Home / الرومانسية / كيان مالك / الفصل الرابع

Share

الفصل الرابع

Author: Dina Hammad
last update publish date: 2026-06-07 00:57:45

​"ما أجمل ذلك اللقاء الذي يجمعك بمن تحب.. فهو ينسيك حنين الأمس، ويسرق من قلبك مخاوف الغد.. لكن احذر، فبعض اللقاءات تأتي محملة بالعواصف، لتبدد دفء الأمان في لحظة واحدة."

​لم تذق "صبا" طعم النوم في تلك الليلة؛ كانت تتقلب في فراشها وشريط ذكرياتها مع "سليم" يمر أمام عينيها كفيلم سينمائي طويل.

انتظرت خيوط الصباح الأولى بفارغ الصبر، تارة تنظر إلى عقارب ساعتها اليدوية، وتارة تصوب عينيها نحو ساعة الحائط، قبل أن تتم الدورة بالنظر إلى شاشة هاتفها.

زفرت بضيق وحنق، فالوقت في حضرة الانتظار يتحول إلى سلحفاة عجوز تأبى أن تتحرك.

​وأخيراً، وبعد دهر من الترقب، تأكدت صبا من نزول سليم إلى عمله. انطلقت كالسهم نحو شقتها؛ لقد حسمت أمرها وقررت أن تفاجئه بعودتها، ولم تكتفِ بذلك بل تعهدت لنفسها أن تطهو له بيديها أصناف الطعام التي يعشقها، واعدةً قلبها بأنها ستبذل كل جهد لتجعله الزوج الأسعد دائماً، متناسية غصّة الأمس.

​ما إن وطأت قدماها مدخل البناية، حتى استدعت حارس العقار قائلة بلهجة آمرة جادة:

​"بص يا عم مسعد.. أنا عايزة واحدة تكون نظيفة وأمينة أوي، تروق لي الشقة وتساعدني في البيت، بس بشرط تكون مضمونة وعلى يدك.. فاهمني؟"

​مدت يدها ووضعت في كفه بضعة أوراق مالية من أكبر فئات النقد، وتابعت بنبرة خفيضة مستعجلة:

​"وياريت ما تتأخرش عليا.. أنا مستعجلة جداً وعندي شغل كتير."

​اتسعت أسارير عم مسعد وهو يتأمل المبلغ السخي، وقال بدعاء حار:

​"ربنا يصلح لك حالك يا ست صبا، ويكرمك من وسع ويسعدك مع جوزك يا رب.. ثواني معدودة وتكون البنت عندك."

​لم يطل انتظار صبا؛ فبعد مرور حوالي نصف ساعة، كان الحارس يطرق بابها وخلفه شابة في أواخر العشرينات من عمرها. تأملتها صبا ملياً؛ كانت تبدو زوجة وأماً أثقل كاهلها الشقاء، وعلى ملامحها الطيبة تلوح آثار جمال ودفنته الأيام الصعبة. أخذت صبا نفساً عميقاً، وقالت بلهجة حازمة تعبر عن حدود خصوصيتها:

​"بصي يا..

لتجيبها المرأة بخجل واضح:

عزة ياست هانم.

ابتسمت لها صبا وتحدثت بنبرة حنونة بعض الشيء:

طيب بصي ياعزة

لو عجبني شغلك والتزامك، هتجيلي من يوم ليومين في الأسبوع ثابتين.. بس أهم حاجة عندي، أنا عايزة واحدة لا بتشوف ولا بتسمع ولا بتتكلم.. أسرار بيتي تفضل جوة بيتي وبس، فاهماني؟"

هزت عزة رأسها بسرعة وقالت بلهفة صادقة:

— والله يا هانم أنا بنت أصول… بس الظروف هي اللي حكمت عليا بالشغل… وهتشوفي بنفسك.

ابتسمت صبا ابتسامة خفيفة وربتت على كتفها:

— طيب يلا… وريني شطارتك.

انخرطت الاثنتان في العمل، وبعد ساعات من المجهود الشاق، جلست صبا على مقعد الصالون تستريح قليلاً، بينما كانت عزة تجمع الملابس المتسخة لغسلها.

عادت صبا بذاكرتها إلى ليلة أمس، وتذكرت حوارها الدافئ مع "كيان" عقب عودتها؛ لكن ما غاب عن مخيلة صبا تماماً، هو ذلك اللقاء العاصف الذي دار بين سليم وكيان أسفل البناية بالأمس!

والذي لم تعلم صبا عنه اي شيء

​لقد التقت كيان بسليم مصادفة وهو يغادر، ورأت وجهه المتجهم المحتقن بالضيق، فنظرت إليه ببعض الشفقة المخلوطة بالعتاب، ومدت يدها لمصافحته قائلة:

​"إزيك يا سليم.. عامل إيه؟"

​صافحها بجفاء ولم تختفِ علامات التجهم عن وجهه وهو يقول:

​"إزيك إنتِ يا كيان.. أديني اهو زي ما إنتِ شايفه، طالع عيني!" ثم سكت قليلاً وتابع بقلة صبر: "عقلي صاحبتك يا كيان.. الموضوع والوش اللي هي عاملاه دة كله مش مستاهل أبداً!"

​لوت كيان شفتيها بامتعاض شديد؛ فكرامتها من كرامة صبا، ولم تحتمل حرفاً يمس صديقة عمرها، فقالت بحدة:

​"صبا مش مجنونة علشان أعقلها يا سليم..."

​هتف بها سليم بضيق من دفاعها الذي يراه غير منطقي:

​"لا مجنونة ومكبرة المواضيع! أنا لحد دلوقتي مش فاهم هي سابت البيت وطفشت ليه أصلاً؟ إيه الجريمة اللي عملتها؟"

​تنهدت كيان بيأس مرير من طريقة تفكيره الجافة، وقالت بنبرة حزينة:

​"​"ولا هتفهم يا سليم.. طول ما إنت مفكر إنك لما تديها فلوس كل ما تطلب منك حاجة يبقى إنت كدة عامل اللي عليك ومش مقصر.. تبقى غلطان!"

أخذت أنفاسها وتابعت تحاول إيقاظ مشاعره: "جرب كدة في مرة تفاجئها وتدخل عليها ببوكيه ورد.. جرب مرة لما تقولك إن ضرسها بيوجعها ومجهدة، تقولها تعالي هروح معاكي للدكتور، مش تديها فلوس وتقولها ابقي روحي!"

​صوبت عينيها نحو عينيه مباشرة وتابعت بنبرة ذات مغزى عميق هزت كيانه:

​"شاركها أبسط تفاصيل يومها.. ساعدها يا أخي يوم إجازتك، إن شالله تقف معاها في المطبخ من غير ما تعمل حاجة بس تحسسها بوجودك! مش طول اليوم قاعد في البيت ماسك اللاب توب وعازل نفسك عنها.. افصل الشغل عن البيت يا سليم."

ثم نظرت إلى الأفق البعيد بغصة حزينة وتابعت: "أقسى إحساس ممكن الواحدة تحس بيه في الدنيا.. إنها تفتقد وجود زوج وسند في حياتها، فما بالك وهي متجوزة ومش لاقية الزوج دة؟!"

​لم يجد سليم حرفاً واحداً يجيب به؛ فكلمات كيان أصابت الحقيقة العارية التي كان يتهرب منها. أدرك فجأة أنه في غمرة ركضه خلف تأمين المال، تحول إلى آلة صامتة في المنزل.

نظر إلى كيان، وارتسمت على شفتيه ابتسامة حزينة منكسرة وقال:

​"أنا هرجعلها تاني بكرة.. ومش همشي من غيرها."

رحل سليم يحمل عبء كلمات كيان في عقله، وظلت كيان تنظر في أثره قليلاً تراقب خطواته المغادرة، ثم صعدت إلى منزلها.

ما إن فتحت الباب، حتى استقبلتها صبا بفرحة عارمة تملأ وجهها، وأخذت تخبرها بحماس عن مجيء سليم إليها وعن قرارها العاطفي بأنها ستعود غداً إلى بيتها ومملكتها.

​استعجبت كيان كثيراً من هذا التحول السريع، وهتفت بقلة حيلة ممتزجة بالدهشة:

​"لا إله إلا الله!.. وما مشيتيش مع جوزك ليه؟ إنتِ غاوية شحططة لوحدك يا بنتي؟!"

​زفرت صبا بقلة حيلة وضيق طفولي مخبوء، وقالت مبررة موقفها:

​"أولاً عاوزة أعمله مفاجأة.. يرجع يلاقي الشقة نظيفة ويلاقيني طبخاله كمان بإيدي.. وبعدين، قولت يتربى شوية ويحس بقيمتي واني مش بالساهل كدة ارجع."

​ابتسمت كيان بحب حقيقي لصداقتهما وخوف على مصلحة صديقتها، وقالت بنبرة ناصحة حكيمة:

​"المهم يا حبيبتي مش عاوزاكي كل ما تحصل حاجة تسيبي بيتك وتمشي.. اقعدي واتكلموا مع بعض واجهيه.

الراجل يا صبا بتحركه غريزته، إنما الست فغريزتها الحب والمشاعر.. خليكي إنتِ دايماً الطرف العاقل مش المتهور."

​ابتسمت لها صبا بتفهم وراحة، ثم تذكرت شيئاً فجأة، فسألتها بخبث ومرح:

​"صحيح.. عملتي إيه مع مدير الشركة النضيف؟" وأنهت كلماتها بغمزة شقية من عينيها.

​تغيرت ملامح كيان، ونظرت لها بغرور مصطنع ورفعت رأسها قائلة بتهكم:

​"عاوزني أشتغله مديرة في معرض عربيات كدة!.. أقوله التدرج الوظيفي والمنطق، وهو أبداً.. مصمم ومتمسك بيا وبخبراتي اللامحدودة واللامتناهية! فاضطريت أوافق."

لينفجرا في الضحك سوياً بصوت عالٍ بدد توتر الأيام الماضية، وبدأت كيان تقص عليها تفاصيل ما حدث بالضبط وسط أجواء من الألفة والدعم......

​تلاشت تلك الذكريات فجأة على صوت عزة وهي تخرج من غرفة النوم ممسكة بكومة من الملابس، وقالت بأدب:

​"أنا خلصت أوضة النوم يا صبا هانم.. أغسل الهدوم دي الأول ولا أكمل بقية الشقة؟"

​أجابتها صبا وهي تنهض وتمد يدها إليها:

​"هاتي دول افرزهم ياعزة، لحد ما تخلصي باقي الاوض."

​لكن، في منتصف كومة الملابس المتسخة، التقطت عينا صبا شيئاً جعل الدماء تتجمد في عروقها!

تيبست يدها وهي تسحب قطعة قماش صغيرة.. كانت قطعة ملابس نوم نسائية من الدانتيل الأسود الفاخر.. قطعة غريبة تماماً عنها، ولا تخصها ولم تسترها يوماً!

​شعرت صبا بصعقة كهربائية تضرب رأسها، وحرارة حارقة تصعد إلى وجهها.

رفعت القطعة بأصابع مرتعشة وهتفت بعزة وعينيها تشتعلان بشك مرعب:

​"إيه.. إيه دي يا عزة؟! دي بتاعتك؟!"

​نظرت لها عزة باستغراب شديد ودهشة عفوية، ونفت برأسها قائلة:

​"لأ طبعاً يا هانم! دي مش بتاعتي خالص.. أنا لقيتها واقعه على الأرض ورا السرير جوة في أوضة النوم وأنا بكنس!"

​سقطت الكلمات كالقنبلة في عقل صبا. تحولت في ثانية واحدة كالثور الهائج الذي رأى راية حمراء،

هي من الاساس تعلم استحالة ان تكون تلك القطعة لعزة؛ بل اتجه الشك الحارق مباشرة نحو سليم!

سليم الذي توسل إليها بالأمس لتعود.. سليم الذي استغل غيابها عن البيت لأيام ليحضر امرأة أخرى إلى فراش الزوجية وعلى أرض غرفتها!

​فقدت صبا السيطرة على أعصابها تماماً، ولم تعد ترى أمامها من فرط الغل والقهر، فصرخت بعزة بارتباك وفزع:

​"خلاص.. خلاص! خدي حسابك اهو، وسيبي اللي في إيدك وامشي حالاً.. مش عايزة أشوف حد في البيت!"

​أعطتها أموالها على عجالة وطردتها، وأغلقت الباب خلفها لتنهار مستندة عليه.

أخذت أنفاسها تتلاحق كمن تركض في ماراثون موت، وقبضت بفتك على قطعة القماش الأسود وهي تجز على أسنانها ودموع القهر تحرق وجنتيها وتهمس بنبرة متوعدة: "بقى بتخوني يا سليم؟ في بيتي وعلى سريري؟! وحياة حُرقة قلبي دي ما هرحمك!"

****************

كان "مالك" يجلس في غرفة مكتبه بالشركة ينهي بعض الأعمال والملفات الهامة بسرعة، قبل أن يذهب إلى معرض السيارات الخاص بصديقه المقرب "سيف الرفاعي" كما وعد كيان في الصباح.

​لم يكن مالك يفهم طبيعة مشاعره الحالية؛ فهو لا يعلم لمَ يشعر بتلك الحماسة الغريبة التي تجتاح صدره، حماسة طفل ذاهب في رحلة مدرسية شيقة مع أصدقائه! فهو منذ وقت طويل جداً لم يشعر بمثل هذا التدفق المبهج من قبل.

وعند هذه النقطة بالذات، توقف تفكيره بعنف؛ وانقبضت ملامحه، فهو رجل صارم لا يريد ولا يسمح بأن تتملكه مثل تلك المشاعر العاطفية أو تكسر جدار ثلجه. حاول إقناع نفسه بنبرة جافة وعقلانية: أنا فقط متشوق من أجل استفزازها وكسر غرورها اللامحدود.. ليس إلا!

التقط هاتفه وقام بالاتصال بسيف للاطمئنان عليه؛ وما إن أتاه الرد حتى قال مالك بنبرة دافئة تظهر جانبه الآخر كصديق مخلص:

​"سيفو حبيبي.. عامل إيه النهاردة؟ طمني عليك؟"

​جاءه صوت سيف وهناك نبرة تعب مستترة:

​"أنا الحمد لله أحسن كتير يا صاحبي.. وخلاص كتبوا لي على خروج النهاردة، قولت أخد فترة النقاهة في بيتي أحسن من خنقة المستشفى."

​ابتسم مالك وقال ممازحاً إياه ليخفف عنه:

​"وقدرت تسيب الممرضات اللطاف اللي هناك دول؟"

أجابه سيف بحزن مصطنع ضاحكاً:

​"أعمل إيه بس.. غصب عني، ما أنت عارف صاحبك ريحة الأدوية والمطهرات بتخنقني وتقلب بطني."

​ضحك مالك بملء صوته، ونهض يلملم أغراضه وهاتفه قائلاً:

​"تمام.. أنا كدة كدة رايح على المعرض بتاعك، هعدي عليك الأول أوصلك البيت، وعربيتك هخلي حد من السواقين يجيبهالك لحد عندك."

​لكن سيف سارع بالرد فوراً:

​"لا يا مالك، أنا طلبت أوبر… هجيلك هناك أحسن ما أقعد لوحدي.

ثم صمت قليلًا قبل أن يضيف:

— يلا أقفل… السواق وصل.

انقطع الخط، وتذكر مالك فجأة وجود "كيان" في المعرض؛ كيان التي عينها دون علم سيف! شعر برغبة عارمة في الوصول قبل سيف ليحميها من أي سوء تفاهم، فاندفع نحو سيارته وطلب من سائقه التحرك بأقصى سرعة.

​ولكن، لم تكد تمر دقائق معدودة، حتى صدح رنين هاتفه برقم مدير الأمن في أحد مصانعه الخاصة.

أجاب فوراً ليتغير وجهه في ثانية واحدة، وتتصلب ملامحه وصاحب الصوت يصرخ بفزع:

​"مالك بيه! الحقنا.. في حريق ضخم في المخزن الرئيسي للمصنع والنار بتنتشر بسرعة!"

​انقبض قلب مالك، وصرخ بالسائق بعصبية مفرطة:

​"لف وارجع حالاً! اطلع بينا على مصنع العاشر بسرعة!".. غاب عن ذهنه المعرض وكيان، وأصبح عقله معلقاً بإنقاذ مصنعه من الرماد.

*****************

على الجانب الاخر حيث كيان…

فقد وصلت إلى المعرض منذ قليل.

لكن سيارة مالك لم تكن موجودة.

عضت شفتها بضيق قبل أن تدخل، لتتفاجأ بأن جميع العاملين ينظرون إليها بطريقة أربكتها بشدة.

فهي تبدو أصغر من أن تكون موظفة أصلًا… فما بالك بأنها ستكون المسؤولة المؤقتة عن المكان.

كانت تشعر وكأنها طفلة ضلت طريقها داخل مكان لا يناسبها.

​سارت بخطوات مرتبكة وسريعة حتى وصلت لغرفة المكتب وأغلقت الباب، وهي تلعن مالك في سرها وتلعن ذلك الموقف السخيف الذي لا تحسد عليه والذي وضعها به. ومن قبله، راحت تلعن غباءها وعنادها؛ فلقد قررت في الصباح استفزازه مرة أخرى بطريقة ملابسها لتثبت له عدم انصياعها لأوامره، حيث كانت ترتدي فستاناً أبيض ناعماً ومزيناً بورود صغيرة من اللون الكشمير، يصل بالكاد إلى ركبتيها، يتجسد عليها بنعومة ويتسع من عند الخصر إلى ركبتيها، وترتدي فوقه جاكيت من الجينز الأزرق القصير، وكالعادة حذاء رياضياً خفيفاً. وقفت خلف الباب تلمس فستانها وأخذت تسأل نفسها بهمس وحنق:

​"أنا مش فاهمة إيه اللي بكون بفكّر فيه لما بقرر أعانده بطريقة لبسي دي!"

زفرت بضيق وملل قاتل، وجلست على الكرسي المقابل للمكتب وهي تنظر في ساعة يدها بمعدل كل ربع ساعة، والوقت لا يتحرك. أمسكت هاتفها تعبث به قليلاً لعلها تلهي نفسها، وسرعان ما شعرت بالملل الشديد. وقفت ثم بدأت تستكشف تلك الغرفة الواسعة بأناقتها الفخمة؛

كانت الغرفة واسعة بشكل أنيق ومرتب بطريقة تعكس شخصية صاحبها.

كل شيء منظم بدقة،

أوراق مرتبة،

روائح عطر خشبية هادئة،

ومكتب ضخم يبدو وكأنه يفرض هيبته على المكان.

اتجهت إلى المقعد الجلدي الوثير الخاص بالمدير، وجلست عليه وأسندت ظهرها براحة تامة، وأخذت تتأرجح به يميناً ويساراً بحركات طفولية عفوية.

وأثناء تأرجحها، لمحت زراً أسود غامضاً على حافة المكتب، فضغطت عليه فضولاً ظناً منها أنه خاص بإنارة ذلك المصباح الكلاسيكي القابع فوقه.. ولكنه لم ينر.

​ما هي إلا ثوانٍ معدودة، حتى استمعت إلى طرق مؤدب ومتتابع على الباب. تداركت جلستها وأذنت بالدخول، لتجد رجلاً يرتدي زي البوفيه يدخل ويحييها باحترام شديد ويسألها عما تريد.

أخذت ترمش بعينيها بحرج وارتباك إلى أن أدركت بصدمة أن ذلك الزر ما هو إلا جرس سري لاستدعاء عامل البوفيه للمدير! فتنحنحت تجلي حرجها وطلبت كوباً من القهوة المظبوطة.

​بعد حوالي ربع ساعة، جاء إليها بكوب القهوة الدافئ، ووضعه أمامها وهو يخبرها بأدب بأن الموظفين سيغادرون الصالة الآن من أجل "راحة الغداء"

اومأت له بهدوء وهي تشكره بابتسامة لطيفة،

وجلست هي بمفردها ترتشف قهوتها في صمت المكان،

وضعت السماعات الخاصة بالهاتف في أذنها، وأغلقت عينيها قليلًا وهي تستمع للموسيقى كنوع من التسلية وتضييع الوقت العازل لها عن العالم الخارجي. أراحت رأسها للوراء قليلاً على مسند الكرسي الوثير مغمضة عينيها ودافنة جسدها الصغير فيه.

ومع هدوء المكان وبرودته…

وراحة المقعد…

وإرهاق اليومين الماضيين…

غفت دون أن تشعر.

لم تدرِ كم من الوقت مر عليها وهي غارقة في نومها، إلى أن شعرت فجأة وبشكل مباغت بلمسة يد حازمة تخلع من أذنها السماعة برفق وجرأة!

​انتفضت كيان من مكانها كالملسوعة وفتحت عينيها بهلع وصدمة تائهة، لتجد شخصاً غريباً تماماً يقف أمامها مستنداً على عكاز طبي، ويوجد تلك اللاصقة الطبية البيضاء على جبهته فوق عينه، يتأملها بنظرات حادة ومندهشة.

​قطبت جبينها، وهتفت به بقوة وعصبية مفرطة لتداري حرج نومتها:

​"إنت مين؟! وإزاي تدخل عليا المكتب كدة من غير ما تخبط؟! هي وكالة من غير بواب ولا إيه؟!"

​نظر لها الشاب باندهاش وصدمة من لسانها السليط وثقتها، وتحدث بنبرة متهكمة ساخرة وهو يتكئ على عكازه:

لا انا اسف فعلا.... بس أنا بقالي خمس دقايق بكح واتنحنح وحضرتك نايمة ومش حاسة بحاجة.

​نظرت كيان إلى الأرض بحرج قاتل جعل وجهها يشتعل حمرة، وأخذت تعض على شفتها السفلية بندم، ثم رفعت عينيها إليه مرة أخرى وحاولت استجماع كبريائها المزيّف:

​"ولو!.. برضه ما تدخلش عليا مكتبي كدة.. عموماً حصل خير، حضرتك تؤمر بحاجة ؟"

​حسناً.. سوف يتغاضى "سيف عن كلمة"مكتبي" الآن، ويكتم رغبته في الضحك إلى أن يعلم من تكون تلك الفتاة الشرسة التي دلف إلى مكتبه ووجدها نائمة على كرسيه

ففي البداية، ظنها ابنة أحد العاملين لديه بالمعرض، خصوصاً بذلك الفستان القصير الذي ترتديه والذي جعلها أشبه بالأطفال؛ فقرر مجاراتها حتى يعلم من تكون وما الذي تفعله في عرينه بالضبط.

​نظر سيف حوله في أرجاء الغرفة الصامتة وهو يسأل بخبث:

​"هو مافيش حد هنا غيرك ولا إيه؟"

زفرت بملل وضيق، ولكنها بدأت تحسن من أسلوبها وطريقتها معه فربما يكون عميلاً ثرياً يريد الشراء:

​"راحوا يتغدوا.. اتفضل حضرتك اقعد ارتاح." ثم ابتسمت له ابتسامة رسمية وهي تعرفه عن نفسها بثقة: "أنا كيان.. المسؤولة هنا."

​ظل سيف واقفاً مكانه، وعلى وجهه وداخل عينيه علامات اندهاش وصدمة تامة؛ فمتى جاءت هذه الطفلة الفاتنة لتكون مسؤولة عن إمبراطوريته؟!

ظل يطيل النظر إليها وإلى تفاصيلها، إلى أن استمع إليها تتحدث مرة أخرى بجرأة وعفوية وهي تراه يستند بصعوبة على قدمه المصابة:

​"يا أستاذ اقعد وإنت مدشدش كدة!"

​رفع حاجبيه بذهول وصدمة من كلماتها الجافة، لتتدارك نفسها وارتباكها بسرعة:

​"أقصد.. يعني حضرتك شكلك تعبان والإصابة واضحة."

​هز رأسه بيأس من طريقتها وجلس على المقعد الجلدي المقابل للمكتب، وظل صامتاً تماماً يراقب حركاتها بنظرات غامضة. انتظرت كيان أن يتحدث أو يطلب شيئاً لكنه ظل على صمته المريب، فتحدثت هي بنفاد صبر وضيق:

​"هو حضرتك جاي تريح هنا ولا في طلب معين؟"

​نظر لها مطولاً، وجدها فرصة سانحة للعب معها واختبار مدعي الخبرة، فقال بجدية مصطنعة:

​"ممكن تقوليلي مواصفات العربيات عندكوا وترشحيلي الأحسن والأنسب ليا؟"

​تجمدت كيان في مكانها، ونظرت له ببلاهة تامة وأخذت ترمش بعينيها بذعر وهي تعض على شفتها السفلية بقلة حيلة ورطة.

وجه سيف أنظاره إلى شفتيها الصغيرتين والارتجاف البادي عليها، والأفكار تعصف بذهنه من جاذبيتها العفوية، لكنه استطاع ببراعة أن يرسم الجدية الصارمة على وجهه قائلاً بشماتة وتحدٍ:

​"إيه؟! مش حضرتك المسؤولة هنا؟ يعني المفروض تكوني عارفة كل حاجة وكل خرم إبرة في المكان!"

​حمحمت كيان تجلي صوتها المتهدج، وتحدثت بتوتر واضح وملحوظ:

​"آه.. طبعاً هو كلامك مظبوط بس.. بس أنا..."

​كادت تخبره صراحة أنه يومها الأول في المعرض، عندما استمعوا فجأة إلى صوت جلبة ضخمة وأصوات صراخ ومشادة كلامية حادة تأتي من صالة العرض بالخارج!

لتهب كيان واقفة باندفاع وقوة حتى ترى ما يحدث وتنقذ الموقف، وتحرك سيف هو الآخر من ورائها ببطء مستنداً على عكازه.

​خرجت إلى الصالة الفسيحة لتجد مشادة كلامية حامية وعراكاً شارف على الاشتباك بين اثنين من الموظفين بسبب خطأ في الحسابات، لكن ما أثار غيظها وخوفها حقاً هو أن هناك عميلاً كان يقف في منتصف المكان يشاهد تلك الفوضى بضيق واشمئزاز.

شعرت كيان بالمسؤولية، فتقدمت وهتفت بجميع الموظفين بصوت حازم وقوي تملؤه الهيبة أسكتتهم به فوراً:

​"بس انت وهو مش عايزة أسمع صوت حد فيكوا!"

​التفت الموظفون برعب ونظروا اتجاهها، ولكن ما إن وقعت أعينهم على الشاب الواقف خلفها، حتى اتسعت أعينهم بصدمة وشلل وكادوا ينطقون باسمه، ليجدوا سيف يقف من خلفها يرفع يده الحرة ويشير لهم بإصبع السبابة على شفتيه بحدة، آمراً إياهم بعدم التحدث أو الإفصاح عن هويته الحقيقية أمامها!

​لم تلحظ كيان إشارته للموظفين؛ بل نظرت هي لهم نظرة ذات مغزى صارم، وتقدمت وتوجّهت نحو العميل لتتم الصفقة بنفسها وبدأت تتعامل معه بلباقة وذكاء شديدين تحت أنظارهم المندهشة.

وكانت كلما واجهها سؤال تقني معقد أو توقف أمامها سؤال ما حول المحركات أو الأسعار، تنظر للموظفين بنظرة حادة مهددة فيجيبونها فوراً خوفاً ورعباً من سيف الواقف في الخلف، إلى أن أنهت المهمة بنجاح باهر وأرضت العميل تماماً وغادر.

​ما إن رأى سيف بإنباهار مكتوم أنها استطاعت الإمساك بزمام الأمور والسيطرة على المعرض بهذه الكفاءة، دلف إلى المكتب مرة أخرى متوجهاً نحو مكتبه الفخم، وفتح أحد الأدراج بمفتاحه الخاص وبدأ يفتش في بعض الأوراق والملفات الهامة الخاصة بحسابات الإيرادات والشركات.

​دخلت كيان المكتب خلفه بعد إنهاء عملها، لتتفاجأ به يقف بكامل أريحيته يفتش في أوراق الإدارة! شهقت بفزع، وهتفت به بقوة وشراسة:

​"أنا من الأول أصلاً شاكة فيك وفي منظرك!.. ما هو منظرك المتشلفط دة مش منظر واحد جاي يشتري عربية أبداً.. إنت حرامي وجاي تسرق المعرض!"

​استدار سيف ببطء شديد مستنداً على عكازه ليقف بمواجهتها بكامل طوله وهيبته الطاغية، ونظر لها ببرود تام وثقة جليدية أثارت غيظها وجنونها. ضربت الأرض بقدمها بعصبية وصاحت بنفاد صبر:

​"إنت بارد كدة ليه؟! أنا هبلغ البوليس حالاً يقبض عليك!"

​ذهبت اتجاه المكتب بسرعة لتمسك هاتفها وتنفذ وعيدها، عندما سمعته يتحدث بنفس النبرة الهادئة والبرود المثير للأعصاب:

​"والله.. لو في حد في المكان دة كله لازم يبلغ البوليس.. فهو أنا مش إنتِ يا شاطرة."

​نظرت له وعيناها تتسع بغيظ شديد، وهي تجز على أسنانها من فرط بجاحته:

​"يا بجاحتك يا أخي!.. إن ت..."

​كادت تكمل هجومها اللفظي، لتجده يتحرك ببطء وثبات مثير للأعصاب اتجاهها مستغلاً طوله الفارع، فصمتت على الفور وعقد لسانها وهي تعود للوراء بخطوات متهيبة بظهرها إلى أن اصطدمت بالحائط تماماً ولم يعد وراءها متسع.

فنظرت من حولها برعب تبحث عن أي مخرج أو مهرب، لتتفاجأ به يقف أمامها مباشرة، يفصل بينهما إنشات قليلة، حابساً إياها تماماً بين جسده القوي والحائط واضعاً يده فوق رأسها، ومتحدثاً بهدوء مريب خطف أنفاسها:

​"إنتِ بقى اللي هنا بتعملي إيه في معرضي؟ وجوة أوضة مكتبي.

من هذا المجنون؟! كان هذا هو الحديث الدائر في عقل كيان، أخذت نفساً عميقاً وهي تخرجه ببطء شديد محاولة استجماع شجاعتها المبعثرة، إلى أن استطاعت التحدث وتوجيه نظرات التحدي إليه:

​"معرض مين ومكتب مين يا عم إنت؟! إنت شكلك مجنون وهربان من العباسية فعلاً.. دة معرض مستر مالك الجمال.

ضيق سيف عينيه بشدة، وهو ينظر في أعماق عينيها ما إن نطقت اسم "مالك".

​في تلك اللحظة، استطاع عقله الذكي وفراسته أن يفهما ما الذي يحدث تقريباً، وربط الخيوط ببعضها؛ لكنه تساءل في سره بحنق: لماذا لم يخبره مالك بأمر هذه الفتاة؟ ولماذا عينها هنا ولماذا لم يأتِ من الاساس؟

ظل واقفا أمامها، وأخرج هاتفه واتصل بمالك ليسأله: ما الذي يحدث؟ ولماذا لم يأتِ؟

وما إن أجابه مالك... حتى تجمد وجه سيف من هول ما سمع.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • كيان مالك   الفصل الخامس

    كان الهواء داخل مكتب "سيف" بالمعرض ثقيلًا، خانقًا، ومريبًا إلى الحد الذي جعل أنفاس "كيان" تتهدج في صدرها. وقفت متصلبة وعيناها تتسعان بذهول وقلق ينهشان هدوءها، وهي تتأمل ذلك الرجل القابع أمامها. ملامحه لم تكن غريبة فحسب، بل كانت تحمل آثار معركة حامية وطازجة؛ كدمات زرقاء، وخدوش متفرقة تشي بشجار عنيف دار قبل قليل. في البداية، قفز إلى عقلها أنه لص محترف اقتحم المكان، لكن نبرته الهادئة، المستفزة برودتها، جعلت دماءها تتجمد في عروقها. كان يتقدم منها ببطء، يحني رأسه قليلًا ليخترق مساحتها الشخصية، ويهمس بكلمات تقطر ثقة:— أنتِ اللي هنا.. بتعملي إيه في المعرض بتاعي، وجوة أوضة مكتبي كمان؟​تراجعت خطوة، وجفناها يرمشان بتلاحم سريع محاولةً رتق الفجوة بين الواقع والهذيان. مَعرض مَن؟ ومكتب مَن؟ ومَن هذا المجنون الذي يسحق الفراغ الفاصل بينهما بكبرياء جريء؟ حاولت استجماع شتات نفسها، أغمضت عينيها وأخذت نفساً عميقاً، زفرته ببطء شديد وهي تتذكر ذلك الزر السحري أسفل حافة المكتب؛ الزر الذي استدعت به الساعي منذ فترة وجيزة. كانت بحاجة لثوانٍ فقط لتتحرر من حصار نظراته الحادة، فقالت بنبرة حاولت جعلها جامدة

  • كيان مالك   الفصل الرابع

    ​"ما أجمل ذلك اللقاء الذي يجمعك بمن تحب.. فهو ينسيك حنين الأمس، ويسرق من قلبك مخاوف الغد.. لكن احذر، فبعض اللقاءات تأتي محملة بالعواصف، لتبدد دفء الأمان في لحظة واحدة."​لم تذق "صبا" طعم النوم في تلك الليلة؛ كانت تتقلب في فراشها وشريط ذكرياتها مع "سليم" يمر أمام عينيها كفيلم سينمائي طويل.انتظرت خيوط الصباح الأولى بفارغ الصبر، تارة تنظر إلى عقارب ساعتها اليدوية، وتارة تصوب عينيها نحو ساعة الحائط، قبل أن تتم الدورة بالنظر إلى شاشة هاتفها.زفرت بضيق وحنق، فالوقت في حضرة الانتظار يتحول إلى سلحفاة عجوز تأبى أن تتحرك.​وأخيراً، وبعد دهر من الترقب، تأكدت صبا من نزول سليم إلى عمله. انطلقت كالسهم نحو شقتها؛ لقد حسمت أمرها وقررت أن تفاجئه بعودتها، ولم تكتفِ بذلك بل تعهدت لنفسها أن تطهو له بيديها أصناف الطعام التي يعشقها، واعدةً قلبها بأنها ستبذل كل جهد لتجعله الزوج الأسعد دائماً، متناسية غصّة الأمس.​ما إن وطأت قدماها مدخل البناية، حتى استدعت حارس العقار قائلة بلهجة آمرة جادة:​"بص يا عم مسعد.. أنا عايزة واحدة تكون نظيفة وأمينة أوي، تروق لي الشقة وتساعدني في البيت، بس بشرط تكون مضمونة وعلى يدك

  • كيان مالك   الفصل الثالث

    *"عندما تقرر النجاح، فعليك تحديد هدفك أولاً.. ولكن، احذر أن تربط نجاحك، أو تطلعاتك، أو حتى سعادتك بوجود أشخاص؛ فحينها ستفشل وبجدارة.. إنما أنت هو الشخص، والفرصة، والحل الوحيد لنجاحك."*كانت هذه الكلمات بمثابة الدستور السري الذي خطّته "كيان" بدموعها وكرامتها من تجربة زواجها الجحيمية السابقة. درسٌ قاسٍ دفع ثمنه شبابها، والآن، ها هي تقف على أعتاب طريقها الجديد، تخطو أولى خطواتها بنبضات قلب متسارعة ولكن ثابتة. لم تعد تلك المرأة التي تنتظر من ينقذها؛ بل وضعت أهدافها نصب عينيها، وتعهدت ألا تحيد عنها مهما بلغت العواصف.داخل مكتب أنيق غارق في الفخامة بالطابق العشرين من شركة "كريتيف"، وضعت كيان القلم جانباً بعد أن وقعت على عقود العمل؛ عقودٌ دفعتها ظروفها الخانقة ورغبتها في التحدي إلى الإمضاء عليها دون أن تلمح بنداً واحداً من بنودها للأسف.التقط "مالك الجمال" الأوراق، وجفف حبرها بنظرة سريعة، ثم مد يده بنسختها قائلاً بنبرة تقريرية صارمة، تشعر معها أن كلامه أمر عسكري لا يقبل النقاش، قبل أن ينهض من مقعده الوثير بكامل هيبته:* "يلا.. تعالي معايا، طالعين شغل."رمقته كيان بنظرة مبهوتة، وحاولت فتح شفت

  • كيان مالك   الفصل الاول

    ​في صباح يومٍ صحوٍ مشرق، وقفت في شرفة منزلها الجديد، تقبض بيديها على كوب القهوة الدافئ. أخذت نَفَساً عميقاً وهي تطالع العالم الخارجي بابتسامة خفيفة، وكأنها تراه لأول مرة في حياتها. كانت تشعر أن لكل شيء حولها طعماً ومذاقاً مختلفاً؛ فها هي أخيراً تستطعم نكهة الحرية التي حُرِمت منها لسنوات، حتى نظرتها للحياة تبدلت من السواد إلى الأمل.​أخذت تتطلع إلى المارين في الشارع ببعض الفضول، وتفكر أن لكل عابرٍ منهم حكاية يخبئها عن الأعين. ثم رفعت عينيها نحو الأعلى، تطالع النوافذ المغلقة للبيوت من حولها وتقول في نفسها: "وراء كل باب حكاية.. ربما حكاية سعيدة يعيش أصحابها في هناء وسرور رغم المشاكل اليومية البسيطة التي تعتبر ملح الحياة، وأخرى حزينة مدمرة.. مثل حكايتي".​انعقدت شفتها عن ابتسامة تهكمية مريرة وهي تفكر فيما آلت إليه حياتها. تذكرت ذلك اليوم العصيب الذي تغيرت فيه كل المعايير؛ كان بالضبط قد مر عليه تسعة أشهر كاملة. تسعة أشهر وهي تخلد ذلك التاريخ في ذاكرتها كأنه يوم الاستقلال، بداية حريتها وحياتها الجامحة التي طالما أرادت أن تحياها بعيداً عن الجدران الخانقة.​كانت حينها تججلس في غرفة الاستقبال

  • كيان مالك   الفصل الاول

    في يوم صحو صباحا وقفت في شرفة منزلها الجديد تمسك بين يديها كوب القهوة لتأخذ بعدها نفس عميق وهي تطالع العالم الخارجي بابتسامة خفيفة وكأنها تراه لأول مرة، كانت تشعر ان لكل شيء طعم ومذاق مختلف عن كل مرة فها هي تستطعم نكهة الحرية، حتى نظرتها للحياة اختلفت اخذت تتطلع الى المارين امامها ببعض الفضول، وتفكر ان لكل منهم حكاية في هذه الحياة، ثم رفعت عينيها تنظر للاعلى تطالع البيوت من حولها وتقول في نفسها ان وراء كل باب حكاية ربما حكاية سعيدة واصحابها يعيشون في هناء وسرور رغم المشاكل اليومية البسيطة والتي تعتبر ملح الحياة واخرى حزينة مدمرة مثل حكايتهامما دفعها الى ان تبتسم بتهكم وهي تفكر في ما آلت اليه حياتها تذكرت ذلك اليوم الذي تغيرت فيه كل المعايير كان بالضبط قد مر عليه تسعة شهورولقد خلدت ذلك اليوم في ذاكرتها عندما اعتبرته بداية حريتها وحياتها الجامحة المجنونة التي طالما ارادت ان تحياها كانت حينها تجلس في غرفة الاستقبال بمنزلها آنذاكوكان المأذون يردد تلك العبارة الشهيرة:-تريثوا ولا تتسرعوا فإن ابغض الحلال عند الله الطلاق. لا تعرف لماذا صمتت وكأنها كانت تريد ان ترى إن كان سيتمسك بها ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status