*"عندما تقرر النجاح، فعليك تحديد هدفك أولاً.. ولكن، احذر أن تربط نجاحك، أو تطلعاتك، أو حتى سعادتك بوجود أشخاص؛ فحينها ستفشل وبجدارة.. إنما أنت هو الشخص، والفرصة، والحل الوحيد لنجاحك."*
كانت هذه الكلمات بمثابة الدستور السري الذي خطّته "كيان" بدموعها وكرامتها من تجربة زواجها الجحيمية السابقة. درسٌ قاسٍ دفع ثمنه شبابها، والآن، ها هي تقف على أعتاب طريقها الجديد، تخطو أولى خطواتها بنبضات قلب متسارعة ولكن ثابتة. لم تعد تلك المرأة التي تنتظر من ينقذها؛ بل وضعت أهدافها نصب عينيها، وتعهدت ألا تحيد عنها مهما بلغت العواصف.
داخل مكتب أنيق غارق في الفخامة بالطابق العشرين من شركة "كريتيف"، وضعت كيان القلم جانباً بعد أن وقعت على عقود العمل؛ عقودٌ دفعتها ظروفها الخانقة ورغبتها في التحدي إلى الإمضاء عليها دون أن تلمح بنداً واحداً من بنودها للأسف.
التقط "مالك الجمال" الأوراق، وجفف حبرها بنظرة سريعة، ثم مد يده بنسختها قائلاً بنبرة تقريرية صارمة، تشعر معها أن كلامه أمر عسكري لا يقبل النقاش، قبل أن ينهض من مقعده الوثير بكامل هيبته:
* "يلا.. تعالي معايا، طالعين شغل."
رمقته كيان بنظرة مبهوتة، وحاولت فتح شفتيها للاستفهام أو الاعتراض، لكنه لم يمنحها حتى ثانية واحدة للحديث. التفت وأولاها ظهره، وبخطواته الواسعة السريعة مستغلاً فارق الطول الشاسع بينهما، تقدم نحو الخارج؛ مما اضطرها إلى الهرولة خلفه في الممر لتلحق به. ورغم أنه لاحظ بوضوح حركتها السريعة المجهدة خلفه، إلا أنه لم يهدئ من سرعته أو يتوقف، إلا عندما انغلق عليهما باب المصعد.
ساد الصمت في ذلك الحيز الضيق، ولم يكن يقطعه سوى صوت أنفاس كيان المتلاحقة واللاهثة جراء الركض خلفه، بينما كان مالك منشغلاً تماماً بهاتفه المحمول، عاقداً حاجبيه وهو يتابع أمراً هاماً، متجاهلاً وجودها تماماً.
ودون أن يرفع عينيه عن الشاشة، قال بجدية جافة:
* "اتحركي ورايا بعربيتك.. علشان هتروحي البيت من مكان ما إحنا رايحين."
لم يرَ مالك علامات الذهول التي ارتسمت على وجهها إثر كلماته الواثقة، فقد ظل متجاهلاً إياها، حتى ارتفع فجأة صوت ضحكاتها الرنانة في المصعد.
هنا فقط، رفع عيناه نحوها، وعقد حاجبيه بضيق واستنكار من رد فعلها غير المتوقع، وقال بنبرة حادة:
* "ممكن أفهم إيه اللي بيضحكك بالظبط؟"
حاولت كيان بشتى الطرق أن تكتم أنفاسها وتتوقف عن الضحك، لكن الصدمة من سؤاله فجرت داخلها موجة من الهستيريا الساخرة، فقالت بصعوبة من بين ضحكاتها المتواصلة:
* "أصل.. أصل حضرتك بتقول (عربيتك) بكل ثقة أوي حقيقي!"
نجحت أخيراً في التقاط أنفاسها، وهدأت ضحكاتها تدريجياً لتبلغ ملامحها الجدية الممتزجة بالتهكم، وتابعت وهي تنظر في عينيه مباشرة:
* "يعني تفتكر أنا لو معايا عربية، كنت هاجي أتبهدل وأشتغل ليه؟ دة كان زماني قلبتها (أوبر) من زمان، ولا الحوجة للناس وللي يسوى واللي ما يسواش!"
تبدلت نظرات مالك في ثانية واحدة، وتحولت عيناه إلى الجمر من فرط الغضب، وأخذ يضغط على فكه بقوة كابحاً جماح رغبة عارمة في الفتك بها بسبب لسانها السليط.
في تلك اللحظة، أدركت كيان هول كلماتها، وأنها ألمحت مرة أخرى لشخصه دون تقصد، فاستدركت الموقف بارتباك شديد وخوف تراجع خلف عينيها:
* "أنا.. أنا ما أقصدش حضرتك خالص والله!"
لكن الاعتذار بدا وكأنه صبّ الزيت على النار؛ إذ التفت إليها وهتف بانفعال وعصبية شديدة هزت أركان المصعد:
* "هو إنتِ خليتي فيها (حضرتك) أصلاً؟!"
شعر مالك فجأة أنه يفقد ثباته الانفعالي المعهود أمام هذه المرأة المتمردة، فصمت تماماً محاولاً التهدئة من روعه وإعادة قناعه البارد الصارم إلى وجهه.
أدار عينيه نحو الهاتف مرة أخرى، وقال بجفاء وهو يخرج من المصعد بعد أن وصل للطابق الأرضي:
* "خلاص.. اركبي معايا، وهبقى أوصلك."
ركبت كيان إلى جواره في المقعد الخلفي للسيارة الفارهة، ولفت الاجواء صمتٌ مطبق.
لم تدري إن كانت قد صمتت لأنه لم يعد هناك ما يقال، أم لأن هذا الرجل يمتلك قدرة خارقة على بناء جدار ثلجي عازل بينه وبين البشر؛ جدار يمنع أي شخص من الاقتراب منه.
ما كانت موقنة منه، أن هذا العزل هو خياره المفضل. كان مالك هذه المرة قد فتح حاسوبه المحمول، مغيباً عقله وحواسه في أرقام وجداول الشغل، مما جعلها تتأمل جانبه الوجهي وتسأل نفسها بفضول: *ألا يمل هذا الرجل أو يتعب؟ ألا يتوقف عقله عن التفكير للحظة واحدة؟*
في غضون ثلث ساعة، كانت السيارة تتباطأ لتتوقف أمام وجهتهم. لم تنتظر كيان السائق الخاص به ليفتح لها الباب؛ بل ترجلت بسرعة وهي تتطلع حولها بدهشة عارمة عندما جرت بعينيها على اليافطة الضخمة المعلقة في الواجهة لتتحدث في تفسها:
نحن أمام معرض سيارات فخم وضخم!
ترجل مالك وسار أمامها بخطواته العسكرية، لتهرول هي مجدداً خلفه، لدرجة أنها لم تركز في التفاصيل المكتوبة على اليافطة الخاصة بالمعرض، إلى ان وجدت نفسها تقف في غرفة مكتب الإدارة بالداخل.
تساءلت في نفسها بوجل: *هل يمتلك مالك هذا المكان أيضاً؟ وإن كان كذلك، فما هي طبيعة عملها هي كمترجمة في معرض سيارات؟*
وصلتها الإجابة القاطعة فوراً عندما التفت إليها وقال بنبرة حاسمة:
* "من بكرة، ولمدة أسبوع.. إنتِ المسؤولة قدامي عن كل كبيرة وصغيرة تحصل هنا في المعرض."
ساد الصمت، ولم يتلقَ منها أي إجابة؛ فنظر إليها ليجد وجهها خالياً تماماً من أي تعبير، كأن الصدمة ألجمت عقلها. فقال بضيق واستخفاف:
* "إنتِ ما سمعتينيش ولا إيه؟"
رمشت بعينين متسعتين، وقالت بتعجب شديد وبلسان ثقيل:
* "إيه دة؟ هو.. هو حضرتك كنت بتكلمني أنا ؟"
تحدث بسخرية وهو يستند بجسده على حافة المكتب:
* "إنتي شايفة حد تالت غيري أنا وإنتِ في المكان هنا؟"
نظرت حولها في الغرفة تشعر بالحرج الشديد والغباء، ثم أعادت أنظارها إليه تحاول استجماع شتات عقلها واستيعاب الموقف، وسألت بجدية:
* " هو انا ممكن أعرف إيه مهام وظيفتي بالظبط ؟"
لمعت في عيني مالك نظرة انتصار واضحة وصريحة، وأجابها ببرود لاذع:
* "مش حاجة معينة.. هتشتغلي في أي حاجة وكل حاجة أنا هحتاجك فيها."
فتحت فمها لتستفهم عن مقصده المبهم، ولكنه سارع بقطع الطريق عليها وتابع بابتسامة خبيثة:
* "حضرتك مضيتيلي على عقد.. يخليني أشغلك في المكان اللي أنا عاوزه، وزي ما أنا عاوز."
عقدت كيان ما بين حاجبيها وهي تحلل الكلمات، وعندما أدركت الورطة والفخ الذي وقعت فيه بسبب تسرعها وعدم قراءتها للعقد، رفعت حاجبها وظهر التحدي الشرس في عينيها وقالت بقوة:
* "اعتبرني مستقيلة!"
انطلقت من فم مالك ضحكة عالية رنانة، ضحكة سخرية جعلتها تشتعل غيظاً، وما إن هدأت ضحكاته حتى نظر إليها بشماتة قائلاً:
* "وهي دي تفوتني برضه يا مدام؟ في نفس العقد اللي مضيتيه من غير ما تقريه.. إنتي ماضية على شرط جزائي بقيمة 100 ألف جنيه.. ادفعيهم حالاً واستقيلي براحتك، ما عنديش مانع."
هبطت كيان على المقعد المقابل للمكتب وكأن ركبتيها لم تعودا قادرتين على حملها من فرط الصدمة. 100 ألف جنيه؟! من أين لها بهذا المبلغ وهي بالكاد تبحث عن لقمة العيش وحريتها؟
للحظة واحدة، عندما رأى مالك ملامح وجهها التي انمحت منها الألوان وانكسارها، شعر بوخزة ندم وذنب داخل صدره، وكاد أن يخبرها أنه يمزح ولن يجبرها على دفع شيء.. ولكنه وجد كبرياءه يمنعه، فقال بنبرة أهدأ وأكثر جدية:
* "كيان.. أنا مش محتاج منك أكتر من إنك تقعدي على المكتب دة، وأي مشكلة تحصل في المعرض هنا تحليها.. وبس."
نظرت إليه لعدة ثوانٍ طويلة دون أن تنطق ببنت شفة، وعيناها تعاتبه على هذه الخدعة الدنيئة. أخذت نَفَساً عميقاً غائراً، أخرجته بزفير بطيء وهادئ محاولة التماسك، وقالت:
* "هو حضرتك واعي للي بتقوله؟ يعني إنت مدرك بتطلب مني ايه..انا اللي ما عنديش خبرة يوم واحد في أي إدارة، إني أكون مديرة للمعرض دة كله؟ دة إنت لو قاصد تخسر وتخرب بيتك مش هتعمل كدة!
وبعدين.. الشغل دة هنا، والشركة؟ أنا كدة مش هروح هناك!"
قلب مالك عينيه بملل وهتف بقلة صبر:
* "ما تخافيش على الشركة.. مشاعرها مش هتنجرح إنك ما بتروحيش! وبعدين حتى لو الشركة احتاجتلك.. أي ورق أو صفقات محتاجة ترجمة هبعتهالك على الإيميل بتاعك تخلصيها وإنتي قاعدة مكانك هنا."
دون وعي، وبسبب الضغط الذي شعرت به، تمتمت بنبرة حادة:
* "لأ.. دة إنت مجنون بقى!"
كانت كيان تظن في مخيلتها أنها قالت هذه الجملة في سرها، ولكنها ما إن لمحت التشنج المفاجئ في عضلات وجه مالك، وبروز عروق عنقه، أدركت بفزع أنها نطقت بها بصوت مسموع وواضح!
هدر مالك بعصبية وحدة وعينين يتطاير منهما الشرر:
* "إنتِ بتقولي لمين الكلام دة يا شاطرة؟!"
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة، وشعرت برعب حقيقي يجتاح أوصالها من هيبته، وحاولت التحدث بتلعثم:
* "ما هو.. ما هو حضرتك اللي بتقوله دة مش منطقي بصراحة.. وميدخلش عقل!"
هبّ واقفاً بعنف وهو يلملم أغراضه من فوق المكتب، وهتف بعصبية مفتعلة ليغطي على حقيقة أنه استمتع بتمردها:
* "مفتري بقى! أنا مدير مفتري ومجنون.. عندك مانع؟!"
غمغمت بكلمات غير مفهومة وهي توليه ظهرها، مما جعل ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه رغماً عنه لمنظرها الطفولي الساخط؛ كانت تبدو كطفلة سُرقت منها لُعبتها. ولكنه استدرك وقاره سريعاً وقال بصوته الجهوري:
* "بتقولي إيه؟ سمعيني كدة!"
ضربت الأرض بقدمها بقوة وبطريقة طفولية عفوية تعبر عن مدى غيظها وعجزها، وتحت نظراته المراقبة بدقة لكل ردود أفعالها، التفتت وقالت بعصبية مصطنعة:
* "أبداً.. دة أنا بشكر ربنا وبحمده إنه رزقني بمدير عظيم زي حضرتك!"
اقترب منها خطوة واحدة واسعة، ونظر في عينيها نظرة فاحصة عميقة، شعرت معها أنه يتخلل إلى روحها ويقرأ أسرارها الدفينة، وخصيصاً عندما قال بصوت أجش منخفض:
* "ومالي بقى إن شاء الله؟ مش عاجبك في إيه؟"
تراجعت خطوة للخلف ليفصل بينهما جدار من الهواء، وقالت بسرعة وهي تحاول الخروج من المأزق:
* "ولا حاجة خالص صدقني.. إنت زي الفل ومفيش منك اثنين!"
لتهتف بعدها:
ودة من رحمة ربنا بينا.
ثم تحركت من أمامه بسرعة، متجهة نحو باب المكتب وركضت إلى الخارج كأن الشياطين تطاردها. في تلك اللحظة، لم يستطع مالك كبح جماحه، وانطلقت منه ضحكة خفيضة في قرارة نفسه؛ لا يعلم لماذا يشعر بكل هذه المتعة والنشاط عندما يقوم باستفزازها. بل إن الصدمة الحقيقية التي ضربت عقله الآن، هي إدراكه أنه لم يبتسم أو يشعر بالسعادة والدعابة هكذا منذ سنوات طويلة!
فعل هذا الإدراك جرس الإنذار في داخله؛ فتصلبت ملامحه فجأة ونفض تلك الأفكار الغريبة عن رأسه بعنف. خرج وراءها إلى ساحة المعرض، وجمع الموظفين والعمال، وأخبرهم بصوت حازم وصارم أن "المدام كيان" هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن كل ما يخص المعرض، وأن أوامرها مطاعة تماماً إلى حين عودة "سيف".
خرج مالك إلى خارج المعرض، وأخذ يتلفت بعينيه يميناً ويساراً يبحث عن طيفها، حتى وجدها تقف على حافة الرصيف تحاول يائسة استيقاف سيارة أجرة. تقدم بخطوات هادئة ووقف بجانبها يسأل ببرود:
* "إنتِ بتعملي إيه هنا؟"
نظرت له بطرف عينيها لثانية واحدة بنفاد صبر، قبل أن تعاود النظر إلى الشارع الممتد وهي تجيبه بضيق:
* "الظاهر كدة إن مفيش تاكسيات خالص بتعدي من المنطقة المقطوعة دي!"
تنهدت بحنق وهي تفتح حقيبة يدها بعنف، تبحث عن هاتفها حتى وجدته أخيرًا، وأخرجته وهي تتابع:
* "شكلي كدة هضطر أطلب (أوبر) وأمري لله."
وفجأة، ودون أي مقدمات، فوجئ مالك بنفسه يمد يده ويقبض على كفها الممسك بالهاتف! ضغط على يديها ببعض القوة التي تمنعها من الحركة دون أن تؤلمها. حاولت كيان جذب يدها منه عدة مرات بحرج وغضب، لكن قبضته كانت كالقيد، ونظر في عينيها قائلاً بلهجة آمرة لا تقبل الجدال:
* "في ظرف ثواني.. ألاقيكي في العربية جنبي."
ترك يدها فجأة وتحرك نحو سيارته دون أن يمنحها حتى فرصة للاعتراض أو تفريغ شحنة غضبها.
التفتت لتجده يوجه إليها نظرة مرعبة من خلف زجاج السيارة، فابتلعت كلماتها المتمردة على الفور، وامتثلت لأوامره ودخلت السيارة تجلس بجواره وهي تشتعل من الداخل.
بعد عدة دقائق، كانت السيارة تنساب في الشوارع باتجاه منزل كيان بعد أن أملت على السائق العنوان.
كانت كيان تفرك يديها بقوة وتضغط على أصابعها من فرط التوتر؛ كانت تريد إخباره بشيء ما ولكنها تتردد. شعر مالك بحركتها المضطربة بجواره، فالتفت إليها وجعلها تجفل من سؤاله المباغت:
* "عاوزة تقولي إيه؟ اخلصي."
نظرت إليه بأعين مشدوهة ومترددة، قبل أن تقول بارتباك شديد وصوت خفيض:
* "يعني.. لو ينفع يعني.. حضرتك عارف إن دي أول مرة أبقى في موقف زي دة، والمعرض مسؤولية كبيرة أوي عليا.. فكنت بقول لو ينفع حضرتك تكون معايا بكرة بس.. أفهم بالظبط طبيعة الشغل والسيستم ماشي إزاي؟"
كاد مالك أن يرفض فوراً كعادته، ولكنه لا يعلم لما شعر فجأة بأن هذه المرأة التي تجلس بجواره هشة وضغيفة للغاية من الداخل، وأن كل هذا التمرد والقوة اللذين تظهرهما ليسا سوى قشرة خارجية تتصنعها لحماية نفسها من العالم. تنهد مالك وأجابها على الفور بنبرة هادئة:
* "ما تقلقيش.. أنا كنت عامل حسابي على كدة أصلاً."
تنهدت كيان بارتياح شديد غمر صدرها، وأسندت رأسها على الزجاج وهي تشعر لأول مرة أن هذه قد تكون البداية الحقيقية لتحقيق أحلامها المؤجلة.
**************
*"نصيحة إليك يا حبيبي.. لا تعتمد على قلبي الذي اعتاد أن يغفر لك؛ فسيأتي يومٌ ويضجّ بما يحويه، ويقرر النجاة بنفسه.. ليتركك خلفه وحيداً."*
كانت هذه العبارة القاسية تتردد كصوت الساحرات داخل عقل "صبا"، وهي تجلس وحيدة في شقة كيان الهادئة أمام شاشة التلفاز والدموع تنساب بغزارة على وجنتيها. لم تكن تدري هل تبكي حقاً لأنها متأثرة بالمشهد الدرامي الحزين المعروض أمامها، أم أنها تبكي بحرقة لأنها ربحت رهانها القاسي مع كيان!
التي أكدت لها بالأمس بيقين أن "سليم" سيموت شوقاً ويتصل بها أو يأتي ليعتذر، بينما صبا كانت أدرى الناس بزوجها؛ سليم رجل ذو كبرياء أعمى، لا يعترف بخطئه أبداً، ولا يعتذر، ودائماً كانت هي من تبتلع كرامتها وتبدأ بالمصالحة لتستمر الحياة. وها هو الوقت يمر ولم يتصل، مهلاً إياها كالعادة.. لكنها أقسمت هذه المرة ألا تلين.
وسط دوامة أفكارها ومشاعر الخذلان التي تعتصرها، دَوى رنين جرس الباب في الشقة. انتفضت صبا بلهفة جارفة، وقام جسدها قبل عقلها؛ فعلى ما يبدو، ستخسر الرهان أمام كيان، وكم تمنت في أعماقها أن تخسر هذا الرهان اللعين ويأتي زوجها!
فتحت الباب والابتسامة تتسع على وجهها، ولكن خاب أملها في ثانية واحدة، وشعرت بغصة مريرة تكاد تخنقها عندما وجدت أمامها محصل شركة الكهرباء ليس إلا.
أنهت المعاملة معه سريعاً وأغلقت الباب، وعادت لترتمي على مقعدها بملل وإحباط، وأمسكت جهاز التحكم تقلب القنوات بآلية.
فجأة، صدح رنين الجرس مرة أخرى. زفرت بضيق وقالت بنفاد صبر:
* "أكيد بتاع الغاز المرة دي.. هو يوم المحصلين العالمي!"
توجهت وفتحت الباب بلا مبالاة، لتلجم الصدمة لسانها تماماً، ويتوقف الزمن عن الحركة؛ كان الواقف أمامها هو "سليم".. ضيفها المنتظر، وحبيب عمرها، وسبب عذابها. وقفت متسمرة في مكانها لثوانٍ تتأمله، حتى اخترق مسامعها صوته بنبرته الرخيمة وابتسامته الجذابة التي ما زالت تأسر قلبها رغماً عن كل شيء:
* "هفضل واقف على الباب كدة كتير ولا إيه يا صبا؟"
استدركت نفسها بسرعة وتراجعت خطوتين تفسح له المجال للدخول، وما إن أغلقت الباب والتفتت، حتى وجدت نفسها مدفوعة داخل أحضانه الدافئة.
أحاط خصرها بقوة، وأخذت أنفاسه الساخنة تلفح بشرة عنقها، فلم تستطع المقاومة؛ رفعت يديها واحتضنته هي الأخرى بكل ما أوتيت من شوق، فلن تنكر أبداً أمام نفسها أنها تشتاق إليه حد الموت.
ظلا على هذا الوضع لعدة دقائق، حتى تحدث سليم بنبرة يملؤها الشوق والحنين الظاهر:
* "وحشتيني أوي يا صبا.. كدة يهون عليكي تسيبيني وتمشي وتسيبي بيتك؟"
أيقظت كلماته كبرياءها الجريح، فابتعدت عن أحضانه ببطء، ونظرت في عينيه بعتاب مرير وقالت بنبرة مخنوقة:
* "ما أنا دايماً بهون عليك يا سليم.. وإنت عارف كدة كويس."
تطلع إليها بحب حقيقي يلمع في عينيه البنيتين، وتحدث بصوت دافئ غمر كيانها:
* "عمرك يا صبا ما هونتي عليا.. والدليل أهو إني سايب شغلي وجي لحد عندك، رغم إني حقيقي مش شايف أي مبرر يخليكي تسيبي البيت وتعملي الأزمة دي كلها."
هنا، اختنق صوتها تماماً، وعلمت أن دموعها على وشك الانفجار؛ فأولته ظهرها بسرعة لكي لا يرى ضعفها، وانسابت العبرات ساخنة على وجنتيها وهي تقول بحرقة:
* "وهي دي مشكلتك الكبيرة يا سليم.. إنك عمرك ما بتشوف غير اللي إنت عاوز تشوفه وبس!"
تنهد سليم بقوة؛ فهو يحفظ تفاصيلها، ويعلم أن أكثر ما تكرهه صبا هو أن تبكي أمام أي شخص، وحتى أمامه هو؛ فمعنى أنها تخفي وجهها وتبكي، أنها بلغت ذروة الحزن والألم بسببه.
اقترب منها من الخلف، وأحاط خصرها بذراعيه يضمها إلى صدره، وقبل عنقها بنعومة وتحدث بنبرة نادمة:
* "خلاص يا حبيبتي.. ارجعي بيتك وكل اللي بيضايقك مني مش هعمله تاني خالص، أنا محتاجلك معايا يا صبا."
تصلب جسد صبا فجأة، وصدمتها كلماته الأخيرة كصفعة؛ *أتى لأنه يحتاجها!* وبالطبع يحتاجها إما كزوجة في الفراش أو لتدير له المنزل والطلبات وتخدمه! التفتت إليه فجأة، وتبدلت ملامحها الباكية إلى قسوة مباغتة وقالت بنبرة لاذعة:
* "لا يا سليم بيه.. إنت مش محتاج زوجة وشريكة حياة، إنت مش محتاج أكتر من مجرد خدامة في البيت!"
تراجع سليم خطوة وصعقته كلماتها القاسية، وتصاعد الغضب في عقله كالعاصفة؛ فإلى هنا وكفى! شعر سليم أن كبرياءه يُهان، فبدأ يبوح بكل ما كان يتغاضى عنه ويكتمه منذ ولادة ابنتهما، وهتف بعصبية:
* "خدامة إيه يا حبيبتي؟! إنتِ من ساعة ما ولدتي ولا بقيتي مهتمة بنفسك، ولا بالبيت، ولا بيا حتى! هو إنتي فاكرة إن الأكل الجاهز اللي بتجيبيه كل يوم أنا ببقى مصدق إنك إنتي اللي عملاه في المطبخ؟ أنا بس كنت بعدي وبسكت علشان الدنيا تمشي ومعملش مشاكل!"
شهقت صبا بعنف، ونزلت كلماته على قلبها كالسهام المسمومة الممزقة، وهتفت به بحرقة والدموع تنهمر بلا سيطرة:
* "وإنت فين من كل دة ها؟! إنت فين؟! أنا واحدة طول عمري في بيت أهلي كان الأكل بيجيلي لحد سريري قبل ما أتجوزك!
يعني الحياة دي، والخلفة، والمسؤولية، والطفلة اللي بتعيط طول الليل.. كل دة جديد عليا ومحدش علمهولي!
دة بنتك لما بتعيط مش بيهون عليك تشيلها ثواني وتسكتها، بتفضل تنادي عليا من المطبخ بعلو صوتك علشان آجي أشوفها! إنت اللي وصلتني للحالة دي بإهمالك!"
علا صوته أكثر وانفعل بوجهها مقاطعاً إياها:
* "يا سلااام! يعني أرجع من الشغل تعبان وطالع عيني وطول اليوم في ضغط، علشان كمان آجي أهتم بشغل البيت وببنتك بدالك؟!"
ثم تابع مدافعاً عن نفسه بحدة: "أنا كام مرة قولتلك هاتي واحدة تساعدك في تنظيف الشغل والبيت وإنتِ اللي كنتِ بترفضي دايماً وبتعملي مشكلة؟!"
نظرت إليه ورفعت أحد حاجبيها، ثم انطلقت منها ابتسامة تهكمية مريرة، وقالت بتحدٍ:
* "نسيت لما طاوعتك وعملت اللي إنت عاوزه 4 مرات حصل إيه؟!
نسيت؟! الأولى طلعت حرامية وسرقت الشقة، والتانية كانت كسلانة وأنا اللي بقيت بخدمها وبخدم نفسي،
والتالتة اللطيفة اللي كانت عينيها منك وبتعاكسك عيني عينك في بيتي ولا نسيت يا أستاذ؟!
والرابعة بقى.. الرابعة اللي بسببها أنا (صبا) دخلت القسم لأول وأخر مرة في حياتي وكنت هتحبس، وكل دة علشان كنت بدافع عن بنتي الرضيعة اللي اكتشفت إن الهانم بتضربها وهي بتعيط!"
وقفت لثوانٍ تلتقط أنفاسها المتهدجة، ثم هتفت مرة أخرى بقلب يقطر دماً:
* "وبعد كل دة.. بدل ما تيجي وتعايرني وتقول مقصرة يا سليم بيه، كنت تيجي وتقعد معايا بهدوء ونحاول أنا وإنت نصلح حياتنا اللي إنت رامي كل حملها عليا! مش تفضل ساكت وكاتم في نفسك، وفي الآخر جاي تطلعني أنا اللي غلطانة ومقصرة في حقك!"
ساد صمت ثقيل في الغرفة، وظل سليم واقفاً في مكانه لا يجد كلمات يرد بها؛ فنظراتها وكلماتها كانت تحمل حقيقة مطلقة حاول الهروب منها.
هو بالفعل إما في عمله بالخارج، أو يجلس في المنزل مغيباً خلف شاشة حاسوبه يتابع أشغاله.
تنهد بقوة وتقدم منها، ثم أمسك كتفيها بهدوء محاولاً امتصاص غضبها، وتحدث بنبرة دافئة نادمة:
* "أنا معترف إني غلطان.. ومعترف إني أهملتك كتير الفترة اللي فاتت.. بس أنا بأسس شركتي الخاصة دلوقتي يا صبا، أنا وجاسر داخلين في شراكة ضخمة مع بعض والضغط عليا رهيب.. حقك عليا، تعالي نرجع بيتنا وكل حاجة هتتصلح ووعد مني هغير كل دة."
نظرت في عينيه بعتاب رقيق وقالت:
* "وليه مش بتعرفني كل حاجة عنك وعن خططك؟ هو أنا مش شريكة حياتك برضه؟ ليه مابتشركنيش في مشاكلك في الشغل حتى وتخبي عليا؟"
شعر ببعض الضيق في داخله؛ فهل ذنبه أنه يحب فصل مشاكل العمل المقيتة عن منزله لكي لا يشغل بالها؟ كاد أن يجادل ويثور كعادته، ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة مفضلاً كسب رضاها، فقال باحتواء:
* "ماشي يا قلبي.. هبقى أحكيلك على كل حاجة بعد كدة، بس إنتي عارفاني مبعرفش أتكلم وأفضفض غير وأنا رايق وهادي.. يالّا بينا بقى على بيتنا؟"
كانت مشاعر صبا متضاربة بشدة؛ فجزء منها يريد الارتماء في حضنه والعودة فوراً إلى مملكتها، وجزء آخر يخبرها أن العودة السريعة ستجعل الأمور تعود لسابق عهدها وكأن شيئاً لم يكن.
وفجأة، لمعت في عقلها فكرة ذكية لتضع حداً لإهماله، فنظرت إليه بتصميم وقالت:
* "لا معلش يا سليم.. أنا هفضل هنا عند كيان كام يوم اريح اعصابي وافكر..... وبعدين نشوف.