Share

لعبة الظل الأنيق
لعبة الظل الأنيق
Author: Eve

الــــــفــــــصل 01

Author: Eve
last update publish date: 2026-09-04 02:37:37

كانت أوليفيا فيرارا تؤمن بقاعدة واحدة لا تتزحزح في هذه المهنة: لا وجود لرجل نظيف تماماً في عالم المال، المسألة فقط في مدى مهارته في إخفاء الوحل. وقفت أمام برج "أشتون تاور" الزجاجي، ترفع رأسها لتتابع الواجهة التي تلامس الغيوم، وتهمس لنفسها بصوت لا يسمعه إلا حذاؤها ذو الكعب العالي الذي بدأ يخونها بعد نصف ساعة وقوف.

"حسناً أيها البرج المتغطرس، لنرَ ما الذي تخفيه خلف كل هذا الزجاج اللامع."

كانت في مهمة، ولم تكن مهمة عادية. منذ ثلاثة أسابيع، وصلتها ملفات مجهولة المصدر تشير إلى أن شركة "أشتون كابيتال" تُغسّل من خلالها أموالاً ضخمة عبر استثمارات وهمية في دول ثلاث مختلفة. الأدلة كانت ناقصة، لكنها كافية لتشعل فضولها المهني الذي لا يعرف الشبع. وصاحب الشركة، دومينيك أشتون، كان رجلاً لا يمنح المقابلات، ولا يظهر في الحفلات، ولا يترك أثراً رقمياً يمكن تتبعه. رجل شبح، كما وصفته كلوي حين قرأت الملف.

"أنتِ ذاهبة لمقابلة شبح يا أوليفيا، هل تدركين هذا؟" قالتها كلوي وهي تحتسي قهوتها في مكتب المجلة صباح ذلك اليوم.

"الأشباح أيضاً يحبون التصريحات الصحفية أحياناً، خاصة حين يكون هناك من يهدد بكشف أسرارهم." ردّت أوليفيا وهي تصفف شعرها الداكن أمام مرآة صغيرة معلقة على جدار مكتبها.

"وما الذي يجعلك متأكدة أنه سيقابلك أصلاً؟"

"لأنني حجزت موعداً باسم مستثمرة مهتمة بالانضمام لصندوقه الجديد. تخيلي وجهه حين يكتشف أن ‘المستثمرة الثرية’ ليست سوى صحفية فضولية بحساب بنكي متواضع جداً."

ضحكت كلوي بصوت عالٍ لدرجة أن أحد الزملاء أطلّ برأسه من مكتبه المجاور ليعرف سبب الضجة.

والآن، بعد ساعات من ذلك الحوار، كانت أوليفيا تقف في بهو رخامي فسيح، تحاول أن تبدو كامرأة أعمال واثقة بينما قلبها يخفق بسرعة تنافس سرعة المصعد الذي سيحملها إلى الطابق الأربعين. أعطت اسمها المستعار لموظفة الاستقبال، وابتسمت ابتسامة مصطنعة أتقنت صنعها بعد سنوات من المقابلات الصحفية المتخفية.

عندما انفتحت أبواب المصعد في الطابق الأربعين، لم تكن تتوقع ما رأته: مكتب فسيح تحيط به نوافذ من الأرض حتى السقف، وفي وسطه رجل واقف بظهره للباب، يتأمل المدينة الممتدة تحته وكأنها رقعة شطرنج يملك كل قطعها.

"الآنسة… فيرارا، أليس كذلك؟"

توقف قلبها للحظة. لم تكن قد نطقت باسمها الحقيقي لأحد في هذا المبنى.

استدار الرجل ببطء، وكانت عيناه الرماديتان الباردتان أول ما لفت انتباهها، ثم تلك الابتسامة الطفيفة التي بدت وكأنها تعرف نكتة لم تُروَ بعد.

"أعتقد أن هناك خطأ ما، اسمي —"

"ريبيكا هارتلي، مستثمرة من زيورخ، مهتمة بصندوقي الجديد." قاطعها وهو يتقدم خطوتين، يداه في جيبي بنطاله، وكأنه يستمتع بلعبة قد بدأت للتو. "المشكلة الوحيدة، أن ريبيكا هارتلي الحقيقية تناولت العشاء معي الأسبوع الماضي في زيورخ، وهي بالتأكيد لا تشبهك بشيء."

شعرت أوليفيا بحرارة تتصاعد في وجنتيها، لكنها لم تسمح لصوتها بالارتجاف. "حسناً، بما أن الحقيقة انكشفت مبكراً مما توقعت، فلنوفر على أنفسنا وقتاً ثميناً: أوليفيا فيرارا، صحفية استقصائية، ولديّ بضعة أسئلة عن استثمارات صندوقك في أمريكا الجنوبية."

توقعت أن يستدعي الأمن فوراً، أو أن يطردها بجملة باردة قاطعة. لكنه، على غير المتوقع، ضحك. ضحكة قصيرة منخفضة، كأنها نادرة الحدوث حتى على صاحبها.

"لم يتجرأ أحد على خداعي للدخول إلى مكتبي منذ أن كنت في الخامسة والعشرين، حين حاول أحد المنافسين إرسال جاسوس متنكر بزي عامل صيانة." قال وهو يشير لها بالجلوس على أحد الكراسي الجلدية الفاخرة أمام مكتبه. "اجلسي، آنسة فيرارا. لدينا الكثير لنتحدث عنه، لكن ليس بالطريقة التي تتخيلينها."

جلست بحذر، وكأنها تدخل عرين أسد بدلاً من مكتب رجل أعمال. "هل هذا يعني أنك ستجيب عن أسئلتي؟"

"هذا يعني أنني وجدت الأمر مسلياً بما يكفي لأمنحك عشر دقائق. استخدميها بحكمة، فأنا لا أكرر الفرصة مرتين."

نظرت إليه للحظة، تحاول أن تقرأ ما وراء تلك البرودة المصطنعة. كان هناك شيء في نظرته، ليس تهديداً بالضبط، بل تحدٍّ ممزوج بفضول لم تفهمه بعد. أخرجت دفتر ملاحظاتها من حقيبتها ببطء مدروس، محاولة أن تخفي أن يديها ترتجفان قليلاً.

"لنبدأ إذن: من يملك حقاً شركة ‘نوفا هولدينغز’ المسجلة في جزر كايمان، والتي تظهر كمستثمر رئيسي في صندوقك الأخير؟"

اختفت الابتسامة من وجهه للحظة، ثم عادت أكثر حدة. "أنتِ أفضل بكثير مما توقعت يا آنسة فيرارا. هذا يجعل الأمر أكثر تعقيداً."

"أكثر تعقيداً بالنسبة لك، أم بالنسبة لي؟"

"لنقل إننا سنكتشف ذلك معاً." أجاب وهو يجلس أخيراً خلف مكتبه، عيناه لا تفارقانها. "لكن قبل أن أجيب عن أي سؤال آخر، أريد أن أعرف شيئاً واحداً: من أرسل لك تلك الملفات؟"

جمدت أوليفيا في مكانها. كيف عرف عن الملفات؟

وفي تلك اللحظة بالذات، أدركت أن اللعبة التي ظنت أنها بدأتها بنفسها، كانت في الحقيقة قد بدأت منذ زمن طويل، وأن دومينيك أشتون ربما كان ينتظرها في هذا المكتب أكثر مما انتظرته هي.

---

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لعبة الظل الأنيق   الـــــفــــصل 13

    أجاب دومينيك على الهاتف بسرعة، ابتعد خطوتين عن أوليفيا وهو يستمع بتركيز شديد، وجهه يتحول تدريجياً من التوتر إلى شيء أقرب إلى القلق العميق."متى بالضبط؟... هل تأكدتم من الهوية؟... لا، ابقوا حيث أنتم، لا تتحركوا حتى أصل." أنهى المكالمة بسرعة، وعاد نحو أوليفيا بخطوات سريعة، ملامحه جادة تماماً الآن."ماذا حدث؟" سألته، شاعرة أن اللحظة الحميمية التي كادت تجمعهما قبل دقائق فقط قد تبخرت تماماً في الهواء."السيارة المشبوهة أمام شقتك، فريق الأمن تتبعوا لوحتها أخيراً. مسجلة باسم شركة شحن وهمية، لها روابط غير مباشرة بواحدة من شركات فيكتور القديمة." قال وهو يمرر يده بإرهاق عبر شعره. "لن يقتربوا أكثر الليلة، لكن هذا يؤكد أنه يراقبك فعلاً منذ فترة، وربما منذ ما قبل عشاء الجمعة."شعرت أوليفيا بقشعريرة تسري في جسدها. "إذن هو يعرف كل شيء منذ البداية.""يبدو الأمر كذلك، للأسف." نظر إليها دومينيك طويلاً، وكأنه يريد أن يكمل ما بدآه قبل المكالمة، لكن الوقت والظروف لم تعودا مناسبتين الآن. "يجب أن تنامي قليلاً يا أوليفيا. غداً سيكون يوماً طويلاً، وسنحتاج كل التركيز الممكن لمواجهة ما هو قادم."أومأت أوليفيا ب

  • لعبة الظل الأنيق   الـــــفــــصل 12

    كانت الطريق إلى منزل دومينيك صامتة معظمها، لا لغياب الكلام بل لثقل ما سبقه من أحداث. جلست أوليفيا في المقعد الخلفي للسيارة، تراقب أضواء المدينة تنساب خلف النافذة، بينما كان دومينيك يجلس بجانبها، هاتفه في يده يتابع تحديثات فريق الأمن كل بضع دقائق دون كلل."وصلنا." قال أخيراً وهو يضع هاتفه جانباً، حين توقفت السيارة أمام مبنى سكني حديث فخم، أقل استعراضاً من برجه التجاري لكنه لا يقل أناقة عنه.صعدا معاً إلى الطابق العلوي بمصعد خاص لا يصل إلا إلى شقته وحدها، وحين انفتح الباب مباشرة على الداخل، وجدت أوليفيا نفسها في مساحة واسعة أنيقة، ألوان دافئة محايدة، وإطلالة أخرى ساحرة على المدينة من خلف نوافذ ممتدة من الأرض حتى السقف."منزل جميل." قالتها أوليفيا وهي تتلفت حولها، محاولة إخفاء التوتر الذي بدأ يتسلل إليها الآن بعد أن أدركت فعلياً أنها ستقضي الليلة هنا، في منزله، وحدها معه."شكراً. لم يسبق لأي صحفية أن دخلته من قبل، لأكون صريحاً تماماً." قالها دومينيك بابتسامة خفيفة، محاولاً كسر بعض التوتر الملموس في الهواء. "غرفة الضيوف في نهاية هذا الممر، مجهزة بكل ما تحتاجينه. سأطلب من أحد أفراد الطاقم

  • لعبة الظل الأنيق   الـــــفــــصل 11

    ساد صمت ثقيل في المكتب، صمت يشبه ذلك الذي يسبق العاصفة مباشرة. وضع دومينيك الهاتف على الطاولة الزجاجية بحركة بطيئة متعمدة، وكأنه يخشى أن يجعل أي حركة مفاجئة الكابوس أكثر واقعية مما هو عليه بالفعل."أعطني الهاتف." قالت أوليفيا فجأة، ممدة يدها نحوه بثبات لم تشعر به داخلياً على الإطلاق."أوليفيا، لا أعتقد أن—""دومينيك." قاطعته بحزم، عيناها تثبتان على عينيه دون تردد. "إن كان هذا الرجل يعرف عني بالفعل، فإخفاء التفاصيل عني لن يحميني، بل سيجعلني أكثر عرضة للخطر لأنني سأكون أقل استعداداً لمواجهته. أريد أن أرى بنفسي ما يكتبه."تردد دومينيك للحظة، ثم مدّ لها الهاتف أخيراً، عيناه لا تفارقان وجهها وهي تقرأ. كانت الرسالة مكتوبة بأسلوب مصقول بارد، لا يخلو من سخرية مبطّنة تشبه إلى حد بعيد أسلوب دومينيك نفسه حين كان يتحدث معها لأول مرة في مكتبه — وكأنها ترى الآن مصدر ذلك البرود الذي تعلمه دون وعي منه.**"دومينيك العزيز، لطالما عرفت أنك ستعود إلى الأضواء يوماً ما، رغم كل جهودك للاختباء في الظل. رأيتُ صحفيتك الجديدة، أوليفيا فيرارا، امرأة ذكية بشكل ملحوظ، وشجاعة أكثر مما ينبغي لصحفية عادية. أنا معجب ح

  • لعبة الظل الأنيق   الـــــفــــصل 10

    غادرت أوليفيا مبنى المجلة دون أن تلتفت خلفها، تاركة وراءها هارولد بينيت وقراره الجائر، وفيكتوريا وابتسامتها المتعجرفة التي لن تنساها بسهولة. شعرت بخفة غريبة تمتزج بالقلق وهي تسير في الشارع المزدحم بحركة الصباح، وكأن نزع تلك البطاقة قد حررها من قيد لم تدرك ثقله إلا بعد أن سقط عنها. كانت المدينة تتحرك من حولها بلا مبالاة، حافلات تمر، وأناس يسرعون إلى مكاتبهم، بينما هي تقف على حافة قرار غيّر حياتها المهنية بالكامل خلال دقائق.اتصلت بها كلوي مرتين وهي في الطريق، مؤكدة أنها ستراقب أي تحرك من فيكتوريا داخل المجلة، وواعدة بإرسال أي معلومة قد تكون مفيدة. شعرت أوليفيا بامتنان عميق لوجود صديقة كهذه، مستعدة للمخاطرة من أجلها دون تردد.وصلت إلى برج "أشتون تاور" للمرة الثانية خلال يومين، لكن هذه المرة دون أي هوية مزيفة، ودون أي خطة مدروسة سوى الرغبة الملحّة في معرفة الحقيقة. لاحظت التغيّر في طريقة استقبالها فوراً: تعرّفت عليها موظفة الاستقبال هذه المرة، وابتسمت لها ابتسامة تنمّ عن احترام جديد، وأشارت لها بالصعود مباشرة دون أي تأخير أو أسئلة أمنية معتادة.في الطابق الأربعين، كان رافائيل كوستا في ان

  • لعبة الظل الأنيق   الـــــفــــصل 09

    وقفت أوليفيا طويلاً أمام الظرف الأبيض الملقى على عتبة بابها، تحدّق في تلك الكلمة الوحيدة المكتوبة بخط يد متوتر: "قريباً". مدّت يدها لتلتقطه، ثم تراجعت فجأة، وكأن لمسه وحدها قد تفتح باباً لا تستطيع إغلاقه مرة أخرى الليلة. التقطته أخيراً بطرف أصابعها، وضعته داخل كيس بلاستيكي شفاف من مطبخها بغريزة صحفية تلقائية — حفظ الأدلة أولاً، مهما كان الخوف — ثم وضعته في أعلى خزانتها دون أن تفتحه.لم تكن تملك القوة الذهنية الكافية الليلة لمواجهة محتواه.استحمت بماء ساخن طويلاً، محاولة أن تغسل عن جسدها ذكرى صوت الطلقة وشظايا الزجاج المتطايرة، لكن صورة يد دومينيك وهي تضغط على مؤخرة رأسها لتحميها ظلت عالقة في ذهنها حتى وهي تستلقي أخيراً في فراشها، منهكة تماماً، لتغرق في نوم مضطرب مليء بأحلام متقطعة عن أضواء حمراء وأصوات مكتومة.في الصباح، وصلت أوليفيا إلى مقر المجلة متأخرة قليلاً عن موعدها المعتاد، عيناها لا تزالان مثقلتين رغم كوب القهوة الكبير الذي احتستهُ في طريقها. بالكاد وضعت حقيبتها على مكتبها حتى اقتحمت كلوي المكتب بحيوية معتادة، حاملة هاتفها المفتوح على صفحة أخبار محلية."صباح الخير! هل رأيتِ ال

  • لعبة الظل الأنيق   الـــــفــــصل 08

    بعد أن انسحب فريق التحقيق الأولي، وبعد أن أخذ رجال الأمن إفادات سريعة من الجميع، بدأ الهدوء النسبي يعود إلى المكان، رغم أن آثار الفوضى — الزجاج المتناثر، والطاولة المقلوبة، وشريط التحذير الأصفر الذي بدأ أحد الأفراد بمدّه حول محيط النافذة المحطمة — كانت لا تزال شاهدة على ما حدث قبل دقائق قليلة فقط.اقترب ألكسندر منهما، وقد استعاد جزءاً من ثقته المعتادة رغم شحوب وجهه الواضح، وابتسامته هذه المرة كانت أقل استفزازاً وأكثر حساباً."آنسة فيرارا، بعد ليلة كهذه، أعتقد أن الأقل أن أوصلكِ إلى منزلك بنفسي. سيارتي في الأسفل، ولديّ سائق مدرّب على القيادة الدفاعية، تحسباً لأي مفاجآت أخرى." قال وهو يميل قليلاً نحوها بابتسامة تبدو ودية، لكن أوليفيا لاحظت نظرة عابرة سريعة يرميها نحو دومينيك، وكأنه يختبر رد فعله عمداً.لم يتكلم دومينيك على الفور. وقف بصمت للحظة، عيناه الرماديتان تنتقلان من ألكسندر إلى أوليفيا ببطء محسوب، وكأنه يزن كل احتمال ممكن قبل أن يتفوه بكلمة واحدة. ثم، بحركة هادئة لكنها لا تقبل الجدال، تقدم خطوة ليقف بجانب أوليفيا مباشرة."شكراً على العرض، ألكسندر، لكنني سأتولى إيصال الآنسة فيرارا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status