LOGINفي اليوم التالي، عندما خرج عمر من المبنى السكني، رأى ثلاث سيارات رينج روفر سوداء اللون متوقفة أمام المبنى. تعرّف إليها بسرعة، فقد كانت سيارات عائلة السيوفي.
كان سعدون واقفًا أمام إحدى السيارات، وبمجرد أن رأى عمر يخرج، تقدم نحوه وقال باحترام: — سيدي، أرسلني السيد فواز لأصطحبك إلى قصر العائلة. انزعج عمر من كلامه. لم يكن ينوي الانتقال إلى قصر العائلة الآن، ولم يكن مستعدًا لهذه العودة المفاجئة. لكنه لم يجادل. دون أن يقول كلمة، اتجه نحو إحدى السيارات وصعد إليها. بعد نحو نصف ساعة، توقفت السيارات الثلاث أمام قصر ضخم تحيط به حديقة واسعة، تتناثر فيها الأشجار القديمة التي بدت وكأنها شاهدة على سنوات طويلة من أسرار عائلة السيوفي. نزل عمر من السيارة، وأخذ ينظر حوله بصمت. كان يعرف هذا المكان. هذه الحديقة تحديدًا... تذكر والدته وهي تجلس تحت إحدى الأشجار، تراقبه بينما كان يركض ويلعب مع أخيه عامر. كان عامر يكبره بثلاث سنوات فقط. كان يحبه كثيرًا... لكن هل ما زال عامر يتذكره؟ هل سيتقبله بعد كل هذه السنوات؟ وهل ما زال يعتبره أخاه؟ تنهد عمر. لم يكن متفائلًا بهذه العودة. كان يشعر أن فواز لم يُعده إلى العائلة لمجرد الروابط العائلية. كان هناك سبب آخر. لكن ما هو؟ — سيدي، من هنا. كان صوت سعدون هو ما أخرجه من شروده. تبعه عمر إلى داخل القصر، ثم إلى غرفة المعيشة. وما إن دخل حتى توقفت أنفاسه للحظة. كان هناك سبعة رجال وخمس نساء يجلسون في الغرفة. راح عمر ينظر إلى الوجوه من حوله، محاولًا التعرف عليهم، لكنه لم يستطع تذكر معظمهم. حتى وقعت عيناه على رجل عجوز تجاوز الثمانين من عمره، يجلس على كرسي متحرك. كان جده فؤاد. نظر إليه فؤاد بعينين تملؤهما الحنان والاشتياق، ثم مد ذراعيه نحوه. — تعال يا بني... عمر. تردد عمر للحظة. لم يكن يصدق تلك المشاعر التي يراها في عيني العجوز. هل كانت حقيقية؟ أم أنها مجرد مشاعر مزيفة اعتاد أفراد هذه العائلة إظهارها؟ اقترب منه ببطء، فاحتضنه فؤاد وقبّل جبينه. — أهلًا بك في بيتك يا بني... مكانك كان خاليًا طوال هذه السنوات. ابتعد عمر عنه وجلس على الأريكة الفردية بجوار كرسي جده. لم يهتم كثيرًا ببقية الجالسين. أخذ ينظر إلى الجهة الأخرى من الغرفة، يبحث بعينيه عن شخص واحد. أخوه. نهض رجل من مكانه واتجه نحوه. كان سمير، شقيق فواز الأصغر. وقف عمر احترامًا له، فاقترب سمير واحتضنه بحرارة. — أهلًا بعودتك يا عمر... أنا عمك سمير. — أهلًا بك يا عمي. ابتعد سمير قليلًا، ثم اقترب رجل يبدو أكبر من عمر بقليل، وكانت عيناه تلمعان بالدموع. احتضنه بقوة وقال بصوت مرتجف: — أهلًا بعودتك يا أخي... لقد اشتقت إليك كثيرًا. تجمد عمر للحظة. عرفه فورًا. عامر. أخوه. بادله العناق بشوق، وقال: — وأنا أيضًا اشتقت إليك يا أخي. ابتعد عامر ؛ ثم بدأ يعرفه على بقية أفراد العائلة. أشار إلى رجل في نهاية الثلاثينات، يرتدي بدلة أنيقة باللون النيلي. — هذا أخونا الأكبر... مازن. تقدم مازن واحتضن عمر عناقًا قصيرًا وباردًا. — أهلًا بك يا أخي. — أهلًا بك. ثم أشار عمار إلى رجلين متشابهين إلى حد كبير، وكانا في عمر عمر تقريبًا. — وهذان ابنا عمنا. هذا بلال... أشار إلى الآخر. — وهذا أخوه التوأم ليث. ابتسم الاثنان. — أهلًا بك يا عمر. — أهلًا بكما. وفجأة تقدمت فتاة جميلة من بين الموجودين، وعلى وجهها ابتسامة عاطفية. — عمر... ألا تتذكرني؟ نظر إليها عمر لبضع ثوانٍ، ثم اتسعت عيناه قليلًا. — سمية؟ ضحكت بسعادة. — نعم! أنا سمية، أخت بلال وليث... وأختك الكبرى. كانت سمية تكبر عمر بعام واحد، وفي طفولتهما كانا يقضيان الكثير من الوقت معًا. ابتسم عمر للمرة الأولى منذ دخوله القصر. — أهلًا بك يا سمية... أنا أتذكرك. ازداد اتساع ابتسامتها، ثم التفتت إلى امرأة تجلس بالقرب منها. — وهذه أمي... نرجس. تقدم عمر منها قليلًا. — أهلًا بك يا عمتي. في تلك اللحظة نهض فواز من مكانه ووقف إلى جوار عمر. قال بحزم: — عودوا إلى أماكنكم. عاد الجميع إلى أماكنهم، بينما بقي عمر واقفًا. نظر فؤاد إليه للحظات، ثم أشار إلى امرأة في الخمسينات من عمرها كانت تجلس بصمت. — وهذه شذى... زوجتي، وأم مازن وعامر. أريدك أن تعتبرها مثل أمك. تغيرت ملامح عمر. شذى. زوجة فواز. أم مازن وعامر. كان يعرف الحقيقة منذ سنوات. كان يعرف أنه ابن المرأة التي خدعها فواز. فواز كان متزوجًا من شذى، وأنجب منها مازن وعامر، بينما كان يعيش مع والدته سارة ويخدعها، مدعيًا أنها المرأة الوحيدة في حياته. حتى إنه أوهمها بالزواج. لكن العقد الذي قدمه لها لم يكن سوى عقد زواج مزيف. فقد كان متزوجًا بالفعل. خفض عمر عينيه، وعاد به الزمن إلى طفولته. عندما بلغ السابعة من عمره، انتقل هو ووالدته إلى قصر عائلة السيوفي. هناك، التقى بعامر للمرة الأولى. في ذلك اليوم، قال له فواز: — هذا أخوك، عامله باحترام. لم يفهم عمر وقتها كيف أصبح لديه أخ أكبر منه. لكن فواز كان طيبًا وحنونًا معه، وكان عمر سعيدًا بوجوده في حياته. إلى أن ظهر عامر. منذ ذلك الوقت بدأ عمر يلاحظ أن والده يفضّل عامر عليه، ويعامله بطريقة مختلفة. في البداية، شعر بالغيرة. لكن مع مرور الوقت لم يعد يهتم. فعامر لم يكن سيئًا معه. بل على العكس... كانا يأكلان معًا، ويلعبان معًا، وحتى ينامان في الغرفة نفسها أحيانًا. كان عمر سعيدًا. كان لديه أمه... وكان لديه عائلته... وكان يظن أن حياته ستستمر بهذه الطريقة إلى الأبد. إلى أن جاء ذلك اليوم... اليوم الذي قلب كل شيء رأسًا على عقب.عندما عادت إيليف وعمر إلى الشقة، كانت زينب تجلس في غرفة المعيشة، منشغلة بتصفح هاتفها دون أن تنتبه إليهما في البداية.دخلت إيليف وهي تحمل الجرو بين ذراعيها بعد أن أخرجته من الصندوق، بينما كان عمر يحمل كيس طعام الكلاب.رفعت زينب عينيها عن هاتفها، فنظرت إلى إيليف، ثم إلى الجرو الذي بين ذراعيها.اتسعت عيناها فجأة، وما إن أدركت ما الذي تحمله إيليف حتى صرخت وقفزت إلى الأريكة.— ما هذا؟!ثم أشارت إلى الجرو بفزع.— أخرجيه من هنا فورًا!انفجر عمر بالضحك وهو يضع كيس الطعام جانبًا.— اهدئي يا زينب.التفتت إليه بغيظ.— لا تقل لي اهدئي! أنت تعرف أنني أخاف الحيوانات!ابتسم عمر وهو يهز رأسه.— أعرف، لكن يبدو أن إيليف تمكنت من إقناعي بالموافقة على بقائه. أنا آسف يا زينب.رفعت إيليف الجرو أمامها قليلًا، وقالت بابتسامة عريضة:— انظري إليه! أليس لطيفًا؟ كيف تخافين منه؟حدقت زينب بالجرو وكأنه أخطر مخلوق على وجه الأرض.— لطيف؟! هذا الشيء سيبقى هنا؟!— نعم.— إيليف!ضحكت إيليف واقتربت منها خطوة.تراجعت زينب بسرعة إلى الطرف الآخر من الأريكة.— لا تقتربي!قالت إيليف وهي تضحك:— لن يفعل لك شيئًا.— وأنا لا أر
بعد انتهاء الاجتماع، بقي عمر في الشركة لبعض الوقت لترتيب بعض الأمور المتعلقة بالصفقة.كان آدم يقف إلى جانبه يراجع معه بعض الملفات، ثم قال بإعجاب:— لقد كنت رائعًا يا سيدي.ابتسم عمر وقال بهدوء:— شكرًا لك.ألقى نظرة على هاتفه، فكانت الساعة تقترب من الرابعة عصرًا.تذكر موعده مع إيليف، فقال وهو يجمع أغراضه:— لدي موعد، سأغادر الآن.— حسنًا.غادر عمر الشركة، وما إن ابتعد حتى أمسك آدم هاتفه واتصل بفواز.أخبره بكل ما حدث في الاجتماع، وكيف تمت الصفقة، وكيف خرج أفراد مجموعة الراشد وهم راضون ومبهورون بما قدمه عمر.ثم قال بإعجاب:— عمر لم يكتفِ بالإجابة عن كل أسئلتهم، بل لاحظ بعض الأخطاء التي غفلوا عنها وصححها لهم بنفسه. كان يعرف كل التفاصيل وكأنه يعمل في هذا المجال منذ سنوات.ساد الصمت للحظات، ثم لمعت في عيني فواز نظرة فخر واضحة.قال:— كنت أعلم أنه يستطيع فعلها.ثم أضاف بنبرة جادة:— انتبه عليه يا آدم.— بالتأكيد، سيدي.أغلق فواز الهاتف، وبقيت ابتسامة صغيرة على وجهه.كان فخورًا بابنه أكثر مما أراد أن يُظهر.---وصل عمر إلى باب المبنى الذي تسكن فيه إيليف، وأمسك هاتفه واتصل بها.— أنا في الخار
أكيد، بهذا التعديل يصبح الفصل أكثر ترابطًا مع نهاية الفصل 14، ويكون الاجتماع بين شركة السيوفي للتكنولوجيا بقيادة عمر وشركة الراشد للبناء والتطوير العقاري، مع تركيز الاجتماع على الذكاء الاصطناعي والطاقة والمباني المستدامة.الفصل الخامس عشردخل عمر قاعة الاجتماعات برفقة آدم.كانت القاعة واسعة وهادئة، تتوسطها طاولة طويلة تحيط بها المقاعد، بينما كانت شاشة كبيرة تعرض شعار شركة الراشد للتطوير العقاري إلى جانب شعار شركة السيوفي للتكنولوجيا.لم يكن فواز موجودًا.كان عمر قد أصر على إدارة الاجتماع بنفسه، خصوصًا أن هذه المرة لم يكن يتحدث بصفته فردًا من عائلة السيوفي، بل بصفته المدير المسؤول عن شركة السيوفي للتكنولوجيا.جلس آدم إلى جانبه، بينما جلس في الجهة المقابلة عدد من كبار المسؤولين والمهندسين من شركة الراشد.وكان من بينهم أحمد الراشد.نظر أحمد إلى عمر للحظات، ثم أخفى ابتسامة ساخرة.كان يعرف من هو.الابن الأصغر لعائلة السيوفي.الشاب الذي كان ضائعًا لسنوات، والذي لم يتوقع أحد أن يعود يومًا إلى العائلة بهذه السرعة.وحين أخبره فواز أن عمر سيتولى إدارة شركة التكنولوجيا، لم يأخذ الأمر على محمل ال
الفصل الرابع عشرفي صباح اليوم التالي، اجتمع أفراد عائلة السيوفي حول طاولة الإفطار في القصر.نظر فواز إلى عمر وقال بنبرة حاسمة:— ستترك عملك في تلك الشركة، وستعمل في شركة السيوفي للتكنولوجيا.رفع عمر عينيه إليه دون أن يتحدث.أكمل فواز:— سمعت أنك بارع في هذا المجال، لذلك ستتدرب على العمل لفترة قصيرة، وبعدها ستكون مدير الشركة والمسؤول عنها بالكامل.ساد الصمت للحظات.قال عمر بهدوء:— أحتاج إلى بعض الوقت حتى أقدم استقالتي وأرتب أموري هناك.قاطعه فواز دون تردد:— لا داعي لذلك. لقد تحدثت مع مدير شركتك وسويت الأمور معه، حتى لا أضعك في موقف محرج.انزعج عمر من تدخل والده في عمله وحياته، لكنه لم يرد. كان يعلم أن النقاش معه في هذه الأمور لن يغير شيئًا.---بعد ساعة، كان عمر برفقة فواز داخل مقر شركة السيوفي للتكنولوجيا.اصطحبه فواز في جولة بين أقسام الشركة، وعرفه على الموظفين والمديرين، حتى أصبح الجميع على علم بمن سيكون مديرهم الجديد.وبعد انتهاء الجولة، توقف فواز أمام أحد الأبواب وفتحه.دخل عمر خلفه، فتفاجأ باتساع المكتب وفخامته.قال فواز وهو ينظر حوله:— هذا المكتب كان لي، والآن أسلمه لك.ثم ا
في الجهة الأخرى، كان أحمد الراشد يجلس في السيارة بانتظار عودة زيد.وبعد فترة، عاد زيد وفتح باب السيارة، ثم جلس في مقعده.نظر إليه أحمد وسأله:— هل طلبت شيئًا آخر غير دفع تكاليف العلاج؟هز زيد رأسه.— لا يا سيدي.ساد الصمت للحظات، قبل أن يبتسم زيد بخفة ويقول:— هذه الفتاة غريبة الأطوار حقًا.نظر إليه أحمد باستغراب.— ما الذي حدث؟تنحنح زيد ثم قال:— في الحقيقة، شكرتني واعتذرت لي، وطلبت مني أن أبلغك اعتذارها أيضًا.ابتسم أحمد بسخرية.— بعد كل ما فعلته؟— سيدي، في الحقيقة شعرت أن اعتذارها كان صادقًا... كانت تبدو وكأنها شخص مختلف تمامًا عن الفتاة التي كانت تتشاجر معي قبل قليل.ثم أضاف:— عندما اعتذرت قالت لي: «اعذرني، فهذه ليست طبيعتي».ظل أحمد صامتًا للحظات، ثم قال:— حسنًا، قد السيارة.أدار زيد المحرك وانطلقت السيارة في شوارع المدينة.وبعد دقائق، توقفت أمام قصر كبير، بدا من تصميمه أنه قديم وعريق. كانت تحيط به حديقة واسعة مليئة بالأشجار، وبجانبه كراج كبير يتسع لعدة سيارات.ترجل أحمد من السيارة ودخل القصر.كان الهدوء يخيّم على المكان.في غرفة المعيشة، جلس رجل مسن يبدو في السبعين من عمره ع
الفصل الثاني عشرتذكرت إيليف فجأة أنها لم تخبر زينب بما حدث، فأخرجت هاتفها واتصلت بها. وما إن أجابت زينب حتى بدأت إيليف تخبرها بكل شيء، ثم ختمت كلامها بحماس:— أريد أن أتبنى هذا الجرو.ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يأتيها صوت زينب حادًا:— في أحلامك! إذا جاء هذا الكلب إلى البيت، سأطردك أنتِ وهو معًا!ثم أغلقت الخط دون أن تمنحها فرصة للرد.على الطرف الاخر تمتمت زينب— ستُجلطني هذه الفتاة...حدقت إيليف في هاتفها بدهشةكانت تعرف جيدًا أن زينب لن توافق، لذلك لم تجد أمامها سوى حل واحد... عمر.ابتسمت بخبث وهي تفكر في الطريقة التي ستقنعه بها.---بعد انتهاء العشاء، غادر الجميع .كان فواز وشذى يعيشان مع الجد في القصر، والآن سيعيش عمر أيضًا هنا. ورغم أن فكرة العودة إلى أجواء القصر لم تكن مريحة له، إلا أن مرض جده جعله يتخذ قراره بالبقاء.في غرفة المعيشة، بقي عمر إلى جانب جده، بينما صعد فواز وشذى إلى غرفتهما.بدأ الجد يتحدث عن أيامه القديمة في العسكرية، يروي لعمر مواقف عاشها عندما كان شابًا، ثم عندما أصبح ضابطًا، وصولًا إلى سنوات خدمته الأخيرة قبل أن يتقاعد.كان عمر يستمع إليه باهتمام، حتى رن هاتفه.