登入بعدما انتهوا من تناول الغداء، انتقلوا إلى غرفة المعيشة يتسامرون معًا؛ بين ضحكات "رفيف" العذبة، ونظرات "جاسم" التي كانت تتبعها في صمت، ومحاولات "مجد" الحثيثة للتخفيف عن والده وانتشاله من حالة اليأس التي استبدت به مؤخرًا.
هتف "جاسم" موجّهًا حديثه إلى "مجد" بنبرة مرتفعة قليلًا بعدما لاحظ شروده بعيدًا عنه: ــ حدث اليوم موقف في الشركة... مشكلة كانت على وشك أن تتسبب لنا بخسارة تقارب خمسة ملايين جنيه، لكن أحد المحاسبين الأكفاء انتبه إليها وتمكن من حلها... قاطعه "مجد" بعصبية حادة، فانتفضت "رفيف" من مكانها تلقائيًا، ورمقته بنظرة امتزج فيها الخوف بالمفاجأة، وهو ما لم يغب عن ملاحظة "جاسم". ــ مشكلة تتسبب لنا بخسارة خمسة ملايين جنيه؟! أي مشكلة هذه؟! وأين كان محاسبو الشركة؟! كيف يمر أمر كهذا عليهم مرور الكرام؟! أشار إليه "جاسم" بيده طالبًا منه التريث، ثم قال بهدوء: ــ استمع إليّ أولًا يا "مجد"، وسأشرح لك الأمر. لم تكن مشكلة مقصودة، وأنا نفسي لم أتعمق كثيرًا في تفاصيلها، لكن ما فهمته أنها كانت تتعلق بديون معدومة، وهذا المحاسب هو من لفت انتباههم إلى حل يمكن من خلاله استرداد تلك الديون. وقد أرسلوا إليّ تقريرًا كاملًا بالموضوع، ولذلك كافأته. في الحقيقة، كنت أود إخبارك بالمكافأة، لا بالموقف نفسه. رمقه "مجد" بنظرة ما زالت تحمل آثار غضبه، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا: ــ وما الأمر الذي كنت تريد التحدث معي بشأنه إذن؟ أجابه "جاسم" محتفظًا بنبرته الهادئة: ــ كنت قد أخبرتني سابقًا أن لديك نقصًا في المحاسبين، خصوصًا بعد الاستغناء عن عدد منهم خلال الفترة الماضية، وطلبت مني أن أبحث لك عن كفاءات جديدة، أو أن أنشر إعلانات توظيف إن لزم الأمر. وبصراحة، لا أرى أحدًا أكفأ من هذا الشاب... لذلك أخبرته أنه اعتبارًا من بداية الشهر المقبل سينتقل للعمل في فرعك. أومأ "مجد" برأسه في هدوء، ثم سأله: ــ ما اسم هذا المحاسب؟ كم يبلغ من العمر؟ وما حجم خبرته؟ وفي كم شركة عمل من قبل؟ أجاب "جاسم" وهو يستند بظهره إلى المقعد: ــ هو شاب في مثل سني تقريبًا. أما سيرته الذاتية فلم أطلع عليها بتفصيل، لذلك لا أستطيع إفادتك كثيرًا بشأن خبراته السابقة... لكن اسمه، على ما أذكر، "عدي طارق"... نعم، "عدي طارق الجمال". كان وقع الاسم على "هشام" كوقع الصاعقة. تجمدت ملامحه فجأة، وحدّق في الفراغ بعينين ثابتتين، عاجزًا عن التعليق أو حتى السؤال عن صاحب ذلك الاسم. كل ما دار في ذهنه في تلك اللحظة كان هي... وما إن وصلت أفكاره إليها حتى تسارعت نبضات قلبه بصورة مريبة، حتى خُيّل إليه أن صدره سيتحطم من فرط خفقانه. بدأ يشعر باختناقٍ خفيف، وأخذ العرق يتجمع فوق جبينه. انتبه "مجد" إلى التغير المفاجئ في هيئة والده، فأسرع نحوه قائلًا بقلقٍ واضح: ــ أبي، ما الأمر؟ ماذا حدث؟ لماذا تبدو هكذا؟ هل تشعر بشيء؟ رفع "هشام" عينيه إليه، وقد تلألأت الدموع فيهما، ثم قال بصوتٍ مختنق: ــ هو يا "مجد"... ذلك الرجل... الرجل الذي أخذ ابنتي. نظروا إليه جميعًا باندهاشٍ امتزج بعدم الاستيعاب، لا سيما "جاسم" و"رفيف". كان "جاسم" يعلم أن لصديق والده طفلة اختُطفت في صغرها، لكنه لم يفهم مقصده، ولم يعرف من الذي يعنيه بكلامه إن كان يتحدث عنها بالفعل، ولماذا جاء على ذكره الآن؟ ومن يكون ذلك الشخص أصلًا؟ وهل يُعقل أن يكون يقصد "عدي"؟ لكن كيف ذلك؟! فمنطقيًا كان "عدي" طفلًا في ذلك الوقت أيضًا. أما "رفيف"، فلم يكن اندهاشها أقل من اندهاشه، إذ ظلت تحدق بوالدها بعدم فهم لما قاله للتو. كانت تعلم أن لها شقيقة تكبرها بعامين، لكنها لا تتذكرها، فقد كانت في الثانية من عمرها وقت الحادثة. ومع ذلك كانت تعرف ظروف اختفائها، فوالدها كثيرًا ما كان يذكرها، ويظهر في صوته حينها ذلك الحزن الدفين الذي لم يبرأ منه قط. لكنها لم تتخيل للحظة أنه يقصدها هي، حتى ظنت لثوانٍ أنه يتحدث عنها شخصيًا لا عن شقيقتها المفقودة. قطع "مجد" حبل أفكارهما وهو يسأل بصدمةٍ خفيفة امتزجت بقدرٍ كبير من الحيرة: ــ من الذي أخذ أختي؟! أتقصد "أسيف"؟ أومأ "هشام" عدة مرات متتالية، بينما انزلقت دمعة من عينه، فسارع إلى مسحها وهو ينظر إلى ابنه قائلًا بصوتٍ مرتجف يغلبه الضعف والخوف: ــ نعم... "أسيف". الاسم الذي ذكره "جاسم" قبل قليل... هو السبب الذي جعلني أتذكر كل شيء. أردف "مجد" بهدوء محاولًا فهم الأمر حتى لا تختلط عليه التفاصيل: ــ أبي، كيف يكون "عدي" هو من أخذ "أسيف"؟ "جاسم" قال للتو إنه في مثل سنه تقريبًا... فكيف حدث ذلك؟ أجابه "هشام" بصوتٍ مختنق، بينما لم تتوقف دموعه عن الانحدار: ــ ليس "عدي"... بل والده. ثم تابع وهو يحاول التقاط أنفاسه: ــ والده هو من وجدها وأخذها إلى الشرطة. وبعد أن أجرت الشرطة تحرياتها ولم تتمكن من العثور على أهلها، أودعتها دار الرعاية. بعدها عاد إليها وأخرجها من الملجأ وتبنّاها... صمت لحظة قبل أن يضيف بلهفةٍ مؤلمة: ــ هو يا "مجد"... "طارق الجمال". أنا متأكد أنه هو... أشعر بذلك. قلبي يخبرني أن ابنتي عندهم. نظر إليه "مجد" بتأثرٍ بالغ وحزنٍ على حالته، ثم قال محاولًا تهدئته: ــ حسنًا... اهدأ يا أبي، وسأتحدث مع هذا "عدي" وأتأكد إن كانت "أسيف" عندهم فعلًا أم لا. قبض "هشام" على يد ابنه بسرعةٍ وكأنه يتمسك بخيط أمله الأخير، ثم قال برجاءٍ ولهفة: ــ أرجوك يا "مجد"... افعل ذلك الآن. اذهب إليهم حالًا، وطمئنني فورًا. ربت "مجد" على يده برفق، ثم قال بصوتٍ خافت يشوبه الإرهاق: ــ حاضر يا أبي. ثم التفت إلى "جاسم" وقال بنبرته الرخيمة المعتادة وهو يهم بالمغادرة: ــ تعال معي يا "جاسم". نهض "جاسم" من مقعده، والتقط هاتفه ومتعلقاته سريعًا، ثم تبع صديقه إلى خارج القصر متجهين نحو المرأب. هتف "جاسم" بصوتٍ مرتفع قليلًا حتى ينتبه له، إذ كان "مجد" يسبقه بعدة خطوات: ــ "مجد"... انتظر قليلًا. أنا لا أفهم إلى أين سنذهب الآن؟ التفت إليه "مجد"، ثم مرر يده فوق مقدمة رأسه محاولًا ترتيب أفكاره وقال: ــ لا أعلم... لكنني أريد أن أتأكد أولًا من أنه الشخص نفسه. ماذا لو كان مجرد تشابه أسماء؟ ليس من الطبيعي أن أذهب إلى منزله وأقول إن أختي تعيش عندهم وأنا نفسي غير متأكد من الأمر. أومأ "جاسم" بتفهم، ثم قال: ــ معك حق، لقد فكرت في الأمر أيضًا. ثم أضاف بعد لحظة: ــ ما رأيك أن أحصل على رقم هاتفه ونتصل به؟ يمكننا أن نطلب مقابلته في أحد المقاهي ونتحدث معه هناك بدلًا من الذهاب إلى منزله مباشرةً... وبهذه الطريقة لن يبدو الأمر غريبًا أو محرجًا. توقف "مجد" للحظات يفكر في اقتراحه، ثم أومأ موافقًا وهو يقول: ــ فكرة جيدة... افعل ذلك. أريد أن أعرف الحقيقة، لكن دون أن نتسرع أو نظلم أحدًا قبل أن نتأكد من كل شيء.بعدما عادوا جميعًا وامتلأت الغرفة من جديد، كانت أصواتهم المثرثرة وضحكاتهم وابتساماتهم تمنحها سعادة غامرة ودفئًا من نوع آخر. ورغم وجود جميع أفراد عائلتها وعائلته، فإنها لم تكن ترى غيره، بهيبته التي سحرتها منذ الوهلة الأولى، وابتسامته المنعشة لروحها والقادرة على رسم البسمة على محياها بمجرد رؤيته. وفي خضم شرودها بزوجها المنشغل بالحديث مع والده، وصديقه الذي تصالح معه وعادت صداقتهما كما كانت، وكذلك شقيقها الذي أصبحت علاقته به أقوى وأمتن، استمعت إلى صوت "أسيف" وهي تقول بنبرة خائفة أكثر منها مازحة: -لا، لقد خفت حقًا من الولادة، كانت "طيف" تبدو متعبة للغاية. ظهرت ملامح الصدمة على وجه "عدي"، وقابل كلماتها باستنكار ممزوج بالرجاء ولكن بطريقة مرحة كعادته: -لا تخافي، من فضلك لا تضيعي تعبي معك طوال الشهور الماضية. لم يتمالكوا أنفسهم من الضحك الذي جلجل في أرجاء المكان، وما إن خبت الضحكات وانتهى صداها حتى صدح صوت "جاسم" موجّهًا حديثه إلى "هشام" قائلًا بابتسامة عريضة: -عمي، ألن نحدد موعد الفرح بالمناسبة السعيدة هذه؟ لم يمنح "مجد" الفرصة لوالده للرد، فأردف مستنكرًا دون انفعال، ولكن بطريقة
حلّ الحزن على كامل قسماته لأجلها هي ورضيعهما، قرّبها إلى صدره بذراعه ضامًّا إياها برفق إليه، وأجابها بنبرة مطمئنة محاولًا إبعاد أي هواجس مقلقة عن رأسها: -نعم، سيكون بخير، لا تقلقي، لقد طمأنني الطبيب عليه. دفنت رأسها في صدره وعيناها لم تبتعدا عن وجه ملاكها النائم، وقد لاحظت بسهولة الشبه بين شفتيه وشفتيه، مما جعلها تبتسم من بين دموعها، وقالت له بنبرة مهزوزة أقرب إلى البكاء، وقد غلبها ما يعتري صدرها، وأكثر ما تتمناه في تلك اللحظة: -أتمنى كثيرًا أن أحمله بين يدي وأضمه إلى صدري. ارتفعت يده لتمسح جانب رأسها، واقترب بشفتيه من مقدمة رأسها فقبّلها مطولًا، راغبًا في التخفيف من حزنها وإضفاء بعض الطمأنينة، ثم قال بلطف: -غدًا سيتحسن ويصبح بخير، وسنحمله حتى نملّ من حمله أيضًا. رفعت وجهها إليه وطالعته بنظرات تحمل شيئًا من العبوس، وعلّقت معترضة على ما قاله بمشاعر أمومة متعاظمة: -لكنني لن أملّ منه أبدًا. في أعماقه، ورغم ما سببه ذلك الوضع من ألم بسبب ولادتها المفاجئة ورقدة رضيعه، كان يشعر برضا بالغ؛ فهو لم يفقدهما وزوجته بخير، ومع مرور الوقت سيتعافى صغيرهما ويصبح بينهما، وتُغمر حياتهما ب
دار الحوار بين "مجد" ووالده -قبل أن يذهب وينفذ ما أخبره به بدلًا مما كان ينوي فعله بغضبه الأهوج- وكان بمثابة المنقذ للآخر مما كان يوشك على ارتكابه. بدأ "مجد" في سرد تفاصيل ما حدث لوالده، الذي كان يستمع بانتباه بالغ، حيث قصّ عليه كل ما جرى منذ مجيء "عاصم" برفقة "عدي" ورجاله، بعد أن وقع في فخ خطته التي كانت في الأساس من تدبير والده، وصولًا إلى فقدانه السيطرة على أعصابه وإطلاقه الرصاصة، مع أنه كان قد تعهّد لوالده ألا يؤذيه، غير أن غضبه قد خذله.¤¤¤برقت عينا كلٍّ من "جاسم" و"عدي" عندما أطلق "مجد" رصاصة على "عاصم"، فهذا لم يكن ضمن اتفاقهم. أصابت الرصاصة كتفه، فانخفضت يده عن رأسه عمدًا، وترنح جسده إلى الخلف من شدة الألم، الذي خرج على هيئة أنين حاد، بينما تشنجت ملامح وجهه.أما "مجد" فكان أقل ما يوصف به أنه في حالة هياج؛ فقد اشتعلت النيران داخله، واحمرّ وجهه بشدة. ألقى سلاحه أرضًا بغضب بالغ، ثم اندفع نحو "عاصم" مسددًا له عددًا لا نهائيًا من اللكمات في أنحاء وجهه، دون أن يبدي الأخير أي مقاومة تُذكر، إذ كان في حالة رعب شديدة مما يراه من غضب "مجد" وما يشعر به من ألم.سقط "عاصم" أرضًا، ولم يكن ي
كانت هذه أشبه بمعركة على وشك الحدوث، وكان هدف "مجد" الوحيد فيها أن يظفر بتلك الجولة، غير مكترث سوى بإفراغ شحنة غضبه التي كانت تتآكل في كل خلية من كيانه. ذلك المقيت، البغيض، الشبيه بالشياطين، لن يُفلت من جزاء أفعاله النكراء، ولن يُمنح فرصة للاستمرار في إيذائه وارتكاب جرائمه وظلمه المجحف.وفي خضم شروده بكل ما يدور في ذهنه من وعيد قاسٍ، استمع لصوت احتكاك إطارات سيارات تتوقف في الخارج، مدركًا أن تلك هي لحظة تصفية الحسابات المعلقة. نهض من جلسته ببرود ظاهري، يخفي خلف قناع الثبات الذي يرتديه فوق وجهه نيرانًا مستعرة تنهش صدره، وثب "جاسم" عن المقعد ووقف بجانب "مجد" في حالة من التحفز الشديد.لم تمر سوى ثوانٍ معدودة تآكلت خلالها كل ذرة تحكم لدى "مجد" في انتظاره المحموم، وما إن رأى "عاصم" يدخل من بوابة المخزن حتى تحفز جسده كله، وكأن سريان الدماء في عروقه صار كسريان نار ملتهبة. استشعر "جاسم" حركته، فحاول التقدم، إلا أن "مجد" قبض على ساعده فجأة مانعًا إياه من التحرك خطوة أخرى، ولم يبذل "جاسم" أي مقاومة تُذكر، إذ استجاب له دون تذمر، فهو وإن كان بداخله كراهية بالغة لما حدث لمن تعتبر -مجازًا- زوجته، إ
هز "جاسم" رأسه بانصياع ولم ينطق بكلمة معارضة، وجه "مجد" بصره تجاه ذلك المقيد من قبل رجاله، والذي أخبره بخشونة مهددًا إياه بنبرة غير متهاونة:-إن أخطأت في حرف واحد، فخلال نصف ساعة سيكون التسجيل الذي بحوزتي في النيابة.هز رأسه له على الفور بخنوع، ورد عليه بموافقة دون تفكير مسبق، منصاعًا:-سأنفذ كل ما أمرتني به.نظر له "مجد" لعدة ثوانٍ بنظرات تحمل الوعيد إن فعل غير ما أملاه عليه، ثم أشار بعدها لرجاله لكي يتحركوا به. تبعهم "عدي" الذي يعلم أيضًا ما سيفعله "مجد" مسبقًا، ليبقى بالمخزن "مجد" ورفقته "جاسم" ورجلان فقط من رجاله واقفين بالخارج حراسةً للمكان.كان "مجد" في أوج الاستعداد لملاقاة ذلك الحقير، الذي لن يقيه أحد من بين يديه أو يذود عنه، فقد كان عازمًا على أن يفرغ فيه شحنة غضبه التي تحمل عناءها لأعوام حتى يومه هذا.❈-❈-❈توقفت سيارة "عاصم" أمام سيارة الطبيب. ترجل أحد رجال "عاصم" من المقعد الأمامي وفتح الباب الخلفي، ليترجل حينها "عاصم" بهيئته المتعجرفة، ويأتي من خلفه من سيارته الأخرى أربعة من رجاله، يحمل أحدهم حقيبة سوداء.ما إن رآه الطبيب حتى ترك سيارته هو الآخر، راسمًا على وجهه أمارات ثا
زوى مجد ما بين حاجبيه، وتعقدت ملامحه للغاية وهو يستفسر متوجسا:-ما شأن الممرضة؟بتعبيرات مرتاعة أجابه الطبيب، موضحًا بصوت يرتجف من نظرات "مجد" المتفحصة له، وهيئة وجهه التي جعلته كالحيوان المفترس المتأهب للانقضاض على فريسته:-لقد جعلها السيد عاصم تعطي السيدة طيف أدوية تساعد على ارتفاع ضغط الدم بدلًا من خفضه، وذلك ما تسبب في حدوث النزيف والولادة المبكرة.قضم شفتيه وهو يشعر باضطراب أنفاسه من شدة العصبية التي يحاول كبتها، فما تواتر إلى سمعه من ضرر أُلحق بطفله وزوجته جعل قوة خفقات قلبه تكاد تعصف بصدره. فلولا ما اقترفته الممرضة بحق زوجته، لما حدث لها ذلك النزيف الذي جعلها تلد قبل موعد الولادة بشهرين، ولما كان طفله يرقد تحت الأجهزة الطبية التي تساعده على التنفس بصورة طبيعية، ولكان وُلد معافى وفي موعده.ابتلع تلك الغصة المريرة في حلقه، وهو يتابع استفساره بصوت يفيض بالعدائية:-وعلى ماذا كان اتفاقه معك؟تلك النظرات المترقبة لإجابته دفعت التوتر داخله إلى ذروته، إذ كان يعلم يقينًا أن نتائج اعترافه ستكون وخيمة عليه. ولكن حين طال صمته، قبض "مجد" يده وضرب بها ذراع الكرسي الجالس عليه، وهو يزمجر بغضب
دُهش كثيرًا من لهجتها وكلامها الصارخ عليه، لترتفع دقات قلبه في انفعال، ثم قال بحدة:- موضوع السفر عمومًا جاء فجأة، ولم يكن في بالي أن أخبرك، وأنا لست معتادًا أن أُخبر أحدًا بما أفعل قبل أن أفعله.اغتاظت بشدة من تشبيهه لها بأي شخص عابر في حياته، فقالت بهجوم ونبرتها ما تزال مرتفعة:- لكنني زوجتك، لست
أومأ بالنفي، ثم قال بهدوء وهو يتفحّص وجه أسيف بين كلماته:- لا، الذي علمته أنها تُبعد موضوع الزواج من تفكيرها في الوقت الحالي، أي أنها ترغب في أن تصنع لنفسها كيانًا أولًا، وأن يكون لها اسم في مجالها، طموحة بمعنى الكلمة.ثم تابع بكلمات يقصد بها شيئًا محددًا، وهو يتأمل تعبيرات وجه زوجته ليتأكد مما شك
رمقها بتفحّص، ولاحظ بعض الحزن الذي طغى على ملامحها، وزوال تلك الحيوية التي كانت تملأ وجهها، ليستطرد مجيبًا إياها بنبرة رخيمة:- الفرع الذي في لندن قال إن هناك بعض الأمور التي تحتاج إلى أن يتابعها بنفسه.تابعت بمزيد من التساؤل وهي جالسة في حالة ترقّب:- ولم يقل متى سيعود؟لاحظت على ملامحه عدم علمه ب
عضّت على شفتها السفلى بخجل من الخطوة التي تنوي الإقدام عليها، لكنها قررت أن تكسر هذا الجمود بينهما. اقتربت منه أكثر، بينما رفع "مجد" عينيه بذهول من هذا الاقتراب المفاجئ الذي أربك هدوءه تمامًا، لتفاجئه بالجلوس على قدميه، وتُحيط عنقه بذراعيها بتردد واضح، ثم همست وهي تنظر إليه مباشرة: -مجد، لماذا تتج






