ログインشتم آدم بصوت خافت، ثم عاد إلى الاشتباك مجددا .و في اللحظة التي ظنت فيها لمار أنها خرجت من وسطهم سمعت صوت ارتطام قوي خلفها. التفتت مذعورة، فرأت قطعة أثاث ثقيلة تتجه نحوها، ولم يكن أمامها وقت كافٍ للابتعاد. وقبل أن تتمكن حتى من رفع ذراعيها لحماية وجهها، امتدت يد قوية وأطبقت على ذراعها، ثم سُحبت بعنف إلى الجانب الآخر . شهقت لمار، وفقدت توازنها للحظة، قبل أن يصطدم ظهرها بالجدار . وفي اللحظة التالية، ارتطمت الطاولة بالأرض حيث كانت تقف قبل ثوانٍ، فدوّى صوت تحطمها في البهو. ظلت لمار تحدق في المشهد بذهول، وقلبها يضرب صدرها بعنف، قبل أن تستوعب أنها لم تُصب بأذى. لكنها لم تكد تلتقط أنفاسها حتى سمعت صوت آدم ينفجر في وجهها. — هل فقدتِ عقلك؟! رفعت عينيها إليه بصدمة. كان واقفًا أمامها، وأنفاسه متلاحقة، وشعره مبعثرًا، وقد بدا الغضب على ملامحه أكثر وضوحًا مما رأته عليه من قبل. لم يمنحها فرصة للكلام، بل أمسك بذراعيها، وأخذ يتفحصها بعينين متوترتين قبل أن يعود إلى توبيخها. — ماذا كنتِ تفعلين هناك؟! ألم تري ما يحدث؟! حاولت لمار استيعاب انتقالها المفاجئ من حافة الإصابة إلى هذا الموقف، لكن ص
انتهت المحاضرات، ولم تكن لمار قد وجدت عملًا مسائيًا بعد، فقررت استغلال ما تبقّى من الوقت في المكتبة، تتنقل بين المراجع والكتب بحثًا عمّا يفيدها في دراستها. كانت غارقة في القراءة إلى درجة أنها لم تنتبه إلى مرور الوقت إلا حين رنّ هاتفها، كان اتصالًا من ماجدة.ما إن أجابت حتى أدركت أن شيئًا ما ليس على ما يرام. كان صوت جارتها مضطربًا، تتخلله أنفاس متلاحقة بدت كأنها تحاول جاهدة السيطرة عليها.— لمار... عزيزتي، أنا في ورطة!اعتدلت لمار في جلستها، وأغلقت الكتاب أمامها دون تردد.— ماذا حدث يا ماجدة؟ هل أمي والفتيات بخير؟!— بخير... إنهن بخير، لكن...انكسر صوت ماجدة، وتبعته شهقة بكاء جعلت قلب لمار ينقبض.— إنه جواد... لقد خرج من السجن!نهضت لمار دفعة واحدة، حتى كاد الكرسي خلفها يسقط.— أنا قادمة الآن!أنهت المكالمة قبل أن تسمح لماجدة بإضافة كلمة أخرى، ثم جمعت أغراضها على عجل وغادرت المكتبة. لم يكن لديها وقت لتفكر في سبب خروج جواد أو طبيعة الورطة التي أوقع نفسه فيها هذه المرة؛ كان عليها الوصول إلى ماجدة أولًا، وبعدها ستعرف كيف تتصرف.كان جواد، شقيق ماجدة الأصغر، يكبر لمار بسبع سنوات، ومع ذلك لم
كانت المحاضرات أكثر هدوءًا ذلك اليوم، إذ لم يظهر آدم في أيٍّ منها، وهو ما منح لمار بعض الراحة التي افتقدتها مؤخرًا. لم تأتِ إلى الجامعة لتكون جزءًا من نزوات شاب مدلل اعتاد الحصول على كل ما يريد، بل لتدرس ما تحبه بعيدًا عن استفزازاته. كانت من الطالبات المتميزات، لا بدافع المنافسة، بل لشغفها الحقيقي بتخصصها. فما إن يتناول أحد الأساتذة موضوعًا يثير اهتمامها حتى تتبدل ملامحها، وتلمع عيناها بتركيز يجعلها تنسى العالم من حولها. ولعل ذلك ما جعلها محط أنظار زملائها، بين إعجاب البعض وغيرة الآخرين، لكنها لم تكن تكترث لأيٍّ من ذلك. جلست في المكتبة كعادتها، منشغلة بكتبها وملاحظاتها، حين توقفت مها إلى جوار طاولتها. — مرحبًا بالطالبة المجتهدة! رفعت لمار رأسها، وما إن وقعت عيناها على مها حتى تذكرت رؤيتها بالأمس مع آدم. تسلل الحرج إلى ملامحها، فالتقطته مها وجلست قبالتها، تخفي ابتسامة متفهمة. أمسكت يدها برفق وقالت: — اسمعي، أعلم أن آدم حقير، ولست الوحيدة التي تعرف ذلك. نصف فتيات الجامعة لديهن قصة سيئة معه، والنصف الآخر لم تتح لهن الفرصة بعد! أفلتت من لمار ابتسامة صغيرة، وإن ظل التردد ظا
كان آدم مستلقيًا على السرير، منشغلًا بهاتفه، ولا يرتدي سوى شورت قصير. تقدمت لمار بحذر، مطأطئة رأسها حتى أخفت معظم ملامحها، ثم مدت إليه الكأس قائلة بصوت خافت أجش قليلًا:— تفضل، سيدي.رفع آدم عينيه إليها، ولاحظ ارتجاف يديها وانحناءة رأسها المبالغ فيها، قبل أن تستقر نظراته على قطعة القماش التي غطّت بها وجهها. عقد حاجبيه بفضول. لكنه ما إن فتح فمه ليسألها حتى انحنت فجأة وأطلقت سلسلة من السعلات الحادة، حتى بدت وكأنها تكافح لالتقاط أنفاسها.تناول الكأس منها بسرعة .تراجع آدم بنظره إليها.— هل أنتِ مريضة؟أومأت بسرعة، ثم أجابت ببحة متعمدة:— إنفلونزا.ظل يتأملها لحظة، ثم نهض ودار حولها محاولًا رؤية وجهها. ازدادت لمار توترًا، فخفضت رأسها أكثر، وأتبعت حركته بسعلة أخرى.قطب آدم حاجبيه.— ولماذا جئتِ إلى العمل وأنتِ بهذه الحالة؟ ألم يكن بإمكانك أخذ إجازة حتى تتعافي؟ارتبكت، ثم أجابت بأول ما خطر لها:— أنا جديدة هنا، ولم أرد التغيب منذ البداية.راقبها لثوانٍ، محاولًا فهم إصرارها الغريب على إخفاء وجهها. لكنه لم يكن مهتمًا بإجراء تحقيق معها، بقدر ما كان منشغلًا باحتمال أن تكون مريضة فعلًا.نظر إلى
منذ أن تعرّفت لمار إلى روتين آدم في الفندق، وضعت لنفسها خطة دقيقة تتبعها كل يوم؛ فبمجرد وصولها، كانت تتوجه إلى جناحه، وتنجز المهام الموكلة إليها بسرعة، ثم تتسلل عائدة إلى بقية أعمالها قبل أن يحضر.نجحت حيلتها طوال الفترة الماضية، ولم تضطر إلى مواجهته أو الاحتكاك به إلا في أضيق الحدود.لكن كابوس هذا الصباح بدد شعورها بالأمان، وأعاد إليها خوفًا ظنت أنها بدأت تتجاوزه.وصلت إلى الفندق في الموعد المحدد، وبدلت ملابسها بزي العمل، ثم اتجهت مباشرة إلى جناحه، على أمل أن تنتهي من تنظيفه قبل وصوله كعادتها.لم تكن تخشى آدم وحده، بل ما قد يترتب على اكتشاف هويتها. فقد حرصت منذ التحاقها بالجامعة على إبقاء ظروفها المادية سرًا، حتى عن أقرب زميلاتها. كانت معظم ملابسها ماركات عالمية مستخدمة، ورغم محاولاتها إخفاء مستوى معيشتها، لم تسلم أحيانًا من نظرات متفحصة أو تساؤلات مبطنة.وكانت الجامعة التي ترتادها، بأبنائها المنتمين إلى عائلات ثرية، آخر مكان ترغب في أن تنكشف فيه حقيقتها. أما عملها في الفندق، فكان ضرورة لا تستطيع التخلي عنها بسهولة؛ فمن أين ستأتي بمصاريف المنزل إن خسرت مصدر دخلها؟زفرت ببطء، وألقت نظ
««ملاحظة تم تعديل السابق »»تابع آدم بصوت اعلى كي يسمعه الحضور — ماذا ؟! هل ظننتِ أنني لن أكتشف أنك تعملين خادمة في الفندق الذي أملكه؟ تجمدت لمار. كيف علم بذلك؟ ومتى اكتشف الحقيقة التي حرصت على إخفائها؟ كانت تظن أنها نجحت في إخفاء فقرها وحاجتها الدائمة إلى المال، فإذا به يكشفها أمام الجميع، وكأن عملها الشاق وصمة ينبغي أن تخجل منها. تجنبت نظرات الحاضرين، لكن تعليقاتهم الساخرة اخترقت أذنيها، وكلما حاولت التماسك، شعرت بأن الكلمات تنتزع منها ما تبقى من ثقتها بنفسها. لم يكن الفقر اختيارًا اتخذته، ولم تكن حاجتها إلى العمل دليلًا على نقصها. لقد بذلت كل ما تستطيع لتصل إلى هنا، ولم تطلب من أحد أن يمنحها ما لم تستحقه. فلماذا كان عليها أن تدفع ثمن ظروفها حتى في اللحظة التي ظنت فيها أنها تغلبت عليها؟ التفت آدم إلى الحاضرين مجددًا. — سأعطيها شهادتها إذا وافقتم على ذلك. ما رأيكم؟ هل تستحق متسولة حقيرة أن تصبح مسؤولة عن أرواحكم؟ جاءته الإجابات من جهات مختلفة: — بالتأكيد لا! — لا نريد طبيبة مثلك! — من تظنين نفسك حتى تقفي بيننا؟ تراجعت لمار خطوة، وشعرت بأن القاعة تضيق حولها. قبل قليل،







