LOGIN
لعنة وادي الملوك الأول
الفصل الأول: ليلة المطر لم يكن المطر في الأقصر يشبه المطر في أي مكان آخر. كان نادرًا، قصيرًا في أغلب الأحيان، ولذلك حين تنفتح السماء في ليلة شتوية كهذه، كان للمدينة شعور غريب بأنها تستعيد شيئًا قديمًا نسيته منذ زمن بعيد. في تلك الليلة تحديدًا، كانت السماء سوداء تمامًا. السحب الثقيلة غطت النجوم، والبرق كان يظهر بين لحظة وأخرى فوق الجبال البعيدة، بينما انهمرت المياه على الطرقات القديمة المحيطة بالمتحف الأثري كستار كثيف يحجب كل شيء خلفه. كان المتحف قد أغلق أبوابه منذ أكثر من ساعتين. الزوار رحلوا. الموظفون غادروا. وبقيت القطع الأثرية وحدها في القاعات الطويلة، ساكنة تحت أضواء خافتة، كأن آلاف السنين التي مرت عليها لم تكن كافية لإخراجها من صمتها. في آخر الممر الشرقي، كانت هناك قاعة صغيرة لا يسمح بدخولها إلا لعدد محدود من العاملين والباحثين. وفي وسطها، خلف زجاج سميك ونظام أمني خاص، كانت توجد قطعة جعلت المتحف خلال الأسابيع الماضية محط اهتمام الباحثين والصحافة. بردية قديمة. لم تكن كبيرة. ولم تكن مزخرفة بالذهب أو الأحجار الكريمة. لكن قيمتها لم تكن في شكلها. بل في ما تحمله. كانت البردية تحتوي على نصوص غير مكتملة، ورموز لم يستطع الباحثون تفسير بعضها، وخطوطًا متداخلة في أطرافها تشبه خريطة. وكان هناك اسم واحد يتكرر بطريقة غريبة. وادي الملوك الأول. اسم لم يكن يمر على أي باحث في علم المصريات دون أن يثير فضوله. فقد كانت الإشارة إليه في البردية مختلفة عن كل ما هو معروف في السجلات الحديثة. وكأن كاتب البردية لم يكن يتحدث عن وادي الملوك المعروف فقط. بل عن مكان أقدم. مكان آخر. مكان أراد شخص ما أن يظل مخفيًا. --- في غرفة المراقبة، جلس حارس الأمن حسن مراد أمام مجموعة من الشاشات. كان رجلًا في أواخر الخمسينيات، أمضى سنوات طويلة في العمل بالمتحف، حتى أصبح يعرف ممراته أكثر مما يعرف شوارع الحي الذي يعيش فيه. أمسك كوب الشاي بيد، وباليد الأخرى أخذ يقلب بين صور الكاميرات. كان صوت المطر يصل إليه مكتومًا من خلف النوافذ. رفع عينيه إلى الساعة المعلقة على الحائط. كانت تشير إلى الثانية عشرة وسبع دقائق. قال لنفسه: "ليلة طويلة." ثم عاد إلى الشاشات. مرر نظره على الممر الرئيسي. ثم قاعة التماثيل. ثم المخزن. ثم القاعة الشرقية. توقف. حدق في الشاشة. كان ضوء الممر الشرقي قد انطفأ. قطب حاجبيه. ضغط على زر الاتصال. "القاعة الشرقية، هل تسمعني؟" لم يجبه أحد. انتظر. ثم أعاد النداء. "القاعة الشرقية." صمت. رفع حسن جهاز الاتصال من أمامه. كان هناك شعور غريب بدأ يتسلل إلى داخله. نهض من مقعده. أخذ مصباحه اليدوي. وقبل أن يغادر الغرفة، نظر إلى شاشة القاعة مرة أخرى. ظهر على الشاشة شيء. ظل أسود. مر بسرعة أمام الكاميرا. ثم اختفى. تجمد حسن. "مين هناك؟" لم يسمع ردًا. فتح الباب. وخرج. --- كان الممر مظلمًا إلا من أضواء الطوارئ الصغيرة الممتدة على الجدران. خطا حسن ببطء. صوت حذائه على الأرض الحجرية كان واضحًا بصورة مزعجة. رفع المصباح أمامه. "لو حد موجود يرد عليّ." لا شيء. اقترب من القاعة. ثم توقف. كان باب الغرفة الخاصة بالبردية مفتوحًا. اتسعت عيناه. اقترب أكثر. وضع يده على الباب. دفعه. صدر صوت خافت. دخل. وجه المصباح نحو الصندوق الزجاجي. توقف قلبه للحظة. كان الصندوق مفتوحًا. والبردية اختفت. "يا ساتر..." تراجع حسن خطوة. أخرج جهاز الاتصال بسرعة. "غرفة المراقبة إلى..." لم يكمل. شعر بوجود شخص خلفه. استدار. ضربه شيء صلب في رأسه. سقط المصباح من يده. وانطفأ. --- في الوقت نفسه، وعلى بعد عدة كيلومترات، كانت نور عبدالسلام تجلس وحدها في شقتها. كانت في السادسة والعشرين من عمرها، وتعمل مرممة للآثار، واشتهرت بين زملائها بدقتها الشديدة. كانت تستطيع أن تقضي ساعات أمام قطعة أثرية صغيرة، تبحث في خدش لا يكاد يرى بالعين المجردة. وفي تلك الليلة لم تكن تفكر في النوم. كان أمامها جهاز حاسوب مفتوح على صورة عالية الدقة للبردية. كبرت الصورة. ثم كبرت جزءًا آخر. كانت تراجع العلامات الموجودة على أطراف الخريطة. وضعت عدسة مكبرة أمام الشاشة. تمتمت: "أكيد فيه حاجة ناقصة." أعادت فتح صورة أخرى. قارنت بينها وبين النسخة السابقة. ثم توقفت. ظهر أمامها رمز صغير جدًا لم تلحظه أثناء عملها في المتحف. دائرة يتوسطها شكل يشبه العين. حدقت فيه طويلًا. ثم فتحت أحد كتب المراجع القديمة. بحثت بين الصفحات. لا شيء. أغلقت الكتاب. ثم عادت إلى الشاشة. قالت بصوت منخفض: "إنتِ بتخبي إيه؟" فجأة اهتز هاتفها. رسالة من رقم مجهول. فتحتها. كانت الرسالة قصيرة: لا تبحثي عن وادي الملوك الأول. شعرت بقشعريرة. نظرت إلى الرقم. غير مسجل. كتبت: من أنت؟ انتظرت. ظهرت علامة الكتابة. اختفت. ثم ظهرت من جديد. وأخيرًا وصل الرد: شخص يحاول تحذيرك قبل فوات الأوان. رفعت نور رأسها. نظرت إلى باب شقتها. كان مغلقًا. لكنها شعرت فجأة بأنها ليست وحدها. سمعت صوتًا في الخارج. خطوة. ثم أخرى. تقدمت نحو الباب ببطء. وضعت يدها على المقبض. ترددت. ثم نظرت من العين السحرية. الممر فارغ. ابتعدت عن الباب. وفي اللحظة نفسها... انطفأت الكهرباء. --- في الثانية عشرة وأربعين دقيقة، وصل بلاغ عاجل إلى قسم الشرطة. جريمة قتل داخل متحف أثري. وبعد دقائق، كانت سيارة سوداء تشق طريقها وسط المطر. جلس في المقعد الأمامي رجل في بداية الثلاثينيات. ملامحه هادئة. عيناه ثابتتان. لم يكن يتحدث. كان يقرأ التقرير الأولي الذي وصله على هاتفه. قتيل واحد. بردية أثرية مسروقة. لا آثار اقتحام واضحة. تعطل كاميرات المراقبة قبل الحادث. رفع عينيه عن الشاشة. هذا النوع من الجرائم لم يكن يحب التعامل معه. ليس لأنه صعب. بل لأن الجرائم التي تبدو سهلة في بدايتها تكون غالبًا الأكثر خداعًا. كان اسمه إياد منصور. محققًا معروفًا بالصرامة، قليل الكلام، ولا يحب أن يبني أحكامه على الانطباعات. وصلت السيارة أمام بوابة المتحف. نزل إياد. فتح مظلته. لكن الرياح قلبتها في اللحظة نفسها. نظر إليها بضيق. ثم أغلقها وسار تحت المطر. عند المدخل كان عدد من أفراد الشرطة ينتظرونه. تقدم أحد الضباط. "حضرتك المحقق إياد؟" "أيوه." "الجثة في القاعة الشرقية." "مين لمسها؟" "أنا وفردين من الأمن." "مين دخل القاعة؟" "ولا حد غيرنا." نظر إياد إليه. "متأكد؟" تردد الضابط. "على حد علمي." لم يعلق إياد. دخل. كانت رائحة المكان مختلفة. رائحة الحجر القديم والرطوبة. مر في الممرات حتى وصل إلى القاعة. كانت الجثة ملقاة على الأرض. انحنى إياد. تفحصها دون لمس. ثم رفع عينيه. لا دماء كثيرة. لا بعثرة. لا آثار شجار واضحة. ثم نظر إلى الصندوق. فارغ. قال: "القاتل ما دخلش هنا صدفة." أجابه الضابط: "تقصد إنه كان مخطط؟" "أقصد إنه كان عارف هو داخل على إيه." اقترب إياد من الصندوق. وجد أثرًا صغيرًا على حافته. بصمة. ثم أخرى. رفع عينيه. "فين سجل العاملين اللي دخلوا القاعة النهارده؟" أُحضر له الملف. بدأ يقلب الصفحات. كان هناك عدد من الأسماء. لكن اسمًا واحدًا لفت انتباهه. نور عبدالسلام. مرر إصبعه على الاسم. "دي مين؟" أجابه الضابط: "مرممة آثار. كانت شغالة على البردية." سأل إياد: "آخر مرة دخلت القاعة إمتى؟" "قبل إغلاق المتحف." "هل رجعت بعدها؟" "المفروض لا." أغلق إياد الملف. "هاتوا عنوانها." --- بعد أقل من ساعة، كانت نور تقف أمام باب المتحف. لم تكن تعرف سبب استدعائها. لكنها عندما رأت سيارات الشرطة، فهمت أن الأمر أكبر من مجرد مشكلة إدارية. دخلت. كان وجهها شاحبًا. تقدمت حتى رأت إياد. كان واقفًا قرب الصندوق الفارغ. التقت عيناهما. لم يكن في نظرته ترحيب. ولا اتهام صريح. كان فقط يراقب. قال الضابط: "دي نور عبدالسلام." نظر إليها إياد. "أنتِ اللي كنتِ بترممي البردية؟" "أيوه." "آخر مرة شفتيها إمتى؟" "الساعة عشرة ونص تقريبًا." "وخرجتي من المتحف؟" "حوالي عشرة وخمسين." "ورجعتي بعدها؟" "لا." أخرج إياد صورة. وضعها أمامها. "دي بصماتك." نظرت نور إلى الصورة. "طبيعي." "على الجزء الداخلي من الصندوق." رفعت عينيها. "أنا فتحت الصندوق قبل كده." "بعد إغلاق المتحف؟" "لا." "الكاميرات بتقول إنك رجعتي." صمتت نور. ثم قالت: "الكاميرات بتكدب." "الكاميرات ما بتكدبش." "لكن الناس بتقدر تخليها تقول اللي هي عايزاه." ظل إياد ينظر إليها. كانت واثقة. لكنها كانت خائفة أيضًا. قال: "أين البردية؟" "مش عارفة." "مين يعرف قيمتها؟" "الباحثين." "مين يعرف محتواها الحقيقي؟" ترددت. ثم قالت: "عدد قليل." "وأنتِ منهم؟" نظرت إلى عينيه. "يمكن." اقترب خطوة. "إيه اللي فيها؟" صمتت نور. ثم قالت: "خريطة." "لإيه؟" أجابت بعد لحظة: "لو قلت لك، هتفتكر إني مجنونة." "جربي." تنفست ببطء. "الخريطة بتتكلم عن مكان اسمه وادي الملوك الأول." تغير شيء في عيني إياد. سأل: "وإيه معنى الاسم؟" "مش عارفة." "لكن عندك فكرة." "عندي شك." "إيه هو؟" قبل أن تجيب... انطفأت أنوار المتحف. صرخت إحدى الموظفات في الخارج. ثم سُمع صوت تحطم زجاج. التفت إياد فورًا. أمسك ذراع نور وسحبها خلفه. قال بصوت منخفض: "ما تتحركيش." ظهر ظل في نهاية الممر. رجل مجهول. وقف لثانية. ثم رفع يده. دوّى صوت طلقة. ارتطم شيء بالحائط قرب رأس إياد. انحنت نور. تحرك إياد نحو مصدر الطلقة. لكن الظل اختفى. ركض أحد أفراد الشرطة إلى الخارج. وبعد ثوانٍ عاد. "هرب!" نظر إياد إلى الأرض. وجد ورقة صغيرة سقطت قرب قدمي نور. انحنى والتقطها. فتحها. جملة واحدة. المرحلة الأولى بدأت. رفع إياد عينيه. ثم نظر إلى نور. كانت تحدق في الورقة. قال: "حد كان مستنيك." ردت بصوت منخفض: "قلت لك." "إيه؟" "أنا مستهدفة." لم يجب. ظل ينظر إليها. ثم إلى الورقة. ثم إلى الممر المظلم. وفي تلك اللحظة أدرك إياد أن القضية التي جاء من أجلها لم تعد مجرد جريمة قتل وسرقة. هناك شخص آخر في الخارج. شخص يعرف نور. ويعرف البردية. ويعرف شيئًا عن وادي الملوك الأول. وربما... كان يعرف إياد أيضًا. خارج المتحف، كان المطر لا يزال يهطل. وفي مكان بعيد، داخل سيارة سوداء متوقفة دون أضواء، جلس رجل يراقب مبنى المتحف. أمسك هاتفه. قال: "إياد وصل." صمت قليلًا. ثم أضاف: "ونور معه." استمع إلى الصوت القادم من الطرف الآخر. ابتسم. وقال: "لا تقلق... كل شيء يسير كما خططنا." ثم أغلق الهاتف. وعاد ينظر إلى المتحف. كانت عيناه ثابتتين على نافذة القاعة الشرقية. وبينما كان البرق يضيء السماء للحظة... ظهرت على وجهه ابتسامة باردة. لم تكن جريمة المتحف سوى البداية.الفصل 149الطريق إلى طيبةلم يكن أحد يتوقع أن تكون طيبة هي المحطة التالية.بعد كل ما عاشوه في أبيدوس، وبعد أن ظنوا أنهم اقتربوا من نهاية اللغز، ظهرت أمامهم خريطة جديدة تفتح بابًا آخر.بابًا أقدم.وأخطر.كانت الخريطة معلقة على الجدار، مرسومة بخطوط ذهبية تتحرك ببطء، كأنها ليست حبرًا بل ضوءًا حيًا.وفي منتصفها ظهرت كلمة واحدة:طيبة.إياد ظل ينظر إليها.قال:"إحنا بنجري ورا الأسرار من مكان لمكان."آدم:"يمكن لأن الأسرار هي اللي بتجري ورانا."نور لم تبتسم.كانت تنظر إلى الجملة أسفل الخريطة:"وهناك سيولد الطفل."وضعت يدها على بطنها دون وعي.لم يكن هناك طفل.ليس الآن.لكنها شعرت فجأة بدفء غريب.كأن شيئًا بعيدًا جدًا استجاب للمسها.إياد لاحظ الحركة.قال بهدوء:"خايفة؟"نور:"مش من الطفل.""أمال؟""من اللي مستنيه."---كان سليم قد اختفى.لكن الجميع يعرف أنه لم يهرب.هو فقط انتقل إلى مرحلة أخرى من اللعبة.قال يوسف:"لازم نتحرك قبل ما يسبقنا."آدم نظر إليه."إنت لسه بتتكلم كأنك واحد مننا."يوسف:"لأني واحد منكم."إياد:"بعد اللي عرفناه، مش عارف أصدق مين."يوسف:"وده المطلوب."نور:"إيه؟"يوسف:"
الفصل 148الحارس الذي عادلم يتحرك إياد.ظل واقفًا أمام الفتحة، وعيناه معلقتان بالرجل الذي خرج من أعماق المكتبة.نفس الوجه.نفس الطول.نفس العينين.حتى الندبة الصغيرة فوق الحاجب الأيسر كانت موجودة.ندبة يونس.الندبة التي كان إياد يعرفها منذ طفولته.لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا.العينان.كانتا سوداويين تمامًا.لا بياض.لا انعكاس.كأن الرجل لم يكن ينظر إليهم، بل ينظر إلى شيء خلفهم، إلى زمن بعيد لا يستطيع أحد رؤيته.قال إياد بصوت مبحوح:"يونس؟"ابتسم الرجل."اشتقت لك."تراجعت نور خطوة."إياد..."رفع إياد يده دون أن يلتفت إليها."استني."ثم تقدم.خطوة.ثم أخرى.قال:"لو إنت يونس..."الرجل:"أنا يونس.""قول حاجة محدش يعرفها غيرنا."ابتسم."لما كنا أطفال، سرقت قطعة الحلوى من المطبخ، وأنت أخذت اللوم بدلًا مني."إياد ارتجف.ثم قال:"وبعدين؟""أبوك ضربك.""وبعدين؟""وأنت بكيت."ابتسم الرجل."لكن لما خرج أبونا من الغرفة، ضحكت لي وقلت: المرة الجاية كلني معاك."سقطت دمعة من عين إياد.قال:"يونس."مد يده.لكن الحارس أمسك بذراعه."لا."إياد التفت بغضب."سيبني."الحارس:"هذا ليس أخاك."يونس ابتسم."
الفصل 147مكتبة الأسرار المخفيةظل الجميع واقفين أمام الممر.لم يتحرك أحد.كانت المكتبة التي ظهرت في نهايته أكبر من أي شيء رأوه من قبل.رفوف لا تنتهي.أعمدة من الحجر الأبيض.مصابيح صغيرة معلقة في الهواء دون سلاسل.وممرات متشابكة، كأن المكان لم يُبنَ داخل الأرض، بل بُني داخل فكرة لا حدود لها.وفي النهاية كان الباب الذهبي.وفوقه نقش واحد:"مكتبة الأسرار المخفية."نور لم تستطع أن ترفع عينيها عنه.قالت:"إحنا فعلًا وصلنا."آدم اقترب من الممر."ده مش ممكن."سامح قال بصوت منخفض:"إحنا تحت أبيدوس."يوسف:"المكان أكبر من أبيدوس نفسها."نور التفتت إليه."إنت كنت تعرف إن ده موجود."يوسف لم يجب.فقالت:"كنت تعرف.""نعم.""وليه ما قلتش؟""لأنني لم أكن أعرف الطريق."سليم ضحك."بل كنت تعرف."يوسف نظر إليه."وأنت تعرف أنني لم أكن أملك المفتاح."سليم:"لم تكن تحتاجه."ثم نظر إلى نور."هي كانت المفتاح."---إياد وقف بجوار نور.قال:"قبل ما ندخل، لازم نفهم حاجة."سليم:"ماذا؟""إنت عايز إيه بالضبط؟""الحقيقة.""مش مصدق.""ولماذا؟""لأن كل واحد في القصة دي بيقول إنه عايز الحقيقة."ثم أشار إلى يوسف."وهو
الفصل 146الوجه الذي لم يعد هو نفسهخرجوا من الممر تحت الأرض قبل شروق الشمس بقليل.لم يتحدث أحد.كانت كلمات إيزيس الأخيرة أثقل من أن تُناقش بسهولة:"لا تثقوا بالرجل الذي يحمل وجهًا تعرفونه."نور كانت تمشي بجوار إياد، لكنها كانت تراقب الجميع.آدم.ليلى.سامح.يوسف.نفر.كل واحد منهم يمكن أن يكون المقصود.لكن شيئًا آخر كان يزعجها.ذلك الشعور الذي لا يخطئه القلب عندما يشعر بأن شيئًا ما تغير.قالت لنفسها:"واحد منهم لم يعد كما كان."---عند الفجر، توقفوا بالقرب من معبد قديم.أخرج آدم الخريطة.قال:"قبر سليم المفروض يكون هنا."سامح:"إنت متأكد؟""المخطوطة بتقول إن القبر اتدفن بعد اختفاء المدينة."يوسف:"ولو كان سليم مات من أربعين سنة، يبقى القبر موجود."نور:"لكن ليه إيزيس عايزة نلاقيه؟"آدم:"عشان نعرف اسم الحارس الحقيقي."إياد:"أنا مش مقتنع."نور:"ليه؟""لأن الحارس ظهر لنا."ثم أضاف:"هو مش محتاج اسم."---نفر اقتربت.قالت:"بل يحتاجه."إياد:"ليه؟""لأن الحارس لا يستطيع أن يعيش دون اسم."نور:"لكن قلتي إن الحارس فقد اسمه.""صحيح.""إذن؟""نحن أعطيناه أسماء كثيرة."آدم:"ومع كل اسم..."
الفصل 145لا تثق بيلم يستطع إياد أن يرفع عينيه عن الشاشة.الرسالة ما زالت أمامه:«أنا يونس، أخوك.»ثم ظهرت الرسالة الثانية:«لا تثق بي.»كان المفتاح الذهبي في يده قد تحول إلى لون أسود قاتم، وكأنه امتص الضوء من حوله.نور اقتربت منه."إياد."لم يرد."إياد، بص لي."رفع رأسه ببطء.قال:"هو.""مين؟""يونس.""متأكد؟""الصوت.""الصوت ممكن يتقلد.""أنا عارف صوت أخويا."ثم سكت.وأضاف:"لكن الجملة مش بتاعته."نور:"يعني؟"إياد نظر إلى المفتاح."يونس عمره ما كان بيحذرني منه.""من مين؟""من نفسه."---دخل آدم الغرفة.كان وجهه أكثر توترًا من المعتاد.قال:"ماذا حدث؟"إياد أعطاه الهاتف.قرأ الرسائل.ثم قال:"ده مستحيل."نور:"كل اللي بنشوفه بقى مستحيل."آدم:"لا."ثم أشار إلى الهاتف."المشكلة مش إن يونس حي.""أمال؟""المشكلة إن الرسالة وصلت من نفس الرقم اللي كان بيرسل رسائل مالك."نور:"يعني؟""يعني الشخص اللي عنده الرقم يمتلك وصولًا إلى أرشيف الذاكرة."إياد:"سليم."آدم:"أو الحارس."---نفر كانت واقفة عند الباب.قالت:"ليس سليم."نور:"إنتِ متأكدة؟""نعم.""ليه؟""لأن سليم لا يستطيع كتابة اسمه."
الفصل 144ابن سليمتوقفت الأنفاس.كان الرجل يقف عند مدخل المقبرة، والضوء الأزرق القادم من الأعماق يحيط بجسده من الخلف، فيجعل ملامحه تبدو كأنها خارجة من زمن آخر.لكن صوته كان واضحًا.هادئًا.واثقًا."أنا سليم."ثم نظر إلى الطفل."وجئت لأستعيد ابني."نور نظرت إلى الطفل.ثم إلى الرجل.ثم إلى إياد.كان وجه إياد قد تغير.قال:"إنت..."سليم ابتسم."أخيرًا."إياد:"أخويا؟"سليم:"لا."ثم أضاف:"أبوك."ساد الصمت.---ليلى تراجعت.قالت:"مستحيل."سليم نظر إليها."أنتِ أكثر شخص يعرف أنني موجود."ليلى:"أنت مت.""لا.""مالك قال إنك مت.""مالك قال أشياء كثيرة."نور:"إيه علاقتك بالطفل؟"سليم ابتسم."هذا السؤال يجب أن تسأليه لنفسك."نور:"هو ابننا."سليم:"ليس بعد."إياد:"إنت تقصد إيه؟"سليم:"أقصد أن الطفل لم يولد."نور:"لكنه هنا.""هذا مجرد المستقبل."ثم نظر إلى الطفل."ابني."---تقدم سليم.إياد وقف أمام نور."متقربش."سليم توقف."كنت أتمنى أن أراك وأنت أكبر."إياد:"أنا مش فاكر إن ليّا أب غير أبي.""لأن مالك محا ذاكرتي.""ليه؟""لأنه كان يخاف مني."نور:"ليه؟"سليم:"لأنني كنت أعرف الحقيقة."