Share

ليرتوي قبرك
ليرتوي قبرك
Author: FARAHA HALAwLAw

قبر ودم

last update publish date: 2026-09-11 03:17:46

أخذت نوال نفسًا عميقًا في المقابل، تناول هو كراسة وقلمًا، مستعدًا لالتقاط كل ما سيقوله هذا الصمت الثقيل قبل الكلمات أخذت نوال نفسًا عميقًا، كأنها تحاول أن تملأ بالونًا بالهواء حتى حافته، ثم تتركه ينفجر دفعة واحدة ، كان صدرها يرتفع ببطء، وعيناها لا تستقران على شيء ثم قالت: " منذ جنازة طليقي... وأنا في دوامة لا أفهمها، أيها الطبيب " ، رفع الطبيب نظره إليها مباشرة، دون أن يكتب هذه المرة: "وكيف توفّي طليقك يا تُرى؟" أجابت بهدوءٍ مضطرب، كأنها تلتقط الكلمات من مكان بعيد: "لا أذكر... لكنه الآن حي ، وهو زوجي."

"سأُصفّي دماءهم جميعًا... حتى يرتوي قبرك "

الفصل الاول

قبر ودم

كان واقفًا عند قبرٍ مجاور،عيناه لا تنظر الى ما حوله ، ولا إلى النعش… بل إلى اسمٍ محفورٍ في الحجر، كأنه جرحٌ مفتوح اب ان يبرأ ، بدا وجهه شاحبًا جدًا، ونظره شاخصا ، ضيّقت عيني أحاول أن أرى ما الذي كان يخرجه من معطفه... رأيته ينحني قليلًا تابعته بصمت ثم رأيته يُخرج شيئًا من معطفه وللحظة ظننتها قنينة ماء...لكن الرائحة وصلت قبلي إلى الحقيقة

اللون الأحمر ، وتلك الكثافة الثقيلة!!! لم تترك مجالًا للشك كان دمًا……

•••

أوراق الأشجار تتحرّك ببطء، متناغمةً مع الرياح الباردة ، السماء ملبّدة بالغيوم الرمادية، تنذر ببكاء الغيوم صفعت تلك الرياح وجهه وأنا شاردة النظر وضائع العقل احدث بنفس بعجب غريبٌ جدًا...لم أكن أعلم أن الموت يمكن أن يكون صامتًا إلى هذا الحد ولم أتخيّل يومًا أن الميت يبدو... يبدو كما النائم، لكن …نومًا بلا يقظة ، ما زالت صورته عالقة أمام عيني، وما زالت ابتسامته لم تفارق ذهني، لكن كل شيء بدا متلاشيًا حين لفّوه بالكفن الأبيض.

بدا كطفلٍ في اللفة...لكن الفرق أن هذا خرج إلى الدنيا، وذاك خرج منها وضعوه في التابوت... ببرود ثم أنزلوه ببطء إلى القبر،إلى تلك الحفرة الضيقة،إلى ذلك الظلام الدامس ، ثم مضت ..مضت الجنازة كما تمضي كل الجنازات: وجوه شاحبة، دعوات محفوظة، وبكاء لا يصل إلى القلب ، التراب يُهال فوق القبر، وكأن الأرض تؤدي واجبًا اعتادته ، كان قلبي مبتلًا، لكن عيني أبت أن تفيض وفي لحظة ودون وعي، تحرّكت عيناي... فاذا بها تقع عليه ، كان جالسًا هناك لكنّه... لم يكن جزءًا من المشهد فبعد انتهاء الدفن، وبعد أن خفَّت أصوات العزاء،كان لا يزال هناك لم يكن بعيدًا جدًا، بدت صورة واضحة لي وأنا أقف عند قبر زوجي تحرّكت لا إراديًا، واقتربت خطواتي.

كان واقفًا عند قبرٍ مجاور،عيناه لا تنظر الى ما حوله ، ولا إلى النعش… بل إلى اسمٍ محفورٍ في الحجر، كأنه جرحٌ مفتوح اب ان يبرأ ، بدا وجهه شاحبًا جدًا، ونظره شاخصا ، ضيّقت عيني أحاول أن أرى ما الذي كان يخرجه من معطفه... رأيته ينحني قليلًا تابعته بصمت ثم رأيته يُخرج شيئًا من معطفه وللحظة ظننتها قنينة ماء...لكن الرائحة وصلت قبلي إلى الحقيقة

اللون الأحمر ، وتلك الكثافة الثقيلة!!! لم تترك مجالًا للشك كان دمًا……

دمٌ طازج، داكن، ينساب ببطء فوق التراب، حتى تشبّعت به الحروف المحفورة على القبر كان يتسلّل فوق الأرض...لكن بدا وكأنها ترفض أن تتشرّبه أمّا هو... فلم يرتجف،لم يتردّد،ولم يرمش حتى بدا كأنه تمثالٌ بلا روح كان يفعل ذلك بخشوعٍ مرعب،كأنه يؤدي صلاةً سرّية لا يعرفها سواه وكان ذلك وحده كافيًا ليرسل قشعريرة باردة إلى جسدي تقدّمتُ خطوة رغم ارتجاف ركبتيّ، ثم رأيت شفتيه تتحرّكان...كان يهمس ، همسٌ خافت، بالكاد يُسمع...لكنه اخترقني كالسهم "سأُصفّي دماءهم جميعًا... حتى يرتوي قبرك "

حينها فقط أدركت: هذا الرجل لا يودّع ميتًا...إنه يعقد وعدًا

ووعده... لم يكن للحياة ، وما إن وقع ذلك على أذني، حتى تجمّدتُ في مكاني للحظات ابتلعتُ غصّتي، وشعرت بأن أطرافي قد بردت على نحوٍ مرعب ، تحرّكتُ بسرعة عبر المقابر المتراصّة،أواصل سيري دون أن ألتفت ، خرجت من أسوار المقبرة، واتجهت مسرعةً إلى سيارتي جلست خلف المقود لدقائق،أحاول استيعاب ما رأيت.

كانت الأسئلة تتزاحم في رأسي: هل كان ذلك حقيقيًا؟

ما الذي رأيته قبل دقائق؟لم أجد إجابة، فأدرتُ المحرّك وقدتُ سيارتي ، عدتُ إلى البيت... لكن المشهد ظلّ يرافقني

ذلك الرجل... وتلك القنينة الممتلئة بذلك السائل الثقيل...

من... من الذي يبلّل قبرًا بالدم؟ تأملتُ المبنى الهائل أمامي، ذلك المبنى الذي يتوسّط المدينة كم مرّة دخلته دون أن أراه حقًا؟ اليوم بدا لي كأنه يقف في القمّة، يراقبني وأنا أعود مثقلةً بما رأيت.

اتجهتُ إلى الداخل صعدتُ المصعد وضغطتُ الأزرار وصولًا إلى الطابق الذي أسكنه ، حيّاني بعض الناس، وكنت بالكاد أردّ التحية بابتسامةٍ خفيفة لا تصل إلى عيني ، دخلتُ شقّتي أغلقتُ الباب خلفي بهدوء... وكأن أي صوتٍ زائد قد يعيد فتح القبر الذي تركته هناك.

ما إن خطوتُ إلى الداخل حتى ركض عالمي الصغير نحوي، أحاط خصري بذراعيه الصغيرتين، ورفع رأسه مبتسمًا وهو يقول بنبرته المعتادة: " مرحبًا أمي " ابتسمتُ بخفوت، مررتُ يدي على شعره الناعم، وأجبته بصوتٍ حاولتُ أن أجعله طبيعيًا: "أهلًا يا ماما"

كفّه الدافئة احاطت بأطرافي الباردة يجرني إلى الداخل

و يحادثني بحماس عن يومه، عن المدرسة، عن أصدقائه، عن أشياء بسيطة... كان يُفترض أن تُنقذني ، كنت أسمعه...لكن عقلي لم يكن معه إطلاقًا ذلك المشهد يصرّ على البقاء...يصرّ على مرافقتي. هل كان ما رأيته جريمة قتل؟ أم طقسًا... صلاةً غريبة لا أفهمها؟ هل كان الدم بشريًا؟ لا... مستحيل ربما كان... دمًا حيوانيًا فقط. تنهدتُ، حين شدّ رامز يدي فجأة انحنيتُ إليه وابتسمت، محاولة أن أبدو حاضرة.

لكنني لم أكن هنا كنتُ قد دفنتُ طليقي، والد طفلي، قبل ساعاتٍ فقط... ذلك الرجل الذي عشتُ معه أجمل سنين العمر، تقاسمنا الحلوة والمرة ، لكن... ومع ذلك، بدا المشهد الذي رأيته في المقبرة أوضح في ذهني من جنازته نفسها كأن جنازته بهتت في ذاكرتي،ً بينما ذلك المشهد... ازداد وضوحًا.

جاء صوت الخادمة من الخلف، ترحب بقدومي فطلبتُ منها أن تجهّز رمز للنوم ، فتعلّق بي أكثر، رافضًا الابتعاد ، حاولتُ تهدئته بالكلام، ثم بالإقناع، ثم بالصبر... دون جدوى أخيرًا أشرتُ لها، فأخذته إلى الداخل وسط احتجاجه ، أخذتُ نفسًا عميقًا ، أنا أعرفه... عنيد، يشبهني كثيراً تأملتُ الفراغ الذي تركه للحظة، قبل أن أنزع سترتي السوداء وألقي بها على الأريكة الجلدية.

كنت أرتدي سوادًا يليق بسواد هذا اليوم،ومع ذلك بدوتُ أنيقة

فأنا... حتى في الجنازات، أحرص أن أبدو مهندمة ، تمدّدتُ على الأريكة، والمشكلات تضرب رأسي بلا رحمة.

اسمي نوال الخوري ، سبعة وثلاثون عامًا ، محامية جنائية أعيش وانا ادافع عن أشخاص لا أؤمن ببراءتهم ، أنا مطلّقة... أو ربما أرملة الآن ، فقبل ساعات مضت كنت أقف عند قبر طليقي ، ومنذ ذلك الحين، لم أعد متأكدة من معنى أي شيء رسمي في حياتي.

فاعوام كاملة لا تختفي لمجرد أن العلاقة انتهت بورقة طلاق

لذلك أستخدم "مطلقة" أحيانًا... وأحيانًا أخرى أشعر أن "أرملة" أقرب للحقيقة.

كنت فيما مضى أمّ لطفلين... أم الآن فلدي رامز، ذو الستة أعوام، الذي ما زال يظن أن العالم يمكن فهمه ، أما أنا... فقد توقفت عن هذا الاعتقاد منذ وقت طويل ، الناس يقولون إنني ناجحة وهم محقون في شيء واحد فقط: القضايا لا تُنهكني بل تنتهي عندي ، لا أدافع عن الأبرياء دائمًا في الحقيقة... نادرًا ما يحدث ذلك.

أنا أدافع عمّن يستطيع الدفع... أولئك الذين يملكون ما يكفي من المال ليعيدوا كتابة الحقيقة بدأت حياتي المهنية في مكتب صغير بالكاد يُعرف اسمه ملفات بسيطة، قضايا رخيصة، وأتعاب بالكاد تكفي الإيجار.

أما الآن... فأنا أعمل في واحدة من أكبر شركات المحاماة في المدينة قضايا أكبر، أموال أكبر، وأسرار أثقل ، البعض يصفني بالقسوة والبعض الآخر لا يجد كلمة ألطف من "فاسدة".

ربما لا يخطئون كثيرًا، ففي هذه المهنة، لا أحد يصل إلى القمة وهو نظيف اليدين.. تمددتُ قليلًا على الأريكة، أُسافر في أفكاري محاولًا استدراج النوم كي يأتي لكن كلما أغمضتُ عينيّ، عاد نفس المشهد ليضرب جفوني من جديد وبعد حربٍ صامتة مع ذاتي، استسلمتُ أخيرًا للنوم.

لم تمضِ سوى ساعاتٍ قليلة من غفوتي حتى رنّ هاتفي قرب الفجر نظرة واحدة إلى الشاشة كانت كافية لتوقظني تمامًا:

رقم المكتب تنهدتُ قبل أن أجيب بتثاقل ، جاءني صوت زميلي متوترًا، خافتًا على غير عادته، يحمل في نبرته قضية جديدة تبعث على القلق.

اعتدلتُ في جلستي شعرتُ وكأنها بداية شيءٍ ما... لا أعرف ما هو، لكن إحساسًا غريبًا تسلّل إلى صدري تساءلتُ بسرعة:

" ما الأمر؟" ساد لحظة صمت، ثم قال: " جريمة قتل... لكن الغريب فيها ليس القتل نفسه"

شدّدتُ قبضتي على الهاتف،و سألته عن التفاصيل، فبدأ يتحدث بصوتٍ منخفض: " الضحية وُجدت في مستودعٍ مهجور خارج المدينة لا آثار مقاومة تُذكر... ولا سلاح في المكان"

توقف لحظة، ثم أضاف: " لكن الدم... كان مفقودًا تقريبًا"

شعرتُ بقشعريرة حقيقية تسري في ظهري "دمٌ مفقود؟"

عاد ذلك المشهد إلى رأسي فجأة ، أكد بصوتٍ أكثر وضوحًا:

" الجثة كانت شبه جافة...وكأن أحدهم أفرغها عمدًا، كمن يعصر ثوبًا مبتلًا." أغمضتُ عينيّ بقوة،ومجددًا عاد المشهد ذاته ، جاءني صوته عبر الهاتف، ضبابيًا: " نوال؟ هل أنتِ معي؟"

فتحتُ عينيّ ببطء ثم سألتُ:" هل عُرفت هوية الضحية؟"

أجاب:" ليس بعد ، لكن وُجد بالقرب من الجثة قطعة قماش ملوّثة بالدم... ليست من ملابس الضحية"

ابتلعتُ ريقي وسألت:" وأين هي الآن؟" ، " في المشرحة... والقضية تحولت رسميًا إلى جريمة قتل متعمّد " ساد صمتٌ قصير، كان أثقل من الكلمات ثم أردفت بهدوء لم أعرف من أين جاء:" سأحضر"

أغلقتُ الهاتف، وجلستُ أحدّق في الفراغ لم أكن أحتاج إلى دليل...ولا إلى تقرير كنتُ أعرف... أن الدم الذي رأيته في المقبرة لم يكن وحيدًا، وأن ذلك الرجل لم يكن يودّع ميتًا كان يفتتح سلسلة جلتُ بنظري في الأرجاء، أخذتُ نفسًا عميقًا، وهمستُ لنفسي:" يا إلهي... هل دخلتُ قضية كنتُ شاهدةً عليها؟"

نهضتُ، وقدماي بالكاد تحملانني ، اتجهتُ إلى الغرفة، وأخذتُ حمامًا دافئًا ، ارتديتُ ثوبًا داكنًا بسيطًا، لكن حتى البساطة عندي لا تُترك للصدفة ، مرّرتُ يدي عليه سريعًا، كأنني أتأكد أنه لا يخون الصورة التي أريدها ، في الأعلى، انعكست شقتي على الزجاج الممتد: مساحة واسعة، نظيفة، مرتبة بدقة مبالغ فيها كل شيء فيها يبدو محسوبًا... حتى الفراغ.

في الأسفل، كانت سيارتي السوداء تنتظرني بصمت لامع لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل جزءًا من المشهد الذي أحرص دائمًا أن أكون فيه في المنتصف وقفتُ أمام المرآة للحظة امرأة في السابعة والثلاثين... ملامح متماسكة، وعينان لم تنمَا.

نزلتُ مع رامز إلى المرآب ، كان يقفز حولي كعادته، لا يتوقف عن الثرثرة:" اليوم لدينا حصة رسم! تعرفين؟ المعلمة قالت إن رسوماتي جميلة... وأيضًا سامر أخذ قلمي أمس ولم يُعدْه!

كنتُ أومئ أحيانًا، وأجيب أحيانًا، وأغيب أكثر ، فتحتُ له باب السيارة، ساعدته على الجلوس، ثم قدتُ خارج المبنى

المدينة تستيقظ ببطء، والشمس تتسلل بين الأبنية " أمي؟

لماذا أنتِ ساكتة؟"

تنبهتُ فجأة:" ماذا قلتَ يا صغيري؟" زفر بضيقٍ طفولي: "قلتُ لكِ إنني أريد أن أكون شرطيًا عندما أكبر... أو محاميًا مثلك! " شدّني كلامه ابتسمتُ رغماً عني:"أتمنى أن تختار مهنة لا تُرهق قلبك ، ضحك، ثم عاد للكلام... كثير الكلام، يتحدث بلا توقف ، كنتُ أقود، وعقلي ليس على الطريق ، كان هناك عند مستودعٌ مهجور، وجثةٌ جافة، ودمٌ غائب توقفتُ أمام المدرسة نزل رامز مسرعًا، ثم عاد فجأة، فتح الباب، وألقى بنفسه في حضني:"أحبكِ أمي"

شدّدته إليّ بقوة، كأنني أتشبث بشيءٍ حقيقي وسط هذا العبث

" وأنا أحبك أكثر" ركض إلى الداخل، ولوّح لي بيده بقيتُ في السيارة لحظة أطول يدي على المقود، ونظري عالق في شيء لا أراه ، المدينة أمامي بدت مرتبة بشكل مريب ... وكأنها لا تعترف بما في رأسي تحركتُ أخيرًا.

أملك كل ما يفترض أن يجعل الحياة أسهل: المال، النفوذ، الاسم

لكن لا شيء من ذلك يفسر لماذا لا يغادر ذلك القبر ذهني ذلك المشهد... لم يكن يجب أن يبقى ، أدرتُ المحرك من جديد وانطلقتُ نحو المشرحة ونحو الحقيقة... تلك الحقيقة التي لم أكن أعرف إن كنت مستعدة لمواجهتها ربما...لم أكن مستعدة ، لكنني، بطريقة ما، كنت قد أقحمت نفسي فيها بالفعل...

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ليرتوي قبرك   واجه الحقيقة

    سمعت صوته قريبًا منها، هادئًا، مترددًا كأنه لا يريد أن يكسر شيئًا هشًا داخلها "نوال... نوال..." رفعت رأسها ببطء شديد، كأنها تخشى أن ترى ما تعرف أنه موجود رأته ، تجمّد وجهها في لحظة واحدة، وانطفأ فيه أي أثر للطمأنينة ، تراجعت إلى الخلف بسرعة، تزحف على الأرض حتى اصطدمت بالحائط. جلست متكوّرة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وكأنها تحاول حماية نفسها من شيء لا يُرى "إ... إياك... إياك أن تقترب مني!" ابتلع مروان ريقه، ورفع يده قليلًا في الهواء، حركة تهدئة لا أكثر "لكن..."تراجع صوته في منتصف الجملة، حين التصقت هي أكثر بالحائط، وكأن المسافة بينهما لم تعد مسافة بل تهديد "لا تلمسني!" ثبت مكانه، يحاول أن يوازن بين القلق والصمت" حسنًا... حسنًا، لن أقترب. أوك؟ أنتِ فقط اهدئي."لكنها لم تكن تهدأ ، كانت تحتضن نفسها بقوة، تبكي بصمت، وجسدها يرتجف كأنه فقد القدرة على التوازن ، عيناها لا تراه بوضوح، أو ربما تراه بطريقة مختلفة تمامًا عن الواقع ، ظلّ واقفًا بعيدًا، يراقبها عاجزًا، كأنه يقف أمام باب مغلق من الداخل قال بصوت منخفض: "نوال..." لكنها قاطعته فورًا، بصوت مبحوح متكسّر: "اخرج.." تنهد، ومرّر يده على وجهه

  • ليرتوي قبرك   لا تتهمني عبثا

    صرخت وهي تنتفض جالسة على السرير، أنفاسها متقطعة، ودموعها تنهمر بلا توقف، كأنها خرجت من مكان لم تعد تعرف كيف تعود منه ، انتفض مروان من نومه فورًا "نوال؟ نوال!"لكنها لم تكن تسمعه ، كانت غارقة في أثر ما رأته، تتلوّى في مكانها، تبكي وتصرخ، وتضرب رأسها بكفيها كأنها تحاول طرد صورة ما زالت ملتصقة داخل عقلها أمسك كتفيها بقوة خفيفة ليمنع ارتجافها "نوال! اهدئي... نوال، إنه كابوس" لم تستجب. نظرتها كانت معلّقة في فراغ لا يراه غيرها ، أمسك وجهها بكفّيه، أجبرها بلطف أن تنظر إليه "اسمعيني... أنتِ هنا. في البيت معي ، انظري إليّ... اسمعيني." ارتجفت شفتاها، وعيناها تائهتان، كأنها تبحث عنه في مكان آخر لا يصل إليه صوته.نهض مسرعًا من السرير، هرع إلى المطبخ، ثم عاد بكأس ماء وهو يلهث قليلًا من القلق ، جلس أمامها مجددًا" تفضّلي... اشربي"هزّت رأسها، والدموع ما زالت تنزل بلا توقف ، اقترب منها أكثر، خفض صوته: "نوال، أرجوكِ... اشربي." أمسك الكأس وساعدها على رفعه إلى شفتيها ، كانت يدها ترتجف بشكل واضح، وانسكب جزء من الماء على ذقنها، لكنها شربت رغم ذلك، جرعات صغيرة متقطعة كأنها تتأكد أن هذا العالم ما زال حقيقيً

  • ليرتوي قبرك   المقبرة

    تنهد الطبيب وهو ينظر إليها، بينما كانت هي خافضة رأسها، تحدّق في يديها كأنهما الشيء الوحيد الثابت في عالم يتفكك بين أصابعها ، رفعت رأسها فجأة، وصوتها خرج منخفضًا ومشدودًا:" صرت أخاف أن أرمش، أيها الطبيب... أخاف أن أرمش فأجد نفسي في مكانٍ آخر... في نقاشٍ باهت لا أعرف كيف بدأ."ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة، كأنه على وشك أن يقول شيئًا يضع كل هذا في إطارٍ مفهوم، ثم—صوت مطرقة طرقٌ هادئ... منتظم توقّف كل شيء للحظة، رفعت نوال رأسها الغرفة تغيّرت.لم تعد هناك نافذة نصف مغلقة، ولا مكتب خشبي، ولا أريكة جانبية الضوء اختلف، والهواء نفسه صار أثقل جدران باهتة، مساحة أوسع، وصدى ضربات المطرقة يتردد في مكانٍ غير مرئي حولها ، تلفّتت بسرعة الطبيب لم يعد يجلس أمامها في وضع الاستماع اختفى من موضعه كما لو أن جلوسه لم يكن ثابتًا أصلًا. مكانه أصبح خاليًا، إلا من طاولة مرتفعة، وشخصٍ يقف بعيدًا بملابس رسمية، يطرق بمطرقته على سطح خشبي.مرة... مرتين.. جلسة المحكمة مستمرة جملة خرجت من مكان غير محدد تجمدت نوال. نظرت إلى كفّيها بسرعة، ثم إلى ملابسها لم تعد في العيادة بل في قاعة. قاعة واسعة، باردة، ممتلئة بوجوه لا ت

  • ليرتوي قبرك   شريط مشوه

    "نوال... نوال... "كان صوت مروان يأتيها من مسافةٍ بعيدة، كأنه يخترق طبقاتٍ كثيفة من الضباب شعرت بلمساتٍ خفيفة على خدّها، إيقاعها بطيء، حذر، كمن يخشى أن يوقظ شيئًا هشًّا أكثر مما هو مستيقظ ، فتحت عينيها السقف السرير ، وجه مروان قريب منها، مسندًا رأسه على كفّه، راقدًا على جانبه، يربّت خدّها بيده الأخرى ، حدّقت فيه طويلًا دون أن تتكلم، كأنها تحتاج وقتًا لتتعرّف على ملامحه من جديد، كأن وجهه مألوف... لكنه لا ينتمي تمامًا إلى اللحظة ثم تحرّكت عيناها بسرعة في الغرفة، تتفحّص المكان بقلقٍ خفي، تتحقق من الجدران، من الظلال، من الباب، من الواقع نفسه سألها بصوت مبحوح من النعاس: "هل شاهدتِ كابوس؟" نظرت إليه ، كان البكاء يصعد في حلقها ببطء، خانقًا، ثقيلاً، كأن صدرها ممتلئ بشيء لا تستطيع لفظه " لا أدري يا مروان... لم أعد أعرف" أغمضت عينيها، وبدأت تبكي بصمت دموعها تنساب بلا صوت، بلا ارتجاف، كأنها تستسلم أخيرًا لثقلٍ طويل قاومته كثيرًا تنهد مروان، واقترب أكثر، وسحبها إلى حضنه " هشش... لا بأس... حسنًا..." اعتدل قليلًا، اتكأ على ظهر السرير، وجذبها لتستلقي على صدره صار رأسها تحت ذقنه، وأنفاسها تضرب قميصه ب

  • ليرتوي قبرك   خاطفة

    وصلت نوال إلى المشرحة بخطوات سريعة تكاد تسبق أنفاسها دفعت الباب الزجاجي ودخلت دون أن تمنح المكان فرصة ليهدأ حيّت باقتضاب، وسألت فورًا عن المسؤول، ثم أخرجت بطاقتها الرسمية ولوّحت بها أمام الموظف كأنها تريد اختصار كل المقدمات بعد لحظات، خرج الطبيب المختص " مرحبًا، سيدة نوال الخوري." قالت وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة: " بشأن الجثة التي نُقلت قبل أمس" " نعم، ماذا بشأنها؟" "هل نُقلت معها أي سلسلة أو شيء مشابه؟ أي متعلّق شخصي غير مُسجّل؟"عقد حاجبيه بشك: "تعنين المرأة التي توفيت بعد أن دُفعت من الأعلى؟" هزّت رأسها نافية بسرعة: " لا، لا أتحدث عن تلك. أقصد الجريمة الأخرى... الجثة التي نُقلت بعد وفاتها إثر سحب الدم كاملًا من جسدها" توقف لحظة، يسترجع السجلات في ذهنه، ثم هزّ رأسه ببطء: " لا، صراحةً لا توجد حالة بهذه المواصفات" مرّت يدها في شعرها بتوتر واضح: "كيف لا يوجد؟... لقد تلقيت اتصالًا ذلك الصباح بخصوص تلك الجثة."أخرجت هاتفها بسرعة، فتحت سجل المكالمات، ومدّته نحوه نظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم قال: " هذا الاتصال كان بخصوص المرأة التي سقطت من الأعلى، لا غيرها." تصلّب فكّها ، شعرت بأن شيئًا داخلي

  • ليرتوي قبرك   توقف عن لومي

    وصلت نوال إلى المدرسة، وكان شعور ثقيل يجثم على صدرها كأن الهواء نفسه صار أكثر كثافة ، لم تكن تعرف لماذا، لكن القلق جاءها دفعة واحدة، حادًا وغير مبرر، حتى تمتمت لنفسها وهي تنظر إلى البوابة: "مرام؟" لم تنتظر الفكرة أن تكتمل ، أوقفت السيارة بسرعة، ونزلت منها وكأن شيئًا يدفعها من الداخل ، دخلت مسرعة، وصوت خطواتها يسبقها:"مرام! مرام أين أنتِ؟"لكن المكان كان غريبًا على نحوٍ مقلق... فارغًا أكثر مما يجب الهدوء لم يكن طبيعيًا، بل ثقيلًا، كأن المدرسة أُغلقت فجأة وبقيت هي وحدها ، وفجأة... تبدّل كل شيء ، لم تعد ترى الجدران بوضوح. لم تعد تسمع إلا صدى صوتها وهي تركض بين ممرات خالية، ثم إلى ساحة الألعاب، عيناها تبحثان بشكلٍ يائس، ودموعها بدأت تنزل دون إذن.توقفت فجأة ، شعرت بشيء تحت قدمها ، تراجعت ببطء، وانحنت وهي ترتجف... دبوس شعر وردي تجمدت لحظة، ثم التقطته بأصابع غير مستقرة نظرت إليه طويلًا، وكأن الذاكرة تصرخ قبل أن تفهم: "هذا... دبوس مرام..." ارتجف صوتها وهي ترفع يدها إلى فمها: "يا إلهي... لقد... لقد وضعت جهاز التتبع في الدبوس... لا... لا يا مرام... لاااا!" سقطت على الأرض فجأة، وانكسر صوتها إل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status