Home / التشويق / الإثارة / ليرتوي قبرك / الكوابيس يجب الا تتسرب

Share

الكوابيس يجب الا تتسرب

last update publish date: 2026-09-11 03:20:36

لوّحت نوال بيدها نافية، وقد اشتدّ اضطرابها، ورفضت في داخلها هذه القضية السوداوية رفضًا جازمًا، بضميرٍ حيّ يصرخ أن البراءة هنا لا تنتمي لهذا الرجل ، كان الرجل في نظره قد ارتكب أبشع ما يمكن أن يُرتكب بحق طفلةٍ صغيرة، ولم يكن الحديث عن تبرئته سوى محاولة لقلب المعنى ذاته ، لم تستطع تقبّل الفكرة؛ كيف يُطلب منها أن تُعيد تشكيل الحقيقة، وأن تُحمّل أمًّا ضعيفة ما لا يُحتمل، بينما يُمحى ثقل الجريمة عن الفاعل الحقيقي؟

تنهد مروان ونهض من مكانه، ثم اقترب منها بخطوات هادئة

"نوال... أرجوك، ما بالك؟" رفعت عينيها إليه بحدّة " ما بالي؟ بالي أنني أحاول ألّا أفقد إنسانيتي ، هل تريدني أن أتحول إلى شخص مخيف، مجرم إلى هذا الحد، أدافع عن إنسان مظلم كهذا؟"

أمسكها بكتفيها برفق، محاولًا تثبيتها " اسمعي... في مجال العمل لا يوجد أبطال ولا أشرار ، ليست لديكِ مشكلة شخصية مع الأم ، ولو أن الأم دفعت لكِ المبلغ نفسه، لكنتِ تدافعين عنها الآن

المسألة ببساطة أنها لم توكّلك، بل وكّلت محاميًا فشل في عمله أين الجريمة في ذلك؟" هزّت نوال رأسها ببطء، لكن اقتناعه لم يصل إليها ، كانت كلماتُه تمرّ فوقها دون أن تستقرّ ، زفر مروان بضيق، لكنه لم يُكمل، إذ سبقته نوال بالكلام: " مروان، افهم... نحن أيضًا أهل ، لدينا طفلة تقارب عمر تلك الفتاة ، تخيّل... فقط تخيّل أن يحدث لها الشيء نفسه"

انخفض بصره لحظة، كأن الفكرة مرّت داخله كشوكةٍ خفيفة، ثم هزّ رأسه سريعًا، نافياً: "هذا لن يحدث لنا" نظرت إليه نوال بذهولٍ طويل، وكأن كلمته الأخيرة لم تكن مجرد جواب، بل حكمًا يُغلق بابًا كاملًا من الفهم في داخلها، وقد علِق السؤال في عينيها أكثر مما خرج من فمها ، كان "ولمَ لا؟"

لكن مروان لم يتراجع ، كان هادئًا على نحوٍ مزعج، ذلك الهدوء الذي يبدو وكأنه واثق من منطقه أكثر من وعيه بالنتيجة التي يتركها في الآخرين ، قال ببرود محسوب: " لأن المرأة فقيرة، تعمل في تنظيف الشوارع، وزوجها مقعد، وإن هذا وحده يجعلها في نظر كثيرين فريسة سهلة." لم يرفع صوته، لم يبدُ غاضبًا، بل كان يصف مشهدًا يوميًا لا يرى فيه شيئًا يستحق الانفعال، وكأن العالم موزّع ببساطة بين صائدٍ وفريسة

تراجعت نوال خطوة دون وعي، وقد بدأت ملامحها تفقد تماسكها شيئًا فشيئًا ، كانت الدموع تلمع في عينيها، لكنها لم تنزل بعد، كأنها تنتظر قرارًا أخيرًا من داخلها قبل أن تنهمر ، شعرت بثقلٍ غريب في صدرها، بثقل فكرة لا تريد أن تتكوّن لكنها تتشكل رغمًا عنها "لا... لا تقل ذلك"

لم تكن ترد عليه بقدر ما كانت تحاول إنقاذ الصورة التي بدأت تتشقق أمامها ، لكن صوته عاد ليكمل، وقد ازداد صلابة، بينما يده ما زالت تمسك بكتفها كأنه يثبّتها في مكانها، لا ليؤذيها بل ليمنعها من التراجع عن سماعه. : " الفقراء دائمًا أكثر عرضة للخطر ، هل الحل أن نحميهم جميعًا؟ مستحيل الحل الوحيد... ألّا نكون منهم."

عندها تغيّر شيء في حركتها ، دفعت يده عنها بعنفٍ خفيف، ليس غضبًا كاملًا بل رفضًا متأخرًا، ثم استدارت وكأنها تحاول أن تستجمع الهواء في مساحة أوسع من تلك التي صنعها حديثه وضعت يدها على خصرها، في محاولةٍ فطرية لاستعادة توازنها، بينما كانت أنفاسها تتسارع بصمت مروان، في المقابل، لم يبدُ متأثرًا بالمسافة التي خلقتها بينهما ، تنهد بهدوء، ثم دار ليقف أمامها من جديد، وكأنه يعيد ترتيب الفكرة لا المشهد. تغيّرت نبرة صوته حين عاد للحديث عن أحلامهما:

" تذكّري أحلامنا يا نوال... شقّة بنتهاوس تتوّج قلب المدينة، وسيارة مرسيدس حديثة تشقّ الطريق كأنها وُلدت لتسبق الجميع سنطلّ على العالم من علٍ، لا نُلاحقه بل نراه تحت أقدامنا، وأبناؤنا سيحياون حياةً أوسع من حدود ما عشنا... حياةً لا تشبه إلا ما كنا نجرؤ على الحلم به ، وضعت يدها على جبينها، تهز رأسها كأنها تحاول طرد ضجيجٍ داخلي يضغط على أفكارها، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ مرتجف: " ماذا لو حصلتُ على كل ذلك... لكن من دونك؟ ومن دون أطفالي؟"

عقد مروان حاجبيه، ولمعت الدهشة في عينيه كأن السؤال لم يكن ضمن أي احتمال منطقي: "ما الذي تقولينه؟" اقتربت منه فجأة، تمسك بذراعيه وكأنها تخشى أن يتلاشى أمامها إذا تركته، وصوتها يتكسر وهي تحاول ترتيب ما بداخلها: " مروان... رأيت شيئًا ، لا أعلم إن كان حلمًا أم حقيقة، لكنه كان قبيحًا. فقدنا مرام... ثم تطلّقنا أنا وأنت... وكنتُ أقف في جنازتك وبعدها ….فقدتُ رامز أيضًا توقّفت لحظة، وكأن الصورة تعود لتضغط على صدرها من جديد، ثم أكملت بصوتٍ أضعف: " لم تمنعني الشقة الفاخرة ولا سيارة المرسيدس من ذلك كله..."

ساد صمتٌ قصير، قبل أن يهز مروان رأسه ببطء، وكأنّه يحاول إعادة الأمور إلى منطقها الأول ، أبعد يديها عنه برفق، ثم أمسك وجنتيها بين كفيه، مثبتًا عينيه في عينيها: " نوال... كان مجرد حلم ، والأحلام... أو الكوابيس، يجب أن تبقى داخل حدودها. لا تسمحي لها أن تتسرّب إلى الواقع فتفسده." لكنها لم تبقَ في مكانها طويلًا ، أزاحت كفيه عنها فجأة، وكأن لمسته أصبحت ثقيلة، ثم انطفأ صوتها إلى برودٍ غير معتاد:"تصبح على خير"

استدارت ودخلت إلى الداخل دون أن تنظر خلفها، تاركةً وراءها كلامًا لم يُحسم، وصمتًا لم يُغلق بعد ، بقي مروان واقفًا في مكانه، يتابعها بعينيه، ويداه تستقران على خصره، بينما امتدّ صمتٌ ثقيل في أرجاء المنزل، كأن الهواء نفسه صار أبطأ من المعتاد.

•••

وفي القاعة، تغيّر المشهد تمامًا؛ صوت نوال كان واضحًا وهي تقف أمام المحكمة، ثابتة هذه المرة على غير ارتجافها السابق:

" وما قلتُه، سيدي القاضي، أن موكّلي بريء تمامًا من هذه التهمة ، السيد غافر هو من قتل زوجته وطفله طمعًا في الحصول على أموال التأمين ، دوّى صوت الزوج المتهم في القاعة، يقطع السكون: "هذا كذب، سيادتك!"

رفعت نوال بصرها نحوه، وفي عينيها حدّةٌ محسوبة لا انفعال فيها، فقط يقين بارد، لكن الرجل لم يتمالك نفسه، فانهار صوته أكثر وهو يصرخ: "لقد قتلها ذلك الحقير الذي يسمّي نفسه أخاها! أراد ورثها الذي يُقدَّر بالملايين... قتلها وقتل طفلها!

ثم انكسر تمامًا، جلس على مقعده وهو يبكي، يردد بصوت متقطع: " كنتُ أتمنى لو أخذ المال وترك لي زوجتي وطفلي... لا بهذه الطريقة المخيفة..."

طرق القاضي بمطرقته بخفة حازمة: "الهدوء في المحكمة"

ساد الصمت ثانية، قبل أن يلتفت إلى نوال ، كانت تقف بثبات، كأنها استعادت زمام المشهد بالكامل، ثم قالت بصوت محسوب:

" سيدي القاضي ، الطريقة التي توفيت بها الزوجة تحتاج إلى وقتٍ طويل ، الجاني قام بتخديرها أولًا، ثم وضعها في حوض الاستحمام، وسكب عليها كميات كبيرة من الأسيد حتى أزال اللحم بالكامل ، هذا كله يستغرق وقتًا... فأين كان الزوج خلال تلك الفترة؟ ساد الصمت في القاعة... صمتٌ مختلف هذه المرة، ليس فراغًا، بل ثقلُ سؤالٍ بدأ يفرض نفسه على الجميع.

طرق القاضي مطرقته بخفة حاسمة:حكمت المحكمة بإدانة الزوج

ابتسمت نوال بانتصارٍ سريع، وهي تراقب الرجل المنهار وهو يحاول الانقضاض على أخ زوجته، قبل أن تتدخل الشرطة وتقتاده بالقوة، وصراخه يتلاشى بين الأجساد والضجيج.

لكن المشهد لم يكتمل في هدوءه المعتاد...فجأة، شقّ الصمت صوت الطبيب من بعيد:" تم قتل الضحية عبر سحب جميع الدماء من جسده" ارتجف المشهد في ذهنها ، فتحت نوال عينيها بفزع، جلست بسرعة، كأنها انتُزعت من مكانٍ آخر: "رامز... رامز!"

نهضت مذعورة، وخرجت تبحث عنه بلا وعي واضح، كأن صوت الطفل صار بوصلتها الوحيدة ، في الصالة، كان مروان واقفًا يتحدث في الهاتف، بينما يغيّر حفاظ الطفل بهدوءٍ عملي ، رفع حاجبيه باستغراب حين رآها بتلك الحالة، لكنه لم يعلّق، فقط تابع ما بيده ، توقفت نوال فجأة. زفرَت ببطء، ويدها استقرت على صدرها كأنها تتأكد أن كل شيء ما زال في مكانه، ثم مررت أصابعها في شعرها محاولة استعادة اتزانها.

اتجهت نحو المطبخ وهي تتمتم بصوت منخفض، فيه ارتباك أكثر من يقين:"إذا كانت علاقتي بمروان هكذا... فما سبب طلاقنا إذًا؟" دخلت المطبخ، فوجدت فوضى الليلة الماضية ما تزال كما هي؛ صحون متراكمة، وبقايا يوم لم يُغلق ، زفرت بضيق، وارتفع صوتها هذه المرة بوضوح: "مروان، لماذا لم تغسل الصحون؟"

جاء صوته من الخارج بلا اكتراث، كأنه أمر عادي لا يستحق وقفة:" نسيتها يا عزيزتي ، اغسليها، هذا واجبك في النهاية."

ارتفعت شفتها العلوية غيظًا، وجمعت الصحون واحدًا تلو الآخر، وكأنها تفرغ انزعاجها فيها بدل الكلمات ، تمتمت لنفسها وهي تكدّسها: "أظنني عرفت الآن لماذا طلقته..."

لفّت شعرها إلى الأعلى بعصبية، والتفتت حولها لثانية قصيرة، ثم توقفت فجأة ، كان هناك دبوس شعر على طرف المطبخ ، تجمدت نظرتها عليه لحظة، ثم همست بقلق خافت: "لا أذكر أنني تركت دبوسًا هنا..." وشيءٌ غامض، بلا ملامح واضحة، بدأ يتحرّك في داخلها من جديد... كإحساسٍ صغير لا يُفسَّر لكنه يرفض أن يُتجاهل.

أخذت الدبوس وثبّتت شعرها بسرعة، ثم عادت إلى إيقاعها اليومي كمن يحاول إسكات ذلك الصوت الداخلي ، غسلت الصحون على عجل، وأعدّت الفطور، حاولت أن تبدو الأمور طبيعية ، لكن حتى الطبيخ لم ينجُ من فوضى أفكارها وأثناء وقوفها أمام الموقد، التفّ مروان حولها من الخلف محاولًا تقبيلها، لكنها أوقفته فورًا دون أن تلتفت: "لم أستحم بعد"

تراجع خطوة، ثم بالغ في ردّة فعله متظاهرًا بالاشمئزاز، فالتفتت إليه سريعًا وهي تمسك السكين وتضيّق عينيها: "أنت تبالغ، حسنًا؟ استحممتُ البارحة قبل أن أنام... فقط لم أستحم هذا الصباح" واصل التظاهر وهو يردد "أع!" حتى احمرّ وجهها انزعاجًا، ثم فجأة انفجر ضاحكًا، واقترب منها ممسكًا كتفيها:

"أمزح معكِ يا زوجتي الجميلة" وأضاف وهو ينظر إلى عينيها:

"رائحتك كبودرة الأطفال" رمقته بنظرة مشوبة بالاشمئزاز والملل، وعادت للطهي دون تعليق ، احتضنها مجددًا وهو يتكئ بذقنه على كتفها : "أنا جاد... أردت استفزازك فقط ، ثم إني أيضًا لم أستحم منذ أن استيقظت" أبعدته برفق، وناولته الملعقة دون أن تلتفت: " قلّب الطعام ، وإذا استوى وزّع الفطور ريثما أحمّم مرام وأمشّط شعرها"

استدارت لتغادر، فتنهد مروان وتمتم وهو يقلب الطعام: "تعلمين؟ كان عليّ الاستماع إلى أمي" توقفت نوال عند الباب والتفتت نحوه ، " قالت إنها ستجد لي زوجة من الريف، تعاملني كأمير؛ تطبخ، تنظف، وتعتني بالأطفال" قهقهت نوال بسخرية قصيرة:

"وتدرّ لك الأموال من عملها؟" ابتسم ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه: "بالتأكيد لا... فهي ليست عاملة" ردّت ببرود وهي ترفع حاجبها: "بالضبط... أنت فقير يا عزيزي، لهذا لا تعيش عيشة الأمراء ،امتلك الملايين أولًا، وحتى أنا سأستقيل وأعتني بأطفالي"

خرجت من المطبخ وهي منزعجة، فتمتم خلفها دون أن يرفع صوته:

"لكني كنت أمزح..." ثم أضاف وهو يقلب الطعام مجددًا: "النساء... حادّات المزاج"

اتجهت نوال إلى غرفة ابنتها ، دخلت بهدوء، واقتربت من السرير، وربّتت على ظهر الصغيرة برفق: "عزيزتي مرام... استيقظي."

تمتمت الطفلة بصوتٍ ناعس: "أريد أن أنام أكثر يا أمي..."

ابتسمت نوال رغم إرهاقها: "هيا، لقد حان وقت المدرسة."

أيقظتها بهدوء، حمّمتها، ومشطت شعرها على هيئة ذيل حصان، ثم ثبّتت دبوسًا ورديًا أعلى رأسها ، كانت مرام جميلة على نحوٍ طفولي ناعم؛ عيناها وشعرها بنيان ، ورموشها طويلة تكاد تلامس حاجبيها.

خرجتا إلى الصالون، حيث كان رامز جالسًا وسط ألعابه، والتلفاز يعرض أناشيد الأطفال بصوتٍ عالي يملأ المكان بحركةٍ شبه دافئة حملته نوال بين ذراعيها برفق، ثم اتجهت به نحو سفرة الطعام ، جلسوا جميعًا حول المائدة؛ نوال كانت منشغلة بإطعام رامز، ترفع الملعقة بحذر وتنتظر ردة فعله الصغيرة، بينما كان مروان يأكل بلا تركيز، عيناه مثبتتان على هاتفه، كأن المائدة مجرد محطة عابرة في يومه ، كسر الصمت وهو يزفر بتذمر: "لا أرغب حقًا في الذهاب إلى العمل اليوم" لم تلتفت إليه نوال، وواصلت إطعام الطفل بهدوء، كأن الجملة لم تستحق استجابة ، ومع ذلك، استمر هو، كأنه يفرغ ضيقًا قديمًا: "لولا أنني مضطر لاصطحاب مرام إلى المدرسة، لما خرجت" رفعت مرام راسها وقالت بعفوية:

" بابا، أنا أيضًا لا أريد الذهاب" ابتسم مروان لها فورًا، وكأنها منحته فرصة للهروب: "حقًا؟ إذًا جيد، سوف— لكن نظرة نوال الحادة قطعته في منتصف الجملة لم تقل شيئًا، فقط نظرة واحدة كانت كافية لتجميده في مكانه ، ابتلع كلماته سريعًا، وعدّل مساره: "لا يا بابا... لا نستطيع التغيب دون سبب" . سادت لحظة صمت قصيرة، عاد بعدها صوت الملعقة، وصوت التلفاز، وكأن الحديث انطفأ قبل أن يكتمل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ليرتوي قبرك   واجه الحقيقة

    سمعت صوته قريبًا منها، هادئًا، مترددًا كأنه لا يريد أن يكسر شيئًا هشًا داخلها "نوال... نوال..." رفعت رأسها ببطء شديد، كأنها تخشى أن ترى ما تعرف أنه موجود رأته ، تجمّد وجهها في لحظة واحدة، وانطفأ فيه أي أثر للطمأنينة ، تراجعت إلى الخلف بسرعة، تزحف على الأرض حتى اصطدمت بالحائط. جلست متكوّرة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وكأنها تحاول حماية نفسها من شيء لا يُرى "إ... إياك... إياك أن تقترب مني!" ابتلع مروان ريقه، ورفع يده قليلًا في الهواء، حركة تهدئة لا أكثر "لكن..."تراجع صوته في منتصف الجملة، حين التصقت هي أكثر بالحائط، وكأن المسافة بينهما لم تعد مسافة بل تهديد "لا تلمسني!" ثبت مكانه، يحاول أن يوازن بين القلق والصمت" حسنًا... حسنًا، لن أقترب. أوك؟ أنتِ فقط اهدئي."لكنها لم تكن تهدأ ، كانت تحتضن نفسها بقوة، تبكي بصمت، وجسدها يرتجف كأنه فقد القدرة على التوازن ، عيناها لا تراه بوضوح، أو ربما تراه بطريقة مختلفة تمامًا عن الواقع ، ظلّ واقفًا بعيدًا، يراقبها عاجزًا، كأنه يقف أمام باب مغلق من الداخل قال بصوت منخفض: "نوال..." لكنها قاطعته فورًا، بصوت مبحوح متكسّر: "اخرج.." تنهد، ومرّر يده على وجهه

  • ليرتوي قبرك   لا تتهمني عبثا

    صرخت وهي تنتفض جالسة على السرير، أنفاسها متقطعة، ودموعها تنهمر بلا توقف، كأنها خرجت من مكان لم تعد تعرف كيف تعود منه ، انتفض مروان من نومه فورًا "نوال؟ نوال!"لكنها لم تكن تسمعه ، كانت غارقة في أثر ما رأته، تتلوّى في مكانها، تبكي وتصرخ، وتضرب رأسها بكفيها كأنها تحاول طرد صورة ما زالت ملتصقة داخل عقلها أمسك كتفيها بقوة خفيفة ليمنع ارتجافها "نوال! اهدئي... نوال، إنه كابوس" لم تستجب. نظرتها كانت معلّقة في فراغ لا يراه غيرها ، أمسك وجهها بكفّيه، أجبرها بلطف أن تنظر إليه "اسمعيني... أنتِ هنا. في البيت معي ، انظري إليّ... اسمعيني." ارتجفت شفتاها، وعيناها تائهتان، كأنها تبحث عنه في مكان آخر لا يصل إليه صوته.نهض مسرعًا من السرير، هرع إلى المطبخ، ثم عاد بكأس ماء وهو يلهث قليلًا من القلق ، جلس أمامها مجددًا" تفضّلي... اشربي"هزّت رأسها، والدموع ما زالت تنزل بلا توقف ، اقترب منها أكثر، خفض صوته: "نوال، أرجوكِ... اشربي." أمسك الكأس وساعدها على رفعه إلى شفتيها ، كانت يدها ترتجف بشكل واضح، وانسكب جزء من الماء على ذقنها، لكنها شربت رغم ذلك، جرعات صغيرة متقطعة كأنها تتأكد أن هذا العالم ما زال حقيقيً

  • ليرتوي قبرك   المقبرة

    تنهد الطبيب وهو ينظر إليها، بينما كانت هي خافضة رأسها، تحدّق في يديها كأنهما الشيء الوحيد الثابت في عالم يتفكك بين أصابعها ، رفعت رأسها فجأة، وصوتها خرج منخفضًا ومشدودًا:" صرت أخاف أن أرمش، أيها الطبيب... أخاف أن أرمش فأجد نفسي في مكانٍ آخر... في نقاشٍ باهت لا أعرف كيف بدأ."ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة، كأنه على وشك أن يقول شيئًا يضع كل هذا في إطارٍ مفهوم، ثم—صوت مطرقة طرقٌ هادئ... منتظم توقّف كل شيء للحظة، رفعت نوال رأسها الغرفة تغيّرت.لم تعد هناك نافذة نصف مغلقة، ولا مكتب خشبي، ولا أريكة جانبية الضوء اختلف، والهواء نفسه صار أثقل جدران باهتة، مساحة أوسع، وصدى ضربات المطرقة يتردد في مكانٍ غير مرئي حولها ، تلفّتت بسرعة الطبيب لم يعد يجلس أمامها في وضع الاستماع اختفى من موضعه كما لو أن جلوسه لم يكن ثابتًا أصلًا. مكانه أصبح خاليًا، إلا من طاولة مرتفعة، وشخصٍ يقف بعيدًا بملابس رسمية، يطرق بمطرقته على سطح خشبي.مرة... مرتين.. جلسة المحكمة مستمرة جملة خرجت من مكان غير محدد تجمدت نوال. نظرت إلى كفّيها بسرعة، ثم إلى ملابسها لم تعد في العيادة بل في قاعة. قاعة واسعة، باردة، ممتلئة بوجوه لا ت

  • ليرتوي قبرك   شريط مشوه

    "نوال... نوال... "كان صوت مروان يأتيها من مسافةٍ بعيدة، كأنه يخترق طبقاتٍ كثيفة من الضباب شعرت بلمساتٍ خفيفة على خدّها، إيقاعها بطيء، حذر، كمن يخشى أن يوقظ شيئًا هشًّا أكثر مما هو مستيقظ ، فتحت عينيها السقف السرير ، وجه مروان قريب منها، مسندًا رأسه على كفّه، راقدًا على جانبه، يربّت خدّها بيده الأخرى ، حدّقت فيه طويلًا دون أن تتكلم، كأنها تحتاج وقتًا لتتعرّف على ملامحه من جديد، كأن وجهه مألوف... لكنه لا ينتمي تمامًا إلى اللحظة ثم تحرّكت عيناها بسرعة في الغرفة، تتفحّص المكان بقلقٍ خفي، تتحقق من الجدران، من الظلال، من الباب، من الواقع نفسه سألها بصوت مبحوح من النعاس: "هل شاهدتِ كابوس؟" نظرت إليه ، كان البكاء يصعد في حلقها ببطء، خانقًا، ثقيلاً، كأن صدرها ممتلئ بشيء لا تستطيع لفظه " لا أدري يا مروان... لم أعد أعرف" أغمضت عينيها، وبدأت تبكي بصمت دموعها تنساب بلا صوت، بلا ارتجاف، كأنها تستسلم أخيرًا لثقلٍ طويل قاومته كثيرًا تنهد مروان، واقترب أكثر، وسحبها إلى حضنه " هشش... لا بأس... حسنًا..." اعتدل قليلًا، اتكأ على ظهر السرير، وجذبها لتستلقي على صدره صار رأسها تحت ذقنه، وأنفاسها تضرب قميصه ب

  • ليرتوي قبرك   خاطفة

    وصلت نوال إلى المشرحة بخطوات سريعة تكاد تسبق أنفاسها دفعت الباب الزجاجي ودخلت دون أن تمنح المكان فرصة ليهدأ حيّت باقتضاب، وسألت فورًا عن المسؤول، ثم أخرجت بطاقتها الرسمية ولوّحت بها أمام الموظف كأنها تريد اختصار كل المقدمات بعد لحظات، خرج الطبيب المختص " مرحبًا، سيدة نوال الخوري." قالت وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة: " بشأن الجثة التي نُقلت قبل أمس" " نعم، ماذا بشأنها؟" "هل نُقلت معها أي سلسلة أو شيء مشابه؟ أي متعلّق شخصي غير مُسجّل؟"عقد حاجبيه بشك: "تعنين المرأة التي توفيت بعد أن دُفعت من الأعلى؟" هزّت رأسها نافية بسرعة: " لا، لا أتحدث عن تلك. أقصد الجريمة الأخرى... الجثة التي نُقلت بعد وفاتها إثر سحب الدم كاملًا من جسدها" توقف لحظة، يسترجع السجلات في ذهنه، ثم هزّ رأسه ببطء: " لا، صراحةً لا توجد حالة بهذه المواصفات" مرّت يدها في شعرها بتوتر واضح: "كيف لا يوجد؟... لقد تلقيت اتصالًا ذلك الصباح بخصوص تلك الجثة."أخرجت هاتفها بسرعة، فتحت سجل المكالمات، ومدّته نحوه نظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم قال: " هذا الاتصال كان بخصوص المرأة التي سقطت من الأعلى، لا غيرها." تصلّب فكّها ، شعرت بأن شيئًا داخلي

  • ليرتوي قبرك   توقف عن لومي

    وصلت نوال إلى المدرسة، وكان شعور ثقيل يجثم على صدرها كأن الهواء نفسه صار أكثر كثافة ، لم تكن تعرف لماذا، لكن القلق جاءها دفعة واحدة، حادًا وغير مبرر، حتى تمتمت لنفسها وهي تنظر إلى البوابة: "مرام؟" لم تنتظر الفكرة أن تكتمل ، أوقفت السيارة بسرعة، ونزلت منها وكأن شيئًا يدفعها من الداخل ، دخلت مسرعة، وصوت خطواتها يسبقها:"مرام! مرام أين أنتِ؟"لكن المكان كان غريبًا على نحوٍ مقلق... فارغًا أكثر مما يجب الهدوء لم يكن طبيعيًا، بل ثقيلًا، كأن المدرسة أُغلقت فجأة وبقيت هي وحدها ، وفجأة... تبدّل كل شيء ، لم تعد ترى الجدران بوضوح. لم تعد تسمع إلا صدى صوتها وهي تركض بين ممرات خالية، ثم إلى ساحة الألعاب، عيناها تبحثان بشكلٍ يائس، ودموعها بدأت تنزل دون إذن.توقفت فجأة ، شعرت بشيء تحت قدمها ، تراجعت ببطء، وانحنت وهي ترتجف... دبوس شعر وردي تجمدت لحظة، ثم التقطته بأصابع غير مستقرة نظرت إليه طويلًا، وكأن الذاكرة تصرخ قبل أن تفهم: "هذا... دبوس مرام..." ارتجف صوتها وهي ترفع يدها إلى فمها: "يا إلهي... لقد... لقد وضعت جهاز التتبع في الدبوس... لا... لا يا مرام... لاااا!" سقطت على الأرض فجأة، وانكسر صوتها إل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status