Share

تسعة اشهر

last update publish date: 2026-09-11 03:18:24

كانت رائحة المُعقّم أول ما استقبلني ، نفّاذة، حادّة، كأنها تحاول عبثًا إخفاء رائحة الموت ، الممر طويل، أبيض، وصامت على نحوٍ مريب خطواتي كانت ثابتة ، هذه ليست زيارتي الأولى للمشرحة، لكنها المرة الأولى التي أشعر فيها أن عقلي يسبق جسدي .

حيّاني الطبيب الشرعي بإيماءة مقتضبة ، ملامحه متعبة، وعيناه توحيان بأن ما سأراه لن يكون عاديًا ، واصلنا السير، وهو يشرح التفاصيل: " الضحية رجل في منتصف الأربعينيات، قال وهو يتقدّم أمامي " لا آثار كفاح واضحة، ولا جروح دفاعية"

توقف أمام درجٍ معدني، وضع يده على المقبض، ثم التفت إليّ:

"لكن ما يثير القلق... ليس سبب الوفاة فقط" أومأتُ له أن يكمل

سحب الدرج ، الصوت المعدني الحاد شقّ الصمت في رأسي

كانت الجثة ممددة ، جلدها شاحب على نحوٍ غير طبيعي، كأن الحياة انسحبت منها ببطءٍ متعمّد.

اقتربتُ خطوة... ثم تجمّدت ، تجمّدتُ وكأنها المرة الأولى التي أرى فيها جثة، رغم أن عملي جعلني أرى عددًا لا يُحصى منها عشرات الجثث... لكن هذه المرة لم يكن الموت غريبًا فقط ، شعرتُ وكأنني رأيت هذا المشهد من قبل...لكن في شخصٍ أقرب.

من؟ ومتى؟ لست متأكدة تمامًا لكنه كان مألوفًا بشكل كبير

" نسبة الدم في الجسد منخفضة جدًا، تابع الطبيب"

"لم ننزف هذا القدر حتى في حوادث الطعن العنيفة"

نظرتُ إلى الرقبة، إلى الصدر، إلى الذراعين ، لا شيء ، لا جرح واضح ، لا فوضى ، قلتُ بصوتٍ منخفض: " كأن أحدهم... أخذ ما يريد وترك الباقي " نظر إليّ الطبيب سريعًا، ثم قال:

" هذا بالضبط ما فكرتُ به"

أشار إلى طاولة جانبية، حيث وُضعت قطعة قماش داخل كيسٍ بلاستيكي " وُجدت قرب الجثة" اقتربتْ حدّقتُ في القماش

أسود داكن... وعليه بقع دمٍ كثيفة، أكثر مما ينبغي أن يكون قرب جسدٍ شبه جاف ، شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي ، ذلك الدم... لم يكن عشوائيًا كان منقولًا " هل أُجري تحليل مطابقة؟ "

" نعم الدم لا يعود للضحية" ارتجّ شيءٌ في صدري

القبر... التراب... الدم الذي رأيته يُسكب ببطءٍ مقصود ، ابتعدتُ خطوة، وأخذتُ نفسًا عميقًا " هل هناك أي صلة بين الضحية وقضية قديمة؟" ، وأنا أحاول الإمساك بأي خيطٍ من خيوط العقل

" هذا ما نبحث فيه الآن، قاله الطبيب" ثم سكت لحظة كأنه يستجمع كلماته، وأضاف:"لكن سجله القانوني ليس نظيفًا"

رفعتُ رأسي باهتمام ، واصل الطبيب: " كان مشتبهًا في قضية اختطاف امرأة قبل ثلاثة أعوام

توقّف لحظة، ثم أضاف:" لكن لم يتم تثبيت التهمة" شعرتُ بأن الأرض تميد تحتي ، امرأة... قضية مغلقة... اختطاف؟ لم أحتج إلى اسم ، كنتُ أعرف... أن القبر لم يكن أول محطة وأن الدم الذي رأيته كان بداية حساب ، أدرتُ ظهري للجثة، وأنا أدرك شيئًا واحدًا فقط: "هذه القضية لن تبقى في الملفات"

لقد دخلت حياتي... وأنا دخلتُها منذ اللحظة التي رأيتُ فيها ذلك الرجل ، ابتسمتُ ابتسامة مهنية للطبيب، ثم استدرتُ مبتعدة عن الطاولة المعدنية ؟ حين رنّ هاتفي ، توقفتُ ، حدّقتُ في الشاشة

وقبل أن أجيب، قاطعني صوتٌ من خلفي: " نوال؟ أهذا أنتِ فعلًا أم شبحكِ؟"

تجمّدتُ لحظة في مكاني ، رفعتُ رأسي ببطء ، كان يقف عند مدخل المشرحة، ببدلته السوداء غير المتقنة، وربطة عنق مفكوكة كعادته، وابتسامة لا تنتمي لهذا المكان إطلاقًا تمتمتُ: " راضي؟"

رفع يديه مستسلمًا "أعلم، أعلم... أسوأ مكان للقاءلكن صدّقيني، أنا لم أختره ، أنا أكره الدم، وأكره الموت كما تعلمين... ولهذا السبب تحديدًا أخطط للاستقالة ، زفرتُ نفسًا لم أدرك أنني كنتُ أحبسه، وجوده هنا بدا نشازًا... لكنه خفّف شيئًا في صدري.

عقدتُ يداي أمامي، وقلتُ  بنبرة باردة اعتادها مني: " ماذا تفعل هنا؟" اقترب خطوة، ثم توقف فجأة عندما لمح الجثة ، أدار وجهه بسرعة بمبالغة مسرحية ساخرة ، كأنه يرى جثة لأول مرة: " لا، لا، لا... لم نتفق على هذا" أنا قلت أكره الدم، ولم أقل أشتاق إليه

نظرتُ إليه بضجر ، غمزها بنظرة ساخرة، متعمّدًا استفزازها:

" واضح أنكِ لم تتغيري... ما زلتِ تختارين أسوأ الأماكن لتبدئي يومك "رفعت إحدى حاجبيها وقالت بنبرةٍ محذّرة: "راضي..."

ضحك بخفة، محاولًا تخفيف الجو:" حسنًا، حسنًا... سأدخل في الموضوع مباشرة قبل أن أفقد فطوري" تنحنح، وبدا كأنه يستعد لإعلانٍ مصيري، كمن يعلن انتصارًا بعد حرب طويلة ، ثم قال ببساطةٍ مدهشة: "أنا... سأتزوج" رفعت حاجبيها ببطء، وقالت ببرودٍ تام: "أخيرًا؟"

وضع يده على صدره متظاهرًا بالصدمة: "هذا قاسٍ يا نوال... كنتُ أنتظر دمعة، زغرودة، أو على الأقل تمثيل صدمة أي شيء... عدا هذا البرود ثم أضاف متذمرًا: "هل أنتِ إنسانة أصلًا يا نوال؟ أين المشاعر؟ أين الدراما؟ أخبريني على الأقل أن قلبك لم يتحوّل إلى حجر"

ابتسمت رغمًا عنها ابتسامة صغيرة متعبة، وخفضت بصرها لحظة، ثم قالت باقتضاب: "مبارك وأشارت بكفها نحو الباب:

"لنخرج من هنا... لا أظن أنه المكان المناسب للحديث"

ابتسم، وسبقها بخطوات، فيما لحقت به ، في الممر، قالت متعمدة استفزازه: "ومن هي المسكينة التي وافقت عليك؟"

التفت نحوها ضاحكًا: " امرأة لا تحب الدم أيضًا... ولهذا نحن متفاهمان ثم أضاف: " حضوركِ إجباري ، عزيمة رسمية... لا أعذار قانونية، ولا جثث، ولا قضايا طارئة ، نظرت إليه بضجر:

" متى؟" ، " بعد أسبوعين" قالها وهو يحدّق في وجهها، ثم أضاف: "وأعرف هذا الوجه... أنتِ غائبة"

رفعتُ رأسي إليه: "أنا بخير" قهقه بسخرية خفيفة: "بالتأكيد ستكونين بخير... فأنتِ مهووسة بالدم ، وتحبين هذه المشرحة أحيانًا أشك أنكِ مصاصة دماء ، اقترب قليلًا وخفّض صوته كأنه يقول سرًا: " نوال... أنا صديقك منذ سنوات ، إذا كنتِ مصاصة دماء أو حتى هجينة، يمكنكِ إخباري... سأحفظ سرك"

تنهدت وردت بحدة خفيفة: " هل تظن ذلك مضحكًا؟ حقًا أنت شخص مُحرِج" فجأة، قطع هذا الجو رنين هاتفها ، اهتز الصوت عاليًا في الفراغ الأبيض ، نظرت إلى الشاشة: رقم مجهول.

رفعت عينيها إلى راضي ، تبادلا نظرة سريعة، ثم عادت إلى الهاتف ، شعورٌ مريب تسلل داخلها: " هذا الاتصال لن يكون عاديًا"

ابتعد راضي خطوة، ورفع حاجبيه: "إن كان تهديدًا، فأفضّل ألا أسمعه... أنا الآن رجل مقبل على الزواج، وقلبي ضعيف

تجاهلت خفّة دمه وأجابت على الهاتف : " نوال؟" ساد صمتٌ لثانية... صمتٌ أثقل من أي كلام ، ثم جاء صوت رجل...

هادئ، عميق، وغير مألوف: "كنتِ في المقبرة أمس"

تجمّد الدم في عروقها ، شعرت وكأن روحها تنفصل عن جسدها ببطء ، هل بدأ يحدث ما كانت تخشاه؟ حدّقت في الفراغ أمامها، بينما صوت راضي في الخلفية بدأ يتلاشى تزاحمت التوقعات في عقلها مباشرة: هل كان يراقبني؟ هل هو يستهدفني؟

لم تكن مشاهدتي له صدفة عابرة...

قطع شرودي صوت راضي يناديني: "نوال... نوال!" انتفضتُ فجأة من سهوي، رمشتُ بعينيّ عدة مرات، كأنني أعود من مكانٍ بعيد للحظة، بدا لي أن ما حدث كان خيالًا محضًا... فأنا لم أُجرِ أي مكالمة ، التفتُّ إليه، والدهشة على وجهي: "نعم، راضي؟"

نظر إليّ باستغراب، ثم قال وهو يهز رأسه ساخرًا: " أين كان عقلكِ يا امرأة؟ ناديتكِ ثلاث مرات" تنفستُ بعمق، وقلت محاولة إنهاء الموقف: "لا شيء... عمومًا، فلنخرج من هنا" تحرّكنا في الممر الطويل، تتردد خطواتنا فيه بصدى خافت ، وكعادته... بدأ راضي بالكلام بلا توقف ، لم أكن أركز معه حقًا.

" أتعلمين؟ أنا سعيد فعلًا لأنني لن أعود محققًا جنائيًا " ، قال وهو يلوّح بيده "تخيّلي أن أكون ملاحقًا من القتلة طوال حياتي؟

لا، شكرًا ، أفضل أن أموت من الملل لا من طعنة"

كان يضحك ويتحدث بسخرية، يلوّح بيده، بينما كنت بالكاد أستمع ، أومأتُ أحيانًا، وصمتُّ أغلب الوقت ، لم أكن أسمع شيئًا.

كان عقلي في مكانٍ آخر... في المقبرة ، وفي تلك المكالمة التي بدت وكأنها خرجت من خيالي.

أمعقول أنني أتخيل؟ أم أن هذا هو الخوف؟ حاولتُ أن أستحضر ملامح ذلك الرجل عيناه، تفاصيل وجهه، حضوره ، لكن الغريب... أن صورته لم تكن واضحة في ذهني ، كانت مشوشة كأنني رأيته من خلف ضباب، كأن عقلي يرفض الاحتفاظ به كاملًا ، وهذا ما أخافني أكثر من أي شيء.

لأن بعض الوجوه... عندما لا نتذكرها جيدًا، تكون الأخطر ، لأننا ببساطة... لن نعرفها حتى لو كانت الأقرب إلينا ، خرجنا من المبنى أخيرًا، فضرب الهواء البارد وجهي ، رفعتُ رأسي قليلًا، وكأنني أتنفس لأول مرة ، شعرتُ أنني كنت مختنقة... كأنني كنت أغرق قبل لحظات أردتُ أن أودّع راضي عند باب المبنى، لكنه سبقني بخطوة ووقف أمامي، كمن اتخذ قرارًا لا رجعة فيه.

" لا، لا " قال وهو يرفع سبابته: " ستأتين معي" كان يصرّ على الأمر نفسه الذي يكرره منذ ساعة تنهدتُ وقلت بحزم :" راضي، شراء فستان زفاف زوجتك ليس أمرًا أرافقك فيه ، هذه أشياء تُنجز مع العروس... وإلا—" توقفتُ لحظة، ثم أضفتُ بجدية: " نحن النساء نتحسس من هذه الأمور، وأنت تعرف ذلك"

لوّح بيده بلا مبالاة: " لا تقلقي، زوجتي ستكون موجودة أصلًا وقد أخبرتها أنني سأصطحبكِ معي ، تنهدتُ مجددًا، وأخبرته معترضة أن لديّ الكثير من الالتزامات، كاصطحاب رامز من المدرسة ، لكن تفاجأتُ به يضحك ضحكة ساخرة، ويُدير وجهه قليلًا كأنه يستمتع بالفكرة.

ضيّقتُ عينيّ وسألت بدهشة: " الذي يدعوك للسخرية يا راضي؟"

نظر إليّ بابتسامة جانبية، وقال بنبرة من وجد نكتته الخاصة: " إذا قال لي شخص ما إنه سيذهب ليصطحب طفله الذي يبلغ تسعة أشهر من المدرسة... فهذا بالتأكيد أمر يدعو للسخرية"

توقفتُ فجأة. حدّقتُ فيه والصدمة تكسو ملامحي :"تسعة... أشهر؟" ابتسم، وكأنه ألقى قنبلة صغيرة وينتظر صداها ، ثم قال: " صحيح أننا لم نلتقِ منذ أن أنجبته... لكنني أجيد الحساب ، شعرتُ بانقباض خفيف في صدري ، تسعة أشهر... ارتطم الرقم بشيءٍ خفي داخلي.

كيف؟ كيف ذلك؟ رامز... عمره تسعة أشهر؟ ما هذا الهذيان؟ ماذا يقصد راضي؟ " تسعة... أشهر؟ " كررتها ببطء ، سكت لحظة، ثم قطّب حاجبيه قليلًا: " نعم... أليس كذلك؟" لم أردّ لم أكن أفكر في راضي ولا في سخريته كنت أفكر في نفسي ، كيف يمكن أن أنسى أن طفلي لم يبلغ بعد سنّ المدرسة؟ وكيف خرجت تلك الجملة من فمي بهذه العفوية؟ شعرتُ بقشعريرة باردة.

ليس لأن راضي سخر مني... بل لأن عقلي خانني للحظة

لكنني متأكدة….أنني أوصلتُه إلى المدرسة هذا الصباح، قبل أن آتي إلى المشرحة ، أتذكر ذلك جيدًا ، ومع ذلك... لماذا لا تبدو فكرة أن عمره ما يزال تسعة أشهر مستحيلة تمامًا في داخلي؟

وهذا ما أخافني أكثر ، هل أبدأ بفقدان عقلي؟ أم أن هذا مجرد إرهاق؟ أم شيءٌ أخطر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ليرتوي قبرك   واجه الحقيقة

    سمعت صوته قريبًا منها، هادئًا، مترددًا كأنه لا يريد أن يكسر شيئًا هشًا داخلها "نوال... نوال..." رفعت رأسها ببطء شديد، كأنها تخشى أن ترى ما تعرف أنه موجود رأته ، تجمّد وجهها في لحظة واحدة، وانطفأ فيه أي أثر للطمأنينة ، تراجعت إلى الخلف بسرعة، تزحف على الأرض حتى اصطدمت بالحائط. جلست متكوّرة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وكأنها تحاول حماية نفسها من شيء لا يُرى "إ... إياك... إياك أن تقترب مني!" ابتلع مروان ريقه، ورفع يده قليلًا في الهواء، حركة تهدئة لا أكثر "لكن..."تراجع صوته في منتصف الجملة، حين التصقت هي أكثر بالحائط، وكأن المسافة بينهما لم تعد مسافة بل تهديد "لا تلمسني!" ثبت مكانه، يحاول أن يوازن بين القلق والصمت" حسنًا... حسنًا، لن أقترب. أوك؟ أنتِ فقط اهدئي."لكنها لم تكن تهدأ ، كانت تحتضن نفسها بقوة، تبكي بصمت، وجسدها يرتجف كأنه فقد القدرة على التوازن ، عيناها لا تراه بوضوح، أو ربما تراه بطريقة مختلفة تمامًا عن الواقع ، ظلّ واقفًا بعيدًا، يراقبها عاجزًا، كأنه يقف أمام باب مغلق من الداخل قال بصوت منخفض: "نوال..." لكنها قاطعته فورًا، بصوت مبحوح متكسّر: "اخرج.." تنهد، ومرّر يده على وجهه

  • ليرتوي قبرك   لا تتهمني عبثا

    صرخت وهي تنتفض جالسة على السرير، أنفاسها متقطعة، ودموعها تنهمر بلا توقف، كأنها خرجت من مكان لم تعد تعرف كيف تعود منه ، انتفض مروان من نومه فورًا "نوال؟ نوال!"لكنها لم تكن تسمعه ، كانت غارقة في أثر ما رأته، تتلوّى في مكانها، تبكي وتصرخ، وتضرب رأسها بكفيها كأنها تحاول طرد صورة ما زالت ملتصقة داخل عقلها أمسك كتفيها بقوة خفيفة ليمنع ارتجافها "نوال! اهدئي... نوال، إنه كابوس" لم تستجب. نظرتها كانت معلّقة في فراغ لا يراه غيرها ، أمسك وجهها بكفّيه، أجبرها بلطف أن تنظر إليه "اسمعيني... أنتِ هنا. في البيت معي ، انظري إليّ... اسمعيني." ارتجفت شفتاها، وعيناها تائهتان، كأنها تبحث عنه في مكان آخر لا يصل إليه صوته.نهض مسرعًا من السرير، هرع إلى المطبخ، ثم عاد بكأس ماء وهو يلهث قليلًا من القلق ، جلس أمامها مجددًا" تفضّلي... اشربي"هزّت رأسها، والدموع ما زالت تنزل بلا توقف ، اقترب منها أكثر، خفض صوته: "نوال، أرجوكِ... اشربي." أمسك الكأس وساعدها على رفعه إلى شفتيها ، كانت يدها ترتجف بشكل واضح، وانسكب جزء من الماء على ذقنها، لكنها شربت رغم ذلك، جرعات صغيرة متقطعة كأنها تتأكد أن هذا العالم ما زال حقيقيً

  • ليرتوي قبرك   المقبرة

    تنهد الطبيب وهو ينظر إليها، بينما كانت هي خافضة رأسها، تحدّق في يديها كأنهما الشيء الوحيد الثابت في عالم يتفكك بين أصابعها ، رفعت رأسها فجأة، وصوتها خرج منخفضًا ومشدودًا:" صرت أخاف أن أرمش، أيها الطبيب... أخاف أن أرمش فأجد نفسي في مكانٍ آخر... في نقاشٍ باهت لا أعرف كيف بدأ."ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة، كأنه على وشك أن يقول شيئًا يضع كل هذا في إطارٍ مفهوم، ثم—صوت مطرقة طرقٌ هادئ... منتظم توقّف كل شيء للحظة، رفعت نوال رأسها الغرفة تغيّرت.لم تعد هناك نافذة نصف مغلقة، ولا مكتب خشبي، ولا أريكة جانبية الضوء اختلف، والهواء نفسه صار أثقل جدران باهتة، مساحة أوسع، وصدى ضربات المطرقة يتردد في مكانٍ غير مرئي حولها ، تلفّتت بسرعة الطبيب لم يعد يجلس أمامها في وضع الاستماع اختفى من موضعه كما لو أن جلوسه لم يكن ثابتًا أصلًا. مكانه أصبح خاليًا، إلا من طاولة مرتفعة، وشخصٍ يقف بعيدًا بملابس رسمية، يطرق بمطرقته على سطح خشبي.مرة... مرتين.. جلسة المحكمة مستمرة جملة خرجت من مكان غير محدد تجمدت نوال. نظرت إلى كفّيها بسرعة، ثم إلى ملابسها لم تعد في العيادة بل في قاعة. قاعة واسعة، باردة، ممتلئة بوجوه لا ت

  • ليرتوي قبرك   شريط مشوه

    "نوال... نوال... "كان صوت مروان يأتيها من مسافةٍ بعيدة، كأنه يخترق طبقاتٍ كثيفة من الضباب شعرت بلمساتٍ خفيفة على خدّها، إيقاعها بطيء، حذر، كمن يخشى أن يوقظ شيئًا هشًّا أكثر مما هو مستيقظ ، فتحت عينيها السقف السرير ، وجه مروان قريب منها، مسندًا رأسه على كفّه، راقدًا على جانبه، يربّت خدّها بيده الأخرى ، حدّقت فيه طويلًا دون أن تتكلم، كأنها تحتاج وقتًا لتتعرّف على ملامحه من جديد، كأن وجهه مألوف... لكنه لا ينتمي تمامًا إلى اللحظة ثم تحرّكت عيناها بسرعة في الغرفة، تتفحّص المكان بقلقٍ خفي، تتحقق من الجدران، من الظلال، من الباب، من الواقع نفسه سألها بصوت مبحوح من النعاس: "هل شاهدتِ كابوس؟" نظرت إليه ، كان البكاء يصعد في حلقها ببطء، خانقًا، ثقيلاً، كأن صدرها ممتلئ بشيء لا تستطيع لفظه " لا أدري يا مروان... لم أعد أعرف" أغمضت عينيها، وبدأت تبكي بصمت دموعها تنساب بلا صوت، بلا ارتجاف، كأنها تستسلم أخيرًا لثقلٍ طويل قاومته كثيرًا تنهد مروان، واقترب أكثر، وسحبها إلى حضنه " هشش... لا بأس... حسنًا..." اعتدل قليلًا، اتكأ على ظهر السرير، وجذبها لتستلقي على صدره صار رأسها تحت ذقنه، وأنفاسها تضرب قميصه ب

  • ليرتوي قبرك   خاطفة

    وصلت نوال إلى المشرحة بخطوات سريعة تكاد تسبق أنفاسها دفعت الباب الزجاجي ودخلت دون أن تمنح المكان فرصة ليهدأ حيّت باقتضاب، وسألت فورًا عن المسؤول، ثم أخرجت بطاقتها الرسمية ولوّحت بها أمام الموظف كأنها تريد اختصار كل المقدمات بعد لحظات، خرج الطبيب المختص " مرحبًا، سيدة نوال الخوري." قالت وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة: " بشأن الجثة التي نُقلت قبل أمس" " نعم، ماذا بشأنها؟" "هل نُقلت معها أي سلسلة أو شيء مشابه؟ أي متعلّق شخصي غير مُسجّل؟"عقد حاجبيه بشك: "تعنين المرأة التي توفيت بعد أن دُفعت من الأعلى؟" هزّت رأسها نافية بسرعة: " لا، لا أتحدث عن تلك. أقصد الجريمة الأخرى... الجثة التي نُقلت بعد وفاتها إثر سحب الدم كاملًا من جسدها" توقف لحظة، يسترجع السجلات في ذهنه، ثم هزّ رأسه ببطء: " لا، صراحةً لا توجد حالة بهذه المواصفات" مرّت يدها في شعرها بتوتر واضح: "كيف لا يوجد؟... لقد تلقيت اتصالًا ذلك الصباح بخصوص تلك الجثة."أخرجت هاتفها بسرعة، فتحت سجل المكالمات، ومدّته نحوه نظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم قال: " هذا الاتصال كان بخصوص المرأة التي سقطت من الأعلى، لا غيرها." تصلّب فكّها ، شعرت بأن شيئًا داخلي

  • ليرتوي قبرك   توقف عن لومي

    وصلت نوال إلى المدرسة، وكان شعور ثقيل يجثم على صدرها كأن الهواء نفسه صار أكثر كثافة ، لم تكن تعرف لماذا، لكن القلق جاءها دفعة واحدة، حادًا وغير مبرر، حتى تمتمت لنفسها وهي تنظر إلى البوابة: "مرام؟" لم تنتظر الفكرة أن تكتمل ، أوقفت السيارة بسرعة، ونزلت منها وكأن شيئًا يدفعها من الداخل ، دخلت مسرعة، وصوت خطواتها يسبقها:"مرام! مرام أين أنتِ؟"لكن المكان كان غريبًا على نحوٍ مقلق... فارغًا أكثر مما يجب الهدوء لم يكن طبيعيًا، بل ثقيلًا، كأن المدرسة أُغلقت فجأة وبقيت هي وحدها ، وفجأة... تبدّل كل شيء ، لم تعد ترى الجدران بوضوح. لم تعد تسمع إلا صدى صوتها وهي تركض بين ممرات خالية، ثم إلى ساحة الألعاب، عيناها تبحثان بشكلٍ يائس، ودموعها بدأت تنزل دون إذن.توقفت فجأة ، شعرت بشيء تحت قدمها ، تراجعت ببطء، وانحنت وهي ترتجف... دبوس شعر وردي تجمدت لحظة، ثم التقطته بأصابع غير مستقرة نظرت إليه طويلًا، وكأن الذاكرة تصرخ قبل أن تفهم: "هذا... دبوس مرام..." ارتجف صوتها وهي ترفع يدها إلى فمها: "يا إلهي... لقد... لقد وضعت جهاز التتبع في الدبوس... لا... لا يا مرام... لاااا!" سقطت على الأرض فجأة، وانكسر صوتها إل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status