تسجيل الدخولرنّ هاتفي في المساء، واسم سارة على الشاشة فاجأني، لأننا لم نتحدث منذ ذلك اللقاء المتوتر في المقهى، اللقاء الذي شعرتُ بعده بخزي عميق من استخدامي لها كملاذ هاربٍ في لحظة ضعف. أجبتُ بحذر. "سارة؟" "كريم، أحتاج أن أتحدث معك." جاء صوتها مباشراً، يحمل قلقاً واضحاً. "هل لديك دقائق؟" "بالطبع، تكلمي." "أحمد اتصل بي." قالت بسرعة، كأنها تريد أن تخرج الجملة قبل أن تتردد فيها. "مرتين، كريم. مرة بمكالمة، ومرة طلب أن نلتقي في مقهى. قال أنه قلق عليك، يريد أن يفهمك بشكل أفضل." شعرتُ بجسدي يتجمد، وقلق فوري يتسلل إلى صدري. "ماذا سألك؟" "أسئلة غريبة." قالت سارة، وفي صوتها تردد واضح. "عن حالتك النفسية، عن كيف تتصرف تحت الضغط، عمّن تثق به حين تمر بأزمة. في البداية ظننتُ أنه قلق حقيقي، لكن في اللقاء الثاني، بدا الأمر مختلفاً، كأنه يبحث عن شيء محدد، لا قلق عابر." أحسستُ بغضب يتصاعد في داخلي، غضب موجه نحو أخي الذي بدأ، بدقة محسوبة، يستخدم امرأة بريئة كأداة في حربه. "سارة، أنا آسف جداً." قلتُ بصدق. "أحمد ليس قلقاً عليّ. هو يحاول أن يجد طريقة لإيذائي، وللأسف، استخدمك في هذا الطريق دون أن تعرفي." صمتت ل
اتصلتُ بسارة بعد أيام من مكالمتنا الأولى، أحمل في صوتي نبرة محسوبة بعناية أكبر هذه المرة، أكثر حرصاً بعد أن شعرتُ بتردد طفيف في صوتها آخر مرة تحدثنا. "سارة، مرحباً مرة أخرى." بدأتُ، بنبرة هادئة، ودودة. "أعرف أن مكالمتنا السابقة بدت غريبة قليلاً، وأريد أن أوضح لك شيئاً، إن سمحتِ لي بوقت قليل من حياتك." ترددت للحظة قبل أن تجيب. "حسناً، تكلم." "أفكر، بصراحة، أنه من الأفضل أن نتحدث وجهاً لوجه." قلتُ، أحاول أن أجعل الطلب يبدو طبيعياً، بل ضرورياً. "الأمر متعلق بكريم، وأشعر أن الهاتف لا يمنحني المساحة الكافية لأشرح كل قلقي بشكل صحيح. هل يمكننا أن نلتقي في مكان عام، مقهى مثلاً؟ لن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً." صمتت سارة لحظة أطول هذه المرة، وشعرتُ بحذرها يتصاعد عبر الخط، حذر امرأة بدأت تستشعر أن هناك طبقة أعمق من هذه القصة لم تُكشف لها بعد. "أحمد، لماذا تهتم بهذا القدر؟" سألت أخيراً، بصوت يحمل فضولاً حقيقياً مختلطاً بشك متنامٍ. "أنتما، أنت وكريم، لطالما كنتما متباعدين نوعاً ما، حتى قبل كل ما حدث في عائلتكم مؤخراً. لماذا الآن، فجأة، أصبحتَ قلقاً عليه بهذا الشكل؟" شعرتُ بضربة خفيفة من توتر،
ذهبنا إلى السوق معاً في صباح هادئ، كريم يمشي بجانبي، يداه في جيوب سترته، وعيناه تتجولان بين الأكشاك بفضول رجل لم يعتد هذه التفاصيل الصغيرة من الحياة اليومية، أو ربما لم يسمح لنفسه من قبل بالاستمتاع بها بهذا البساطة. "ماذا تريد لنا الليلة؟" سألتُه، وأنا أتفقد صناديق الخضار، أبحث عن طماطم نضرة. "أي شيء تطبخينه أنتِ، سيكون أفضل من أي طعام آخر." قال بابتسامة خفيفة، وأخذ سلة التسوق من يدي، حركة صغيرة، لكنها حملت شيئاً من الحماية البسيطة التي أحببتُها فيه منذ البداية. مشينا بين الأكشاك، نختار الخضار، نتجادل بخفة حول نوع الجبن الأفضل للطبخة التي قررتُ تحضيرها، نضحك على بائع يحاول أن يبيعنا فواكه بسعر مرتفع بحجة أنها "مستوردة خصيصاً". كانت لحظات بسيطة، عادية، من النوع الذي لم أكن أتخيل أنني سأحظى به مجدداً بعد كل ما حدث. "تعرفين،" قال كريم، بينما نقف أمام كشك التوابل، "هذه أول مرة أتسوق فيها مع أحد منذ سنوات. أمي كانت تفعل ذلك، حين كنتُ صغيراً، لكن بعد أن كبرتُ، أصبح كل شيء... منفصلاً، كل واحد يعيش حياته الخاصة." نظرتُ إليه، إلى وجهه الذي بدا، في تلك اللحظة، أصغر سناً، أقل ثقلاً من الرجل
ذهبتُ إلى شقتها مباشرة من بيت أبي، أحمل معي ثقل تلك المواجهة كحجر في صدري، أحتاج مكاناً أتنفس فيه بحرية، بلا أقنعة، حتى لو لساعة واحدة فقط. فتحت الباب، ونظرت إلى وجهي، وعرفت فوراً، بحدس امرأة تعرفني جيداً، أن شيئاً ثقيلاً حدث. "أحمد؟ ما بك؟" دخلتُ، وجلستُ على كنبتها، وشعرتُ، للمرة الأولى منذ أيام، بأنني أستطيع أن أتنفس بعمق دون أن أحسب كل كلمة. "كان عندي أبي اليوم." قلتُ، وصوتي يحمل تعباً صادقاً، تعباً لم أعد أحتاج أن أُصطنعه. "سألني مباشرة إن كنتُ نظيفاً تماماً في هذه القصة." جلست ليلى أمامي، وجهها يحمل قلقاً فورياً. "وماذا قلتَ له؟" "أنكرتُ كل شيء، بالطبع." قلتُ بمرارة. "تماسكتُ، لعبتُ دور الضحية، أكدتُ أنني الزوج المخدوع وحسب، وأنه لا يوجد شيء آخر يحتاج أن يعرفه." نظرت إليّ ليلى طويلاً، وفي عينيها رأيتُ شيئاً جديداً، شيئاً بين القلق والتقييم البارد. "هل صدّقك؟" "لا أعرف بالضبط." اعترفتُ بصدق. "بدا أنه صدّقني، أو على الأقل قرر أن يمنحني فرصة، لكنه قال شيئاً أزعجني، ليلى. قال أنه إن اكتشف يوماً أنني كذبتُ، فهذا سيكون أثقل عليه من كل ما فعله كريم وراما معاً." تنهدت ليلى، وأم
اتصل بي أبي صباحاً، صوته يحمل تلك النبرة الآمرة التي لم تتغير منذ كنتُ طفلاً. "تعال إلى البيت اليوم. أحتاج أن أتحدث معك، وحدنا، بلا أمك هذه المرة." عرفتُ، من نبرته، أن هذا اللقاء لن يكون عابراً. وصلتُ إلى بيت العائلة في المساء، ووجدتُه يجلس في صالته المعتادة، وجهه يحمل ثقلاً تراكم عليه منذ مكالمتنا الأولى، كأنه لم ينم جيداً منذ أيام. "اجلس." قال، بلا تحية، بلا سؤال عن حالي. جلستُ، وشعرتُ بحذر يتسلل إليّ، حذر ابن يعرف أن أباه لا يستدعيه لهذا اللقاء بلا سبب محدد. "أحمد، أريد أن أسألك سؤالاً، وأريد إجابة صادقة كاملة، لا الرواية التي قدمتها لي في تلك المكالمة." قال أبي، ونظر إليّ مباشرة، عيناه تحملان شيئاً بين الشك والأمل في أن يكون مخطئاً. "تكلم، أبي." "هل أنت نظيف تماماً في هذه القصة؟ هل هناك شيء فعلتَه، شيء يجعل ما حدث بين كريم وراما أقل وضوحاً من الصورة التي رسمتَها لي؟" شعرتُ بقلبي يتسارع، وكل خلية في جسدي تستعد لدفاع محسوب، دفاع تدرّبتُ عليه في رأسي طوال الأيام الماضية، منذ أن بدأتُ أخشى أن يصل هذا السؤال إليّ بهذا الوضوح المباشر. "أبي، لماذا تسألني هذا مرة أخرى؟" قلتُ، وحا
وجدتُ رقم سارة في جهات اتصال هاتفي القديمة، من أيام كانت تأتي إلى بيتنا برفقة كريم، تلك الأيام البريئة التي بدت الآن بعيدة كأنها تخص حياة أخرى تماماً. ترددتُ قليلاً قبل أن أتصل، أراجع في ذهني الكلمات التي سأقولها، النبرة التي يجب أن أتبناها: ليس غضباً، ليس حدّة، بل قلقاً أخوياً هادئاً، الصورة التي أحتاج أن أبنيها لكل من حولي الآن. رنّ الهاتف مرتين، ثم سمعتُ صوتها. "أحمد؟" جاء صوتها مفاجئاً، مستغرباً. "مرحباً، كل شيء بخير؟" "سارة، مرحباً." قلتُ بنبرة هادئة، محسوبة بعناية. "أعرف أن هذا غريب، أن أتصل بعد كل هذا الوقت، لكنني... أحتاج أن أتحدث معك عن كريم." صمتت للحظة، وشعرتُ بحذر يتشكل في صمتها، حذر امرأة تستشعر أن شيئاً غير عادي يقف خلف هذه المكالمة. "كريم؟ هل هو بخير؟" "لا أعرف بصراحة." قلتُ، وسمحتُ لصوتي أن يحمل قلقاً مصطنعاً بدقة. "يمر بوقت صعب جداً، سارة. أمور عائلية معقدة، وأنا، كأخيه الأكبر، أشعر بالقلق الشديد عليه. وفكرتُ، بما أنكما كنتما مقربين، أنك قد تعرفين شيئاً يساعدني على فهم ما يدور في رأسه." "تعرف أن علاقتنا انتهت منذ فترة." قالت بحذر متزايد. "لم نتحدث كثيراً مؤخرا
في تلك اللحظة، وسط الظلال الخافتة التي يرسمها المصباحُ الجانبي في زاوية شقة سارة، شعرتُ وكأن العالم الخارجي قد توقف عن الدوران. كلماتُ سارة عن الأمان وعن خلع الأقنعة كانت بمثابة الضوء الأخضر الذي فجر كل تلك المشاعر المكبوتة في صدري. لم يكن الأمر مجرد رغبة، بل كان بحثاً يائساً عن مرفأ أرسو فيه هربا
عدتُ إلى غرفتي في السكن الجامعي وأنا أشعر أن جدرانها أرحمُ بكثير من ممرات تلك البناية التي تفصل بين راما وسارة. استلقيتُ على سريري، أحاولُ إعادة هندسة أحداث العشاء في ذهني؛ كنتُ أحلل نظرات سارة الحادة وارتجاف يد راما وهي تلتقط الصورة، محاولاً العثور على "توازن إنشائي" يمنع هذا البنيان من الانهيار ف
عادت جدرانُ غرفتي في السكن الجامعي لتضيق عليّ من جديد، لكن انقباضها هذه المرة لم يكن بسبب ضيق المساحة، بل بسبب "الثقل" المسموم الذي حملتُه معي من تلك الشقة اللعينة. وضعتُ حقيبتي فوق السرير الحديدي، ذلك الصرير المألوف الذي كان يزعجني سابقاً بدا الآن وكأنه الصوت الوحيد الصادق في عالمٍ من الزيف. جلستُ
بينما كنتُ أنا غارقاً في صمت غرفتي بالسكن الجامعي، أصارع المعادلات الرياضية وجفاف جدران الصدأ، كانت الشقة في تلك الساعات تعيش مخاضاً من نوع آخر؛ مخاضاً يفوح برائحة "الفانيليا" و"الياسمين"، وهي الأجواء التي اعتادت راما أن تختارها بعناية لتمهد لأي مناسبة سعيدة تحتضنها جدران ذلك البيت الفاخر. علمتُ لا







