LOGINدفعت الباب ببطء.
دخلت.
كانت تجلس هناك.
فتاة في منتصف العشرينات تقريبًا.
هادئة على نحوٍ يثير القلق.
ليس لأنها لا تتحرك...
بل لأن كل حركة تقوم بها تبدو محسوبة بعناية.
جلست في مقعدي.
فتحت الملف.
ميرا.
اسم بسيط.
ومع ذلك...
توقفت عنده لثوانٍ دون أن أعرف السبب.
قلت بهدوء:
"هل هذه زيارتك الأولى للعيادة؟"
هزّت رأسها.
"نعم."
كان صوتها ثابتًا.
لكن فيه شيء لا يشبه أصوات الأشخاص الذين يزورون طبيبًا نفسيًا للمرة الأولى.
قلت:
"هل أحالك أحد إلى هنا؟"
أجابت دون تردد:
"لا."
ثم أضافت:
"جئت بإرادتي."
أومأت برأسي.
"وما الذي دفعك إلى المجيء اليوم تحديدًا؟"
رفعت عينيها نحوي.
وقالت بهدوء:
"لأنني بدأت أشعر أنني أختفي."
توقفت يدي عن الكتابة.
ليس لأن العبارة غريبة...
بل لأنها قيلت بثقة لا تناسب غرابتها.
قلت:
"ماذا تقصدين بأنك تختفين؟"
رفعت كتفيها قليلًا.
"ليس جسدي."
صمتت لحظة.
ثم أضافت:
"لكن الناس من حولي... أصبحوا يرونني أقل."
ساد الصمت بيننا لثوانٍ.
ثم سألتها:
"ومتى بدأ هذا الشعور؟"
أطرقت برأسها قليلًا.
"منذ فترة."
قلت:
"هل تتحدثين عن أشهر... أم سنوات؟"
رفعت نظرها نحوي.
ثم قالت:
"لا أعلم."
توقفت عن الكتابة.
هذه الإجابة لم تكن ناقصة.
بل كانت تحمل شيئًا آخر.
غموضًا لا يبدو متعمدًا.
قلت بهدوء:
"دعينا نحاول أن نكون أكثر دقة."
ترددت.
فأكملت:
"متى كانت آخر مرة شعرتِ فيها أنك حاضرة في حياتك فعلًا؟"
ساد الصمت.
هذه المرة كان أطول.
وكأنها تبحث في مكان بعيد داخلها.
ثم قالت:
"عندما كنت طفلة."
لم أعلق.
بل سألت بهدوء:
"في أي عمر تقريبًا؟"
فكرت للحظة.
"ربما... قبل أن أنهي المرحلة المدرسية."
لم يكن الجواب وحده ما أثار انتباهي.
بل الطريقة التي نطقت به.
كانت تتحدث عن طفولتها...
كما لو أنها تتحدث عن طفولة شخص آخر.
قلت:
"وما الذي تغيّر بعد ذلك؟"
أنزلت عينيها نحو يديها.
ثم قالت:
"بدأ الآخرون يتخذون القرارات نيابةً عني."
توقفت قليلًا.
ثم أضافت:
"حتى نسيت كيف أتخذ قرارًا يخصني."
كتبت ملاحظة قصيرة في الملف.
لكنني توقفت.
شعرت أن يدي أبطأ من المعتاد.
وكأن الفكرة تصل إلى ذهني...
بعد لحظة من وصولها إلى الصفحة.
همست في داخلي:
"ركز يا آدم."
أغلقت القلم.
ثم فتحته مرة أخرى.
لم أكن أعرف...
هل أنا الذي فقد تركيزه؟
أم أن في هذه الجلسة شيئًا يربكني؟
رفعت رأسي إليها.
قلت:
"ميرا..."
أجابت بهدوء:
"نعم؟"
توقفت للحظة.
للمرة الأولى منذ بدأت الجلسة...
لم أشعر أن اسمها غريب.
بل شعرت...
أنني سمعته من قبل.
لكنني...
لم أتذكر أين.
ظللت أحدق فيها.
أما هي...
فلم تُبدِ أي استغراب من صمتي.
قالت بهدوء:
"هل قلت شيئًا خاطئًا؟"
انتبهت إلى نفسي.
"لا."
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
"كنت أفكر فقط."
أومأت برأسها.
وكأنها فهمت أكثر مما قلت.
أعدت فتح الملف.
قلت:
"أخبريني عن يومك."
نظرت إليّ باستغراب.
"يومي؟"
"نعم."
"كيف يبدأ؟"
ابتسمت ابتسامة باهتة.
"مثل كل الأيام."
"استيقظ."
"أرتدي ملابسي."
"أذهب إلى عملي."
"أعود."
"أنام."
سألتها:
"وأين أنتِ في كل ذلك؟"
رفعت حاجبيها.
"لم أفهم."
قلت:
"وصفتِ ما تفعلينه."
"لكنكِ لم تصفي نفسك."
...
ساد الصمت.
قالت بعد لحظات:
"لا أعرف."
كتبت ملاحظة قصيرة.
ثم رفعت رأسي.
"ما طبيعة عملك؟"
"أعمل في مكتبة."
"وهل تحبين القراءة؟"
ابتسمت للمرة الأولى.
لكن الابتسامة اختفت بسرعة.
"كنت أحبها."
"وماذا تغير؟"
تنهدت.
"لم أعد أتذكر آخر كتاب أكملته."
قلت:
"هل فقدتِ الشغف؟"
هزت رأسها ببطء.
"لا."
ثم نظرت إلى النافذة.
"أعتقد أنني فقدت نفسي."
لم أكتب شيئًا هذه المرة.
تركت الصمت يعمل.
قالت فجأة:
"هل سبق أن شعرت بأنك موجود بين الناس..."
توقفت.
"...لكن أحدًا لا يراك؟"
رفعت بصري إليها.
هذا السؤال...
لم يكن موجهًا إلى الطبيب.
بل إلى الإنسان الذي يجلس أمامها.
قلت بهدوء:
"ما الذي جعلك تشعرين بذلك؟"
ابتسمت ابتسامة حزينة.
"لأن الجميع يتذكر ما أفعله."
سكتت.
"لكن لا أحد يتذكرني."
شعرت بشيء ينقبض في داخلي.
كانت الجملة بسيطة.
لكن وقعها...
لم يكن بسيطًا.
كتبت كلمة واحدة في الملف.
«العزلة.»
ثم توقفت.
حدقت في الكلمة.
لثوانٍ.
لا أعرف لماذا...
لكنها بدت مألوفة.
مألوفة أكثر مما ينبغي.
قالت ميرا:
"هل كتبت شيئًا سيئًا؟"
أغلقت الملف بهدوء.
"لا."
"كتبت أول كلمة خطرت في بالي."
ابتسمت بخفة.
"وهل تصدق الكلمات الأولى دائمًا؟"
رفعت رأسي إليها.
كان سؤالًا غريبًا.
قلت:
"ولماذا سأفعل؟"
قالت:
"لأن أول كلمة..."
توقفت.
"...غالبًا تكون الأكثر صدقًا."
ساد الصمت.
هذه المرة...
لم أشعر أنني أنا من يقود الجلسة.
بل شعرت...
أنها تقودني إلى مكان لا أعرفه.
رن جرس انتهاء الجلسة.
نظرت ميرا إلى الساعة.
ثم نهضت بهدوء.
قالت:
"انتهى الوقت."
"نعم."
وقفت.
ثم سألت قبل أن تغادر:
"هل سنلتقي الأسبوع القادم؟"
قلت:
"إذا رغبتِ في ذلك."
ابتسمت.
ابتسامة صغيرة يصعب تفسيرها.
ثم قالت:
"أظن أنني سأعود."
خرجت.
وأُغلق الباب خلفها.
بقيت أحدق في الباب لثوانٍ.
ثم فتحت الملف مرة أخرى.
تصفحت الصفحة الأولى.
ثم الثانية.
ثم توقفت.
عقدت حاجبي.
همست لنفسي:
"غريب..."
مددت يدي إلى درج المكتب.
وأخرجت قائمة مواعيد الأسبوع.
بحثت عن اسمها مرة أخرى.
كان موجودًا.
كل شيء طبيعي.
كل شيء في مكانه.
إلا ذلك الشعور...
شعورٌ غامض لا يكف عن تكرار فكرة واحدة:
"أنت تعرف هذا الاسم..."
لكن...
من أين؟
إلى كل من وصل إلى هذه الصفحة...قبل أن أكتب أي كلمة شكر، أريد أن أتوقف قليلًا وأقول لكم: شكرًاشكراً لأنكم لم تكونوا مجرد قرّاء لهذه الرواية، بل كنتم جزءًا من رحلتها.عندما بدأت كتابة "كلنا مجانين"، لم أكن أريد أن أكتب قصة عن الألم فقط، ولا عن المرض النفسي فقط، ولا عن شخص يحاول اكتشاف حقيقة مخفية. كنت أريد أن أكتب عن الإنسان نفسه... عن الجزء الذي نخفيه جميعًا، عن الأسئلة التي لا نجرؤ على طرحها، وعن المعارك التي تحدث داخلنا ولا يراها أحد غيرنا.ربما رأيتم في آدم شخصًا يبحث عن أخته، أو طبيبًا يحاول فهم الآخرين، أو إنسانًا يحمل ماضيًا أثقل من قدرته على الاحتمال. لكن بالنسبة لي، كان آدم أكثر من ذلك. كان يمثل كل شخص حاول أن يبدو قويًا أمام العالم، بينما كان يخوض معركة صامتة بداخله.شكرًا لأنكم منحتموه الوقت.شكرًا لأنكم استمعتم إلى صمته قبل كلماته، وفهمتم خوفه قبل أن يفهمه هو، وبقيتم معه حتى اللحظات التي لم يكن فيها الطريق سهلًا.أريد أن أشكركم أيضًا على كل تعليق، كل رأي، كل توقع، وكل لحظة شعرتم فيها أنكم اقتربتم من الشخصيات. ربما لا تعرفون قيمة كلماتكم، لكنها بالنسبة للكاتب تشبه الضوء الذ
مر وقت طويل منذ آخر مرة شعرت فيها بالهدوء.ليس الهدوء الذي يأتي عندما تختفي المشاكل.بل الهدوء الذي يأتي عندما تتوقف عن محاربتها.عدت إلى عملي.عدت إلى عيادتي.إلى المرضى الذين كنت أستمع إليهم كل يوم.لكن هذه المرة...كنت أستمع بطريقة مختلفة.في الماضي كنت أبحث عن نفسي في قصص الآخرين.كنت أظن أنني إذا فهمت الجميع...سأفهمني.لكنني اكتشفت شيئًا آخر.أحيانًا نعرف الطريق للآخرين...ونضيع عندما نصل إلى طريقنا.جلست خلف مكتبي.نظرت إلى الكرسي المقابل.المكان الذي جلس عليه أشخاص كثيرون.أشخاص يحملون خوفهم، ألمهم، وذكرياتهم.ابتسمت.لأنني فهمت أخيرًا.لم أكن مختلفًا عنهم.رن هاتفي.نظرت إلى الشاشة.كان أمين.أجبت."نعم؟"قال:"كيف حالك؟"نظرت حولي.فكرت قليلًا.ثم قلت:"أفضل."ضحك بخفة."هذه إجابة طبيب."ابتسمت."وأنت تريد إجابة المريض؟"سكت قليلًا.ثم قال:"نعم."نظرت إلى النافذة.قلت:"ما زلت أتذكر.""وما زلت أفتقدها."توقفت."لكنني لم أعد أعيش هناك."ساد الصمت.ثم قال أمين:"هذا يكفي."أغلقت الاتصال.وبقيت وحدي.لكن للمرة الأولى...لم أشعر أن الوحدة تعني الفراغ.كانت تعني السلام.في المسا
وقفت أمام باب غرفة ديالا.للحظة...شعرت أن السنوات لم تمر.كأنني ما زلت ذلك الشاب الذي وقف هنا قبل كل شيء.يداي مترددة.وقلبي يخبرني أنني إذا دخلت...لن أخرج بنفس الشخص.نظر إليّ أمين.قال بهدوء:"يمكننا العودة."نظرت إليه.ثم إلى الباب.قلت:"لا.""هربت بما يكفي."وضعت يدي على المقبض.وفتحته.كانت الغرفة كما هي.هادئة.مرتبة.كأن صاحبتها خرجت قبل دقائق وستعود.دخلت ببطء.رأيت الكتب على الرف.الكرسي قرب النافذة.والرسم القديم الذي كانت تحتفظ به على الجدار.ابتسمت بحزن."كانت تحب أن تضع الأشياء في أماكنها."قال أمين:"وأنت كنت دائمًا تضع الأشياء في أماكن خاطئة."نظرت إليه.ضحكت قليلًا."حتى الآن تنتقدني؟"ابتسم."خصوصًا الآن."لأول مرة منذ فترة طويلة...شعرت أنني طبيعي.اقتربت من مكتبها.كان هناك صندوق صغير.ليس مخفيًا.ولا مقفلًا.فقط...موضوع أمامي.فتحته.في داخله أشياء بسيطة.صورة لنا ونحن أطفال.سوار قديم.ورسم.أخذت الصورة.أنا وديالا.لكن هذه المرة لم أشعر بالألم فقط.شعرت بالدفء.قال أمين:"ماذا تشعر؟"فكرت قليلًا.قلت:"أنني كنت أتذكرها بطريقة خاطئة."نظر إليّ."كيف؟"أجبت:"ك
لم أنظر إلى الصورة مرة أخرى.ليس لأنني لم أُرد.بل لأنني شعرت أنني إذا نظرت إليها طويلًا...سأتذكر شيئًا لا أستطيع تحمله.أخذت الصورة معي.توجهت نحو أمين.لم أتكلم.وضعتها أمامه فقط.نظر إليها.ثم رفع عيني إليّ.قال:"بدأت تتذكر."قلت:"لا.""أنا لا أتذكر."سكت قليلًا.ثم أضفت:"لكنني أشعر أنني قريب."أومأ."وهذا طبيعي."قلت:"طبيعي؟"ابتسم بحزن."نعم.""لأن الذكريات لا تعود دائمًا كصور واضحة.""أحيانًا تعود كشعور."نظرت إلى الصورة."أنا خائف."لم يبدُ أمين متفاجئًا.قال:"من ماذا؟"أجبت:"من أن تكون الحقيقة أسوأ مما تخيلت."سكت.ثم قال:"آدم...""أنت طوال سنوات كنت تخاف من السؤال الخطأ."نظرت إليه."ما هو السؤال الخطأ؟"قال:"من السبب؟"صمت."كنت تبحث عن شخص تلومه.""ديالا.""والدك.""نفسك."توقف.ثم أكمل:"لكن ربما السؤال الأهم...""ماذا حدث فعلًا؟"أغمضت عيني.ولأول مرة...لم أحاول إجبار ذاكرتي على العودة.تركتها تأتي وحدها.رأيت الباب.غرفة ديالا.الليل.صوت المطر.كنت في السابعة عشرة.وقفت أمامها.كانت تجلس على الأرض.وبيدها ظرف.قلت:"ما هذا؟"رفعت رأسها.ابتسمت.لكنها كانت ابتس
لم أنم.ليس لأنني كنت خائفًا.بل لأنني كنت أفكر.هناك فرق كبير.الخوف يجعلك تهرب.أما التفكير...فيجعلك تبقى أمام الشيء الذي يؤلمك حتى تفهمه.وضعت الورقة أمامي."أخيرًا... سمعتني."ثماني كلمات فقط.لكنها كانت أثقل من أي رسالة قرأتها.رسائل والدي كانت عن الماضي.رسائل ديالا كانت عن أسرار لم أفهمها.أما هذه...فكانت عني.في الصباح، عدت إلى أمين.لم أنتظر موعدي.دخلت مكتبه.نظر إليّ.ولم يسأل لماذا جئت.كأنه كان يتوقع ذلك.قال:"تحدث."جلست.وضعت الورقة أمامه.نظر إليها.ثم أعادها لي.قلت:"لن تسألني ماذا حدث؟"قال:"لا."استغربت."لماذا؟"قال:"لأنك لم تأتِ لتخبرني بما حدث.""أتيت لأنك تريد أن تعرف لماذا حدث."سكتُّ.لأنه كان محقًا.قلت:"أريد أن أراه."نظر إليّ طويلًا."من؟"أجبته:"أنت تعرف."قال:"آدم..."قاطعته:"لا تقل لي إنه مجرد جزء مني.""أعرف ذلك.""لكنني أريد أن أفهم."تنهد.قال:"المشكلة أنك تتعامل معه كأنه شخص يجب أن تجده.""لكنه ليس في مكان آخر.""إنه موجود في الأماكن التي لا تنظر إليها."قلت:"وهل تحدثت معه من قبل؟"ساد الصمت.كان صمتًا قصيرًا.لكنه كان كافيًا.قلت:"أمين."
لم أنم جيدًا تلك الليلة.ليس بسبب الرسائل.ولا بسبب ديالا.بل بسبب شيء أسوأ...لأنني بدأت أشك في الشيء الوحيد الذي كنت أظنه ثابتًا.نفسي.في الصباح، وقفت أمام المرآة.نظرت إلى وجهي.لم أبحث عن شيء غريب.كنت فقط أحاول أن أطمئن نفسي.قلت:"أنت متعب."لكن صوتًا داخليًا أجابني:"أم أنك تحاول تصديق ذلك؟"تجمدت للحظة.ابتعدت عن المرآة.لم تكن المرة الأولى التي أتحدث فيها مع نفسي.الجميع يفعل ذلك.لكن المشكلة لم تكن في وجود الصوت...بل في أنني شعرت أحيانًا أنه لا يشبهني.وصلت إلى العيادة.كان أمين ينتظرني.نظر إليّ بمجرد دخولي.قال:"لم تنم."ابتسمت."أصبحت تكرر هذه الجملة كثيرًا."قال:"لأنك أصبحت تعطيني السبب لأكررها."جلست.لم أرد.فتح ملفه.ثم قال:"كيف حالك اليوم؟"أجبته تلقائيًا:"بخير."رفع عينيه عن الورق.فقط نظر إليّ.ذلك كان كافيًا.تنهدت.قلت:"لا أعرف."ابتسم قليلًا."هذه إجابة أفضل."قلت:"أفضل؟"قال:"نعم.""لأن الشخص الذي يقول لا أعرف...""ما زال يبحث.""أما الشخص الذي يصر على أنه بخير دائمًا...""فغالبًا توقف عن السؤال."سكتُّ.ثم قلت:"أمين.""نعم؟""هل تعتقد أن الإنسان يمكن