Share

قضية مليونية

last update publish date: 2026-09-11 03:19:52

قدتُ السيارة متجهةً إلى شقتي ، أو... إلى المكان الذي يفترض أن تكون فيه شقتي ، توقفتُ فجأة حدّقتُ أمامي طويلاً ، المبنى... لم يكن مكتملًا ، هيكل إسمنتي عارٍ، بلا نوافذ، بلا أبواب، بلا حياة ضيّقتُ عينيّ، وهززتُ رأسي بشرود "أين...أين اختفى المبنى؟" خرج السؤال مكسورًا ، ضغطت يدي على المقود بقوة، ثم ضربتُ جبيني عليه بخفة وأنا أتمتم: " ما الذي... ما الذي يحدث معي؟ هل أفقد عقلي؟ أم أنني فقدته أصلًا؟"

تنفستُ باضطراب " هل أنا أحلم وأنا مستيقظة؟" رفعتُ رأسي فجأة، وفكرة عبثية ارتطمت بعقلي ، هل... هل عدتُ بالزمن؟ كما في الأفلام؟ ضحكتُ ضحكة قصيرة، بسخرية مريرة " سحقًا، ماذا تقولين يا نوال؟" أدرتُ المقود بعنف. وانا اتمتم لنفسي " قدِ السيارة... عدِ أدراجك."

ثم خطرت في بالي ماذا لو فعلا انا في الماضي !!! وفي محاولة لمجاراة ما يحدث معي توجهتُ إلى موقعي القديم إلى منزلي السابق ، شقتي البسيطة توقفتُ هناك ، نزلتُ بخطوات مترددة، اتجهتُ مباشرة إلى الباب أدخلتُ كلمة السر ، فانفتح الباب.

وقبل أن أستوعب المشهد...سمعتُ صوته ، نعم صوته كان متجهاً نحوي " أخيرًا عدتِ!" قالها وهو يهدهد الطفل على كتفه

" انه لا يسكت إطلاقًا" تجمدتُ في مكاني ، كان يقف أمامي.

طليقي. الرجل الذي حضرتُ جنازته والطفل... كان رامز ، يبكي على كتفه صغيرًا ، رضيعًا ، في عمر التسعة أشهر شعرتُ أن الأرض انسحبت من تحت قدميّ ، دفنتُ ابني... في السادسة من عمره ، رأيته ميتًا. وبكيت عليه ، وها هو الآن... حيّ ، وها هو أبوه...واقف أمامي ، لم يكن الزمن قد تحرك.

أنا التي تحطّمت ، وفي تلك اللحظة شعرت : " هل ما أعيشه عودة إلى الماضي!!؟ او هو انفصال عن الواقع ؟ لا أعرف إن كنتُ قادرة على استيعاب شيء ، اقتربتُ ببطء، ومددتُ يديّ نحوه دون وعي

ناولني طفلي ، ما إن لامستُه حتى شددته إلى صدري بقوة، كأنني أخشى أن يُنتزع مني إن تراخيتُ لحظة ، دفنتُ وجهي في عنقه، أشم رائحته، رائحة الحليب والدفء... رائحة الحياة ، تحسستُ ظهره، ذراعيه الصغيرتين، قدميه ، حقيقي ، دافئ،حيّ.

" طفلي... "همستُ وأنا أرتجف ، انفجر بكائي.

بكاءٌ مكتوم في البداية، ثم خرج كله دفعةً واحدة، كأن صدري لم يعد يحتمل ضممته أكثر، كأن جسدي هو الشيء الوحيد القادر على حمايته من هذا العالم...أو منّي ، دموعي سقطت على شعره الناعم، وهو يواصل البكاء، لا يعلم أنه يبكي في حضن أم ظنت أنها فقدته إلى الأبد " أنت حي... أنت هنا... أنا أمسك بك... لستُ أتخيلك، أليس كذلك؟" لم أكن أنتظر جوابًا كنتُ فقط

أحتاج أن أصدّق.

وفي تلك اللحظة، بين شهقةٍ وأخرى، أدركت أن الخوف الحقيقي لم يكن في فقدانه... بل في السؤال الذي بدأ ينهش عقلي بهدوء مرعب: "إن كان رامز حيًا بين ذراعي الآن... فمن هو الطفل الذي مات هناك" اقترب مني مروان، وعلى وجهه ابتسامةٌ غامضة، تختبئ خلفها أشياء لا يريد لها أن تنفلت ، ابتسامة من يحبس في صدره سرًّا على وشك الانفجار ، قال على عجل: "خذي رامز إلى الداخل... وتعالي ، لديّ ما قد يسرّك."

توقّفتُ لحظة، وكأنّ الزمن توقّف معي، أحدّق فيه: " أهو حقًّا مروان؟ حيّ؟ يقف أمامي، يتنفّس، ويبتسم؟ كم يبدو هذا... غير طبيعي" لم أعلّق؛ لعلّ شفتيّ لم تجدا ما تقولانه ، حملتُ رامز إلى الداخل ، حضّرتُ له الحليب بيدين مرتجفتين، أطعمته، بكى قليلًا، ثم هدأ ما إن تأكد أنه في حضن أمّه ، رقدتُه على السرير، وارتميتُ إلى جانبه ، مررتُ يدي على خدّيه الناعمين الممتلئين، ذلك الدفء الصغير الذي كنتُ أبكيه بين ذراعيّ قبل ساعات... أو قبل أعوام؟ " صغيري..."همست قبلتُ جبينه، ثم نهضتُ.

وفجأة... ضربتني الفكرة كصفعة ، خرجتُ مسرعة ، قلبي يسبقني، أنفاسي تتلاحق، فتحتُ باب الغرفة الأخرى وتوقفت هناك... على السرير الوردي "مرام" طفلتي ، كانت نائمة، تحتضن دميتها ، شعرها الناعم منسدل على الوسادة، ملامحها هادئة... بريئة ، اقتربتُ ببطء، كأنني أخشى أن تختفي إن أسرعت جلستُ إلى جانبها، مددتُ يدي ألمس شعرها ، حقيقية حيّة "مرام... همستُ وأنا أقاوم بكائي."

هذه طفلتي... التي اختُطفت، التي بحثتُ عنها سنوات،

التي اختفت بلا أثر ولا سابق إنذار ، كيف هي هنا الآن؟ أمامي؟ تتنفس؟ انحنيتُ أكثر، وضعتُ يدي على فمها لاستشعر انفاسها الدافئة ، دموعي خانتني. هل... هل كل ما حدث كان مجرد كابوس طويل؟ كابوس قاسٍ، واقعيّ إلى حدٍ مرعب؟ أم أن هذا... هو الكابوس الحقيقي؟ خلفي، سمعتُ صوت مروان يناديني:

" نوال؟ هل نمتِ؟" ارتجف جسدي ، لأول مرة منذ "عودتي"،

شعرتُ بالخوف الحقيقي.

لأن إن كان هذا حلمًا...فهو متقن أكثر مما يمكن استيعابه ، وإن لم يكن حلمًا... فما الذي انتُزع من حياتي ليُعاد لي كل شيء بهذا الشكل ، خرجتُ من الغرفة وأغلقتُ الباب بهدوء، ثم نظرتُ إليه بضجرٍ مرتبك كان يبتسم... ابتسامةَ من لا يدري ما الذي ينتظره أشار إليّ أن ألحقه، فتقدّمني ، سرتُ خلفه وأنا أتأمّله...

نفس القميص الضيّق، نفس البنطال الفضفاض، وشعره الكيرلي المبعثر كما اعتاد دائمًا.

هو... ، كان يمشي أمامي في الممرّ ويتحدّث، لكن كلماته لم تكن تصلني كنتُ خلفه بجسدٍ حاضر... وعقلٍ ما يزال عالقًا بين جنازةٍ، ومستودعٍ، وطفلٍ شاحب ، ما إن همَّ أن يجلس على الأريكة حتى اندفعتُ نحوه احتضنتُه من الخلف بقوّة، وأحكمتُ ذراعيَّ حول خصره، أتشبّث به كأنني أخشى أن يتلاشى إن تركتُه لحظة قال بلا مبالاة وهو يحاول فكّ اسره: " نوال، اسمعيني..." قاطعته ، شدَدتُ أصابعي ببعضها، وأسندتُ رأسي إلى ظهره، وانهرت: " مروان... أنت هنا... أنت تتنفّس... أنا... أنا لا أصدّق..." وبكيت بكاءً خامًا مرتجفًا، بكاء امرأةٍ عادت من جنازة زوجها لتجده حيًّا بين يديها.

توقّف عن الحركة ، لم ينطق لم يُبعدني ظلّ واقفًا... صامتًا.

وصمتُه... كان أثقلَ من أيّ كلمة ، وفي تلك اللحظة، وأنا متشبّثةٌ به كالغريق بتوقِ نجاة، لم أكن أدري: " أصمتُه لأنه يشعر بما أشعر به؟ أم لأنه يعرف شيئًا لا أعرفه بعد؟" أبعدني برفق، لكن عينيه ظلّتا مسمّرتين عليّ. كنتُ أبكي وأنظر إليه بشرود، بينما صوته بالكاد يصل إلى أذني.

ثم أخذ يداعب وجنتي بضرباتٍ خفيفة، مزعجة ككفوفٍ رقيقة،

يقصد بها استفزاز ابتسامتي الغائبة، ظلّ يربّت على خدّي وهو يقول بالإنجليزية، كما اعتاد حين يمازحني:”Listen to me”

أزحتُ يده بضيق وقلت : " توقف عن هذا..." ردّ عليّ بحماس:

"حسنًا... تعالي" جلس على الأريكة، فجلستُ إلى جواره

رفع ملفًا بخفرٍ يشبه انتصارًا بعد حرب غير متعادلة ، وفتحه أمامي ببطءٍ مستفزّ للأعصاب، ثم قال وهو يغمز بخفّةٍ هزّت كياني : "هذه لكِ... سمّيها قضيةً مليونية" هزّت نوال رأسها باستفهامٍ صامت ، ما الذي يقصده بـ (مليونية!؟)

واصل تقليب الأوراق ببطء، قبل أن يقول وهو يميل نحوي قليلًا: "اسمعي... هذا الرجل لا يريد منكِ إثبات براءته فحسب، بل يريد تنظيفًا كاملًا لسمعته... كغسل ثوبٍ أبيض من الدنس ، فهمتِ؟ هو متورّط في قضية اعتداءٍ وقتلِ طفلةٍ في التاسعة.

ثم أضاف بخفّةٍ متكلّفة: "أعرف... أعرف قضية مجنونة، لكن اسمعيني" فجأةً اتّسعت عينا نوال، وتوقف الدم في عروقها عن السريان صار صوت مروان ضبابيًّا، يتلاشى شيئًا فشيئًا...

ومع ذلك، واصل السرد ببرود: "نعم... لا يريد براءةً ناقصة تترك خلفها ظلال الشك ، إنه سياسيّ كبير، ويريد منكِ أن تُثبتي أن أمّ الطفلة هي من فعلت ذلك، وأنها لفّقت التهمة لتدينه من أجل المال.

ثم أضاف بلا مبالاة، وهو يتكئ بأريحية على الأريكة: " تعرفين زوجكِ... صحفي وكاتب روائي سَأُؤَلِّف لنا روايةً (حقيقية ) إلى درجة تجعل الأم نفسها تتساءل إن كانت بريئة فعلًا ، ظلّت نوال تهزّ رأسها بإنكار لم يكن ذلك عرضَ عمل... بل كان مفتاحًا لباب جحيمٍ ظنّت أنه أُغلق إلى الأبد.

•••

وفجأة... انقلب المشهد، وتبدّلت الأجواء ضرب القاضي مطرقته بقوة، فارتدّ صداها في أرجاء القاعة، مُعلنًا الحكم:" حكمت المحكمة حضوريًّا ببراءة المتهم، وبإدانة الأم لاستغلالها طفلتها، والحكم عليها بالسجن مد الحياة ، بتهم الاعتداء الجسدي على الأطفال، والاتجار بالبشر، وتلفيق التهم ، ابتسمت نوال لموكّلها الستيني ذي النفوذ، فبادلها ابتسامة امتنانٍ باردة ، خرجت من القاعة تسير بزهو، يطرق كعبها العالي الأرضية الرخامية بانتظام وثقة... لكن فجأة اعترضت طريقها الأم.

كانت المرأة حطامًا بشريًا، بعينين غارقتين في الدموع، تحدّقان فيها بمرارة، قبل أن تقول بصوتٍ مرتجف: "هل أنتِ مرتاحة الضمير الآن؟"" شمخت نوال بعينيها، ونظرت جانبًا بترفّع ، لكن المرأة استمرت في نحيبها: " لقد تم استغلال طفلة في التاسعة  للاتجار بها..... لم تكتفي بتبرئة الوحش، بل اتهمتِني أنا؟ أنا أمها المكسورة؟ كيف يمكن أن تكوني سوداء القلب إلى هذه الدرجة؟"

ضحكت نوال ضحكة ساخرة مريرة، ثم اقتربت خطوة وانحنت قليلًا لتواجه قصر قامة المرأة المنكسرة، وقالت بهمسٍ سام:

"يجب أن تكوني ممتنة... لأنني انتقمت لابنتك من أمٍ مريضة مثلك"

.

ثم تحركت لتتابع طريقها، فصرخت الأم خلفها بقلبٍ محروق:

"أولستِ أمًا؟ هؤلاء الناس... أنتِ تجهلين كم طفلًا سيفعلون به الشيء نفسه! لقد فتحتِ بابًا لعذاب عائلاتٍ لا ذنب لها ، سأدعو الله دائمًا أن يجعلكِ تمرين بالتجربة نفسها... أتمنى أن تذوق طفلتكِ ما ذاقته طفلتي، حتى تحترقي بناري!"

توقفت نوال للحظة ، أخذت نفسًا عميقًا، ثم استدارت بوجهٍ كالقناع الحديدي، وعلى ثغرها ابتسامة ثقة باردة:"لن أمرّ بشيءٍ مماثل..لأنني لست أمًا مريضة مثلك ، أيها الشرطيان... خذاها!"

"انتفضت نوال وهي تعود إلى الواقع ، أمسكت رأسها بين كفيها، وكأن الصرخة القديمة اخترقت جدار الزمن لتستقر في أذنيها الآن ، نهضت على عجل، وصوتها يرتجف بحدة لم يعهدها مروان:

" لا يا مروان... إلا هذه القضية! كل شيءٍ إلا هذا!" ضيّق مروان عينيه، وعقد حاجبيه بدهشة، مستنكرًا هذا الانهيار المفاجئ ، ظل يحدّق بها متسائلًا في سره: "ما الذي أيقظته هذه الملفات في نفس نوال؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ليرتوي قبرك   واجه الحقيقة

    سمعت صوته قريبًا منها، هادئًا، مترددًا كأنه لا يريد أن يكسر شيئًا هشًا داخلها "نوال... نوال..." رفعت رأسها ببطء شديد، كأنها تخشى أن ترى ما تعرف أنه موجود رأته ، تجمّد وجهها في لحظة واحدة، وانطفأ فيه أي أثر للطمأنينة ، تراجعت إلى الخلف بسرعة، تزحف على الأرض حتى اصطدمت بالحائط. جلست متكوّرة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وكأنها تحاول حماية نفسها من شيء لا يُرى "إ... إياك... إياك أن تقترب مني!" ابتلع مروان ريقه، ورفع يده قليلًا في الهواء، حركة تهدئة لا أكثر "لكن..."تراجع صوته في منتصف الجملة، حين التصقت هي أكثر بالحائط، وكأن المسافة بينهما لم تعد مسافة بل تهديد "لا تلمسني!" ثبت مكانه، يحاول أن يوازن بين القلق والصمت" حسنًا... حسنًا، لن أقترب. أوك؟ أنتِ فقط اهدئي."لكنها لم تكن تهدأ ، كانت تحتضن نفسها بقوة، تبكي بصمت، وجسدها يرتجف كأنه فقد القدرة على التوازن ، عيناها لا تراه بوضوح، أو ربما تراه بطريقة مختلفة تمامًا عن الواقع ، ظلّ واقفًا بعيدًا، يراقبها عاجزًا، كأنه يقف أمام باب مغلق من الداخل قال بصوت منخفض: "نوال..." لكنها قاطعته فورًا، بصوت مبحوح متكسّر: "اخرج.." تنهد، ومرّر يده على وجهه

  • ليرتوي قبرك   لا تتهمني عبثا

    صرخت وهي تنتفض جالسة على السرير، أنفاسها متقطعة، ودموعها تنهمر بلا توقف، كأنها خرجت من مكان لم تعد تعرف كيف تعود منه ، انتفض مروان من نومه فورًا "نوال؟ نوال!"لكنها لم تكن تسمعه ، كانت غارقة في أثر ما رأته، تتلوّى في مكانها، تبكي وتصرخ، وتضرب رأسها بكفيها كأنها تحاول طرد صورة ما زالت ملتصقة داخل عقلها أمسك كتفيها بقوة خفيفة ليمنع ارتجافها "نوال! اهدئي... نوال، إنه كابوس" لم تستجب. نظرتها كانت معلّقة في فراغ لا يراه غيرها ، أمسك وجهها بكفّيه، أجبرها بلطف أن تنظر إليه "اسمعيني... أنتِ هنا. في البيت معي ، انظري إليّ... اسمعيني." ارتجفت شفتاها، وعيناها تائهتان، كأنها تبحث عنه في مكان آخر لا يصل إليه صوته.نهض مسرعًا من السرير، هرع إلى المطبخ، ثم عاد بكأس ماء وهو يلهث قليلًا من القلق ، جلس أمامها مجددًا" تفضّلي... اشربي"هزّت رأسها، والدموع ما زالت تنزل بلا توقف ، اقترب منها أكثر، خفض صوته: "نوال، أرجوكِ... اشربي." أمسك الكأس وساعدها على رفعه إلى شفتيها ، كانت يدها ترتجف بشكل واضح، وانسكب جزء من الماء على ذقنها، لكنها شربت رغم ذلك، جرعات صغيرة متقطعة كأنها تتأكد أن هذا العالم ما زال حقيقيً

  • ليرتوي قبرك   المقبرة

    تنهد الطبيب وهو ينظر إليها، بينما كانت هي خافضة رأسها، تحدّق في يديها كأنهما الشيء الوحيد الثابت في عالم يتفكك بين أصابعها ، رفعت رأسها فجأة، وصوتها خرج منخفضًا ومشدودًا:" صرت أخاف أن أرمش، أيها الطبيب... أخاف أن أرمش فأجد نفسي في مكانٍ آخر... في نقاشٍ باهت لا أعرف كيف بدأ."ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة، كأنه على وشك أن يقول شيئًا يضع كل هذا في إطارٍ مفهوم، ثم—صوت مطرقة طرقٌ هادئ... منتظم توقّف كل شيء للحظة، رفعت نوال رأسها الغرفة تغيّرت.لم تعد هناك نافذة نصف مغلقة، ولا مكتب خشبي، ولا أريكة جانبية الضوء اختلف، والهواء نفسه صار أثقل جدران باهتة، مساحة أوسع، وصدى ضربات المطرقة يتردد في مكانٍ غير مرئي حولها ، تلفّتت بسرعة الطبيب لم يعد يجلس أمامها في وضع الاستماع اختفى من موضعه كما لو أن جلوسه لم يكن ثابتًا أصلًا. مكانه أصبح خاليًا، إلا من طاولة مرتفعة، وشخصٍ يقف بعيدًا بملابس رسمية، يطرق بمطرقته على سطح خشبي.مرة... مرتين.. جلسة المحكمة مستمرة جملة خرجت من مكان غير محدد تجمدت نوال. نظرت إلى كفّيها بسرعة، ثم إلى ملابسها لم تعد في العيادة بل في قاعة. قاعة واسعة، باردة، ممتلئة بوجوه لا ت

  • ليرتوي قبرك   شريط مشوه

    "نوال... نوال... "كان صوت مروان يأتيها من مسافةٍ بعيدة، كأنه يخترق طبقاتٍ كثيفة من الضباب شعرت بلمساتٍ خفيفة على خدّها، إيقاعها بطيء، حذر، كمن يخشى أن يوقظ شيئًا هشًّا أكثر مما هو مستيقظ ، فتحت عينيها السقف السرير ، وجه مروان قريب منها، مسندًا رأسه على كفّه، راقدًا على جانبه، يربّت خدّها بيده الأخرى ، حدّقت فيه طويلًا دون أن تتكلم، كأنها تحتاج وقتًا لتتعرّف على ملامحه من جديد، كأن وجهه مألوف... لكنه لا ينتمي تمامًا إلى اللحظة ثم تحرّكت عيناها بسرعة في الغرفة، تتفحّص المكان بقلقٍ خفي، تتحقق من الجدران، من الظلال، من الباب، من الواقع نفسه سألها بصوت مبحوح من النعاس: "هل شاهدتِ كابوس؟" نظرت إليه ، كان البكاء يصعد في حلقها ببطء، خانقًا، ثقيلاً، كأن صدرها ممتلئ بشيء لا تستطيع لفظه " لا أدري يا مروان... لم أعد أعرف" أغمضت عينيها، وبدأت تبكي بصمت دموعها تنساب بلا صوت، بلا ارتجاف، كأنها تستسلم أخيرًا لثقلٍ طويل قاومته كثيرًا تنهد مروان، واقترب أكثر، وسحبها إلى حضنه " هشش... لا بأس... حسنًا..." اعتدل قليلًا، اتكأ على ظهر السرير، وجذبها لتستلقي على صدره صار رأسها تحت ذقنه، وأنفاسها تضرب قميصه ب

  • ليرتوي قبرك   خاطفة

    وصلت نوال إلى المشرحة بخطوات سريعة تكاد تسبق أنفاسها دفعت الباب الزجاجي ودخلت دون أن تمنح المكان فرصة ليهدأ حيّت باقتضاب، وسألت فورًا عن المسؤول، ثم أخرجت بطاقتها الرسمية ولوّحت بها أمام الموظف كأنها تريد اختصار كل المقدمات بعد لحظات، خرج الطبيب المختص " مرحبًا، سيدة نوال الخوري." قالت وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة: " بشأن الجثة التي نُقلت قبل أمس" " نعم، ماذا بشأنها؟" "هل نُقلت معها أي سلسلة أو شيء مشابه؟ أي متعلّق شخصي غير مُسجّل؟"عقد حاجبيه بشك: "تعنين المرأة التي توفيت بعد أن دُفعت من الأعلى؟" هزّت رأسها نافية بسرعة: " لا، لا أتحدث عن تلك. أقصد الجريمة الأخرى... الجثة التي نُقلت بعد وفاتها إثر سحب الدم كاملًا من جسدها" توقف لحظة، يسترجع السجلات في ذهنه، ثم هزّ رأسه ببطء: " لا، صراحةً لا توجد حالة بهذه المواصفات" مرّت يدها في شعرها بتوتر واضح: "كيف لا يوجد؟... لقد تلقيت اتصالًا ذلك الصباح بخصوص تلك الجثة."أخرجت هاتفها بسرعة، فتحت سجل المكالمات، ومدّته نحوه نظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم قال: " هذا الاتصال كان بخصوص المرأة التي سقطت من الأعلى، لا غيرها." تصلّب فكّها ، شعرت بأن شيئًا داخلي

  • ليرتوي قبرك   توقف عن لومي

    وصلت نوال إلى المدرسة، وكان شعور ثقيل يجثم على صدرها كأن الهواء نفسه صار أكثر كثافة ، لم تكن تعرف لماذا، لكن القلق جاءها دفعة واحدة، حادًا وغير مبرر، حتى تمتمت لنفسها وهي تنظر إلى البوابة: "مرام؟" لم تنتظر الفكرة أن تكتمل ، أوقفت السيارة بسرعة، ونزلت منها وكأن شيئًا يدفعها من الداخل ، دخلت مسرعة، وصوت خطواتها يسبقها:"مرام! مرام أين أنتِ؟"لكن المكان كان غريبًا على نحوٍ مقلق... فارغًا أكثر مما يجب الهدوء لم يكن طبيعيًا، بل ثقيلًا، كأن المدرسة أُغلقت فجأة وبقيت هي وحدها ، وفجأة... تبدّل كل شيء ، لم تعد ترى الجدران بوضوح. لم تعد تسمع إلا صدى صوتها وهي تركض بين ممرات خالية، ثم إلى ساحة الألعاب، عيناها تبحثان بشكلٍ يائس، ودموعها بدأت تنزل دون إذن.توقفت فجأة ، شعرت بشيء تحت قدمها ، تراجعت ببطء، وانحنت وهي ترتجف... دبوس شعر وردي تجمدت لحظة، ثم التقطته بأصابع غير مستقرة نظرت إليه طويلًا، وكأن الذاكرة تصرخ قبل أن تفهم: "هذا... دبوس مرام..." ارتجف صوتها وهي ترفع يدها إلى فمها: "يا إلهي... لقد... لقد وضعت جهاز التتبع في الدبوس... لا... لا يا مرام... لاااا!" سقطت على الأرض فجأة، وانكسر صوتها إل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status