسمية ليكي كمساعدة شخصة

التفتت إليه باندهاش وصدمة عارمة، تحولت في ثوانٍ إلى غيظ شديد وتذمر؛ ضربت الأرض بقدمها بطفولية غاضبة كالأطفال، وخرجت وصفقت الباب خلفها خفيفاً، تاركة إياه خلفها مستنداً إلى مقعده، مبعثراً بمشاعر دافئة وجديدة كلياً، مشاعر لم يألفها قلبه القاسي من قبل وتسللت إليه عنوة.

بعد مرور أكثر من ساعة ونصف، كان مالك يجلس غارقاً في مراجعة بعض الميزانيات والأرقام المعقدة، لكن عقله كان في مكان آخر تماماً، بعيداً عن الأرقام والصفقات. لاحظ تأخر كيان غير الطبيعي؛ فعمل فنجان قهوة لا يستغرق كل هذا الوقت. بدأ القلق والتوتر ينهشان صدره.

كاد أن يرفع سماعة الهاتف الداخلي بيأس ليأمر سها بالبحث عنها لكن طرقات خفيفة ومميزة على الباب– بات يحفظ إيقاعها الهادئ ويميزه عن غيره– طمأنت قلبه الثائر وأعادت إليه سكينته.

أذن لها بالدخول بصوت جهوري، فدلفت كيان بخطى وئيدة هادئة وهي تحمل ملفاً في يدها. رفع مالك حاجبًا ونظر بسخط وضيق إلى ساعة يده الذهبية قائلاً بنبرة حاسمة وصارمة:

— ساعة و43 دقيقة بالتمام والكمال! بتعملي فيهم فنجان قهوة وبتشربيها؟ إنتي فاكرة نفسك في فسحة يا هانم؟ انتي ناسية ان بيننا اتفاق والوقت مش ف صالحك، والعقد لازم يترجم؟

نظرت كيان في جميع الاتجاهات، تتحاشى تلاقي الأعين معه لعلمها بجرمها، ثم أخذت نفساً عميقاً وقالت بتوتر وتلعثم:

— أنا.. أنا آسفة جداً على التأخير يا مستر مالك.. بس وأنا بره، شوفتهم في القسم الهندسي محتاسين وعندهم تسليم، فكنت بساعدهم في كتابة وصياغة شوية تقارير فنية بالانجلش، والموضوع خد وقت غصب عني.

قطب جبينه بحدة بالغة، واشتعلت عيناه بشرارات الغضب، ونظر إلى ملابسها وجسدها مجدداً بريبة وغيظ مكتوم كاد ينفجر، قبل أن يسأل بصوت رجولي جهوري أرعبها:

— بتساعدي مين؟

أغلقت عينيها بقوة والقت بالكلمات دفعة واحدة لتتخلص من الموقف:

— في القسم الهندسي! مع البشمهندسين!

تغيرت تعابير وجه مالك تماماً، وانمحت الصرامة العملية لتحل محلها غيرة همجية، وعض على شفته من شدة الغيظ؛ فالقسم الهندسي يعج بالمهندسين الشباب والعمال المتطلعين. وعندما طال صمته القاتل، فتحت كيان عيناً واحدة بتوجس، لتجده يحدق فيها بنظرات مبهمة، حادة ومخيفة للغاية، وسألها فجأة بلا مقدمات وبنبرة خشنة:

— إنتي كنتِ تحت وسط المهندسين والرجالة بلبسك ده؟!

رمشت كيان عدة مرات مستغربة من سؤاله وخروجه عن سياق العمل، وكادت أن تسأله ببراءة ما يعيب ملابسها، حين تابع هو بخشونة وغيرة عمياء حاول مداراتها يائساً خلف قناع قواعد العمل:

— أنا قايلك إيه قبل كده على لبسك ومظهرك في الشركة دي؟

أخذ منها الأمر ثوانٍ لتفهم مغزى حديثه وتستوعب سر غضبه، ورفعت عينيها للأعلى تفكر إن كان قد تحدث معها سابقاً، لكن دون جدوى، ثم قطبت جبينها قائلة بتحدٍ وعناد:

— مش فاكرة إن حضرتك اتكلمت معايا قبل كده في الموضوع ده أصلاً! وبعدين ماله لبسي؟

رفع حاجبيه متأملاً إياها بحدة تخترقها، ثم أومأ برأسه وقال بنبرة قاطعة جافة لا تقبل النقاش أو المراجعة:

— طيب.. ياريت لبسك ده متجيش بيه الشغل هنا تاني.. اللبس العملي، والبدل الرسمية هنا أفضل بكتير للشركة وللشغل. مفهوم؟

نظرت إلى ما ترتديه باستنكار، ثم نظرت إليه مجدداً وقالت بنبرة ندية لا تخلو من التحدي والمواجهة:

— ويا ترى بقى الأوامر والتحكّمات دي بتنطبق على باقي الموظفات والبنات في الشركة.. ولا عليا أنا بس؟ إيه مشكلة لبسي أنا مش فاهمة،

وقبل أن يجيبها مالك ويفرغ شحنة غضبه، طرقت سها الباب بلهفة وأدخلت رأسها تبلغهما بإنقاذ:

— مستر مالك.. سيف بيه وصل بره وعايز يدخل فوراً.

تهللت أسارير كيان فوراً فور سماع الاسم، وارتسمت على وجهها فرحة عفوية طفولية بقدوم ذلك الصديق اللطيف الذي يملك روحاً مرحة، وهو أمر وميض لم يفت على عين مالك المراقبة كالصقر؛ فاشتعلت نيرانه الداخلية غيرةً وحقداً أكثر. ضغط على قلمه بقوة وطلب من سها بإشارة جافة:

— دخليه فوراً يا سها.

دخل سيف ببدلته الرمادية الأنيقة وابتسامته الجذابة المعتادة التي تنشر البهجة، وما إن أبصر كيان واقفة حتى تهلل وجهه وقال مازحاً ومرحباً:

— إيه ده، كيان هنا؟ إنتي مش في المعرض ليه يا بنتي؟ مش إنتي المديرة هناك برضه ولا أنا متهيألي؟

وأنهى كلماته بغمزة لعوبة مرحة من عينه. وقبل أن تفتح كيان فمها لترد وتبادله المزاح، جاء الجواب قاطعاً، حاداً وعنيفاً من مالك الذي وقف من خلف مكتبه ليفرض سيطرته:

— كيان شغلها الأساسي هنا في الشركة .. المعرض ده كان مجرد ظرف طارئ وانتهى وخلاص!

التفت إليه سيف بنظرة فاحصة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ذات مغزى عميق ذكي، فهمها مالك جيداً وقرأ ما وراءها من خبث، فتهرب الأخير بنظراته سريعاً وحمحم بجدية يحاول استعادة وقاره وهيبته كرئيس مجلس إدارة، وسأله سيف ليخرجه من الحرج بلهجة عملية:

— المهم.. خلصت موضوع بوليصة التأمين مع القسم القانوني؟ ومحضر الشرطة بتاع الحريقة خلص؟

أومأ له مالك بجدية، وعاد التفكير بالعمل يطغى على ملامحه قبل أن يجيبه بصوت قلق:

— مكنش هيجيلي نوم غير لما أبرأ نفسي والشركة .. أنا كل خوفي وشغلي الشاغل دلوقتي إن الموضوع يوصل للصحافة والجرايد ، لإن السمعة لو اتهزت في السوق والبورصة، اسم الشركة هيبقى في الحضيض وهنخسر كل حاجة.

قطبت كيان جبينها وهي تستمع باهتمام دقيق لحديثهما الفني، ودارت عجلاتها الفكرية بسرعة البرق، وبدأت تربط الخيوط ببعضها حتى التمعت في رأسها فكرة بدت لها ذكية جداً وعبقرية رغم بساطتها الشديدة. تحدثت فجأة بحماس واضح ونبرة قوية خطفت أنظار وعقول الرجلين:

— مستر مالك.. وإحنا ليه نقعد حاطين إيدنا على خدنا ونستني نشوف الصحافة هتعمل إيه وتكتب عننا إيه؟ إحنا نهاجم الأول!

نظر لها مالك باهتمام حقيقي وعينين تلمعان بالفضول:

— يعني إيه؟ وضحّي كلامك.

أكملت بثقة وثبات، ملوحة بملفها:

— إحنا نعمل حفلة كبيرة، ضخمة جداً في فندق فخم من الفنادق العريقة، بمناسبة نجاحات الشركة الأخيرة والصفقات المليونية اللي تمت.. وقتها الصحفيين والإعلام هما اللي هيجروا ورانا وييجوا لحد عندنا عشان يغطوا الحدث، وساعتها إحنا اللي هنمليهم الشروط ونخليهم يكتبوا الأخبار بالطريقة اللي تخدم مصلحتنا، وتغطي على موضوع الحريقة تماماً ونظهر في موقف قوة وفخر كمان قدام الألمان! وبدل ما نبقى متهمين، نبقى أبطال السوق.

اتسعت عينا سيف بإعجاب شديد بالفكرة، بينما نظر إليها مالك بنظرة طويلة غريبة، مزيج من الفخر والدهشة بذكائها الذي فاق توقعاته.

*****************

على الجانب الآخر من العاصمة الصاخبة، وفي أحد النوادي الرياضية الراقية والعتيقة بمصر، والتي لا يرتادها سوى من يطلق عليهم "صفوة المجتمع" وكبار رجال الأعمال والعائلات الأرستقراطية، كانت الأجواء تضج بالرفاهية المفرطة والحديث عن المظاهر.

على طاولة خشبية بيضاء تطل مباشرة على ملاعب التنس الخضراء الشاسعة، جلست "شاهندة الجيار" مع ثلة من صديقاتها من بنات العائلات الثرية. كانت شاهندة ترتدي زياً رياضياً أبيضاً قصيراً ومثيراً للغاية خاصاً برياضة التنس، وشعرها مصبوغ بلون ذهبي فاقع ليعادل أشعة الشمس في لونه وسطوعه، بينما تضع في عينيها عدسات لاصقة باللون الأخضر العشبي الفاتح.. كان من الواضح جداً لكل من يراها من المارة أنها تستميت وتجتهد لتظهر بمظهر الفتاة الشقراء الأوروبية، متبرئة من ملامحها الشرقية.

كانت شاهندة تمسك بكوب العصير الطازج الكريستالي، ترتشف منه بملل ودلال، عندما التقطت أذنها فجأة حديث صديقاتها الجانبي عن أحد رجال الأعمال الشباب، من الذين صعد نجمهم بسرعة الصاروخ في الآونة الأخيرة وذاع صيتهم في عالم المال والأعمال بقوة.

انتبهت أكثر للحديث، وتوسعت عيناها بفضول أنثوي جشع عندما ذكرت إحداهن بهمس أنه "عازب" حتى الآن، ولم يتزوج بعد رغم تهافت الفتيات عليه. نظرت إليهن وهي تتصنع عدم الاهتمام وتعدل نظارتها، وهزت كتفها بدلال وغطرسة:

— إنتوا عمالين تتكلموا وتوشوشوا من الصبح.. بتتكلموا عن مين بالظبط وشاغلين بالكم بيه؟

أجابتها صديقتها "سوما" باندهاش عارم من جهلها:

— عن مالك الجمال يا شاهي! معقولة ما تعرفيهوش ولا سمعتي عنه؟ ده مصر كلها بتتكلم عنه وعن صفقاته، ده أنا حتى سامعة إن باباكي داخل معاه في كذا مشروع وشراكة ضخمة اليومين دول.

قطبت شاهندة جبينها بتفكير، وحاولت استرجاع الاسم، ثم تحدثت بلا مبالاة مصطنعة تليق بكبريائها الأجوف:

— مالك الجمال؟ لأ مسمعتش الاسم ده خالص قبل كده ، ولا حتى سمعت دادي بيجيب سيرته في البيت.. تلاقيه من الأغنياء الجداد.

صمتت لثوانٍ، قبل أن ترتسم على شفتيها المصبوغتين باللون الوردي ابتماسية مغرورة وواثقة؛ فقد اعتادت طوال حياتها ألا يستعصي عليها أي رجل تضعه في رأسها. قالت لهن بغطرسة وثقة عمياء:

— طيب اصبروا عليا كده.. ندور على سي مالك ده في السوشيال ميديا ونشوف يطلع إيه كمان وبتاع إيه، ونشوف يسوى ولا لأ.

أخرجت شاهندة هاتفها من أحدث طراز مرصع بالفصوص، وكتبت اسمه بالإنجليزية في محرك البحث. وخلال ثوانٍ معدودة، ظهرت أمامها صورته الشخصية الرسمية في أحد المؤتمرات الاقتصادية الدولية..

تيبست أصابعها فجأة، وجفت الكلمات في حلقها، وظلت تحدق في شاشة الهاتف بذهول صامت وإعجاب حقيقي لم تستطع إخفاءه. كان رجلاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ وسيم للغاية، ذو ملامح حادة، رجولية وقوية، وعينين سوداوين تشعان نفوذاً، ذكاءً وثقة تامة، وجسد رياضي ممشوق تبرزه حلته الرسمية الفخمة.

أخذت تداعب خصلة من شعرها الذهبي المستعار وهي تفكر في سرها بنهم: *«ده أكتر من مناسب ليا كزوج.. واجهة اجتماعية تشرف، منصب، فلوس ملهاش أول من آخر، وقبل كل ده راجل يملى العين وشخصيته تقيلة تبهر أي حد من غير ما ينطق كلمة واحدة.. ده بتاعي أنا.»*

استفاقت من أحلام يقظتها وخططها المستقبلية على صوت سوما الساخرة وهي تلمح تركيزها الشديد في الشاشة:

— إيه يا شاهي؟ رحتي فين؟ إيه اللي واخد عقلك وفكرك يا جميل؟

نظرت سوما لشاشة الهاتف الجانبية وضحكت بخبث واكتشاف:

— أوبااا.. إيه خلاص؟ عجبك السنيور؟ هيبقى هو ده هدفك الجديد اللي هتلعبي عليه ولا إيه؟

نظرت إليها شاهندة بتكبر واستعلاء شديدين، وشزرتها بضيق وهي تتأفف:

— خليكي في حالك يا سوما ومتدخليش في اللي مالكيش فيه .. وبعدين بكرة تشوفوا كلكم، إن مكنتش أخليه هو اللي يتجنن عليا ويحفى ورايا ويجري ورا ظلي عشان بس أبص في وشه ويطلب إيدي من دادي.. مبقاش أنا شاهندة الجيار! الرجالة دول لعبتي.

قامت من مكانها فجأة بحركة درامية وهي تلملم حقيبتها الفاخرة وأغراضها وتعدل ملابسها، ثم ارتدت نظارتها الشمسية السوداء الكبيرة قائلة بتعجل مصطنع:

— أنا هقوم أروح آخد شاور سريع وأمشي، لاني حاجزة في سبا جديد لسه فاتح في شرم ولازم أسافر بالطيارة حالا كفاية تأخير عشان يادوب ألحق .. باي يا بنات، أشوفكم الأسبوع الجاي.

سألتها سوما بلهفة وخيبة أمل وهي تنظر للطاولات:

— طب والغدا يا شاهي؟ الأكل نازل حالا واحنا ميتين من الجوع!

نظرت شاهي إلى ساعتها الفاخرة وقالت بكبر وغرور:

— مفيش وقت بقى يا سوما.. وعموماً الحساب مدفوع بالفيزا بتاعتي وأنا عزماكم كلكم مفيش مشكلة.. يالا باي.

وما إن ابتعدت شاهندة بخطواتها المتعجرفة تتهادى بمشيتها، حتى لوحت سوما بيدها في الهواء خلفها، وتابعت بتهكم وحقد لاذع بان على ملامحها:

— إبقي قابليني يا شاهندة لو عبرك أو بص في وشك المصبوغ ده أصلاً.. ده مالك الجمال راجل تَقيل ومش بيمشي ورا المظاهر الفارغة دي والبنات البلاستيك.

أجابتها صديقة أخرى كانت تجلس معهن بهدوء، تضع أحمر الشفاه بغيرة واضحة وهي تأكل من المقبلات:

— إنتي هبلة يا بنتي ولا إيه؟ لو دي مبصلهاش أومال مين اللي هيتبصلها؟ دي شاهندة الجيار.. مال، وجمال، وأصل،. وأبوها مستثمر كبير والكل بيعمله حساب.

لوت سوما شفتيها بحقد دفين وقالت بخفوت ونبرة سامة:

— جمال إيه يا بنتي حرام عليكي؟ ده كله عمليات تجميل وفيلر ومكياج ومزيف.. مفيش فتفوتة فيها طبيعية! شوفي صورها القديمة وانتي تتخضي.

أجابتها الصديقة بتأكيد وهي تهز رأسها بيأس من حقد سوما:

— بس لايق عليها ومخليها زي النجمات برضه، والرجالة بتموت في النفخ والنوع ده.. سيبك منها وخلينا ناكل.

صمتت سوما ووجهت نظراتها المغلولة الغاضبة نحو أطباق الطعام الفاخرة التي بدأ النادل في تقديمها على الطاولة، وبدأت تأكل بنهم وعنف، لتفرغ شحنة حقدها وغيظها الدفين من ثراء شاهندة في الطعام.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • كيان مالك   الثالث والستون(الاخير)

    يأتي كلٌّ منا إلى هذه الحياة مضطراً، ويعيش فيها متحيراً بـما يمر به من لحظات سعيدة ترفع خطاه نحو السماء، ولحظات موجعة تطحن روحه حد الألم، ويرحل عنها كارهًا؛ فـالحياة مليئة بـالآلام، ولكن سرورها أبهى وأكبر من وجعها.وأفضل ما يقوم به الإنسان لـنفسه، هو أن يرسم لـحياته جسراً من الأمل فوق طريق اليأس والإحباط؛ فـمهما كان الأمس مليئاً بـالمصاعب والأوجاع، ومهما كان الغد مثقلاً بـالمخاوف.. فلا بد وأن تستمر الحياة.​في صباح اليوم التالي، وتطبيقاً لـكلمة "مالك" الصارمة النبيلة، تجمعت العائلات في قصر مالك المنيف. كان قد أشرف بـنفسه على إعداد الجناح الخاص بـكل زوجين وتأمين كافة وسائل الراحة.​مرت الأيام عليهم بـسعادة بالغة وطمأنينة افتقدوها طويلًا. كان القصر يعج بـالاهتمام المتبادل، ولا سيما من مالك، الذي تحول عشقُه لـكيان إلى طقس يومي صارم؛ فـكان يستيقظ ليلاً بـذعر، لـيجلس بـجوارها يتأمل ملامحها المسترخية، يتأكد من وجودها بـين يديه كأنه ما زال يخشى أن يكون كل هذا حلمًا يتبدد بـشروق الشمس.​ولم يسمح لها بـأن تلمس الأرض بـقدميها بـتاتاً؛ فـإذا أرادت الاستحمام، حملها بـرفق أسطوري داخل ذراعيه في حوض

  • كيان مالك   الاثنان والستون

    ربما تكون المفاجآت غير المتوقعة هي الأكثر عمقاً وتأثيراً في صياغة العلاقات الإنسانية؛ وإذا كان الرابط الذي يجمع بين قلبين عاطفياً بـامتياز، غدت المشاعر الناتجة عن تلك المفاجأة أشبه بـإعصار يجرف أمامه كل السدود المعتمة. فالصلات الحقيقية لا تُقاس أبداً بـكمية الأيام أو طول العشرة، إنما تُقاس بـجميل الأثر وعفوية المواقف الخالدة. وكم من معرفةٍ قصيرة المدى، غدت بـصدقها وهدوئها أنقى بـمراحل من أطول صلات تفتقر للأمان.كانت "كيان" تجلس في الحديقة الخلفية لـقصرهم المنيف، تستند بـظهرها إلى المقعد الخشبي المريح وهي ترتشف بـبطء مشروبها المفضل؛ قهوتها الصباحية التي أصبحت تشتهيها بـشكل جنوني مع تطور أشهر حملها، رغماً عن أوامر "مالك" الصارمة وتقييده لـكمية الكافيين اليومية خوفاً على صحتها. تنهدت بـشجن، وعادت بـذاكرتها إلى أسبوع مضى، حين ودعت ولديها "أدهم" و"آسر" عند بوابة المنزل، وهي توصيهما بـملامح باكية وبـأن ينتبها لـدروسهما جيدا. تذكرت كيف مال مالك عليها وقتها، طابعاً قبلة دافئة استقرت فوق جبهتها لـيمتص لوعة فراقها وهو يهمس:> ـ "أنا هروح بنفسي أوصلهم لحد البيت وهتأكد إن كل حاجة تمام وراجعلك عل

  • كيان مالك   الواحد والستون

    اصطفت سيارة "مالك" الفارهة بـانسيابية أمام المدخل الرخامي لـواحد من أفخم فنادق القاهرة الكبرى بـنجومه السبع. ترجل مالك بـكامل هيبته ووسامته، لـيدور ويفتح الباب لـزوجته، محاوطاً خصرها بـعشق وتملك، بـينما كان الأطفال يتحركون أمامهم بـأدب ومرح بـاتجاه قاعة الاحتفالات الكبرى، حيث يُقام حفل زفاف "سها" سكرتيرته الوفية.​نظرت "كيان" إلى لافتة الترحيب الضخمة، ثم التفتت لـزوجها بـابتسامة تفيض عذوبة وقالت بـمحبة:ـ "لفتة لطيفة منك أوي يا مالك إنك تعمل الفرح كله هدية لـسها.. أنت بجد فرحت قلبها."التمعت عيناه الرماديتان بـمزاح دافئ وهو يميل نحوها:ـ "دي المرة المليون اللي تشكري فيا وفي حاجة عملتها النهاردة.. أنا كده ممكن اتغر عليكي وافتري!"مالت فوق كتفه بـدلال ساحر، وهمست بـجوار أذنه بـأنفاس لفحت عنقه:ـ "اتغر براحتك يا قلب كيان.. أنت تستاهل أكتر من كده بكتير."​دلفوا إلى القاعة، وفوراً تصوبّت الأنظار نحوهم؛ مزيج من الفضول والانبهار بـهذه العائلة الخاطفة للأنفاس. تملكت مالك غيرة شرسة كـالعادة، رغم أنه أشرف بـنفسه على اختيار فستانها؛ فستان أسود طويل محتشم ذو أكمام واسعة بـلا فتحات، يزينه حزام فضي

  • كيان مالك   الستون

    خمس ساعات كاملة مّرت كـأنها دهرٌ سرمدي لا ينقضي، لم يتحرك "مالك" قيد أنملة من أمام لوح الزجاج الصقيل لـغرفة العناية المركزة، وعيناه معلقتان بـعقارب الساعة الجدارية، بـينما صدره يختلج بـخوفٍ عاتٍ يرفض الكبرياء أن يزحزحه. كان يتأمل الجسد الهامد لـ "كيان" بـالداخل، ويتمنى لو كان بـإمكانه مقايضة الأنفاس لـيرقد مكانها وتتنفس هي الأمان. ​في تلك الساعات الطويلة، انفتح بـوجدان مالك شريط الذكريات السوداء؛ جلد ذاته بـلا هوادة وهو يتذكر أول لقاءٍ جمع بينهما. كم كان قاسي القلب، جاف المشاعر! كلما تحركت جوانحه نحوها، كان يعاملها بـخشونة مفرطة لـيداري خلفها حقيقته الضعيفة أمام عينيها، تذكّر كيف لوى ذراعها ذات يوم بذلك العقد والشرط الجزائي الذي تعجز عن سداده، وكيف كان يصب جام غضبه عليها كلما تملكه الخوف من خسارتها، لكنها في المقابل، ماذا فعلت؟ أنقذته من حبل السجن حين أوشكت الشرطة على اقتياده، احتوته في ذروة جنونه، بادلته عشقاً خالصاً حين ملكت أمره، سامحته على الأذى، وتفهمت ظنونه السوداء وشكه المريض، وها هي الآن، ترقد بـين يد الخالق بـسبب طيش أخيه، لـتتركه في تيهٍ وفراغ لا تطيقه الجبال. ​قطع خلو

  • كيان مالك   التاسع والخمسون

    ​تيبست الدماء في عروق "مالك"، وتوقف الزمن في محرابه وهو يشاهد الهيكل المعدني للسيارة ينقلب رأساً على عقب، محطماً فوق الأسفلت كـلعبة أطفال بائسة.​ترجل من السيارة وهو يرى الهيكل المحطم ووقف بـلا حراك، كأن روحه سُحبت منه، حتى هزه "سيف" بـعنف صائحاً به:ـ "إصحى يا مالك! اخلص.. لازم نطلع كيان من العربية حالا!"​لم يستوعب الكلمات إلا حين اقتحم "سليم" مجاله بـذعر:ـ "اتحرك يا مالك! ريحة البنزين مغرقة المكان والعربية ممكن تنفجر في أي ثانية!"​في تلك الأثناء، فرضت قوات العقيد عمر والضابط ياسين كردوناً أمنياً صارماً، وقاموا بـإغلاق مسار الطريق الصحراوي بـسيارات الدفع الرباعي لـمنع أي تصادم آخر، بـينما انقض رجال المباحث نحو سيارة الحراسة المتحطمة لـتأمين المحيط بـالكامل.وفي نفس اللحظة، اندفع سيف وسليم مع رجال الشرطة بـكل ما أوتوا من عزم لـرفع الجانب الأيسر من حطام سيارة الجيار المائل، بـينما كان "أمجد" يصارع بـقبضتيه قفل الباب الحديدي الذي التوى بـفعل الاصطدام. ومع تصاعد فحيح تسرب الوقود ولذعة الشرر، نجح أمجد بـشجاعة مستميتة في خلع الباب.​انقض مالك نحو الداخل كـالمستجير، لـيجد حزام الأمان الذ

  • كيان مالك   الثامن والخمسون

    في قلب عروس البحر المتوسط، الإسكندرية.. وحيث تنزوي الشوارع نحو أطرافٍ ما زالت تحت الإنشاء وتضج بـصمت الأبنية العارية، كان هناك منزلٌ معزول بـداخله غرفةٌ غريبة التناقض، كُسيت بـأثاثٍ ملكي فخم لا يناسب وحشة المكان.​قبع جسدٌ متكورٌ على ذاته بـوضع الجنين فوق الفراش. مَن يراها من وهلتها الأولى، يظن أن الروح قد فارقت ذلك الجسد لـفرط سكونه، لكن التدقيق في ملامحها الشاحبة يكشف عن أنفاسٍ خافطة، تكاد تخرج لـتعلن الرفض. لم تكن تلك سوى «كيان».. التي قبعت في هذا الفراش منذ أن جلبها «مراد» قسراً إلى هنا. أسبوعان كاملان مّرا عليها في هذا الجحيم، كانت رحلة مراد فيهما هرباً وتخفياً بـين المخابئ حتى استقر به الحال هنا منذ يومين.لم تعد تعرف إن كان الخارج نهارًا أم ليلًا. كانت الأيام تمر عليها بلا أسماء، لا تميز بينها إلا بعدد أكياس المحاليل التي تُستبدل، وعدد المرات التي يفتح فيها الباب ليضع مراد الطعام ثم يرحل.طوال تلك المدة، رفضت كيان أن تمس طعاماً أو شراباً، ولو كان الأمر بـيدها لـتخلصت من حياتها بـأكملها؛ فالحياة بـلا «مالك» لا معنى لها. ورغم مرارة قسوته الأخيرة معها، يظل في وجدانها الأمان الأوحد

  • كيان مالك   الفصل السادس

    جلست "صبا" في ركن الغرفة كتمثال من رخام، عيناها شاخصتان نحو الفراغ، وعقلها يدور في حلقة مفرغة من الذهول. أيعقل؟ "سليم"؟ الرجل الذي اختصرت فيه العالم، وحاربت لأجله، يكون خائناً؟ انسابت دمعة حارة حررت معها غصة مكتومة في حلقها، وهي تستحضر شريط خمس سنوات من الحب الجارف الذي توج ببيت صغير ظنته دافئاً.

  • كيان مالك   الفصل الخامس

    كان الهواء داخل مكتب "سيف" بالمعرض ثقيلًا، خانقًا، ومريبًا إلى الحد الذي جعل أنفاس "كيان" تتهدج في صدرها. وقفت متصلبة وعيناها تتسعان بذهول وقلق ينهشان هدوءها، وهي تتأمل ذلك الرجل القابع أمامها. ملامحه لم تكن غريبة فحسب، بل كانت تحمل آثار معركة حامية وطازجة؛ كدمات زرقاء، وخدوش متفرقة تشي بشجار عني

  • كيان مالك   الفصل الرابع

    ​"ما أجمل ذلك اللقاء الذي يجمعك بمن تحب.. فهو ينسيك حنين الأمس، ويسرق من قلبك مخاوف الغد.. لكن احذر، فبعض اللقاءات تأتي محملة بالعواصف، لتبدد دفء الأمان في لحظة واحدة."​لم تذق "صبا" طعم النوم في تلك الليلة؛ كانت تتقلب في فراشها وشريط ذكرياتها مع "سليم" يمر أمام عينيها كفيلم سينمائي طويل.انتظرت خي

  • كيان مالك   الفصل الثالث

    *"عندما تقرر النجاح، فعليك تحديد هدفك أولاً.. ولكن، احذر أن تربط نجاحك، أو تطلعاتك، أو حتى سعادتك بوجود أشخاص؛ فحينها ستفشل وبجدارة.. إنما أنت هو الشخص، والفرصة، والحل الوحيد لنجاحك."*كانت هذه الكلمات بمثابة الدستور السري الذي خطّته "كيان" بدموعها وكرامتها من تجربة زواجها الجحيمية السابقة. درسٌ قا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status