LOGINنظرت إيليف إلى عمر بحيرة. كان واضحًا من ملامحه أن ما سيقوله ليس شيئًا عاديًا.
ظل ينظر إليها طويلًا، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة، ثم تنهد وخفض رأسه، وأمسك بيدها. قال بصوت هادئ: — انا وجدت عائلتي البيولوجية... سأعود إليهم. اتسعت عينا إيليف بدهشة. أليس هو من رفض العودة إليهم؟ ماذا تغير الآن؟ ظل الصمت بينهما للحظات، قبل أن يكمل عمر: — اسم عائلتي هو السيوفي. وسأعود إلى منزل العائلة هذا الأسبوع. ظلت إيليف تنظر إليه بصمت. لم تكن مصدومة لأنه وجد عائلته، بل لأنها شعرت أن هناك شيئًا غريبًا في الأمر. كان عمر قبل أيام فقط رافضًا تمامًا لفكرة العودة، بل كان غاضبًا من عائلته بسبب تركهم له في دار الأيتام. فما الذي حدث وجعله يغير رأيه بهذه السرعة؟ بعد صمت طويل، قالت إيليف بحذر: — أنت لست مجبرًا على العودة، أليس كذلك؟ رفع عمر رأسه إليها، وقد بدت الصدمة واضحة على وجهه. — لماذا تقولين هذا؟ ترددت قليلًا، ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت: — لأنني... التقيت بوالدك بالأمس في دار الأيتام. تغيرت ملامح عمر للحظة، لكنه حاول أن يخفي غضبه. — ماذا؟! — كان يريد إعادتك إلى عائلتك، وطلب مني أن أقنعك بالعودة. صمت عمر، ثم سألها بنبرة حاول أن يجعلها هادئة: — ولماذا لم تخبريني بهذا من قبل؟ خفضت إيليف رأسها وقالت: — أنا... نسيت أن أخبرك. ولم أجد الوقت المناسب. كنت أنوي أن أخبرك اليوم. نظر إليها قليلًا، ثم قال: — حسنًا... ماذا قلتِ له؟ وماذا حدث بينكما؟ أخبريني بكل شيء. أجابت إيليف بصراحة: — أخبرته أن قرارك يخصك وحدك، وأنني مهما كان اختيارك فسأدعمه. تنهد عمر، وكأنه كان يتوقع إجابة أخرى. — حسنًا. لكن إيليف لم تكتفِ بذلك. نظرت إليه بجدية وسألته: — عمر، هل هذه رغبتك فعلًا؟ لماذا لم تقبل العودة إليهم من البداية؟ ولماذا الآن؟ ساد الصمت. مد عمر يده، ومسح على رأسها وشعرها بحنان، ثم ابتسم ابتسامة مصطنعة حاول ان تبدو طبيعيه. — كنت غاضبًا لأنني ظننت أنهم تخلوا عني وتركوني في دار الأيتام. لكن الآن... اتضح أن هناك الكثير من سوء الفهم، وقد حُلَّ كل شيء. ظلت إيليف تنظر إليه، وكأنها تحاول قراءة ما وراء كلماته. لكنها قررت ألا تضغط عليه أكثر. ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها، ثم قالت بدلال: — عندما تذهب إلى عائلتك... لن تنساني، أليس كذلك؟ ضحك عمر، ثم قرص خدها بخفة. — أيتها الحمقاء! هل نسيتِ أنكِ خطيبتي الآن؟ كيف يمكنني أن أنساكِ؟ ابتسمت إيليف بسعادة. تابع عمر: — سأرتب أموري في العائلة أولًا، وبعدها نحدد موعد زواجنا. ثم نظر إليها بثقة وقال: — سنتزوج. لم تستطع إيليف إخفاء فرحتها. اندفعت نحوه واحتضنته بقوة. — أنا أحبك كثيرًا. احتضنها عمر بدوره، وربت على كتفها بحنان. — وأنا أحبك أكثر مما تتخيلين. --- في المساء، جلس عمر مع زينب وأخبرها باختصار بما حدث، وأنه قرر العودة إلى عائلته هذا الأسبوع. تفاجأت زينب في البداية، لكنها سرعان ما ابتسمت بسعادة. — مبارك لك يا عمر... أنا سعيدة جدًا من أجلك. أخيرًا ستعيش حياة طبيعية، بعيدًا عن كل الصعوبات التي مررت بها. ابتسم عمر لها. لكن زينب بقيت صامتة للحظات بعد ذلك. فهي أيضًا لطالما تمنت أن تجد والديها. كانت قد سجلت بيانات حمضها النووي في عدد من المستشفيات والجهات المختصة، على أمل أن يكون والداها ما زالا على قيد الحياة، أو أن يكون أحدهما يبحث عنها كما كانت تبحث عنهما. لكنها لم تفقد الأمل. --- بعد أن أنهى عمر حديثه مع زينب، دخل غرفته وأغلق الباب. أخرج هاتفه واتصل بسعدون، مساعد والده. ما إن جاءه الرد حتى قال عمر مباشرة: — سعدون، أخبر فواز أنني مستعد للعودة. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر، قبل أن يتحدث سعدون بدهشة: — هل أنت متأكد يا عمر؟ — نعم. سأنتقل هذا الأسبوع. ثم أضاف عمر بنبرة حازمة: — وأخبره ألا يتصرف في أي شيء من تلقاء نفسه. لا أريد أن يتخذ أي قرار يخصني دون الرجوع إليّ. — مفهوم، سأخبره. أنهى عمر المكالمة، وبقي للحظات ينظر إلى الهاتف. ثم رفع عينيه نحو النافذة، وكأن شيئًا مجهولًا ينتظره خلفها. قال لنفسه بهدوء: — أنا ساعود. لكنه لم يكن يعرف أن عودته إلى عائلة السيوفي لن تكون مجرد عودة إلى منزل لم يعرفه... بل بداية لأسرار ستغيّر حياته وحياة إيليف إلى الأبد.في الجهة الأخرى من المدينة، كان سامي يجلس خلف مكتبه في غرفة شبه مظلمة.لم يكن هناك سوى ضوء خافت صادر من المصباح الموضوع إلى جواره، بينما كان الدخان يتصاعد من سيجارته ببطء ويملأ المكان.كان هادئًا بشكل مخيف.فتح الباب ودخل عدنان، وخلفه رجل في منتصف العمر، بدا عليه الارتباك الشديد.توقف الرجل أمام المكتب، بينما بقي عدنان واقفًا خلفه.رفع سامي عينيه عن الأوراق أمامه.تعلقت عيناه بالرجل للحظات، ثم قال ببرود:"أنت."ابتلع الرجل ريقه."نعم، سيدي."أشار سامي إليه بأن يتقدم.اقترب الرجل بخطوات مترددة، ثم قال بسرعة وكأنه يريد إنهاء الأمر قبل أن يتراجع:"سيدي، لقد نفذت ما طلبته مني. لم أرتكب أي خطأ."ظل سامي صامتًا.أخذ نفسًا من سيجارته، ثم أطفأها ببطء في المنفضة.قال:"هل قلت لك أن تطلق أربع رصاصات؟"ارتجف الرجل."لا، سيدي..."رفع سامي عينيه إليه."إذن لماذا أطلقت أربعًا؟"بدأ الرجل يتلعثم."الرصاصة الرابعة... كانت مجرد خدش. لم تؤذه."ضاقت عينا سامي."لم تؤذه؟"هز الرجل رأسه بسرعة."نعم. الرصاصة لم تصبه إصابة خطيرة."ساد صمت ثقيل.كان الرجل يحاول تبرير فعلته، لكن صوته المرتجف كان يفضحه.كان عد
كان الجميع ينتظرون أمام غرفة العمليات. لم يكن هناك صوت سوى وقع خطوات متوترة، وأنفاس متقطعة، وأصوات الأجهزة القادمة من خلف الباب المغلق. نظر مازن إلى والده، ثم إلى أخيه عامر. كان الاثنان في حالة حزن شديد، لكن فواز كان مختلفًا تمامًا. للمرة الأولى، رأى مازن دموع والده. الرجل الذي اعتاد أن يراه قويًا، صلبًا، لا يسمح للخوف بأن يظهر على ملامحه، كان يجلس الآن ورأسه منخفض، ويداه متشابكتان بقوة، وكأن كل قوته قد استُنزفت في تلك الساعات. رفع فواز عينيه نحو باب غرفة العمليات. تمتم بصوت مكسور: — عمر.... ارتجف صوته. — أنا وجدتك بعد كل هذه السنوات... لا تجعلني أخسرك الآن. كان عامر يجلس إلى جواره، وقد أطرق رأسه وهو يخفي دموعه. لم يستطع أن يتوقف عن التفكير في طفولتهما. عامان فقط عاشهما مع عمر، لكنهما كانا كافيين ليتركا داخله أثرًا لم يمحُه الزمن. أما فواز... فكان عمر الطفل الهادئ الودود ابنه من حب حياته ساره الذي لم يفارقه إلا يوم وفاة والدته. ضاع منه. والآن، بعدما عثر عليه أخيرًا، بعدما قرر أن يصلح كل ما أفسده الزمن، أصبح عمر بين الحياة والموت. قال عامر بصوت خافت: — أبي... سيعيش.
كان عمر يقف إلى جوار والده فواز، والمدرب عباس، وسيف وجمال، يتحدثون بهدوء، غير مدرك أن ثوانٍ قليلة تفصله عن لحظة ستقلب الحفل بأكمله إلى كابوس. كانت إيليف تقف على مسافة قريبة منه، إلى جانب زينب وليث وأحمد وبقية الحاضرين. لم يكن أحد منهم يعلم أن عينين تراقبانهم من بعيد. فوق سطح الفيلا المقابلة، استقرت فوهة بندقية قنص بين يدي رجلٍ يراقب الحفل من خلال منظاره. كان يبحث عن هدف واحد فقط. عمر. تحركت عدسة المنظار بين الحاضرين، إلى أن استقرت عليه. كان عمر مميزًا بين الجميع بملابسه البيضاء. تمتم القناص لنفسه: — وجدتك. رفع البندقية ببطء، واستقر الضوء الأحمر على صدر عمر. ثم ارتفع قليلًا... حتى استقر فوق كتفه. في تلك اللحظة، لمح سيف الضوء الأحمر. اتسعت عيناه. — عمر! لكن صوته جاء متأخرًا. دوّى صوت الرصاصة. اخترقت الرصاصة كتف عمر. تجمد جسده في مكانه، وتجمد الجميع معه لجزء من الثانية، وكأن عقولهم رفضت تصديق ما حدث. ثم دوّى صوت آخر. رصاصة ثانية. أصابت ذراعه. وثالثة... استقرت في بطنه. تعالت صرخات الحاضرين، لكن القناص لم يتوقف. أطلق رصاصة رابعة. مرت بمحاذاة رقبته، خدشت جلده، ثم
جرى الحفل على ما يرام، وكانت الأجواء مليئة بالضحكات والأحاديث والموسيقى. كان الجميع مستمتعًا بالحفل، بينما كانت جمانة تراقب إيليف بين الحين والآخر بنظرات لم تستطع إخفاء ما خلفها من ضيق. لم تكن تكره إيليف لسبب واضح، لكنها كرهت أكثر فكرة أن يقارنها أحد بها. في عقلها، لم تكن هناك فتاة تستطيع أن تضاهيها. كانت تنظر إلى فستانها بثقة، ثم إلى إيليف، وتقول في نفسها: "فستاني أجمل... وأنا أجمل منها بكثير. لا أعرف لماذا ينظر إليها الجميع وكأنها مميزة." لم تكن جمانة مستعدة للاعتراف بأن وجود إيليف بجانب عمر يزعجها أكثر مما ينبغي. --- حان وقت تقطيع الكيك. وقف عمر أمام الكعكة وسط التصفيق والتهاني، وأمسك السكين وبدأ بتقطيعها. تعالت الضحكات والتصفيق من حوله، والتقط البعض الصور، بينما كان فواز يقف بعيدًا يراقب ابنه بسعادة. بدا كل شيء مثاليًا. لكن تلك اللحظة لم تدم طويلًا... بدأت موسيقى هادئة تنساب في أرجاء القاعة، فتبدلت الأجواء تدريجيًا. نظر عمر إلى إيليف للحظات، ثم اقترب منها ومد يده إليها. قال بابتسامة: — هل تسمحين لي بهذه الرقصة؟ رفعت إيليف عينيها إليه، ثم نظرت إلى يده للحظة قبل أن
سحب عمر إيليف من يدها رغم اعتراضها، وأبعدها عن الحفل. كان يريد أن يتحدث معها بعيدًا عن أعين الجميع، وأن يبرر لها ما حدث قبل أن يزداد سوء فهمها. نظر أحمد إلى الجهة التي ذهب إليها الاثنان، وظل يتابعهما بعينيه حتى اختفيا عن الأنظار. كانت زينب قد لاحظت الموقف، فسألت بقلق: — ماذا حدث؟ أجاب أحمد ببرود: — إنهما يتشاجران. سأل ليث باستغراب: — لماذا؟ تردد أحمد للحظة، ثم قال: — ربما... عمر خان إيليف. وما إن نطق بالجملة حتى شعر بشيء غريب في داخله. تسللت إليه بهجة مفاجئة، وكأن احتمال انفصالهما قد منحه أملاً لم يكن يتوقعه. لكن زينب هزت رأسها رافضة: — مستحيل. عمر يحبها كثيرًا، وهو يحبها منذ أن كان طفلًا. لا أعتقد أنه قد يفعل ذلك. ثم التفتت إلى أحمد وسألته: — عن ماذا كانا يتحدثان أمامك؟ أجابها: — سمعت إيليف تقول له إنها لن تسامحه، وطلبت منه أن يذهب إلى حبيبته الشقراء. رفع ليث حاجبه وقال: — هل تقصد جمانة؟ أجاب أحمد: — لا أعرف. نظرت زينب إلى ليث باستغراب: — ومن هذه؟ ابتسم ليث بسخرية وقال: — رأيناها عندما ذهبنا لشراء الملابس. ويبدو أنها معجبة بعمر. ثم أض
جاء يوم عيد ميلاد عمر أخيرًا.منذ الصباح، كان فواز يشرف بنفسه على كل تفاصيل الحفل. فقد أراد أن يكون عيد ميلاد ابنه مميزًا، لذلك دعا عددًا كبيرًا من الأقارب والأصدقاء وكبار رجال الأعمال، بالإضافة إلى عدد من أصدقائه القدامى في الجيش، ومن ضمنهم المدرب عباس.أما أصدقاء عمر المقربون، فلم يكونوا كثيرين؛ كان أمجد وعائلته، وسيف وجمال.كما حضرت ريم برفقة والديها وشقيقها إبراهيم، بالإضافة إلى أحمد ويعقوب.كان الحفل كبيرًا وفخمًا، والضيوف جميعهم يرتدون ملابس أنيقة تليق بالمناسبة.وسط ذلك الجمع، كانت إيليف تخطف الأنظار أينما ذهبت.كانت ترتدي فستانها الاحمر الغامق انيقًا، أبرز طولها ورشاقتها، لكن أكثر ما أثار إعجاب الجميع كان شعرها الطويل الذي يصل إلى ركبتيها تقريبًا. اختارت اليوم أن تتركه منسدلًا، وصففته بتجعيدات بسيطة وناعمة زادت من جمال مظهرها.اقتربت منها أكثر من امرأة خلال الحفل، يسألنها بدهشة:— هل شعركِ حقيقي؟ابتسمت وأجابت:— نعم، طبيعي.— إنه مذهل! ما المنتجات التي تستخدمينها للعناية به؟ضحكت إيليف بخفة......في الجهة الأخرى، كان عمر يقف إلى جانب والده.كان يبدو في غاية الوسامة. ارتدى بدل