Share

اين حدث

last update publish date: 2026-09-11 03:18:58

تراجعتُ إلى الخلف خطواتٍ دون وعي، كأنني أفقد توازني مع الواقع، وما إن انتبهتُ لنفسي حتى وجدتني أركض بسرعة نحو موقف السيارات ، كل ما أردته... سيارتي لم أعد أستطيع فهم أي شيء مما يقوله راضي ، كنت أشعر أنني أكاد أفقد صوابي.

سأذهب إلى ابني ، كيف... كيف يقول إن طفلي لم يبلغ عامه الأول بعد؟ أكاد أجن وأنا أركض بين السيارات، أتلفّت حولي بقلق، توقفت فجأة ، نظرتُ حولي مرة... ثم مرة أخرى

لا شيء ، لم أجدها ، لم أجد سيارتي ، مع أنني متأكدة تمامًا أنني ركنتها هنا قبل أن أدخل.

همستُ بارتباك، بالكاد خرج الصوت من بين شفتيّ: " كيف... أين... أين سيارتي؟" بدأتُ أدور بعيني بين صفوف السيارات، أبحث بعجلة، كأنها قد تختبئ فجأة بين الهياكل المعدنية.

ركض راضي خلفي وهو يناديني ، التفتُّ إليه بسرعة كان صدري يعلو ويهبط من شدة التوتر، وصوتي خرج مرتجفًا أكثر مما أردت:

" أنا... لا أجد سيارتي" توقف لحظة ينظر إليّ... ثم ضحك

لكنها لم تكن ضحكة سخرية هذه المرة ، كانت قصيرة، مترددة... أقرب إلى دهشة ممزوجة بالقلق.

قال وهو يشير بيده أمامنا: " نوال..." ثم أضاف ببطء كأنه لا يصدق ما يسمعه: " سيارتك هناك... أمامك مباشرة" تجمدتُ لحظة، ثم التفتُّ ببطء إلى حيث أشار ، كانت سيارة سوداء كبيرة... من نوع شيفروليه تاهو.

هززتُ رأسي فورًا، رافضة الفكرة قبل أن تكتمل قلتُها باستنكار واضح: " هذه ليست سيارتي"رمقني راضي بنظرة حائرة، كأنه يحاول فهم ما يحدث: " ماذا تقصدين؟"أجبته بسرعة، بنبرة حازمة: " هذه ليست هي سيارتي مرسيدس–مايباخ GLS سوداء ، ضحك ضحكة قصيرة، ثم توقفت فجأة، كأن شيئًا في وجهي أوقفه ، سعل بخفة، وقال بتردد وهو يحدّق بي: " صديقتي... هل أصابتكِ ضربة شمس؟"

ثم أضاف بسخرية متوترة:"طبعًا... إذا تجاهلنا أننا في الشتاء"

لم أضحك ، لم أرَ في كلامه نكتة أصلًا ظللتُ أحدّق إليه بجمود، قبل أن أقول ببطء: " راضي... أنا لا أمزح."

مررتُ يدي في شعري، أتنفّس بصعوبة، كأن الهواء صار أثقل فجأة ، وفي خضمّ هذه الدوامة غير المفهومة تمتمتُ بصوتٍ خافت:

" هل... هل جننتُ؟" توقفتُ لحظة، ثم أضفتُ بارتباك: " أم أن راضي هو من جنّ؟" تنهد راضي ببطء، وهزّ رأسه قليلًا ، كانت نبرته هذه المرة مختلفة... أقل سخرية وأكثر جدية: " لا أعرف... لكن..." توقف لحظة قبل أن يكمل: " هذا الكلام غريب أعني... ليس من الطبيعي أن تنسي نوع سيارتك

سكت لحظة، وقد انخطف لونه ، بدا أنه أيضًا مضطرب من تصرفاتي، وبدأ يحاول أن يفهمني بالكلام والأسئلة ، لكنني لم أشعر أن لديّ طاقة... ولا رغبة في الجدال ، كل ما كنت أشعر به هو ذلك الإحساس البارد الثقيل، الذي بدأ يتسلل إلى صدري ببطء...كأن شيئًا ما في عقلي لم يعد يعمل كما يجب ، لكنني شعرتُ أنه لا وقت للتفكير لذلك تابعتُ طريقي بخطوات سريعة.

فتحتُ باب السيارة، وجلستُ خلف المقود، وأغلقته بقوة سمعتُ صوت راضي خلفي قبل أن أتحرك: " انتبهي يا فتاة... أنتِ لا تبدين بخير" لم أجب ، أدرتُ المحرك... وانطلقت كنتُ أقود بتوترٍ واضح، مرفقي متكئ على النافذة، ورأسي مسنود إلى كفّي.

الطريق أمامي كان واضحًا... مستقيمًا، مألوفًا ، لكن داخلي؟

كان ضبابًا كاملًا ولأول مرة... لم أعد واثقة إن كانت المشكلة في ذاكرتي... أم في الواقع نفسه ، قدتُ السيارة نحو مدرسة ابني، متجاهلة كلمات راضي التي ما زالت ترنّ في رأسي كصدى مزعج لا يريد أن يختفي.

ماذا كان يحاول أن يثبت؟ هل كان يحاول أن يقول إنني أفقد عقلي؟ أم أن المشكلة فيّ أنا؟ للحظة... شعرتُ أنني ربما نسيت فعلًا عمر ابني ، لكن كيف؟ كيف يمكن أن يكون ذلك منطقيًا أصلًا؟ ضغطتُ على دواسة الوقود أكثر، وقُدتُ بسرعة نحو المدرسة ، توقفتُ أمام البوابة، نزلتُ مسرعة، وكدتُ أتعثر من سرعة خطواتي.

توجهتُ مباشرة إلى البواب، وسألته بسرعة، وكأن الكلمات تهرب مني: " من فضلك... أين الطلاب؟" نظر إليّ باستغراب، ثم قال بهدوء بارد: " تأخرتِ يا سيدتي... أغلب الطلاب، إن لم يكن كلهم، عادوا إلى منازلهم." تجمّدتُ في مكاني لحظة ، ثم سألتُ بسرعة: " لا يوجد أحد في الداخل؟" اجاب مباشرة :" لا "

نظرتُ إليه دون تعليق ، ثم ركضتُ إلى الداخل الممرات كانت فارغة ، هادئة... كأنها لم تطأها قدم قط ، ذلك النوع من الهدوء الثقيل الذي أعرفه جيدًا وأكرهه ، رأيتُ معلمة تقف قرب أحد الفصول، ترتّب أوراقًا ببطء اقتربتُ منها بسرعة:"أستاذة...؟"

التفتت إليّ:"نعم؟" قلتُ بتوتر، الكلمات تخرج متعثرة:

" أين ابني؟اسمه... رامز ، نظرت إليّ لثوانٍ طويلة، ثم عقدت حاجبيها قليلًا وقالت بحذر:" رامز..." تلفّتت حولها وكأنها تبحث عمّن يسمعنا، ثم قالت: "ألم يأتِ السائق مسبقًا واصطحبه؟"

هززتُ رأسي بقوة حتى شعرتُ بألم في عنقي: "أي سائق؟"

أنا دائمًا من يأتي لاصطحاب ابني بنفسي ، توترت ملامحها، وترددت لحظة: " لكنكِ اتصلتِ... وقلتِ إنكِ مشغولة اليوم، وإن السائق في الطريق"

تراجعتُ خطوة ، شعرتُ أن ساقيّ لم تعودا تحملانني

" ماذا... ماذا تقولين؟" خرج صوتي ضعيفًا أولًا، ثم ارتفع دون أن أشعر: " هل تقولين إنكم سلّمتم ولدي لشخصٍ غريب؟!"

تلعثمت الكلمات في فمي " دون أن تستشيروني؟ دون أن... هل... هل ما أسمعه منطقي أصلًا؟" هزّت المعلمة رأسها بسرعة نافية، والقلق واضح في عينيها: "لا... لا، بالطبع لا لقد أخبرتنا أنتِ بذلك عبر الهاتف."

في تلك اللحظة كان المدير مرا في الممر توقّف عندما رأى التوتر بيننا ، اقترب ببطء، ونظر بيني وبينها: "ما الذي يحدث هنا؟"

كنتُ أتنفس بصعوبة، بينما بدأت المعلمة تشرح له بسرعة ، أما أنا... فكنت واقفة في مكاني، أشعر بأن الأرض تميد تحت قدمي

لأنني متأكدة من شيءٍ واحد فقط ، أنا... لم أتصل بأحد ، لكن رده كان الصدمة ذاتها ، قال بهدوءٍ بارد: " نعم، لقد اتصلتِ فعلًا"

ثم أراني الهاتف آخر مكالمة ، باسمي... وبرقمي ، هززتُ رأسي نافية، كأن الحركة وحدها قادرة على إنقاذي من هذا الكابوس:

"هذا... ليس أنا" همستُ بصوتٍ مرتجف: " أنا لم أتصل"

تراجعتُ خطوة... ثم اندفعتُ فجأة أركض في الممرات " رامز!"

" رامز!! أين أنت؟!" كانت نظراتهم تلاحقني... كأنهم يرون امرأة فقدت عقلها. وربما... بدوتُ كذلك فعلًا ، كنتُ أفتح الأبواب واحدًا تلو الآخر، أنادي اسمه، أتخبط بين القاعات والممرات

"رامز!" كل ما أردته... هو ابني.

لكن بعد دقائق طويلة من الركض والبحث... بدأت الحقيقة المخيفة تتسلل إليّ رامز... ليس داخل أسوار هذه المدرسة ، توقفتُ أخيرًا

يداي ترتجفان أخرجتُ هاتفي... واتصلتُ بالشرطة كنتُ منهارة.

صوتي مبحوح، وكلماتي تتعثر، كأنني على وشك الجنون ، ثم بدأ البحث ، ساعات...ثم يوم...ثم يومان ، ثمانٍ وأربعون ساعة

ثمانٍ وأربعون ساعة من الجحيم الخالص.

أقضم أظافري بقلق...وأذرف الدموع حتى شعرتُ أن عينيّ قد جفّتا ، ثمانٍ وأربعون ساعة... ولا أثر لرامز ، مهلًا...هل مرّ هذا الوقت أصلًا؟ لستُ متأكدة لا أذكر أين كنتُ خلال تلك الساعات...ولا إن كانت قد مضت فعلًا وفي النهاية......

كنتُ في الصالون، على الأريكة، والأضواء مطفأة أقضم أظافري بتوتر، والسكون يملأ المكان ، ثم شقّ رنّين الهاتف هذا الصمت

اعتدلتُ في جلستي ، ترددتُ لحظة ، خفتُ أن أجيب. كان الهاتف يهتز فوق الطاولة الزجاجية أمامي، يتحرك بخفة... كأنه يحدثني .

جمعتُ شجاعتي ورفعتُه بسرعة ، وما إن سمعتُ الموقع... تجمّد الدم في عروقي ، مستودع بعيد... في أطراف المدينة لماذا مستودع؟ ماذا يفعل رامز هناك؟ نهضتُ رغم ارتجاف ركبتيّ.

ركبتُ سيارتي وانطلقتُ قدتُ كأن الطريق غير موجود كأن المدينة كلها اختفت لم يكن في رأسي سوى كلمة واحدة:" رامز"

وصلتُ أخيرًا ، توقفتُ أمام باب المستودع... لكنني لم أتجرأ على التقدم ، أضواء سيارات الشرطة تومض ، شرائط صفراء تمتد على المدخل ، جريمة حدثت هنا ، دفعتُ الشريط جانبًا ، قدماي بالكاد تحملانني ، وعقلي... غائب ثم رأيته من بعيد وكان هو.

طفلي …رامز! راقدٌ على جنبه... تمامًا كما اعتاد أن ينام

اقتربتُ خطوة... ثم أخرى. ، جلستُ بجانبه ببطء. مددتُ يدي المرتجفة نحوه... ثم توقفت لأن شيئًا واحدًا كان واضحًا حتى من بعيد ، رامز... لا يتنفس ، وجهه أبيض ، شاحب على نحوٍ لم أعرفه من قبل ، وشفتاه... مزرقّتان. مررتُ يدي على شعره ببطء، ثم رفعتُ كفّه الصغيرة بين يدي.

كانت باردة ، باردة جدًا...برودة ليست طبيعية ، سحبته بسرعة إلى صدري، أحاول أن أدفئه بجسدي " رامز..." همستُ.

" ماما هنا..." " ماما معك." ضممته أكثر، كأن حضني قادر على إعادة الحياة إليه ، "احكِ لي يا صغيري..."

همستُ قرب أذنه " احكِ لي ماذا حدث في المدرسة اليوم"

تنفسي متقطع " أنا أسمعك... حسنًا؟" "أنا... كلّي آذان صاغية" لم يجب، لم يتحرك، ، لمستني يد على كتفي.

"سيدة نوال، هو— هززتُ كتفي بعنف، واستدرتُ صارخة:

" لااا! اسكت! لا أريد أن أسمع!" كنت أعرف ما سيقوله.

سيقول إن رامز... لن يرد عليّ ، وهذه... كذبة ، عدتُ إليه قبّلتُ جبينه البارد "ماما تسمعك، حسنًا؟ لن أتجاهل أحاديثك بعد الآن... أعدك " تكسّر صوتي ، ثم انفجرتُ بالبكاء لم أعد أملك كلمات... ولا صوتًا واضحًا ، فقط همستُ، كأنني أتوسل إليه:

"فقط... تكلّم ، لا تحرمني صوتك أرجوك "

وفجأة—بوقٌ حادّ ، ارتجفتُ ورفعتُ رأسي ، لا مستودع لا شرطة ، لا رامز ، كنتُ خلف المقود، في منتصف الطريق السيارات تحيط بي، وأحد السائقين يصرخ:"تحرّكي! هل جننتِ؟!" نظرتُ إلى ذراعيّ ، فارغتان ، تنفّسي متسارع.

الشارع يتحرك حولي بشكلٍ طبيعي تمامًا ، كأن شيئًا... لم يحدث

لكن قلبي كان يعرف: " شيئًا ما حدث ، ولم يكن هنا…

..

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ليرتوي قبرك   واجه الحقيقة

    سمعت صوته قريبًا منها، هادئًا، مترددًا كأنه لا يريد أن يكسر شيئًا هشًا داخلها "نوال... نوال..." رفعت رأسها ببطء شديد، كأنها تخشى أن ترى ما تعرف أنه موجود رأته ، تجمّد وجهها في لحظة واحدة، وانطفأ فيه أي أثر للطمأنينة ، تراجعت إلى الخلف بسرعة، تزحف على الأرض حتى اصطدمت بالحائط. جلست متكوّرة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وكأنها تحاول حماية نفسها من شيء لا يُرى "إ... إياك... إياك أن تقترب مني!" ابتلع مروان ريقه، ورفع يده قليلًا في الهواء، حركة تهدئة لا أكثر "لكن..."تراجع صوته في منتصف الجملة، حين التصقت هي أكثر بالحائط، وكأن المسافة بينهما لم تعد مسافة بل تهديد "لا تلمسني!" ثبت مكانه، يحاول أن يوازن بين القلق والصمت" حسنًا... حسنًا، لن أقترب. أوك؟ أنتِ فقط اهدئي."لكنها لم تكن تهدأ ، كانت تحتضن نفسها بقوة، تبكي بصمت، وجسدها يرتجف كأنه فقد القدرة على التوازن ، عيناها لا تراه بوضوح، أو ربما تراه بطريقة مختلفة تمامًا عن الواقع ، ظلّ واقفًا بعيدًا، يراقبها عاجزًا، كأنه يقف أمام باب مغلق من الداخل قال بصوت منخفض: "نوال..." لكنها قاطعته فورًا، بصوت مبحوح متكسّر: "اخرج.." تنهد، ومرّر يده على وجهه

  • ليرتوي قبرك   لا تتهمني عبثا

    صرخت وهي تنتفض جالسة على السرير، أنفاسها متقطعة، ودموعها تنهمر بلا توقف، كأنها خرجت من مكان لم تعد تعرف كيف تعود منه ، انتفض مروان من نومه فورًا "نوال؟ نوال!"لكنها لم تكن تسمعه ، كانت غارقة في أثر ما رأته، تتلوّى في مكانها، تبكي وتصرخ، وتضرب رأسها بكفيها كأنها تحاول طرد صورة ما زالت ملتصقة داخل عقلها أمسك كتفيها بقوة خفيفة ليمنع ارتجافها "نوال! اهدئي... نوال، إنه كابوس" لم تستجب. نظرتها كانت معلّقة في فراغ لا يراه غيرها ، أمسك وجهها بكفّيه، أجبرها بلطف أن تنظر إليه "اسمعيني... أنتِ هنا. في البيت معي ، انظري إليّ... اسمعيني." ارتجفت شفتاها، وعيناها تائهتان، كأنها تبحث عنه في مكان آخر لا يصل إليه صوته.نهض مسرعًا من السرير، هرع إلى المطبخ، ثم عاد بكأس ماء وهو يلهث قليلًا من القلق ، جلس أمامها مجددًا" تفضّلي... اشربي"هزّت رأسها، والدموع ما زالت تنزل بلا توقف ، اقترب منها أكثر، خفض صوته: "نوال، أرجوكِ... اشربي." أمسك الكأس وساعدها على رفعه إلى شفتيها ، كانت يدها ترتجف بشكل واضح، وانسكب جزء من الماء على ذقنها، لكنها شربت رغم ذلك، جرعات صغيرة متقطعة كأنها تتأكد أن هذا العالم ما زال حقيقيً

  • ليرتوي قبرك   المقبرة

    تنهد الطبيب وهو ينظر إليها، بينما كانت هي خافضة رأسها، تحدّق في يديها كأنهما الشيء الوحيد الثابت في عالم يتفكك بين أصابعها ، رفعت رأسها فجأة، وصوتها خرج منخفضًا ومشدودًا:" صرت أخاف أن أرمش، أيها الطبيب... أخاف أن أرمش فأجد نفسي في مكانٍ آخر... في نقاشٍ باهت لا أعرف كيف بدأ."ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة، كأنه على وشك أن يقول شيئًا يضع كل هذا في إطارٍ مفهوم، ثم—صوت مطرقة طرقٌ هادئ... منتظم توقّف كل شيء للحظة، رفعت نوال رأسها الغرفة تغيّرت.لم تعد هناك نافذة نصف مغلقة، ولا مكتب خشبي، ولا أريكة جانبية الضوء اختلف، والهواء نفسه صار أثقل جدران باهتة، مساحة أوسع، وصدى ضربات المطرقة يتردد في مكانٍ غير مرئي حولها ، تلفّتت بسرعة الطبيب لم يعد يجلس أمامها في وضع الاستماع اختفى من موضعه كما لو أن جلوسه لم يكن ثابتًا أصلًا. مكانه أصبح خاليًا، إلا من طاولة مرتفعة، وشخصٍ يقف بعيدًا بملابس رسمية، يطرق بمطرقته على سطح خشبي.مرة... مرتين.. جلسة المحكمة مستمرة جملة خرجت من مكان غير محدد تجمدت نوال. نظرت إلى كفّيها بسرعة، ثم إلى ملابسها لم تعد في العيادة بل في قاعة. قاعة واسعة، باردة، ممتلئة بوجوه لا ت

  • ليرتوي قبرك   شريط مشوه

    "نوال... نوال... "كان صوت مروان يأتيها من مسافةٍ بعيدة، كأنه يخترق طبقاتٍ كثيفة من الضباب شعرت بلمساتٍ خفيفة على خدّها، إيقاعها بطيء، حذر، كمن يخشى أن يوقظ شيئًا هشًّا أكثر مما هو مستيقظ ، فتحت عينيها السقف السرير ، وجه مروان قريب منها، مسندًا رأسه على كفّه، راقدًا على جانبه، يربّت خدّها بيده الأخرى ، حدّقت فيه طويلًا دون أن تتكلم، كأنها تحتاج وقتًا لتتعرّف على ملامحه من جديد، كأن وجهه مألوف... لكنه لا ينتمي تمامًا إلى اللحظة ثم تحرّكت عيناها بسرعة في الغرفة، تتفحّص المكان بقلقٍ خفي، تتحقق من الجدران، من الظلال، من الباب، من الواقع نفسه سألها بصوت مبحوح من النعاس: "هل شاهدتِ كابوس؟" نظرت إليه ، كان البكاء يصعد في حلقها ببطء، خانقًا، ثقيلاً، كأن صدرها ممتلئ بشيء لا تستطيع لفظه " لا أدري يا مروان... لم أعد أعرف" أغمضت عينيها، وبدأت تبكي بصمت دموعها تنساب بلا صوت، بلا ارتجاف، كأنها تستسلم أخيرًا لثقلٍ طويل قاومته كثيرًا تنهد مروان، واقترب أكثر، وسحبها إلى حضنه " هشش... لا بأس... حسنًا..." اعتدل قليلًا، اتكأ على ظهر السرير، وجذبها لتستلقي على صدره صار رأسها تحت ذقنه، وأنفاسها تضرب قميصه ب

  • ليرتوي قبرك   خاطفة

    وصلت نوال إلى المشرحة بخطوات سريعة تكاد تسبق أنفاسها دفعت الباب الزجاجي ودخلت دون أن تمنح المكان فرصة ليهدأ حيّت باقتضاب، وسألت فورًا عن المسؤول، ثم أخرجت بطاقتها الرسمية ولوّحت بها أمام الموظف كأنها تريد اختصار كل المقدمات بعد لحظات، خرج الطبيب المختص " مرحبًا، سيدة نوال الخوري." قالت وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة: " بشأن الجثة التي نُقلت قبل أمس" " نعم، ماذا بشأنها؟" "هل نُقلت معها أي سلسلة أو شيء مشابه؟ أي متعلّق شخصي غير مُسجّل؟"عقد حاجبيه بشك: "تعنين المرأة التي توفيت بعد أن دُفعت من الأعلى؟" هزّت رأسها نافية بسرعة: " لا، لا أتحدث عن تلك. أقصد الجريمة الأخرى... الجثة التي نُقلت بعد وفاتها إثر سحب الدم كاملًا من جسدها" توقف لحظة، يسترجع السجلات في ذهنه، ثم هزّ رأسه ببطء: " لا، صراحةً لا توجد حالة بهذه المواصفات" مرّت يدها في شعرها بتوتر واضح: "كيف لا يوجد؟... لقد تلقيت اتصالًا ذلك الصباح بخصوص تلك الجثة."أخرجت هاتفها بسرعة، فتحت سجل المكالمات، ومدّته نحوه نظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم قال: " هذا الاتصال كان بخصوص المرأة التي سقطت من الأعلى، لا غيرها." تصلّب فكّها ، شعرت بأن شيئًا داخلي

  • ليرتوي قبرك   توقف عن لومي

    وصلت نوال إلى المدرسة، وكان شعور ثقيل يجثم على صدرها كأن الهواء نفسه صار أكثر كثافة ، لم تكن تعرف لماذا، لكن القلق جاءها دفعة واحدة، حادًا وغير مبرر، حتى تمتمت لنفسها وهي تنظر إلى البوابة: "مرام؟" لم تنتظر الفكرة أن تكتمل ، أوقفت السيارة بسرعة، ونزلت منها وكأن شيئًا يدفعها من الداخل ، دخلت مسرعة، وصوت خطواتها يسبقها:"مرام! مرام أين أنتِ؟"لكن المكان كان غريبًا على نحوٍ مقلق... فارغًا أكثر مما يجب الهدوء لم يكن طبيعيًا، بل ثقيلًا، كأن المدرسة أُغلقت فجأة وبقيت هي وحدها ، وفجأة... تبدّل كل شيء ، لم تعد ترى الجدران بوضوح. لم تعد تسمع إلا صدى صوتها وهي تركض بين ممرات خالية، ثم إلى ساحة الألعاب، عيناها تبحثان بشكلٍ يائس، ودموعها بدأت تنزل دون إذن.توقفت فجأة ، شعرت بشيء تحت قدمها ، تراجعت ببطء، وانحنت وهي ترتجف... دبوس شعر وردي تجمدت لحظة، ثم التقطته بأصابع غير مستقرة نظرت إليه طويلًا، وكأن الذاكرة تصرخ قبل أن تفهم: "هذا... دبوس مرام..." ارتجف صوتها وهي ترفع يدها إلى فمها: "يا إلهي... لقد... لقد وضعت جهاز التتبع في الدبوس... لا... لا يا مرام... لاااا!" سقطت على الأرض فجأة، وانكسر صوتها إل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status