LOGINمع هبوط الليل الشتوي الكثيف، تراجعت عواصف النهار لتفسح المجال لصمت مطبق لفّ أرجاء البناية. لم تكن جيداء قادرة على الجلوس خلف جدران شقتها الموصدة؛ بل بقيت واقفة لساعات طوال عند مدخل ممرها، تراقب الباب المقابل بقلب مثقل بلقبها الجديد "شهد"، تتقاذفها الأفكار حول طفولتها التي هبطت عليها فجأة. في تمام الحادية عشرة ليلاً، دوى صوت تروس المصعد في سكون الطابق و هي تعلن وصوله. انفتحت الأبواب ببطء، و خطا ياسين نحو الممر بخطوات مجهدة و ثقيلة، حاملاً حقيبته الجلدية. لم يفاجأ برؤيتها تقف في انتظاره وسط العتمة؛ بل تباطأت خطواته تماماً، و تلاشت ملامحه الصارمة لتترك مساحة لتأمل صامت و عميق بينهما. تقدمت جيداء خطوة للأمام، و ثبتت نظراتها الحادة في عينيه الغائرتين، و قالت بنبرة بسيطة حملت عتباً قاطعاً: — أخبرني عن أبي وأمي يا ياسين.. أم أن وجودهما أيضاً سر لا يجب أن أعلمه؟ تصلب جسد ياسين في مكانه لثوانٍ، و ألقى حقيبته جانباً، ثم مرر يده داخل شعره باضطراب حاد. عندما رفع عينيه إليها وسط ضوء الممر الخافت، بدا صوته الرخيم محملاً بغصة مريرة، و قال بهدوء: — والدكِ توفي
ساد صمت مطبق في أرجاء الصالة، صمت ثقيل بدا معه أن الزمن قد توقف عن الحركة. كان ياسين يقف متصلباً، و عيناه تحملان جدية غابت معها كل دروعه الساخرة، بينما كانت جيداء ترقبه بأنفاس معلقة، و عقلها يستعد للكلمة التي ستغير حياتها.أخذ ياسين نفساً عميقاً، و عاد صوته الرخيم ليخترق السكون بنبرة هادئة ومستقرة:— الطفلة التي رأيتِ صورتها في الحافظة الجلدية يا جيداء.. ليست غريبة عنكِ.لم تقاطعه، بل ظلت نظراتها معلقة بفتحة شفتيه، تابع ياسين ببساطة حاسمة:— الطفلة في الصورة.. هي أنتِ. اسمكِ الحقيقي الذي ولدتِ به هو "شهد الراوي".هبطت الكلمات على مسامعها لتعيد ترتيب كل شكوكها الماضية. لم تنكر، ولم تتهمه بالكذب؛ فملامح الطفلة التي تذكرتها و رسمتها بوعيها الباطن كانت دليلاً حياً لا يقبل الشك. تراجعت خطوة إلى الخلف، و أسندت كفها على حافة الطاولة، و قالت بنبرة خافتة يملؤها الذهول:— شهد الراوي.. إذن هذا هو اسمي الحقيقي. و من أين لك أنت بهذه الصورة؟نظر في عمق عينيها مباشرة، و قال بصوت يفيض بحزن دافٍ وعميق:— والدي، سعد الفاروق، كان الشريك القديم لوالدكِ في شركتهما السابقة قبل سنوات طويل
لم تتبدد عاصفة الغضب التي اجتاحت الردهة السفلية في ليلة الأمس؛ بل بقيت غيومها متلبدة في سماء شقة جيداء طوال ساعات الصباح الأولى. كانت تجلس خلف مكتبها الصغير في الصالة، تدعي التركيز في مراجعة الأوراق، لكن عقلها كان يتربص بالباب، بانتظار ارتداد الزلزال الذي خلّفه لقاؤهما العاصف.في تمام التاسعة صباحاً، دوى صوت طرقتين منتظمتين على الباب الخارجي.لم تكن طرقتين متكاسلتين كالعادة، بل كانتا تحملان ثقلاً و جدية غيرا مألوفين. نهضت جيداء، و جمعت شتات كبريائها المتمرد، ثم توجهت نحو الباب و فتحته ببطء.كان ياسين يقف في الممر، و قد تخلص من ملامح السفر المرهقة، لكن عينيه الحادتين كانتا تحملان نظرة صارمة و عميقة، نظرة خالية تماماً من قناع السخرية المعتاد. لم ينتظر إذنها بالدخول، بل خطا خطوة إلى الداخل و أغلق الباب خلفه بهدوء يحمل وزناً هائلاً.نظرت إليه جيداء بحزم، و قالت بنبرة بسيطة و باردة:— إذا جئت لتعيد كلمات الأمس يا ياسين، ف وفر أنفاسك. ليس لدي وقت للألغاز.نظر إليها مباشرة، و لم يتحرك في جسده الصلب عِرق واحد، و قال بصوته الرخيم المليء بالثقة والجدية:— لم آتِ لأعيد كلمات
تلاشت كلمات ياسين في الهواء البارد، لكن هذه المرة لم تستسلم جيداء لذلك الدفء الذي اعتاد أن يهزم غضبها.تذكرت.تذكرت تلك الليلة بكل تفاصيلها القاسية.تذكرت كيف جذبها إليه و كأنها أهم شيء في هذا العالم.و كيف قبلها.ثم كيف ابتعد عنها في اللحظة التالية و كأنها نار أحرقته.و كيف اختفى.اسبوعين كاملين .اسبوعين من الأسئلة و الخذلان و الانتظار.انتزعت يدها من بين أصابعه بعنف حتى ارتدت ذراعه إلى الخلف، و تراجعت خطوة وعيناها تشتعلان بغضب حقيقي.— لا تلمسني يا ياسين.ارتجف فكه.— جيداء...— لا. لا تنادني بذلك الهدوء و كأن شيئًا لم يحدث.هبطت حقيبته من يده إلى الأرض دون أن يشعر.نظر إليها مذهولًا.لم يرها غاضبة هكذا من قبل.أما هي فكانت أخيرًا تقول كل ما كتمته.— تريدني أن أصدق ماذا بالضبط؟ أنك قبلتني ثم اختفيت لأنك مشغول؟ لأن لديك صفقة مهمة؟ لأن الرجل العظيم ياسين المرادي لم يجد دقيقة واحدة ليكتب رسالة؟ضغط أسنانه بقوة.— الأمر أعقد من ذلك.ضحكت بمرارة.— طبعًا أعقد من ذلك. دائمًا هناك أسرار و غموض و أبواب مغلقة. المشكلة أنني الوحيدة التي تقف خارج تلك الأبواب المغلقه كالغبية.تقدم
عادت جيداء وحدها بعد أن أصرت على مرافقة ماما زينب حتى باب دار الرعاية . كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل عندما دخلت ردهة البناية الزجاجية، فيما كان المطر الخفيف يطرق النوافذ بإيقاع هادئ يشبه الهمس.ألقت حقيبة السهرة الصغيرة على كتفها، و اتجهت نحو المصعد بخطوات متعبة. ما زالت ضحكات ندى وصخب الزفاف عالقة في ذاكرتها، تحاول أن تتشبث بها لتبعد عنها ذلك الفراغ المزعج الذي تركه غياب ياسين المفاجئ.ضغطت زر المصعد.ثوانٍ قليلة مرت.ثم انفتح الباب.و توقفت الدنيا.تجمدت جيداء في مكانها.داخل المصعد كان يقف ياسين المرادي.اتسعت عيناها دون إرادة منها، بينما ارتفع حاجبا ياسين بدهشة مماثلة. بدا و كأنه عاد للتو من رحلة طويلة أنهكته بالكامل؛ حقيبة سفر صغيرة في يده، و سترة سوداء مطوية على ذراعه، و شعره المبعثر قليلاً يكشف عن ساعات طويلة بلا راحة.لكن التعب اختفى من عينيه لحظة رآها.تماماً كما اختفى الهواء من رئتيها.دخلت الي المصعد ببطء،اما هو فظل مكانه لم يتحرك انشا واحداً و كأنه يخشى أن يتحرك بسرعة فتختفي من أمامه.— جيداء...خرج اسمها من شفتيه همساً أكثر منه نداءً.ش
انسحب آسر وليليان نحو ساحة الرقص وسط الموسيقى المتصاعدة،راقبتهما جيداء لثوانٍ، ثم زفرت ببطء.لأول مرة منذ ساعات طويلة، شعرت أن كتفيها أصبحا أخف.لا أسئلة.لا مواجهات.لا ذكريات تلاحقها بين الوجوه.الليلة ليست للماضي.الليلة لندى.استدارت نحو صديقتها التي كانت تتوسط القاعة بفستانها الأبيض، محاطة بدائرة من الصديقات والضحكات والكاميرات.كانت ندى تضحك من قلبها.تلك الضحكة التي عرفتها جيداء منذ سنوات الميتم الأولى.الضحكة نفسها التي كانت تظهر كلما نجحتا في سرقة قطعة حلوى إضافية من مطبخ الدار أو كلما هربتا من إحدى المشرفات الصارمات.ابتسمت جيداء دون أن تشعر.ثم اتجهت نحوها.ما إن وصلت حتى أمسكت إحدى الفتيات بيدها وهتفت:— أخيراً وصلتِ! أين اختفيتِ؟ردت جيداء ضاحكة:— كنت أؤدي واجباتي الرسمية كمنسقة طوارئ للعروس.شهقت ندى بتظاهر:— كاذبة! كانت تراقب فستاني كل عشر دقائق.— لأنكِ لا تتوقفين عن الحركة.— هذه ليلة زفافي! ماذا كنتِ تتوقعين؟— أن تتصرفي بعقلانية مرة واحدة على الأقل.انفجرت المجموعة كلها بالضحك.حتى فارس، الذي كان يقف على بعد أمتار، هز رأسه مستسلماً وهو يقول:— أؤكد أنها لم تتصرف ب







