LOGINارتطمت زجاجة العطر بالأرضية الرخامية، فتناثرت الشظايا في كل اتجاه. تبعتها علبة المساحيق.ثم إطار صورة.ثم كل ما امتدت إليه يدها. كانت تدفع الأشياء بعنف وهي تصرخ، بينما يرتفع صدرها ويهبط بسرعة من شدة الغضب.لأول مرة منذ سنوات طويلة تشعر بهذا القدر من الإهانة. مازن.مازن نفسه.وقف أمامها يدافع عنها.عن آسيا.عن تلك الفتاة التي كانت تراها دائمًا أقل منها. أقل جمالًا. وأقل مكانة. وأقل شأنًا. كيف تجرأ؟ كيف نظر إليها بتلك الطريقة؟وكيف نطق تلك الكلمات؟ "وهي أمه." رنّت الجملة داخل رأسها مجددًا. فالتقطت علبة زجاجية من فوق الطاولة وألقتها نحو الحائط.ارتطم الزجاج بقوة وتناثر فوق السجاد. "كاذب..." همست بها من بين أسنانها. "كاذب..." لكنها لم تكن واثقة إن كانت تصف مازن أم نفسها. وقفت أمام المرآة.تنظر إلى انعكاسها.إلى ملابسها الأنيقة.وشعرها المصفف بعناية.ووجهها الذي أنفقت سنوات طويلة في المحافظة على كماله. ثم تذكرت آسيا.وجهها الشاحب.ملابسها البسيطة.بطنها المنتفخة.وتذكرت شيئًا آخر.شيئًا لم تستطع تجاهله مهما حاولت.آسيا تحمل طفله. أما هي...فلا.انقبض فكها بقوة.وتحولت نظراتها إلى
اندفعت أبواب الطوارئ الزجاجية بعنف، بينما كانت العربة الطبية تشق طريقها داخل الممرات البيضاء بسرعة كبيرة. _"أفسحوا الطريق!" ارتفع صوت أحد المسعفين، فيما كانت آسيا ممددة فوق السرير المتحرك، شاحبة الوجه بصورة مخيفة، وعيناها مغلقتين تمامًا.ركض مازن بجوارها دون أن يشعر بأي شيء حوله. لم يكن يسمع أصوات الأجهزة، ولا حركة الأطباء، ولا حتى أنفاسه المتسارعة. كل ما كان يراه هو يد آسيا المتدلية على جانب السرير. باردة.باردة أكثر مما ينبغي. _"ضغطها ينخفض." _"جهزوا غرفة الفحص فورًا." _"نحتاج طبيبة النساء الآن." تتابعت الأوامر بسرعة أربكت الجميع.وصلوا إلى باب الغرفة، فاعترضت إحدى الممرضات طريق مازن. _"عذرًا يا سيدي، لا يمكنك الدخول." تجمد مكانه.نظر إلى آسيا وهي تُسحب إلى الداخل، بينما أُغلقت الأبواب في وجهه بقوة.لثوانٍ طويلة ظل واقفًا دون حركة. كأن عقله لم يستوعب بعد ما حدث.ثم فجأة تحرك.رفع يده إلى شعره وأمسك به بعنف، بينما بدأ يدور في المكان كمن فقد القدرة على التفكير. وصلت سلمى بعده بلحظات، أنفاسها متقطعة من شدة الركض. _"مازن..." التفت إليها بسرعة. _"أخبِريني أنكِ تع
وصلت آسيا إلى مبنى الشركة وهي تتحرك بسرعة تكاد تكون اندفاعًا أعمى، كأن كل ما بداخلها يدفعها للأمام دون تفكير. لم تنتظر حتى يكتمل توقف السيارة، فتحت الباب ونزلت، بينما لحقت بها سلمى بخطوات متسارعة ووجه ممتلئ بالقلق.دخلت آسيا بهيئة لا تشبهها، شعر مبعثر، عيون محمرة، وأنفاس متقطعة من شدة الانفعال، لكن ما كان بداخلها كان أشد فوضى من مظهرها. كل خطوة داخل الرواق كانت أثقل من التي قبلها، وكل نظرة من الموظفين حولها كانت تزيد النار داخل صدرها اشتعالًا."مدام آسيا..."رفعت السكرتيرة رأسها فور رؤيتها، لكن لم تكد تكمل جملتها حتى قاطعتها آسيا بصوت حاد متوتر:"أريد مقابلة مازن الآن."ترددت السكرتيرة وهي تحاول الحفاظ على هدوئها:"الأستاذ مازن في اجتماع مهم ولا يمكن الدخول عليه بدون موعد...""قلت الآن."جملة قصيرة، لكنها خرجت مشبعة بغضب جعل الهواء في المكان يتغير. تقدمت آسيا خطوة، فارتبكت السكرتيرة وتراجعت قليلًا، بينما حاولت سلمى التدخل بسرعة:"آسيا اهدئي، ممكن أن ننتظر لحظة..."لكن آسيا لم تسمع. لم تعد تسمع شيئًا أصلًا. تجاوزت السكرتيرة ودفع الباب المؤدي للممر الداخلي بعصبية، فارتطم بالحائط بصوت جع
"أين آسيا؟" اندفعت سلمى إلى داخل الشقة ما إن فتحت لها والدة آسيا الباب. كانت أنفاسها متلاحقة من شدة القلق، بينما جالت بعينيها في المكان تبحث عنها بصورة محمومة. رفعت والدة آسيا رأسها نحوها، فشعرت سلمى بانقباض قوي في صدرها. كانت السيدة تبدو وكأنها بكت لساعات طويلة؛ جفناها متورمان، وعيناها حمراوان، ووجهها شاحب على نحو أقلقها أكثر. قالت بصوت مرتجف: "في غرفتها..." ثم ابتلعت غصة مؤلمة وأضافت: "لم تتوقف عن البكاء منذ الصباح... أرجوكِ ادخلي إليها. لا أعرف ماذا أفعل معها." لم تنتظر سلمى أكثر. اتجهت نحو الغرفة بخطوات سريعة، وما إن اقتربت حتى سمعت صوت حركة متواصلة في الداخل. دفعت الباب. وتجمدت للحظة. كانت آسيا تسير ذهابًا وإيابًا داخل الغرفة بصورة أربكتها. من طرف الغرفة إلى الطرف الآخر. ثم تعود. ثم تستدير من جديد. وكأنها عاجزة عن التوقف. شعرها كان مبعثرًا حول وجهها، وخصلاته ملتصقة بوجنتيها المبللتين بالدموع. كانت ترتدي ملابس النوم نفسها التي نامت بها بالأمس، وكأنها لم تفكر حتى في تغييرها. أما وجهها فكان شاحبًا بصورة مؤلمة، بينما بدت عيناها متورمتين بشدة من فرط البكاء. وفي يده
حتى قال فجأة: "بالمناسبة... ريم انتهت تقريبًا من تجهيز نصف غرفة الطفل." التفتت إليه ببطء.لم تكن تتوقع ذكرها.أما هو فأكمل وكأنه يتحدث عن أمر عادي جدًا: "أو على الأقل هذا ما فهمته منها، كل يوم تقريبًا ترسل لي صورًا لأشياء جديدة وتسألني عن رأيي." عاد ينظر أمامه وهو يبتسم بخفة. "لا أعلم لماذا تسألني أصلًا، فأنا لا أفرق بين سرير الأطفال وخزانة الملابس." لم تجب آسيا.شعرت فقط بشيء ينقبض داخل صدرها.فأضاف بعد لحظة: "وأصبحت مهووسة بالأطباء أيضًا." عقدت حاجبيها دون أن تنظر إليه. "الأطباء؟" "نعم. قبل يومين كانت تسأل إحدى صديقاتها عن أفضل طبيب أطفال، وأمس كانت تبحث عن متخصصين في الرضاعة الطبيعية." أطلق ضحكة خافتة. "أظن أنها تدرس الموضوع وكأنها تستعد لامتحان مصيري." أخفضت آسيا بصرها إلى الطريق أمامها.لم تعرف لماذا لم يريحها الكلام.كان من المفترض أن يطمئنها.ريم لم تكن تتجاهل الطفل.بل على العكس.تهتم به.تفكر فيه. تستعد لقدومه.لكن رغم ذلك...بقي ذلك الشعور الثقيل جاثمًا داخلها.كأن عقلها يسمع شيئًا، بينما قلبها يصدق شيئًا آخر تمامًا. لاحظ مازن صمتها، فاختار كلماته بعناية أ
وجدته ينتظرها بالفعل أسفل البناية، بعد نصف ساعة كاملة، كما وعدها تمامًا. هبطت الدرج بخطوات هادئة متأنية، يتهادى معها فستانها الأزرق الذي التف حول قوامها النحيل برقة، ضيقًا من الأعلى، بينما ارتسم انتفاخ حملها بوضوح تحت القماش الناعم، فكانت يدها تستقر فوق بطنها بين الحين والآخر بصورة لا إرادية، كأنها تطمئن إلى الصغير القابع هناك. ارتفع صوت كعبها السماوي بخفة فوق الأرضية المصقولة، فالتفت نحوها على الفور. ما إن وقعت عيناه عليها حتى نزل من السيارة سريعًا، تستقبلهما ابتسامة واسعة أضاءت ملامحه، بينما انسدلت خصلاته البيضاء الخفيفة فوق جبينه في مشهد أضفى عليه وسامة خاصة. لأول مرة انتبهت إلى أن "سلمى" لم تكن تبالغ حين تحدثت عن وسامته. كانت السنوات واضحة في شعره، لكنها لم تنتقص منه شيئًا، بل منحته هيبة جذابة. ولأول مرة أيضًا لاحظت بنيته القوية وكتفيه العريضين، وتلك الهيئة الرياضية الصحية التي حافظ عليها رغم عمره. هل لأن هذه هي المرة الأولى التي تنظر إليه دون غضب أو نفور أو رغبة في الجدال؟ ابتسم وهو يقترب منها قائلًا: "هل تأخرت؟" هزت رأسها نفيًا. "أبدًا." فاتسعت ابتسامته أكثر.
وضعت الخادمة آخر طبق على مائدة الطعام التي بدت مكتملة إلى حدٍّ مبالغ فيه، كأنها لوحة فاخرة من الأطعمة الشهية أكثر منها وجبة عشاء عادية. ثم انسحبت بهدوء دون أن تُحدث أي صوت، تاركة الغرفة في سكون دافئ لا يقطعه سوى خفوت أنفاسهما. كان "مازن" يجلس على رأس الطاولة، يرفع الشوكة بتأنٍ، وقد علقت بها قطعة
فزعت من نومها دفعة واحدة.جلست فوق الفراش بعينين متسعتين وأنفاس متقطعة، كأنها كانت تركض منذ دقائق لا تحلم. احتاجت لحظات طويلة حتى تميّز بين الواقع وما رأت.كانت الغرفة ساكنة.مظلمة.وخالية.لا باب مفتوح.لا جرس يرن.ولا مازن يقف أمامها. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم مررت كفها فوق وجهها.مجرد حلم.لكن قلبها لم
ودعت "سلمي" علي باب البناية، قبل أن تنطلق مغادرة بسيارتها، مع أتفاق بموعد ليتقبالا في المساء لزيارة الطبيبة... داخليا ذلك جعلها تبتسم بسخرية، بدلاً من خروجاتها المستمرة مع صديقتها للتنزه، أصبح الآن سبب خروجهم واحدًا... الطبيبة. بينما كانت تصعد السُلم، وعقلها منشغلا بمقابلة اليوم ومحاولة تفسيرها
أختفي ذلك الجمود البارد الذي كان يكسو ملامحه، وحل محله شئ أكثر خطورة.. قلق حاد مفاجئ، نهض من مقعده دفعة واحدة وحتي أحتك الكرسي بالأرض خلفه بقوة _"هل فقدت وعيها؟ ". هزت السكرتيرة رأسها بسرعة: _" لا سيدي، لكنها تتقيأ منذ الصباح، وضغطها منخفض جدا". التقطت هاتفه ومفاتيحه في حركة واحدة سريعة،







