LOGINفي صباح يومٍ صحوٍ مشرق، وقفت في شرفة منزلها الجديد، تقبض بيديها على كوب القهوة الدافئ. أخذت نَفَساً عميقاً وهي تطالع العالم الخارجي بابتسامة خفيفة، وكأنها تراه لأول مرة في حياتها. كانت تشعر أن لكل شيء حولها طعماً ومذاقاً مختلفاً؛ فها هي أخيراً تستطعم نكهة الحرية التي حُرِمت منها لسنوات، حتى نظرتها للحياة تبدلت من السواد إلى الأمل.
أخذت تتطلع إلى المارين في الشارع ببعض الفضول، وتفكر أن لكل عابرٍ منهم حكاية يخبئها عن الأعين. ثم رفعت عينيها نحو الأعلى، تطالع النوافذ المغلقة للبيوت من حولها وتقول في نفسها: "وراء كل باب حكاية.. ربما حكاية سعيدة يعيش أصحابها في هناء وسرور رغم المشاكل اليومية البسيطة التي تعتبر ملح الحياة، وأخرى حزينة مدمرة.. مثل حكايتي". انعقدت شفتها عن ابتسامة تهكمية مريرة وهي تفكر فيما آلت إليه حياتها. تذكرت ذلك اليوم العصيب الذي تغيرت فيه كل المعايير؛ كان بالضبط قد مر عليه تسعة أشهر كاملة. تسعة أشهر وهي تخلد ذلك التاريخ في ذاكرتها كأنه يوم الاستقلال، بداية حريتها وحياتها الجامحة التي طالما أرادت أن تحياها بعيداً عن الجدران الخانقة. كانت حينها تججلس في غرفة الاستقبال بمنزلها القديم، وصوت المأذون يتردد في أركان الغرفة بنبرته الرتيبة وهو يردد العبارة الشهيرة: "تريثوا ولا تتسرعوا.. فإن أبغض الحلال عند الله الطلاق." لا تعرف حتى الآن لماذا صمتت وقتها؛ هل كانت تريد أن ترى إن كان سيتمسك بها في اللحظة الأخيرة؟ رغم أنها في أعماقها لم تكن تريد الاستمرار معه لدقيقة واحدة. لن تقول إن إجابته كانت صادمة لها، بل كانت تتوقعها تماماً، لكنها فقط لا تعرف ماهية ذلك الشعور الموحش الذي راودها عندما استمعت إليه يقول بقسوة وعينين باردتين: "لا.. مش عاوز أكمل في الجوازة دي." فصدّقت هي الأخرى على كلامه بنبرة حجرية، ليقع الطلاق وينفرط العقد. على الرغم من أن الأمر كان بكامل إرادتها، وأنها لم تكن تتخيل يوماً أنها ستحصل على حريتها، إلا أن إحساس الانفصال من أصعب ما يكون؛ فالطلاق أشبه بالموت، يترك وراءه وجعاً، وآلاماً، وعذاباً، ولكنه في أحيان كثيرة يكون نهاية لعذابٍ أكبر. بكت يومها كما لم تبكِ من قبل. لم تكن تعلم هل تبكي ضياع شبابها طوال عشر سنوات مضت وتضحيتها مع رجل لا يستحق، أم تبكي وحدتها القادمة، أم تبكي فراق أولادها الذين تنفصل عنهم لأول مرة منذ ولادتهم؟ نعم.. فلقد كان المقابل القاسي لتسترد حريتها وتنجو بنفسها، هو أن يظل ولداها مع والدهما، على أن يقضوا معها فقط فترة إجازتهم الدراسية. كانت فكرة ابتعادها عنهم مستبعدة تماماً من تفكيرها، ولهذا فضلت لسنوات أن تظل في سجنها الأبدي بجانبهم، حتى فاض بها الكيل ولم تعد تحتمل المزيد من القهر. لكن تأتي الرياح دائماً بما لا تشتهي السفن؛ فها هي الآن، ومنذ أن تخلصت من قيدها الزوجي، تبحث عن عمل دون جدوى. تريد أن تبدأ في إثبات نفسها بعد سنوات القمع، كما أنها لن تنكر حاجتها الماسة للمال الكافي لإعانتها على المعيشة؛ فلولا معاش والدها المتوفى، لا تعرف أي مصير كان سينتظرها. كانت المشكلة الوحيدة التي تجابهها في أي مقابلة عمل، هي افتقارها التام للخبرة المهنية؛ فقد تخرجت في الجامعة وتزوجت على الفور لتتحول إلى ربة منزل. وعلى الرغم من مؤهلها العالي وإتقانها لأربع لغات كاملة: الإنجليزية، الألمانية، الفرنسية، وحتى التركية، إلا أن هذا التميز لم يشفع لها في أيّ من الشركات التي طرقت أبوابها. انتشلها من بحر أفكارها رنين هاتفها الذي صدح في الشقة الهادئة. التقطته لتجد اسم ابنة عمتها يزين الشاشة، فأجابت فوراً محاولة اصطناع البهجة: "لولو القمر.. عاملة إيه؟" أجابتها "ليلى" بنبرة عتاب حانية: "أيوه اضحكي عليا بكلمتين.. كدة يا كوكي ما تسأليش عليا خالص؟ أسبوع بحاله ما تكلّمنيش!" تنهدت كيان وهي تضغط بإصبعيها أعلى أنفها محاولة طرد الصداع، وأجابت بنبرة غلفها اليأس: "معلش يا ليلى حقك عليا.. بس أنا حقيقي الفترة دي عندي إحباط وطاقة سلبية رهيبة، فمش عاوزة أضايق حد معايا وأقرفكم بمشاكلي." لمست ليلى نبرة الانكسار في صوت ابنة خالها، فسألتها بلهفة واهتمام: "مالك يا حبيبتي؟ وليه الإحباط دة كله؟" أخذت كيان نَفَساً عميقاً وزفرته ببطء شديد، ثم قالت باستسلام: "ما إنتي عارفة يا ليلى.. لحد دلوقتي مافيش شغل، وخلاص اتأكدت إن مافيش شركة أو أي وظيفة هتقبلني من غير خبرة.. شهادتي مبلولة ومكتوب عليها ست بيت." هتفت ليلى على الجانب الآخر بحماس مفاجئ قاطعت به يأسها: "طيب واللي يضيعلك الإحباط دة كله دلوقتي؟" علّقت كيان بتهكم أورثته إياها الخيبات المتتالية: "أهم حاجة يكون متأكد إنه هيضيّعه فعلاً مش كلام وخلاص." ضحكت ليلى بصوت عالٍ وتابعت بحماس: "بصي يا ستي.. جهزي نفسك بكرة عندك إنترفيو في شركة (كريتيف)، هبعتلك اللوكيشن بتاعها أول ما أقفل معاكي. صاحب الشركة صديق ليا من أيام الجامعة، أنا كلمته عنك وحكيتله ظروفك." سألتها كيان بتعجب امتزج بعتاب خفيف: "وكان فين الصديق دة من كام شهر فاتوا وأنا بلف كعب داير؟" أجابتها ليلى مدافعة عن نفسها: "أصله كان مسافر برة مصر في شغل، ولما رجع كلمني عشان نتجمع مع أصحابنا، وأول ما قابلته فتحت معاه الموضوع وقولتله عليكي على طول. المهم.. بكرة تروحي الشركة وتسألي على مكتب (مالك الجمال)." تنهدت كيان بارتياح لم تذقه منذ فترة، ثم سألت بتوجس فجائي: "قوليلي يا ليلى صحيح.. إنتي قولتيله إيه عن ظروفي بالظبط؟" تحدثت ليلى بضيق مصطنع لتنهي الحوار: "قولتله إنك مطلقة ومحتاجة الشغل جداً.. هقوله إيه يعني يا كوكي؟ يلا بلاش رغي وجهزي نفسك." أغلقت ليلى الخط داعية الله أن يوفق صديقتها وقريبتها، بينما جلست على مقعدها تتذكر تفاصيل حوارها بالأمس مع مالك. حين أخبرته بظروف كيان، رفض رفضا قاطعاً في البداية، خاصة وأنها بلا أي خبرة مهنية؛ فمالك رجل عصامي بنى نفسه من الصفر، ومَن هم في مثل تطلُّبه يرفضون المحسوبيات تماماً. لكن ليلى أصرت وأكدت له أن كيان تتعلم بسرعة فائقة، ورجته أن يختبرها لمدة أسبوع واحد فقط، فوافق على مضض إكراماً لخاطرها. ******************** في صباح اليوم التالي، استيقظت كيان من نومها بنشاط غريب على غير العادة، وشعور بالتفاؤل يرفرف في صدرها. ولكن، كالمعتاد في حياتها، يجب أن يظهر ما يعكر صفو مائها الراكد؛ وجدت رسالة صوتية على تطبيق "الواتساب" مرسلة من هاتف زوجة طليقها. أخذت نَفَساً عميقاً وهي تتوقع الأسوأ؛ فدائماً ما تكون رسائل طليقها وسيلة لبدء شجار جديد أو لفرض قوانينه السخيفة كنوع من الإيذاء النفسي والمعنوي، وكأنه يستكثر عليها أن تتنفس براحة من بعده. ولقد صدق حدسها؛ فالرسالة كانت بصوت طليقها، يحمل كل ما في قلبه من قسوة وجفاء. أخبرها باقتضاب وآلية أن أولادها لن يأتوا إليها في عطلة نهاية الأسبوع كما كان متفقاً عليه، وأن عليها أن تحمد الله أنه سيتكرم ويسمح لها برؤيتهم في إجازتي منتصف ونهاية العام الدراسي فقط، ولم تخلُ الرسالة من سباب بأفظع الألفاظ وأقذعها. أغمضت عينيها بقلة حيلة، وانسابت الدموع ساخنة على وجنتيها. أخذت تفكر بمرارة: كيف كانت تهيم عشقاً برجل يحمل كل هذه الخسة والندالة في يوم من الأيام؟ هزت رأسها بعنف وكأنها تنفض غبار تلك الذكريات الأليمة، مسحت دموعها بقوة ونهضت متجهة إلى المرحاض. غسلت وجهها وأسنانها، ونظرت لنفسها في المرآة، وأخذت نَفَساً عميقاً ثم زفرته ببطء؛ وهي عادة تتبعها دائماً لتخفيف وطأة الضغط النفسي الذي يطبق على صدرها. خرجت لتفتح خزانة ملابسها، فوقع اختيارها على بدلة رسمية نسائية سوداء أنيقة. ارتدت ملابسها ووضعت لمسات رقيقة من مساحيق التجميل، تكاد لا تُلاحظ، فقط لتخفي آثار البكاء والهالات السوداء حول عينيها. تركت شعرها البني حراً منسدلاً على كتفيها، ونظرت لنفسها باستحسان؛ فمن يراها الآن سيقسم أنها مديرة الشركة وليست مجرد باحثة عن عمل يائسة. نظرت إلى ساعة يدها فشهقت عندما أدركت أنها تأخرت عن موعدها. أسرعت مهرولة نحو الباب، وفي تلك اللحظة، ومن حيث لا تدري، برز مسمار حاد من حافة الطاولة القريبة؛ طاولة كانت قد قطعت على نفسها عهداً عدة مرات أن تدق ذلك المسمار اللعين ليعود لمكانه. وها هي "الكارما" تنتقم منها في أسوأ وقت ممكن؛ تعلقت البدلة بالمسمار ليتمزق السروال تماماً من ناحية الفخذ، تمزقاً يجعل من المستحيل رتقه أو الخروج به. أخذت تسبّ حظها العاثر وهي تكاد تبكي من فرط الغيظ. راحت تبحث بين ثيابها عما يصلح، لكنها فشلت؛ فالبعض يحتاج للكي، والآخر لا يصلح لمقابلة عمل رسمية على الإطلاق. تنهدت بقلة حيلة واستسلام، وسحبت سروالاً من الجينز الأزرق وارتدته على مضض، وحولت حذاءها ذي الكعب العالي إلى حذاء رياضي مريح، وهي تشجع نفسها بصوت مسموع: "خلاص يا كيان.. مكنش بنطلون دة اللي هيبوظلك مودك ! كفاية عليكي سي زفت ع الصبح.. وكمان أهو مصلحة غيرت الشوز بحاجة مريحة عشان أعرف أمشي." تناولت حقيبة يدها بسرعة، وأرسلت لليلى رسالة تخبرها أنها في الطريق، وانطلقت. ******************** جالسة في صمت قاتل، تتأمل سقف حجرتها الفخمة بنظرات خاوية. انحدرت دمعة صامتة على وجنتها وهي تغرق في بحر ذكريات ماضٍ أسود لم تُمحَ آثاره من روحها؛ بالتحديد، يوم أن كانت تلد ابنتها.. ابنتها التي لم تتمكن حتى من رؤية ملامحها أو ضمها لثوانٍ. كانت تعلم في أعماقها أنها مذنبة، وأن ما تعيشه الآن هو أقل ما تستحقه من عقاب سماوي. سرعان ما أفاقت من غيابت ذكرياتها على صوت رجولي غليظ يتحدث بتهكم واستخفاف، ولم يكن هذا الصوت سوى لزوجها "مراد"؛ الرجل الذي أخطأت في حق نفسها وحق الجميع عندما احبته لتختاره شريكاً لحياتها: "جرى إيه يا ست رانسي؟ هتفضلي منكدة عليا وعلى نفسك لحد إمتى؟ ما تخلصينا بقى من الوش دة!" رمقته بنظرة خالية من التعبير، كأنها جسد بلا روح، وتحدثت بآلية باردة تخلو حتى من طاقة الغضب: "إنت عمرك ما هتحس باللي أنا حاسة بيه يا مراد.. عمرك." ترقرقت الدموع في عينيها واختنق صوتها لتتابع بنبرة مبحوحة: "ست سنين وأنا عايشة معاك في عذاب وتأنيب ضمير.. اتخليت عن بنتي اللي ما اعرفش حتى اسمها إيه ولا عايشة إزاي عشانك وعشان مصلحتك! وبعد دة كله ليك عين تتريق وتتهكم عليا؟" انطلقت من فم مراد ضحكة ساخرة عالية رنانة، تشعل الغيظ في نفس من يسمعها، وقاطعها باستخفاف تام بمشاعرها وأمومتها: "بنتك؟! بنتك اللي أول ما عرفتي إنك حامل فيها جريتي عليا تعيطيلي في حضني وتقوليلي مش عاوزاها وعاوزة أنزلها عشان نخلص؟ دلوقتي افتكرتي أمومتك وبقيتي أم وعندك ضمير؟" اتسعت عيناها بصدمة من قسوته وفضحها أمام نفسها، ثم انفجرت باكية تندب حظها: "كنت ساذجة وغبية.. بس أنا اللي غلطت إني آمنتلك وانت بتستغلني عشان تنتقم من مالك أخوك! كان لازم أفهم من الأول إن اللي يبيع أخوه، سهل جداً يرميني أنا في أي وقت.. أنا غلطت إني شاركتك في لعبتك القذرة دي من الأول." بمجرد أن تلفظت باسم اخيه "مالك"، ثار الغضب في عروق مراد، وانتفخت أوداجه بغل وحقد دفين يكاد يفتك بها. اقترب منها وهتف بقسوة وجبروت: "لا يا هانم.. مش أنا اللي استغليتك، إنتي اللي حبك للفلوس والطمع عماكي! ولا نسيتي إن إنتي وأبوكي النصاب كنتوا واخدين دور البطولة في لعبتي القذرة دي؟ ولولا إني كشفت ألاعيبكوا من البداية كان زماني مت من الحسرة زي أبويا!" التقط أنفاسه المتهدجة وتابع بشماتة قطعت نياط قلبها: "بنتك اللي كل ما تنقح عليكي أمومتك تعيطي عشانها، إكرملها تعيش مع أبوها مالك أحسن ما تعيش مع أم زيك.. خاينة وأنانيّة! ولا نسيتي إنك سبتي بنتك لأبوها بمزاجك ومضيتي على التنازل مقابل حريتك وفلوسك؟" بهتت ملامح رانسي تماماً وشعرت كأن الكلمات سكين بارد يُمزق أحشاءها، فقالت بضياع وشرود: "خاينة؟! أنا لو كنت خاينة بجد كنت فضلت مع مالك عايشة في العز ومع بنتي وزوج بيحترمني.. على الأقل مش زيك، كل يوم والتاني راجعلي نص الليل وسكران ومع واحدة شكل! كنت روحت من البداية وحكيت لمالك على اتفاقنا السري، وكنت هكسب كتير أوي يا مراد بيه.. أضعاف اللي أخدته منك." شعر مراد بالغيظ الشديد من جرأتها على تهديده وتذكيره بأنه ليس الرجل المثالي، فتحدث باحتقار لاذع وهو يجلدها بكلماته: "دلوقتي مالك بقى الراجل اللي بتتمنيه؟ فكريني كدة مين اللي كانت كل يوم تجيلي أوضتي في نص الليل عشان تنام في حضني وتقولي: إمتى بقى أطلق منه وأبقى معاك باقي العمر؟ كنتي روحي احكيله يا رانسي.. جربي كدة كنتي تروحيله، بس وقتها كان هيبقى موتك على إيده، لأني ببساطة كنت هعرفه تاريخ عيلتكوا المشرّف والنصب اللي في دمكم." عضت على شفتيها بقوة حتى كادت تدميها، ونظرت إليه بيأس كلي واستسلمت لدموعها قائلة: "كنت مفكراك بتحبني بجد.. كنت فاكرة إني لما أعمل اللي إنت عاوزه مني، إني كدة بزود رصيد حبي عندك." رفع حاجبه وابتسم باستخفاف وتحدث بنبرة تقطر سماً: "لا يا رانسي هانم.. إنتي كنتِ بتزودي رصيدك في البنك يا حبيبتي! أنا وإنتي من الأول فاهمين وعارفين كويس إن جوازك من مالك كان مصلحة وشغل لينا احنا الاتنين.. الحب ما كانش ليه وجود في اللعبة بتاعتنا وافتكري دة كويس." نظرت إليه بتهكم مكسور محاولة فهم هذا التناقض: "ولما إنت ما حبتنيش وعارف تاريخ عيلتنا المشرف، إيه اللي أجبرك تتجوزني بعد ما اللعبة خلصت؟ كان ممكن بعد ما أخدت منهم كل الفلوس وسحبت السهم من مالك إنك تسيبني وتتخلى عني." ضحك بقوة جعلت جسدها يقشعر من فرط الحقد الكامن في صدره، وأجابها: "جوازي منك كان تكملة لانتقامي من مالك! عشان لما يبص في وشي يعرف إني أخدت منه كل حاجة كان يملكها ويحبها.. حتى مراته! الحاجة الوحيدة اللي ما كانش متخططلها هي حملك في البنت.. وإنتي اللي وافقتي تسيبيهاله مقابل إنه يطلقك بسرعة وميعملش شوشرة، أديكي خلصتي منها زي ما كنتِ عاوزه.. ما تجيش بقى تعيشي عليا دور الأم المسكينة والمكسورة دلوقتي عشان مش لايق عليكي والنبي!" وقفت مصدومة من قسوته، فعلى الرغم من خطيئتها وماديتها، إلا أنها أحبته بصدق وباعت الجميع لأجله. لاحظ مراد تخبط أفكارها وضياع ملامحها، وعلم بخبرته أن النساء متقلبات، ولو تأكدت تماماً من عدم حبه لها فقد ترحل أو تدمر ما تبقى من خططه. زفر أنفاسه بضيق، وتبدلت ملامحه فجأة إلى تلك الابتسامة الجذابة المعسولة التي أوقعتها في شباكه يوماً، واقترب منها يضمها إلى صدره بنفاق: "ما تزعليش من كلامي يا رانسي.. أنا بس عاوزك تفوقي لنفسك ومتضيعيش اللي عملناه في أوهام.. حقك عليا يا قلبي." أبعدته عنها باستنكار وعدم تصديق: "بعد كلامك الجارح دة كله.. جاي تقولي حقك عليا؟ أصرفها فين أنا دي؟" أولته ظهرها غاضبة، فابتسم بخبث وأخرج من جيبه علبة مخملية سوداء، فتحها ليظهر منها قلادة ماسية تتلألأ تحت الإضاءة، وألبسها إياها من الخلف وهو يهمس في أذنها بنعومة: "بصي أنا كنت جايبلك إيه معايا ومفاجأة.. بس إنتي اللي بتحبي تنكدي علينا كل شوية وتفتحي دفاتر قديمة." نظرت رانسي إلى المرآة تطالع القلادة بانبهار وطمع جارف لم تستطع إخفاءه، وتبدلت ملامحها الحزينة إلى ابتسامة طامعة، قبل أن تلتفت وتحتضنه بقوة: "ما تزعلش مني يا مراد.. بس بنتي بتوحشني ساعات، وإحنا لسه مخلفناش ودة عاملي أزمة نفسية.. سامحني يا حبيبي." ابتسم وهو يربت على ظهرها بحنان مصطنع: "طيب ادخلي البسي بسرعة عشان هخرجك في مكان هيعجبك أوي." أسرعت نحو غرفتها تفيض بالفرح، بينما وقف هو ينظر في أثرها ويهمس باحتقار دفين: "مادية حقيرة.. خليها تنبسط بالعقد، ما هي ما تعرفش إنه زجاج ومغشوش! أظبط بس الخطة اللي برتبلها وهرجع أرميها رمية الكلاب." ******************* داخل قصر "مالك الجمال"، وتحديداً في غرفة الطعام الفخمة، كان مالك يجلس على طاولة الإفطار، وعقله شارد في ذلك الطلب الذي رجته إياه صديقته ليلى بالأمس. لولا أنه يكن لليلى كل الاحترام والتقدير والمكانة الخاصة، لكان رفض طلبها دون تفكير؛ فمالك لن ينسى أبداً معروفها ما حيا، وكيف وقفت إلى جواره في أحلك فترات حياته عندما غدر به الجميع، وكان أول الغادرين شقيقه مراد. لقد مر مالك بظروف قاسية حطمت عائلته؛ عندما تعرض والده لصدمة عمره وفقد كل ثروته وأمواله في صفقة مشبوهة دبرها مراد مع منافسيه، وتوفي الأب على إثرها مقهوراً. كل تلك الأحداث ساهمت في تعثر مالك دراسياً في سنته الأخيرة في الجامعة، فسبقته ليلى في التخرج، لكنها لم تتركه؛ بل بدأت في مساعدته لتجاوز محنة وفاة والده، وتولّت مراجعة الدروس معه حتى تخرج هو الآخر. وحين أراد أن يبدأ حياته المهنية من الصفر لاستعادة اسم عائلته، كانت ليلى قد توظفت في البنك، وعلمت بحاجته الشديدة لرأس المال، فقدمت له كل التسهيلات الممكنة للحصول على قرض تمويل المشروعات الصغير؛ ومنذ تلك اللحظة، توطدت علاقتهما لتصبح ليلى الشخص الوحيد الموثوق في حياته. أخذ يفكر في الظروف التي قصتها ليلى عن ابنة خالها؛ فمنذ أن علم أنها امرأة مطلقة وربة منزل بلا أي خبرة، اتخذ قراره الداخلي بالرفض، فشركته لا مكان فيها للمبتدئين. لكنه قرر أن يرى ملفها الشخصي أولاً من باب إرضاء ليلى؛ فربما تكون مؤهلاتها شفيعاً لها ليعطيها فرصة تكتسب من خلالها الخبرة في شركته، فما يهمه في النهاية هو الكفاءة والتفاني. قطع حبل تفكيره اتصال هاتفي من مساعدته الشخصية "سها"، تطلب منه الحضور إلى مقر الشركة فوراً بنبرة يملؤها الرعب والتوجس. وحين استفسر عن الأمر، أخبرته بصوت مهتز أن الشركة الألمانية التي يتعاملون معها بالخارج تطالبهم بدفع الشرط الجزائي الضخم لفسخ العقد الموقع بينهم بشكل مفاجئ. اكفهر وجه مالك وتغيرت ملامحه للغضب الصارم، وأغلق الهاتف دون سماع المزيد. نزل مسرعاً واستقل سيارته، وما هي إلا نصف ساعة حتى كان يقف أمام برج شركته الشاهق. دخل متجهاً نحو المصعد الخاص به، وقبل أن يغلق الباب، تفاجأ بدخول فتاة على عجل وهي تتحدث في هاتفها المحمول. شعر بالدهشة والضيق؛ فالجميع في الشركة يعلم تمام العلم أن هذا المصعد شخصي وخاص برئيس مجلس الإدارة فقط، وهناك مصاعد أخرى مخصصة للموظفين والزوار. لكنه آثر الهدوء وحبس غضبه، مستنتجاً أنها بالتأكيد زائرة لأول مرة ولا تعرف القوانين. أثار انتباهه صوتها الرقيق الحزين وهي تتحدث عبر الهاتف؛ أخذ يفكر كيف يمكن لصوت أن يحمل كل هذا الشجن والعذوبة معاً؟ نظر بطرف عينيه خلسة ليتأملها؛ كانت فتاة يقسم أن عمرها لا يتعدى السبعة والعشرين عاماً، ذات بشرة بيضاء نقية، وشعر بني مموج متحرر، وعينين عسليتين واسعتين لمح فيهما حزناً دفيناً ممزوجاً بتحدٍ لم يتبين سببه بعد. وقبل أن ينطلق المصعد، حدث ما لم يكن في الحسبان. قبل ذلك بدقائق معدودة، كانت كيان قد وصلت إلى مقر الشركة، لتجد نفسها أمام مبنى ضخم من عشرين طابقاً يبعث على الهيبة. دلفت إلى الداخل لتصيبها الدهشة من فخامة التصميم الراقية؛ بداية من مكتب الاستقبال الفسيح، والموظفات ذوات الزي الموحد الأنيق جداً. لم تفهم وقتها هل هي محض صدفة أن تكون جميع الموظفات شقراوات وجميلات، أم أن هذا شرط أساسي للعمل في هذا الصرح؟ مرت بقاعة الانتظار ذات النافذة الزجاجية العملاقة التي تطل على سماء المدينة وسحرها. توجهت إلى إحدى موظفات الاستقبال تسأل عن مكتب السيد مالك الجمال، فأخبرتها اللبقة أنه في الطابق العشرين الأخير. اتجهت نحو المصعد المفتوح، ودخلت لتجد رجلاً يقف بكبرياء، يرتدي بدلة رسمية فاخرة تنم عن ثراء فاحش، ورائحة عطره الرجولي القوي ملأت المكان لتزكم الأنوف. لم ترفع عينيها لتتأمل وجهه حياءً، لكنها لاحظت فارق الطول الشاسع بينهما وجسده الرياضي المتناسق. دلفت الداخل وهي تضع الهاتف على أذنها لتتحدث مع صديقتها صبا، وقبل أن ينغلق الباب الحديدي، ركض طفل صغير يبلغ من العمر حوالي أربع سنوات ليقف أمام باب المصعد مباشرة. جحظت عينا مالك من المفاجأة؛ فهو يعلم أن هذا الصغير هو ابن إحدى الموظفات، ولكن ما لم يفهمه هو كيف استطاع الهروب من الحضانة التي أصر مالك على إنشائها في الطابق الأرضي وتزويدها بأفضل المشرفات لتسهيل الأمر على الأمهات العاملات؟ لم يدم تساؤله كثيراً؛ إذ ظهرت إحدى المشرفات ركضاً، وبدلاً من احتضان الطفل وتأمين خوفه، قامت بتوبيخه بعنف بل ومدت يدها تضربه على كتفه الصغير. توعد لها مالك في نفسه بغضب عارم؛ فإصدار الأوامر بالقسوة على طفل كائن لا حول له ولا قوة هو أكثر ما يمقته في حياته، واعتبر تصرف المشرفة خطأً جسيماً لا يُغتفر في مؤسسته. بينما أخذت مشاعر كيان منحنى آخر تماماً؛ فهي لا تعلم بوجود حضانة في المبنى من الأساس، وتخيلت أن تلك المشرفة الغبية هي والدة الطفل. افاقت كيان على صوت صبا في الهاتف تسألها بحيرة عن سبب صمتها المفاجئ، لتجيبها كيان بحدة وعاطفية نسيت معها تماماً وجود رجل غريب يشاركها نفس المصعد الضيق: "أسوأ أنواع البشر، وأسوأ الأمهات في الدنيا هي اللي تمد إيديها على ولادها بالطريقة دي، رغم إنها هي اللي غلطانة ومش واخدة بالها! أنا مش فاهمة طالما مش عارفين قيمة ولادهم ومش قد المسؤولية بيخلفوا ليه أصلاً؟ ولا التاني اللي يفتكر فجأة إنه أب ويقرر يمارس أبوته فيحرم أم من ولادها وينتقم منها فيهم!". هتفت بها صبا بنفاد صبر عبر الهاتف: "يا بنتي في إيه بس إيه اللي حصل؟ وإنتي فين دلوقتي؟" أخذت كيان نَفَساً عميقاً محاولة تهدئة دقات قلبها وتابعت: "واحدة غبية بتضرب ابنها عشان بيجري.. ما الهانم لو واخدة بالها منه كويس ما كانش جري ولا هرب! كمان شكلها شركة مهملة وفاشلة اللي تخلي الموظفين يجيبوا أولادهم معاهم الشغل كدة ويبهدلوهم." ثم تذكرت أمر المقابلة فتابعت بنبرة هامسة التقطها سمعه الحاد: "وبعدين يا بنتي أنا مش قايلالك إمبارح إن ليلى كلمتلي واحد صاحبها عنده شركة وهعمل إنترفيو النهاردة؟ بس شكله كدة راجل بصباص وعينه زايغة.. موظفات الاستقبال كلهم بلوندات ومختارهم على الفرازة يا بنتي! المهم ادعيلي يا صبا أتقبل وأخلص." أجابتها صبا بجدية: "أيوة صح معلش نسيت.. إنتي حاولي تهدي نفسك كدة عشان تعرفي تركزي في الإنترفيو، وإن شاء الله موفقة يا كوكي." أنهت المكالمة وأنزلت الهاتف، ودون مقدمات تذكرت وجود ذلك الرجل المهيب الواقف بجوارها، فشعرت بالحرج. وما إن وصل المصعد إلى الطابق العشرين وفتح بابه، حتى خرج مالك كالإعصار الهادر، وعيناه يتطاير منهما الشرر، متجهاً إلى مكتبه مباشرة. نظرت كيان في أثره بتعجب من حركته العنيفة، ثم توجهت إلى مكتب السكرتيرة، ورسمت ابتسامة عملية على وجهها قائلة: "صباح الخير.. عندي ميعاد مع الأستاذ مالك الجمال، قوليله كيان اللي من طرف ليلى." مدت يدها بالملف الشخصي، فأخذته السكرتيرة "سها" بترحيب قائلة: "ثواني هدخل أديله خبر.. اتفضلي حضرتك ارتاحي في صالة الانتظار." دلفت سها إلى داخل مكتب مالك، لتجده يشتعل غضباً. وبسبب حمم الغضب الـمستعرة في صدره، مر الوقت سريعاً؛ مرت ربع ساعة، ثم خرجت سها تبتسم بحرج لكيان قائلة: "معلش يا آنسة كيان.. أستاذ مالك مشغول جداً وعنده اجتماع طارئ دلوقتي، فحضرتك هتضطري تستني شوية." ابتسمت لها كيان وتوجهت إلى غرفة الانتظار. طال انتظار كيان بشكل مستفز؛ مرت ساعة، ثم ثانية، ثم ثالثة! ولولا حاجتها الشديدة والمصيرية لتلك الوظيفة لكانت غادرت المكان منذ الساعة الأولى. أخيرًا، جاءت إليها سها بوجه شاحب تعتذر لها بشدة، وتخبرها أنه لولا حدوث مشكلة ضخمة هددت العمل ما تركوها تنتظر كل هذا الوقت. ابتسمت كيان ابتسامة باهتة لم تصل لعينيها، وتوجهت إلى حيث أشارت لها. طرقت الباب الخشبي الضخم، وعندما سمعت صوته الرجولي يأذن لها، أخذت نَفَساً عميقاً وفتحت الباب لتدخل إلى المكتب الفخم ذي الواجهة الزجاجية العملاقة التي تكشف المدينة. لم تكد ترفع عينيها لتتبين ملامح الجالس خلف المكتب، حتى صدمها صوته البارد القاطع كحد السيف وهو يقول دون أن ينظر إليها: "حضرتك مرفوضة.. مالكيش شغل عندي!" قبل عدة ساعات ؛ عندما دخل مالك مكتبه كالإعصار بعد خروجه من المصعد مع كيان، وقال لسها بصوت مخيف: "محدش يدخل عليا غير بإذني.. انتي فاهمة؟" ودخل مكتبه وأغلق الباب بعنف، والكلمات التي ألقتها تلك الفتاة في المصعد تتكرر في أذنيه كطلقات نارية مصوبة نحو كبريائه. زفر بضيق وهو يتساءل بغيظ: ما الذي تقصده بكلامها؟ هل تقصده هو بحديثها عن الآباء الذين يحرمون الأمهات من الأطفال؟ هل تعرف عنه شيئاً وعن ماضيه؟ لا يعتقد ذلك؛ فهي لم تكن تعرف شكله حتى، بدليل أنها وصفته بـ "البصباص زير النساء" لمجرد أن موظفات الاستقبال شقراوات! إذن الكلام قيل بمحض الصدفة، لكن هذا يعني أنها امرأة حُرِمت من أولادها لتقول ذلك الكلام بوجع. نفض الأفكار عن رأسه وقال لنفسه إن هذا لا يعنيه، وسيحاسبها على وقاحتها ووصفها له بالبصباص حين تأتي المقابلة. وتذكر سبب غضبه الأساسي؛ تلاعب فريق الترجمة. اتصل بسها وقال بصوت جهوري: "بلغي البهوات إن فيه اجتماع مجلس إدارة حالاً.. عايزهم ضروري، ومعاهم المترجمين بتوع الألماني كمان!" وتابع بقلة صبر: "والقهوة بتاعتي اتأخرت لحد دلوقتي ليه؟" أنهت سها المكالمة وهي ترتجف وتدعو الله للجميع بالسلامة، فهي تعلم أن مالك الجمال إذا غضب، لا يرحم المتلاعبين، وقد رأته يفصل موظفين لأسباب أقل من الخيانة الفنية بكثير. بعد ثلث ساعة، كان مالك يجلس على رأس طاولة الاجتماعات الفخمة، ينظر بعينين صقريتين حادتين لكل الوجوه الواجفة أمامه. استمر صمته لدقيقتين كاملتين ليزيد من توترهم، قبل أن يتحدث بنبرة تقطر وعيداً: "أكيد طبعاً انتوا عارفين سبب الاجتماع.. وأكيد كلكم عارفين إني مش بسامح في اي تلاعب، واللي غلط بيتحاسب حساب عسير. ممكن أفهم إمتى أنا أصدرت أمر بفسخ العقد مع الألمان عشان يطالبوني بالشرط الجزائي دلوقتي؟" توجهت الأنظار نحو رجل أربعيني بدأ يتحدث بتلعثم وخوف: "حضرتك.. أنا مبلغ باشمهندس مصطفى من أسبوعين فاتوا إن الخامات الألمانية ما وصلتش للمصنع، يعني هو عنده علم كامل إن فيه مشكلة في التوريد." وجه مالك نظراته القاتلة نحو "مصطفى" (مهندس خط الإنتاج)، منتظراً إجابته. ابتلع مصطفى لعابه، وظهرت حبات العرق على جبينه وقال بصوت مهزوز: "حضرتك.. أنا كتبت جواب شديد اللهجة للشركة الألمانية اللي بتوردلنا، وبعته لأستاذ حازم في قسم الترجمة عشان يترجمه ويسلمه و..." قاطعه مالك بعنف وهو يضرب الطاولة بيده ضربة قوية دوت كالقنبلة في القاعة الصامتة، وهتف بصوت أرعب القلوب: "أنا عارف كويس جداً كل واحد شغال هنا بيعمل إيه، وبيفكر في إيه، ولصالح مين بالظبط! وأنا مش هسمح بالاهمال والتسيب دة يحصل في شركتي مرة تانية.. فاكرين إنكوا بكدة بتلووا دراعي عشان ألغي العقد مع الألمان وأشتري الخامات من الشركة المنافسة بسبب العمولة الضخمة اللي هتقبضوها برة؟ صح ولا أنا غلطان؟" ساد صمت الموت في القاعة. التقط مالك أنفاسه والتفت نحو السيد "عبد الله" المسؤول الأول عن خط الإنتاج وسأله بحزم: "أستاذ عبد الله.. المخازن الحالية فيها بضاعة وخامات تغطي السوق لمدة قد إيه؟" أجابه عبد الله بتوجس: "تكفينا بالعافية الشهر دة يا فندم." هز مالك رأسه بتفهم، ثم استدعى سها وأصدر قراره القاطع الذي لا رجعة فيه بصوت مسموع للجميع: "الاستاذ مصطفى.. وكل فريق قسم الترجمة بالكامل، خلاص شغلهم انتهى معانا من اللحظة دي.. برة شركتي!" أومأت سها برأسها، والتفت مالك نحو المطرودين وتابع باحتقار: "وأنا من كرم أخلاقي هصرفلكم مرتب الشهر دة كامل عشان عائلاتكم.. الاجتماع انتهى." نهض وعاد إلى مكتبه، وقبل أن يدخل التفت لسها قائلاً: "حصليني على المكتب عايزك ضروري." وبعد أن جلس، قال لها: "هاتيلي صور وملفات فريق المشرفات والمعلمات اللي شغالين في الحضانة تحت.. هتلاقي ملفهم في الدرج التالت على اليمين في المكتبة." أحضرت سها الملف وسلمته له بأدب، فأخذ يقلب في السير الذاتية بتركيز حتى استقر على صورة المشرفة التي ضربت الطفل في الصباح، وسحب صورتها وقال لسها بجفاء: "دي تاخد كل مستحقاتها وتمشي النهاردة.. ومشوفش وشها في المبنى تاني." أدركت سها أن النقاش غباء، فأومأت طائعة. تنفس مالك بعمق وأرجع ظهره للخلف وهو يغلق عينيه بتعب: "أجلي كل مواعيد النهاردة يا سها.. مش عاوز أشوف حد." ترددت سها وقالت بقلق: "بس فيه الآنسة كيان.. اللي بقالها 3 ساعات كاملة مستنية تقابل حضرتك برة وصعبة عليا جداً." فتح عينيه فجأة؛ لقد نسي أمر قريبة ليلى تماماً وسط هذه المعمعة، لكن هذا الانتظار الطويل هدأ من حمم غضبه قليلاً. سحب ملفها الشخصي ليتطلع عليه، وقال لسها: "دخليها." تأمل مالك السيرة الذاتية لكيان، وتذكر أن سها لقبتها بـ "الآنسة"، فابتسم بتهكم مفكرًا: "آنسة؟!" لقد ظنها أمام المصعد فتاة في مقتبل العشرين لشدة رقتها وصغر ملامحها، ولم يكن يتخيل أبداً أن تكون امرأة ناضجة أتمت الثالثة والثلاثين من عمرها، بل ومطلقة ولديها أبناء! ضبط نفسه للمرة التي لا يعلم عددها وهو يفكر في تفاصيلها، قبل أن يسمع طرقات الباب ويأذن لها بالدخول. وما إن دخلت ووقفت أمامه، وجد نفسه وبلا أي مقدمات أو ترحيب يهتف بها ببروده المعتاد ليرى رد فعلها: "حضرتك مرفوضة.. مالكيش شغل عندي." رمشت كيان بعينيها عدة مرات بذهول وعدم تصديق وسألت بصدمة: "أفندم؟!" تحدث وهو يبتسم باستهزاء واستخفاف: "إيه اللي في كلامي مش مفهوم؟ بقولك إنتي مرفوضة ومش مقبولة في شركتي.. كدة فهمتي ولا أوضح تاني؟" نظرت إليه كيان بعيون جاحظة تكاد تنفجر بالدموع؛ ليس فقط بسبب الرفض القاسي بعد ثلاث ساعات من الانتظار، بل لأنها أدركت الآن بصدمة عارمة أن هذا الرجل المستفز البارد، هو نفسه ذلك الشخص الذي كان يستقل معها المصعد واستمع إلى كل تفاصيل مكالمتها الساخرة! حاولت السيطرة على ارتجاف جسدها وترتيب أفكارها المبعثرة، وأخذت نَفَساً عميقاً وقالت بجرأة وتحدٍ لتدافع عن كرامتها: "أنا آسفة على فكرة.. بس بدل ما تتشطر عليا أنا وتوريني عضلاتك، روح شوف موظفينك المستهترين اللي بيجيبوا أولادهم معاهم الشغل ويسيبوهم يتهانوا برة!" انتفض مالك واقفاً من وراء مكتبه بعنف، واستفزه هجومها غير المبرر، فهتف بنبرة حادة حملت انتصاراً: "أولاً.. ودة للعلم بس عشان تعرفي إنتي بتتكلمي مع مين، أنا بعرف أسيطر كويس جداً على شركتي وموظفيني وعارف دبة النملة هنا! واللي حضرتك بغبائك ما تعرفيهوش، إن الدور الأرضي فيه حضانة مجهزة على أعلى مستوى لأولاد الموظفين بتوعي عشان يشتغلوا في أمان." قيد ملامحها بنظرة فاحصة لاذعة وتابع بقسوة: "ثانياً بقى.. موظفيني اللي مش عاجبينك دول ناس محترمين سنهم ومركزهم ولبسهم كويس.. بصي لنفسك كدة وللبسك! دة لبس دة لابسالي جينز وكوتشي في إنترفيو رسمي لشركة عملاقة؟ ولا دة لبس لواحدة في سنك فاكرة نفسها لسه صغيرة على الحب ومراهقة؟" اشتعلت عينا كيان باللون الأحمر من فرط الإهانة والدموع المحبوسة، ولعنت في سرها احتياجها للمال وظروفها التي جعلتها فريسة لهكذا شخص، وهتفت بوجهه بصوت اهتز له المكتب: "إنت فاكر نفسك إيه بالظبط؟ ملك الكون ولا الحاكم بأمره؟! ولا تكونش مفكر إن عشان استنيت ٣ ساعات برة يبقى أنا مش لاقية آكل ومش لاقية غير الشغل بتاعك دة؟ أنا استنيت بس احتراماً للميعاد والكلمة اللي بيننا، وعلشان خاطر ليلى وبس.. بس دي غلطتي أنا إني عملت اعتبار لناس ما تستاهلش ومبتفهمش في الأصول!" استدارت نحو الباب بعنف وهي تسمح لدموعها بالهبوط بغزارة، وخرجت تضرب الباب خلفها. ظل مالك واقفاً في مكانه متسمراً، ينظر في أثرها؛ شعر بوخزة ندم خفيفة في صدره حين لمح بريق الدموع الصادقة في عينيها العسليتين، ولكنه أقنع كبريائه سريعاً بأنه لم يخطئ، فهي من بدأت بإهانة شركته ووصفه في المصعد بأوصاف لا تليق. استند على كرسيه الجلدي واغمض عينيه من فرط عصبيته وبعد مرور ساعتين قطع أفكاره طرقات سها التي دلفت قائلة بعملية وتوجس: "أستاذ مالك.. حضرتك ما قولتليش، أنزل إعلان في الجرائد والمواقع نطلب فريق مترجمين ألماني جديد بدل اللي اتفصلوا؟" عقد مالك حاجبيه بضيق؛ فقد نسي تماماً أنه طرد قسم الترجمة بالكامل والشركة تحتاج لترجمة الخطابات الألمانية فوراً لإصلاح الأزمة. تنهد بيأس وقال: "لو نزلنا إعلان هناخد وقت كبير على ما نلاقي حد بيعرف ألماني بيرفكت ومضمون.. والوقت مش في صالحنا." تابعت سها بحيرة: "طيب هنعمل إيه؟ أستاذ عبد الله بيقول لازم نبلغ الشركة الألمانية المسؤولية عن الصيانة فوراً لأن الماكينات مهددة بالتوقف." حك مالك جبهته يفكر بعمق، وفجأة، ولمع مصباح في عقله؛ التفتت عيناه نحو ملف كيان المفتوح أمامه على المكتب، لتقع عيناه على بند اللغات: (تُجيد أربع لغات كاللغة الأم ومن بينها الألمانية البرفكت). أطلق سبة منخفضة بغيظ، وأغمض عينيه تعباً ثم فتحهما قائلاً لسها: "خلاص يا سها روحي انتي.. أنا هتصرف في موضوع المترجم دة بنفسي." جلس على مقعده يستند بذقنه على كفه، وعقله يأكله التفكير: كيف يقنع تلك الفتاة المتمردة بالعودة للعمل معه بعد الإهانات المتبادلة بينهما؟ ظل التفكير يراوده حتى حسم أمره، وسحب الهاتف يبحث عن رقمها المدون في الملف وضغط زر الاتصال. ****************** خرجت كيان من مبنى الشركة بأكمله، ووقفت على الرصيف تمسح بقايا دموعها بعنف والإحباط والضيق يعتصران قلبها. تنهدت بقلة حيلة؛ كان يجب أن تعلم أن هذا اليوم سيكون شؤماً منذ أن استمعت لرسالة طليقها القاسية. وقفت تحاول استيقاف سيارة أجرى، لكن السيارات كانت تمر دون أن تعيرها انتباهاً، فابتسمت بيأس قائلة لنفسها: "يعني هي جت على العربيات كمان؟ هو يوم باين من أوله!" أخيراً توقفت سيارة، فاستقلتها وجلست تنظر من النافذة تنعي حظها العاثر. لكن كيان ليست من النوع الذي يعلن استسلامه بسهولة؛ لن تيأس ولن تتنازل عن حريتها وأحلامها، وأقسمت لنفسها أن تجد الوظيفة المناسبة وتثبت ذاتها لو اضطرت للبحث في كل بقاع الأرض. وصلت منزلها، وما إن دلفت للداخل حتى رن هاتفها برقم والدتها "السيدة سميرة". قلبت عينيها بملل وأخذت نَفَساً عميقاً لتجيب بهدوء مصطنع: "أيوه يا ماما.. عاملة إيه يا حبيبتي؟" أجابتها والدتها دون عناء الرد على سؤالها، وبنبرة جافة متوقعة: "عملتي إيه في المقابلة؟ إتقبلتي ولا الوضع زيه زي غيره كالعادة؟" تنهدت كيان بأسى من هذه الطريقة المحبطة الدائمة، وقالت بحزن: "لأ يا ماما.. ما اتقبلتش." لم تدرِ كيان إن كانت قد سمعت ضحكة شماتة مكتومة من والدتها أم أن الإحباط صور لها ذلك، خاصة وأن السيدة سميرة تابعت بلهجة آمرة صارمة: "اعملي حسابك يا كيان إن مافيش تفكير في موضوع الشغل دة تاني خالص! ودي كانت آخر فرصة ليكي أنا سمحتلك بيها.. لمي هدومك بكرة وترجعي. زفرت كيان بضيق : "ماما عشان خاطري مش وقته الكلام دة أنا تعبانة." قاطعتها والدتها بقسوة: "لأ وقته! إنتي هترجعي الغردقة هنا تقعدي معايا السنة دي لحد ما أطلع معاش، ونبقى أنا وإنتي نعيش في القاهرة سوا.. إنما قعادك لوحدك كدة وكلام في موضوع الشغل لأ! أنا طاوعتك المرة دي وسيبتك تشوفي بنفسك عشان تقتنعي.. وما تنسيش وضعك يا كيان!" أغلقت والدتها الخط فجأة، لتترك كيان في حالة من الذهول والألم. لم تدرِ أيهما آلمها أكثر: تحكم والدتها في مصيرها، أم كلمة "وضعك" التي تدرك جيداً مغزاها السام في مجتمع يعتبر لقب "مطلقة" وصمة عار وعقوبة للمرأة دائماً. تذكرت والدها الراحل وحنانه واحتوائه لها؛ لو كان حياً لما سمح لأحد بمثل هذه المعاملة. ألقت بنفسها على أقرب مقعد وانفجرت في بكاء مرير، تتساءل متى سيكون لها الحق في اتخاذ قرار يخص حياتها؟ وإلى متى ستظل تابعة لغيرها؟ قطع نحيبها رنين الهاتف برقم مجهول. تنفست بعمق لتستجمع شتات نفسها وأجابت بصوت مبحوح، ليأتيها صوت رجلي وقور ومتردد: "مدام كيان معايا؟" ضيقت عينيها بشك: "أيوة.. اتفضل مين حضرتك؟" أجاب الطرف الآخر بعد أن حمحم بتردد جديد عليه تماماً: "معاكي مالك الجمال." انتفضت واقفة في مكانها كمن صعقها التيار الكهربائي، وهتفت بغضب أعمى صبته في سماعة الهاتف: "إيه؟! نسيت إهانة تانية في المقابلة فقلت تتصل تكملها في التليفون؟ ما أنا بقيت ملطشتك،،،،،، ملطشة اللي يسوى واللي ميسواش النهاردة!" زفر مالك بضيق وأبعد الهاتف عن أذنه لثوانٍ ينظر لشاشته بذهول من حدة هجومها، وأدرك أن عصبيتها تتخطى حدود ما حدث في مكتبه، فالتمس لها العذر وتابع بهدوء شديد: "هو إنتِ مش كنتِ جاية الصبح عشان تشتغلي؟ أنا اتصلت أقولك إني وافقت إنك تشتغلي في الشركة مترجمة وتقدري تستلمي العمل." كرد فعل تلقائي متمرد مدفوع بالكرامة الجريحة، أجابته فوراً: "وأنا لو إنت آخر واحد في الدنيا دي.. مش هشتغل عندك!" تنهد مالك محافظاً على هدوئه الغريب: "وأنا مش هاخد قرارك دة دلوقتي.. هسيبك تفكري لحد بكرة، ولو وافقتي، مستنيكي بكرة الساعة 10 الصبح في مكتب الصيانة بالشركة.. سلام." كادت أن تغلق الخط معلنة الرفض البات، لكن كلمات والدتها القاسية وقرار إعادتها للغردقة رن في رأسها كإنذار خطر؛ إن مالك الجمال هو طوق نجاتها الوحيد وفرصتها الأخيرة لإثبات ذاتها والبقاء في القاهرة. ابتلعت ريقها بسرعة وقالت قبل أن يغلق: "أنا موافقة!" اندهش مالك من تحول موقفها الجذري والسريع في ثانية واحدة، ولم يستطع منع نفسه من التساؤل بشك وسخرية: "إيه السرعة دي؟! لحقتي تفكري وتدرسي القرار بالسرعة دي؟" رفعت حاجبها بنفاد صبر وقالت بقوة: "أنا يا سيدي باخد قراراتي بسرعة وبغير رأيي أسرع.. عندك مانع؟" كاد أن يضحك من طريقتها لكنه تدارك وقاره وتحدث برسمية بحتة: "تمام.. يبقى ميعادنا بكرة الساعة 10 الصبح.. مع السلامة." أغلقت المكالمة وكادت تطير من فرط الفرحة والانتصار؛ لقد هزمت إحباطها وظروفها ووالدتها في آن واحد! أمسكت هاتفها بلهفة لتتصل بوالدتها وتزف إليها خبر قبولها بالوظيفة لتكسر كلماتها، وبينما تنتظر رد والدتها على الخط، سمعت طرقات متسارعة على الباب... لتنهض مسرعة وتفتحه، وتصدم برؤية "صبا" تقف أمامها تحمل طفلتها الرضيعة وحقيبة ملابسها ووجنتها متورمة! لم تستطع كيان منع نفسها من التساؤل بصدمة: "لا متقوليش! سليم عملها أخيراً وأخد رد فعل منك وضربك؟"في صباح يومٍ صحوٍ مشرق، وقفت في شرفة منزلها الجديد، تقبض بيديها على كوب القهوة الدافئ. أخذت نَفَساً عميقاً وهي تطالع العالم الخارجي بابتسامة خفيفة، وكأنها تراه لأول مرة في حياتها. كانت تشعر أن لكل شيء حولها طعماً ومذاقاً مختلفاً؛ فها هي أخيراً تستطعم نكهة الحرية التي حُرِمت منها لسنوات، حتى نظرتها للحياة تبدلت من السواد إلى الأمل.أخذت تتطلع إلى المارين في الشارع ببعض الفضول، وتفكر أن لكل عابرٍ منهم حكاية يخبئها عن الأعين. ثم رفعت عينيها نحو الأعلى، تطالع النوافذ المغلقة للبيوت من حولها وتقول في نفسها: "وراء كل باب حكاية.. ربما حكاية سعيدة يعيش أصحابها في هناء وسرور رغم المشاكل اليومية البسيطة التي تعتبر ملح الحياة، وأخرى حزينة مدمرة.. مثل حكايتي".انعقدت شفتها عن ابتسامة تهكمية مريرة وهي تفكر فيما آلت إليه حياتها. تذكرت ذلك اليوم العصيب الذي تغيرت فيه كل المعايير؛ كان بالضبط قد مر عليه تسعة أشهر كاملة. تسعة أشهر وهي تخلد ذلك التاريخ في ذاكرتها كأنه يوم الاستقلال، بداية حريتها وحياتها الجامحة التي طالما أرادت أن تحياها بعيداً عن الجدران الخانقة.كانت حينها تججلس في غرفة الاستقبال
في يوم صحو صباحا وقفت في شرفة منزلها الجديد تمسك بين يديها كوب القهوة لتأخذ بعدها نفس عميق وهي تطالع العالم الخارجي بابتسامة خفيفة وكأنها تراه لأول مرة، كانت تشعر ان لكل شيء طعم ومذاق مختلف عن كل مرة فها هي تستطعم نكهة الحرية، حتى نظرتها للحياة اختلفت اخذت تتطلع الى المارين امامها ببعض الفضول، وتفكر ان لكل منهم حكاية في هذه الحياة، ثم رفعت عينيها تنظر للاعلى تطالع البيوت من حولها وتقول في نفسها ان وراء كل باب حكاية ربما حكاية سعيدة واصحابها يعيشون في هناء وسرور رغم المشاكل اليومية البسيطة والتي تعتبر ملح الحياة واخرى حزينة مدمرة مثل حكايتهامما دفعها الى ان تبتسم بتهكم وهي تفكر في ما آلت اليه حياتها تذكرت ذلك اليوم الذي تغيرت فيه كل المعايير كان بالضبط قد مر عليه تسعة شهورولقد خلدت ذلك اليوم في ذاكرتها عندما اعتبرته بداية حريتها وحياتها الجامحة المجنونة التي طالما ارادت ان تحياها كانت حينها تجلس في غرفة الاستقبال بمنزلها آنذاكوكان المأذون يردد تلك العبارة الشهيرة:-تريثوا ولا تتسرعوا فإن ابغض الحلال عند الله الطلاق. لا تعرف لماذا صمتت وكأنها كانت تريد ان ترى إن كان سيتمسك بها ا







