ログインخرج عامر.
وأُغلق الباب خلفه.
لكن الغرفة لم تعد كما كانت قبل الجلسة.
الصمت كان مختلفًا.
ليس هادئًا.
بل معلّقًا.
كأن كلمات لم تُقل ما زالت واقفة في الهواء.
جلست في مكاني دون حركة.
نظرت إلى الكرسي المقابل لي.
الكرسي الذي كان يجلس عليه منذ لحظات.
كأنني أنتظر أن يعود.
لكنني أعرف أنه لن يعود اليوم.
وضعت يدي على الطاولة.
ثم أعدتها.
ثم أمسكت القلم.
وتركتُه.
لا أعرف لماذا بدأت ألاحظ يدي.
أو لماذا بدأت الأشياء الصغيرة تبدو… غير مريحة.
فتحت ملف عامر.
قرأت الجملة الأخيرة التي كتبها:
"صوت أبي يعيش داخل رأسي."
توقفت.
حدقت في السطر.
ثم أغلقت الملف بسرعة.
كأنني لا أريد أن أراه.
وقفت.
مشيت نحو النافذة.
الشارع خارج العيادة كان طبيعيًا بشكل مزعج.
ناس تمشي.
سيارات.
حياة مستمرة كأن شيئًا لم يحدث.
لكن داخلي…
كان هناك شيء مختلف.
سمعت صوت الباب يُفتح خلفي.
السكرتيرة.
"دكتور، عندك المريض التالي خلال عشر دقائق."
أومأت.
"تمام."
لكنني لم ألتفت.
"هل أنت بخير؟"
سؤال بسيط.
لكنه أصابني بطريقة لم تعجبني.
توقفت.
ثم أجبت تلقائيًا:
"نعم."
صمت قصير.
ثم قالت:
"أنت تقولها كثيرًا اليوم."
التفت إليها.
لم أجب.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
"أقصد… أكثر من المعتاد."
ثم خرجت.
بقيت وحدي.
مرة أخرى.
لكن هذه المرة… لم يكن العزلة مريحة.
جلست.
وضعت يدي على صدغي.
وأغمضت عيني.
صوت عامر لم يكن موجودًا في الغرفة.
لكن الغريب…
أنني كنت أسمعه.
ليس حرفيًا.
بل بطريقة مزعجة لا أستطيع تفسيرها.
"أنا أصبحت أقوم بالمهمة بدلًا منه."
فتحت عيني بسرعة.
نظرت حولي.
الغرفة فارغة.
طبيعية.
هادئة.
لكنني لم أعد أصدق “هادئة”.
وقفت.
مشيت نحو المكتب.
فتحت الملف مرة أخرى.
أغلقته.
فتحت درج المكتب.
أعدت إغلاقه.
توقفت فجأة.
همست لنفسي:
"ما الذي يحدث؟"
لم يكن هناك جواب.
فقط شعور صغير… لكنه جديد.
شعور يشبه أن شيئًا ما بدأ يتحرك داخلي… دون أن أعطيه إذنًا.
طرقت السكرتيرة الباب مجددًا.
"دكتور… ريان رجع."
تجمدت.
"رجع؟"
"قال إنه نسي شيء مهم بعد الجلسة."
وقفت.
لكن هذه المرة…
لم أتحرك فورًا.
لأول مرة اليوم…
لم أكن متأكدًا إن كنت أريد أن أفتح الباب.
تجمدت في مكاني.
"رجع؟"
أومأت السكرتيرة.
"قال إنه نسي شيء مهم بعد الجلسة."
لم أسأل ماذا.
لأنني شعرت فجأة أن السؤال ليس مهمًا.
المهم هو أنه عاد.
خرجت السكرتيرة.
وأُغلق الباب مرة أخرى.
لكن هذه المرة…
لم أعد وحدي في الغرفة نفسيًا.
كان هناك شعور غريب.
كأن الجلسة لم تنتهِ.
كأنها امتدت خارج الغرفة.
مرّت ثوانٍ.
ثم طرقت الباب.
خفيفة.
هذه المرة أعرفها.
ريان.
قلت:
"ادخل."
فتح الباب ببطء.
دخل.
لكنه لم يجلس فورًا.
بقي واقفًا لحظة.
ينظر إلي.
نظرة مختلفة عن قبل قليل.
قلت:
"نسيت شيئًا؟"
هز رأسه.
"نعم."
ثم صمت.
"ما هو؟"
تردد.
ثم قال:
"الجملة التي قلتها لي."
قطبت حاجبي.
"أي جملة؟"
اقترب خطوة.
"أنني لست مسؤولًا عن حياتها."
سكت.
لم أرد فورًا.
كان واضحًا أنه لا يريد مجرد معلومة.
بل يريد شيئًا آخر.
قال:
"خرجت من عندك… وشعرت أنني خفيف."
توقف.
"ثم بدأت أشعر أنني خفيف أكثر من اللازم."
نظرت إليه.
"ماذا تعني؟"
ضحك بخفة.
لكنها لم تكن ضحكة حقيقية.
"كأن شيئًا داخلي انكسر… ولم أعد أعرف كيف أمسكه."
لم أتحرك.
هذا النوع من الجمل لا يُجاب بسرعة.
قلت بهدوء:
"متى بدأت تشعر بذلك؟"
فكر.
"في الطريق."
"إلى أين؟"
"إلى البيت."
سكت.
ثم أضاف:
"أمي اتصلت."
توقفت.
"وماذا قالت؟"
نظر إلي مباشرة.
"بكيت."
لم أقل شيئًا.
أكمل:
"لكن الغريب… أنني لم أشعر أنني مسؤول."
توقف.
"هذه أول مرة."
شعرت أن الغرفة أصبحت أضيق.
ليس فعليًا.
بل داخليًا.
قلت:
"وماذا تريد مني الآن؟"
سكت.
ثم قال:
"أريد أن أعرف إذا كان ما قلته لي… صحيحًا فعلًا."
هذه الجملة.
ليست سؤالًا عاديًا.
بل اختبار.
ليس لي فقط.
بل له أيضًا.
قلت بهدوء:
"ما الذي جعلك تشك؟"
اقترب خطوة أخرى.
"لأنني شعرت براحة."
توقف.
"وأنا لا أعتاد الراحة عندما تتألم أمي."
سكت.
ثم قال بصوت منخفض:
"هل أنا شخص سيء؟"
لم أجب مباشرة.
لأن هذه ليست إجابة طبية.
هذه لحظة إنسانية.
قلت:
"لماذا تعتقد ذلك؟"
هز رأسه بسرعة.
"لا أعرف."
"لكن هذا الشعور جديد؟"
"نعم."
تنهدت.
ثم قلت:
"ريان…"
"نعم؟"
"الشعور بالراحة بعد فهم شيء… ليس دليل أنك سيء."
نظر إلي.
لم يقتنع بالكامل.
لكن شيئًا فيه هدأ قليلًا.
قال:
"لكن أمي…"
توقف.
"هي قالت إنني إذا ابتعدت… سأدمرها."
ساد الصمت.
مرة أخرى.
لكن هذه المرة مختلف.
قلت:
"هل تعتقد أنك مسؤول عن مشاعرها بالكامل؟"
فتح فمه.
ثم أغلقه.
لم يجب.
ثم قال فجأة:
"أنت أيضًا تؤمن بهذا، أليس كذلك؟"
توقفت.
هذه المرة…
لم يكن ريان وحده في الغرفة الذي تغير.
إلى كل من وصل إلى هذه الصفحة...قبل أن أكتب أي كلمة شكر، أريد أن أتوقف قليلًا وأقول لكم: شكرًاشكراً لأنكم لم تكونوا مجرد قرّاء لهذه الرواية، بل كنتم جزءًا من رحلتها.عندما بدأت كتابة "كلنا مجانين"، لم أكن أريد أن أكتب قصة عن الألم فقط، ولا عن المرض النفسي فقط، ولا عن شخص يحاول اكتشاف حقيقة مخفية. كنت أريد أن أكتب عن الإنسان نفسه... عن الجزء الذي نخفيه جميعًا، عن الأسئلة التي لا نجرؤ على طرحها، وعن المعارك التي تحدث داخلنا ولا يراها أحد غيرنا.ربما رأيتم في آدم شخصًا يبحث عن أخته، أو طبيبًا يحاول فهم الآخرين، أو إنسانًا يحمل ماضيًا أثقل من قدرته على الاحتمال. لكن بالنسبة لي، كان آدم أكثر من ذلك. كان يمثل كل شخص حاول أن يبدو قويًا أمام العالم، بينما كان يخوض معركة صامتة بداخله.شكرًا لأنكم منحتموه الوقت.شكرًا لأنكم استمعتم إلى صمته قبل كلماته، وفهمتم خوفه قبل أن يفهمه هو، وبقيتم معه حتى اللحظات التي لم يكن فيها الطريق سهلًا.أريد أن أشكركم أيضًا على كل تعليق، كل رأي، كل توقع، وكل لحظة شعرتم فيها أنكم اقتربتم من الشخصيات. ربما لا تعرفون قيمة كلماتكم، لكنها بالنسبة للكاتب تشبه الضوء الذ
مر وقت طويل منذ آخر مرة شعرت فيها بالهدوء.ليس الهدوء الذي يأتي عندما تختفي المشاكل.بل الهدوء الذي يأتي عندما تتوقف عن محاربتها.عدت إلى عملي.عدت إلى عيادتي.إلى المرضى الذين كنت أستمع إليهم كل يوم.لكن هذه المرة...كنت أستمع بطريقة مختلفة.في الماضي كنت أبحث عن نفسي في قصص الآخرين.كنت أظن أنني إذا فهمت الجميع...سأفهمني.لكنني اكتشفت شيئًا آخر.أحيانًا نعرف الطريق للآخرين...ونضيع عندما نصل إلى طريقنا.جلست خلف مكتبي.نظرت إلى الكرسي المقابل.المكان الذي جلس عليه أشخاص كثيرون.أشخاص يحملون خوفهم، ألمهم، وذكرياتهم.ابتسمت.لأنني فهمت أخيرًا.لم أكن مختلفًا عنهم.رن هاتفي.نظرت إلى الشاشة.كان أمين.أجبت."نعم؟"قال:"كيف حالك؟"نظرت حولي.فكرت قليلًا.ثم قلت:"أفضل."ضحك بخفة."هذه إجابة طبيب."ابتسمت."وأنت تريد إجابة المريض؟"سكت قليلًا.ثم قال:"نعم."نظرت إلى النافذة.قلت:"ما زلت أتذكر.""وما زلت أفتقدها."توقفت."لكنني لم أعد أعيش هناك."ساد الصمت.ثم قال أمين:"هذا يكفي."أغلقت الاتصال.وبقيت وحدي.لكن للمرة الأولى...لم أشعر أن الوحدة تعني الفراغ.كانت تعني السلام.في المسا
وقفت أمام باب غرفة ديالا.للحظة...شعرت أن السنوات لم تمر.كأنني ما زلت ذلك الشاب الذي وقف هنا قبل كل شيء.يداي مترددة.وقلبي يخبرني أنني إذا دخلت...لن أخرج بنفس الشخص.نظر إليّ أمين.قال بهدوء:"يمكننا العودة."نظرت إليه.ثم إلى الباب.قلت:"لا.""هربت بما يكفي."وضعت يدي على المقبض.وفتحته.كانت الغرفة كما هي.هادئة.مرتبة.كأن صاحبتها خرجت قبل دقائق وستعود.دخلت ببطء.رأيت الكتب على الرف.الكرسي قرب النافذة.والرسم القديم الذي كانت تحتفظ به على الجدار.ابتسمت بحزن."كانت تحب أن تضع الأشياء في أماكنها."قال أمين:"وأنت كنت دائمًا تضع الأشياء في أماكن خاطئة."نظرت إليه.ضحكت قليلًا."حتى الآن تنتقدني؟"ابتسم."خصوصًا الآن."لأول مرة منذ فترة طويلة...شعرت أنني طبيعي.اقتربت من مكتبها.كان هناك صندوق صغير.ليس مخفيًا.ولا مقفلًا.فقط...موضوع أمامي.فتحته.في داخله أشياء بسيطة.صورة لنا ونحن أطفال.سوار قديم.ورسم.أخذت الصورة.أنا وديالا.لكن هذه المرة لم أشعر بالألم فقط.شعرت بالدفء.قال أمين:"ماذا تشعر؟"فكرت قليلًا.قلت:"أنني كنت أتذكرها بطريقة خاطئة."نظر إليّ."كيف؟"أجبت:"ك
لم أنظر إلى الصورة مرة أخرى.ليس لأنني لم أُرد.بل لأنني شعرت أنني إذا نظرت إليها طويلًا...سأتذكر شيئًا لا أستطيع تحمله.أخذت الصورة معي.توجهت نحو أمين.لم أتكلم.وضعتها أمامه فقط.نظر إليها.ثم رفع عيني إليّ.قال:"بدأت تتذكر."قلت:"لا.""أنا لا أتذكر."سكت قليلًا.ثم أضفت:"لكنني أشعر أنني قريب."أومأ."وهذا طبيعي."قلت:"طبيعي؟"ابتسم بحزن."نعم.""لأن الذكريات لا تعود دائمًا كصور واضحة.""أحيانًا تعود كشعور."نظرت إلى الصورة."أنا خائف."لم يبدُ أمين متفاجئًا.قال:"من ماذا؟"أجبت:"من أن تكون الحقيقة أسوأ مما تخيلت."سكت.ثم قال:"آدم...""أنت طوال سنوات كنت تخاف من السؤال الخطأ."نظرت إليه."ما هو السؤال الخطأ؟"قال:"من السبب؟"صمت."كنت تبحث عن شخص تلومه.""ديالا.""والدك.""نفسك."توقف.ثم أكمل:"لكن ربما السؤال الأهم...""ماذا حدث فعلًا؟"أغمضت عيني.ولأول مرة...لم أحاول إجبار ذاكرتي على العودة.تركتها تأتي وحدها.رأيت الباب.غرفة ديالا.الليل.صوت المطر.كنت في السابعة عشرة.وقفت أمامها.كانت تجلس على الأرض.وبيدها ظرف.قلت:"ما هذا؟"رفعت رأسها.ابتسمت.لكنها كانت ابتس
لم أنم.ليس لأنني كنت خائفًا.بل لأنني كنت أفكر.هناك فرق كبير.الخوف يجعلك تهرب.أما التفكير...فيجعلك تبقى أمام الشيء الذي يؤلمك حتى تفهمه.وضعت الورقة أمامي."أخيرًا... سمعتني."ثماني كلمات فقط.لكنها كانت أثقل من أي رسالة قرأتها.رسائل والدي كانت عن الماضي.رسائل ديالا كانت عن أسرار لم أفهمها.أما هذه...فكانت عني.في الصباح، عدت إلى أمين.لم أنتظر موعدي.دخلت مكتبه.نظر إليّ.ولم يسأل لماذا جئت.كأنه كان يتوقع ذلك.قال:"تحدث."جلست.وضعت الورقة أمامه.نظر إليها.ثم أعادها لي.قلت:"لن تسألني ماذا حدث؟"قال:"لا."استغربت."لماذا؟"قال:"لأنك لم تأتِ لتخبرني بما حدث.""أتيت لأنك تريد أن تعرف لماذا حدث."سكتُّ.لأنه كان محقًا.قلت:"أريد أن أراه."نظر إليّ طويلًا."من؟"أجبته:"أنت تعرف."قال:"آدم..."قاطعته:"لا تقل لي إنه مجرد جزء مني.""أعرف ذلك.""لكنني أريد أن أفهم."تنهد.قال:"المشكلة أنك تتعامل معه كأنه شخص يجب أن تجده.""لكنه ليس في مكان آخر.""إنه موجود في الأماكن التي لا تنظر إليها."قلت:"وهل تحدثت معه من قبل؟"ساد الصمت.كان صمتًا قصيرًا.لكنه كان كافيًا.قلت:"أمين."
لم أنم جيدًا تلك الليلة.ليس بسبب الرسائل.ولا بسبب ديالا.بل بسبب شيء أسوأ...لأنني بدأت أشك في الشيء الوحيد الذي كنت أظنه ثابتًا.نفسي.في الصباح، وقفت أمام المرآة.نظرت إلى وجهي.لم أبحث عن شيء غريب.كنت فقط أحاول أن أطمئن نفسي.قلت:"أنت متعب."لكن صوتًا داخليًا أجابني:"أم أنك تحاول تصديق ذلك؟"تجمدت للحظة.ابتعدت عن المرآة.لم تكن المرة الأولى التي أتحدث فيها مع نفسي.الجميع يفعل ذلك.لكن المشكلة لم تكن في وجود الصوت...بل في أنني شعرت أحيانًا أنه لا يشبهني.وصلت إلى العيادة.كان أمين ينتظرني.نظر إليّ بمجرد دخولي.قال:"لم تنم."ابتسمت."أصبحت تكرر هذه الجملة كثيرًا."قال:"لأنك أصبحت تعطيني السبب لأكررها."جلست.لم أرد.فتح ملفه.ثم قال:"كيف حالك اليوم؟"أجبته تلقائيًا:"بخير."رفع عينيه عن الورق.فقط نظر إليّ.ذلك كان كافيًا.تنهدت.قلت:"لا أعرف."ابتسم قليلًا."هذه إجابة أفضل."قلت:"أفضل؟"قال:"نعم.""لأن الشخص الذي يقول لا أعرف...""ما زال يبحث.""أما الشخص الذي يصر على أنه بخير دائمًا...""فغالبًا توقف عن السؤال."سكتُّ.ثم قلت:"أمين.""نعم؟""هل تعتقد أن الإنسان يمكن