Masukعبد الله (بذهول وعدم تصديق): بجد يا عاليا؟! خلصتيه كله لوحدك وفهمتيه؟!
وقبل أن تجيبه وتتكلم، دق الباب بخفة هذه المرة. — عاليا: اتفضل، ادخل. انفتح الباب ودخل حازم، وبمجرد أن رأى والده يجلس هناك تجمدت خطواته وابتلع ريقه بصعوبة: — حازم بتلعثم: احم.. خبطت اهو على الباب وجيت مستأذن عشان متزعليش وتقولي بدخل كدا.. بابا؟! أنت هنا؟ — عبد الله (بنظرات حادة حارقة تملؤها التهديد والوعيد): ادخل يا حازم.. ادخل يا بشمهندس يا محترم. — حازم (وهو يحاول تدارك موقفه وينظر لعاليا): ها.. خلصتي يا عاليا التقرير اللي قولتلك عليه ولا لسه بدري؟ — عاليا (وهي تغلق الملف بكل هدوء وثقة وتقف): اه خلصته تماماً.. اتفضل خليك واقف ثواني كدا، وأنا هشرحلك كام حاجة مهمة وجوهرية في المشروع ده، وكويس جداً إن أنكل عبد الله موجود وسامعنا عشان يشوف الوضع. — حازم (بارتباك يحاول إخفاءه): لا.. لا خليه بعدين الشرح ده مش وقته، هاتي الملف وأنا هشوفه في مكتبي براحتي. — عبد الله (بغيظ ونبرة حاسمة وعيد): وبعدين ليه يا حازم؟ البنت تعبت وخلصته في وقته القياسي اللي أنت حددته بظلمك.. اسمعها وهي بتشرح، وأنا كمان عاوز أسمع! تقدمت عاليا بثبات وعرضت الأوراق قائلة بنبرة واثقة: — عاليا: الملف والمشروع ده يا حازم فيه حاجة غلط كبيرة جداً.. فيه معلومات مالية متضاربة وأرقام قديمة غير محدثة مبني عليها حسابات غلط هتخسر الشركة ملايين لو اتنفذت! أنا راجعت الملف ده أكتر من مرة ولما شكيت في الأرقام دخلت على أرشيف وفايلات الشركة القديمة من الكمبيوتر، واكتشفت الغلطة الأساسية اللي منقول منها التقرير ده.. شوف كدا معايا يا عمو النقطة دي ودي... وابتدأت عاليا تشرح تفاصيل وجزئيات المشروع بدقة متناهية وإلمام مالي مبهر وسط انبهار عمها عبد الله وفخره الشديد بها، بينما ظهرت علامات الصدمة والاحمرار والإحراج الشديد على وجه حازم الذي شحب تماماً؛ لأنه كان يريد إثبات فشلها وتقصيرها، فإذا بها تكشف ثغرة قاتلة في ملفه وتثبت ذكاءها الخارق وتفوقها عليه أمام والده! — عبد الله (وهو يصفق بيده بفرحة عارمة): برافو.. برافو عليكي يا عاليا! بسم الله ما شاء الله، مكنتش أعرف إنك شاطرة وذكية وعندك دقة الملاحظة دي كلها في الحسابات! أنا فخور بيكي جداً يا بنتي وبتشرف بوجودك معايا في الشركة. التفتت عاليا نحو حازم، ونظرت إليه بنظرة تحدٍ قوية وكبرياء استردته بالكامل وقالت: — عاليا: وأنت يا حازم.. مش هتقول حاجة في شغلي والتقرير؟ نظر إليها حازم والخيبة والهزيمة تكسوان ملامحه، وابتلع ريقه المر وقال بصعوبة وهو يستدير ويغادر المكتب يجر أذيال الفشل: — حازم: ب.. برافو يا عاليا.. شاطرة. انتهى اليوم الأول من العمل بنجاح ساحق وعادت عاليا لمنزلها منتصرة. وفي المساء.. كانت تجلس في غرفتها ممسكة بالهاتف تتحدث مع حسام: — حسام (بلهفة واهتمام): ها.. طمنيني يا أستاذة، إيه أخبار أول يوم في معركة الشغل والاستثمار؟ عملتي إيه؟ — عاليا (بضحكة صافية من قلبها): حصل موقف إنما إيه يا حسام هههههه مش هتعرف تتخيله! — حسام (بابتسامة يسمع لحنها في صوته): خير يا رب.. ضحكيني معاكي واحكيلي بالتفصيل إيه اللي حصل؟ قصت عاليا عليه كل ما دار منذ الصباح؛ من دخول حازم ومحاولته تعجيزها بالملف الضخم، وصولاً لدخول عمها وكشفها للخطأ الفادح وإحراج حازم أمام والده. — عاليا: فهمت بعدها من عمو إن الفايل ده أصلاً بيكون زي اختبار تعجيزي للموظفين الجداد عشان يقيسوا قدرتهم، وحازم كان جيبهولي مخصوص عاوز يحرجني ويكسرني ويثبت إني فاشلة.. بس الحمد لله، السحر انقلب على الساحر وأنا اللي أحرجته وكسرت عينه قدام أبوه! — حسام (بإعجاب وفخر حقيقي): شطورة وجدعة جداً يا عاليا! أنا فخور بيكي وكنت متأكد وعارف إنك قدها وأقوى من أي صعاب.. بس أنا مش عارف صراحة الواد حازم ده بيعمل كدا ليه وغلّاويته دي وراها إيه؟ — عاليا (بتنهيدة وعي وعمق): أنت مش فاهم طبيعة حازم يا حسام.. حازم دايماً كان عاوزني تحت سيطرته وتحكمه، ويسمعني كلامه وبس وميكونش ليا رأي.. كان عاوز يثبت إني منفعش في أي حاجة في الدنيا غير إني أكون تابعة ليه.. الفترة اللي فاتت دي بس أنا فهمت كل حاجة بوضوح؛ هو شخص أناني عاوز ياخد كل التميز والأضواء لنفسه ومحدش تاني في الدنيا يتقاله شاطر وبرافو عليك غيره هو وبس! — حسام (بنبرة مطمئنة): سيبك منه ومن عقده ونقصه ده.. الحمد لله والشكر لله إنك مكملتيش معاه ومربطتيش عمرك بيه، ده أنتي كنتي هتعيشي معقدة وفي كبت طول حياتك هههههه. — عاليا (براحة): عندك حق فعلاً في كل كلمة.. بس.. بس كنت أتمنى من قلبي إني أسيبه في ظروف أحسن من كدا، مش بالطريقة الصعبة واللي حصلت دي.. — حسام (بفضول وحذر): هو.. هو إيه بالظبط اللي حصل يا عاليا وزعلك بالطريقة دي وخلاكو تسيبو بعض؟ وفجأة.. خيم الصمت على الخط، واختنق صوت عاليا وتغيرت نبرتها تماماً وباتت على وشك البكاء، وجاهدت بكل ما تملك من قوة لكي تسيطر على شهقاتها ونفسها المتهدج وقالت بتلعثم وهروب: — عاليا: ااا.. احم.. أنا.. هبقى أقولك بعدين يا حسام.. أصل.. أصل أنا تعبت وعاوزه أنام دلوقتي عشان هصحي بدري للشغل وكدا.. تصبح على خير. وقبل أن ينطق بكلمة، أغلقت الخط ووضعت الهاتف على صدرها وسقطت دمعة حارة على وجنتها.. بينما ظل حسام ممسكاً بهاتفه في حيرة وقلق، وعقله يدور حول ذلك السر القديم!في تلك الليلة، ظل حسام ممسكاً بهاتفه، يشعر بنبرة صوتها التي خنقتها الدموع قبل أن تغلق الخط هروباً من الذكريات. لم يتردد، بل أعاد الاتصال بها فوراً، ولما فتحت الخط، قال بنبرة يملؤها الحنان والأسف: — حسام: عاليا.. أنا أسف جداً، أرجوكي متزعليش مني. — عاليا (وهي تحاول تصنع الهدوء وتكتم غصتها): أنا مش زعلانة على فكرة.. وعادي جداً، أنا هقفل وأنام حالا. — حسام (بإصرار حانٍ): صوتك باين عليه وبشدة يا عاليا، متحاوليش تخبي عليا.. والله العظيم مكنش قصدي أبداً أفكرك بحاجات تضايقك أو تقلب عليكي المواجع.. أنا بس عاوزك تطمني، ولما تحبي تحكي في أي وقت وتكوني مستعدة لدا، هتلاقيني كلي آذان صاغية ومستعد أسمعك لآخر العمر. ساد الصمت لثوانٍ، ولم تجد عاليا ما تقوله أمام هذا الدفء، فاكتفت بالصمت. — حسام (مبتسماً ليغير الأجواء): طيب نامي وارتاحي دلوقتي، والصبح لازم أشوفك.. عندي ليكي مفاجأة كبيرة. — عاليا (وقد تملكها الفضول فجأة واعتدلت في فراشها): احم.. مفاجأة إيه دي؟ — حسام (بنبرة مشاكسة): بكره بقا لما أشوفك هتعرفي.. يلا، تصبحي على خير، باي. في اليوم التالي.. في الكافيه الهادئ الذي اعتادوا التجمع فيه: كانت مي تجلس واضعة يدها على فمها من شدة الذهول وهي تتصفح ألبوماً قديماً، وتلتفت إلى حسام بصدمة: — مي: يا ابن الإيه يا حسام! أنت لسه محتفظ بالصور دي ومعاك طول السنين دي كلها ومضاعتش منك؟! — حسام (بابتسامة فخر واعتزاز وهو ينظر للصور): أمال أنتي فاكرة إيه؟ أنا مفيش حاجة غالية عليا بتضيع مني أبداً. — عاليا (وهي تتأمل صورتها القديمة وعيناها تشعان فرحاً): يعني دي بجد أول مرة الصور دي تطلع وتوريها لحد يا حسام؟ — حسام: كنت شايلها وسايبها للذكرى الحلوة والوقت المناسب.. بس طالعين حلوين أوي فيها بصراحة. — عاليا (بنبرة دلال ورجاء رقيق): مليش دعوة يا حسام.. أنا عاوزه نسخة من الصور دي حالا! — مي (مقلدة إياها بضحك): وأنا.. وأنا وأنا كمان عاوزه نسخة! — حسام (بضحك وهو يرفع يديه مداعباً): بس.. بس.. بس خلاص، حاضر من عيوني هعملكم نسخ ليكم أنتم الاتنين. نظرت عاليا إلى ساعتها فجأة، ثم نهضت لترتدي حقيبتها: — عاليا: طيب يا جماعة، أنا لازم أمشي دلوقتي. — مي: ليه يا بنتي؟ لسه بدري وقاعدين مع بعض. — عاليا: معلش بس عندي شغل مهم في الشركة، وأنا لسه بقول يا هادي وفي أول طريقي، مينفعش أتأخر أو أسيب انطباع مش تمام.. أشوفكم على خير. مرت الأيام وتوالت الشهور سريعة كقطار لا يتوقف.. وفي خلال تلك الفترة، انشغلت عاليا بكامل طاقتها في العمل، وأثبتت جدارة وموهبة حقيقية في إدارة المشاريع، مما زاد من ثقتها بنفسها التي كانت مهزوزة، وزادت معها ثقة عمها عبد الله فيها حتى بات يعتمد عليها في أدق التفاصيل. وتوطدت علاقتها بـ "مي وحسام"، وأصبحت تشعر بنبض الحياة يعود إلى قلبها؛ فما أجمل عوض الله حين يأتي ليداوي القلوب المكسورة! وفي أحد أيام إجازتها، كانت عاليا تجلس في حديقة الفيلا الواسعة وسط الخضرة والهدوء، تضع سماعات الأذن ومندمجة تماماً مع أغنية تلامس روحها، وبدأت تغني بصوت مسموع وعذب، وهي مغمضة العينين وغير منتبهة إطلاقاً لأي حركة حولها: "في إيييه بينك وبينها أرجووووك قولي الحقيقة.. نظرة عينك وعينها صدقني مش بريييئة! عاايز تبعد ما تبعد، واجرح قلبي وعينياااا.. خوني مع واحدة غيرها، مش أقرب حد ليااااا! سيبها في جرحي تواسيني، بلاش تحرمني منها.. مش أقرب حد ليااااا..." ومع نهاية الأغنية، نزعت السماعات وتنهدت بحرقة، وهي تمسح دمعة هاربة خانتها وسقطت على وجنتها. وفي تلك اللحظة، سمعت صوتاً مألوفاً من خلفها ينطق بألم وحسرة: — حازم: عاليا...مع اقتراب الساعة من السادسة مساءً، بدأت حمرة الغروب الساحرة تصبغ سماء دبي بنسيج دافئ من الألوان الأرجوانية والذهبية. انحسرت حرارة النهار تاركة المجال لنسمات عليلة محملة برطوبة البحر المنعشة. تملص حسام وعاليا بهدوء من صخب اللمة العائلية في المنزل، بعدما أصر أحمد وليلى على التكفل بريم وزياد واخذهم للملاهي، ليمنحاهما تلك المساحة الخاصة التي طالما احتاجا إليها لإغلاق دفاتر الماضي إلى الأبد. ترجلا معاً على طول ممشى الشاطئ الهادئ، حيث كان صوت ارتطام الأمواج الخفيف بالرمال النعامة يعزف لحناً يبعث السكينة في النفوس الشاردة. كانت عاليا تسير حافية القدمين، وتدع رمال الشاطئ الرطبة تداعب أصابعها، مرتديةً فستاناً أبيض فضفاضاً من القطن الناعم، يتطاير طرفه مع نسمات الهواء ليحاكي أجنحة فراشة بيضاء استعادت حريتها أخيراً. أما حسام، فقد شمر عن ساعديه ورفع بنطاله قليلاً، وسار بجانبها واضعاً يديه في جيبيه أول الأمر، يتأملها بنظرات لم تخلُ لحظة من الانبهار والامتنان. التفتت إليه عاليا، وطاير الهواء خصلات من شعرها لتغطي ملامح وجهها، فأرجعتها بابتسامة رقيقة ووديعة. امتدت يد حسام ببطء، وكأنه يستأذن قلبها ق
لم يكن الانتقال إلى الشقة الجديدة في دبي مجرد تغيير في العنوان، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن ولادة جديدة لكليهما. اختار حسام الشقة بعناية فائقة؛ أرادها واسعة، تدخلها الشمس من كل جانب، بنوافذ زجاجية ضخمة تطل على أفق المدينة والمسطحات الخضراء، وكأنه يحاول طرد كل ذكرى للظلام والضيق التي عاشتها عاليا بمفردها في غرف الغربة الباردة. في ذلك الصباح، كانت خيوط الشمس الذهبية تتسلل برفق عبر الستائر الشيفون البيضاء، وترسم خطوطاً من النور على الأرضية الخشبية الدافئة. كانت تفوح في الأرجاء رائحة القهوة الصباحية الممتازة الممزوجة برائحة المخبوزات التي تفننت عاليا في إعدادها. خرجت عاليا من المطبخ وهي ترتدي ثوباً منزلياً مريحاً باللون الوردي الهادئ، وقد استرد وجهها نضارته التي سلبتها منها أيام المرض العجاف. لم تعد تلك المرأة الشاحبة المكسورة؛ بل عادت عيناها العسليتان تشعان ببريق الحياة والأمومة الشابة. تطلعت إلى وسط الصالة، حيث كانت الصغيرة "ريم" تجلس بكبرياء طفولي وسط مجموعة من الألعاب الملونة. ريم التي أتمت عامها الأول، كانت نسخة مصغرة من أمها، بعينين واسعتين وفضول لا ينتهي. استندت عاليا على إطار ا
بعد عدة أيام كانت الأجواء في الغرفة هادئة ومبهجة. جلست عاليا على سرير المستشفى بعد أن استعادت جزءاً كبيراً من عافيتها وبدأ وجهها يسترد لونه العسلي الجميل. وكان حسام يجلس بجوارها على طرف الفراش، يحمل طفلتهم بعناية وحرص شديد، ونظر إلى عاليا بعينين تلمعان بالحب والارتياح وقال: "حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.. حمد الله على سلامتك يا نور عيني." التمعت عينا عاليا بالدموع وبسطت ذراعيها قائلة بشوق أمومة جارف: "هاتها.. هاتها عاوزه أشوفها وأضمها في حضني." قربها حسام منها برفق شديد ووضعها بين ذراعيها، وانحنى ليقبل رأس زوجته وابنته معاً في مشهد دافئ يعوض كل شهور العذاب والبعد. انفتح الباب بهدوء ليدخل أحمد بابتسامته البشوشة المعتادة، وتقدم نحو السرير قائلاً بنبرة دافئة: "ألف حمد الله على سلامتك يا مدام عاليا، نورتِ الدنيا أنتِ والعروسة الصغيرة ريم." التفتت إليه عاليا بابتسامة ممتنة وصادقة وقالت: "الله يسلمك يا أحمد، بجد مش عارفة أشكرك إزاي على كل اللِّي عملته معايا ومع حسام.. أنت أخ حقيقي." نظر حسام إلى أحمد بامتنان عميق، وربت على كتفه قائلاً: "أحمد دا مابقاش مجرد شخص جدع عرفناه بال
ردت الممرضة بنبرة هادئة لكنها لم تروِ عطشه: "البيبي زي الفل ما شاء الله.. بس المدام لسه العملية شغالة جوه، ادعيلها." قرّب حسام الطفلة إلى صدره، واستنشق رائحتها الطيبة، وقبّل جبينها الصغير بدموع انهمرت رغماً عنه وهو يهمس لها: "متقلقيش.. ماما زمانها جاية ومش هتسيبنا.. هي عمرها ما سابتني، ومش هتسيبك أنتِ كمان.. ربنا هيقومها بالسلامة علشانك.. تيجي على ما تخرج أحكي لك حكايتنا؟ أحكي لك إحنا تعبنا قد إيه علشان تيجي بالسلامة؟" وفي غمرة بكائه وحديثه مع طفلته، شعر بيد دافئة تربت على كتفه برفق. التفت بحذر ليجد أمامه "أحمد"، واقفاً بملامحه الأصيلة وابتسامته المطمئنة. أحمد بنبرة حنونة: "ألف مبروك يا أستاذ حسام.. تتربى في عزكم يارب. لسه المدام جوه؟" نظر إليه حسام بامتنان شديد ودموع باقية في عينيه وقال: "جوه.. لسه جوه يا أحمد.. ادعيلها، يارب تخرج بالسلامة." ربت أحمد على يده وقال بملء فمه: "إن شاء الله خير.. مدام عاليا ست طيبة وتستاهل كل خير، وربنا مش هيخذلك." بعد ما يقارب الثلاث ساعات الطويلة التي كادت تودي بعقل حسام، انفتح باب العمليات مرة أخرى، وخرج الطبيب يزف إليه البشرى بنجاح العملية
على الجانب الآخر، كانت عاليا تقف وتراقب هذا المشهد العائلي الدافئ، وشعرت بوخزة شوق وحنين جارف لكل هذا الحب. التفتت إليها ليلى وسارة، واندفعت الثلاثة في عناق جماعي طويل حار، امتزجت فيه ضحكاتهن بدموع الشوق والارتياح. ضمت سارة عاليا بقوة وهي تهمس: "نورتِ مصر يا عاليا.. الفرحة مكنتش هتكمل من غيرك، أنتِ مش صاحبتنا بس، أنتِ أختنا الكبيرة." بكت عاليا بصمت وهي تشد على ضلوعهما، تذكرت في تلك اللحظة كل الوجع الذي عاشته وحيدة في دبي، وكل الخوف من المرض والرحيل، وشعرت بأن حضن عائلتها هو الدواء الحقيقي الذي أحيا روحها من جديد. اقتربت الأم منهن، ووضعت يدها الحانية على بطن عاليا برفق، ونظرت في عينيها بعمق وقالت بدعاء نابع من سويداء قلبها: "ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي، ويقومك ليا بالف سلامة، ويفرح قلبي وقلب حسام بالضنا الصغير اللِّي هيملى علينا الدنيا.. أنتِ بنتي الغالية يا عاليا، وغلاوتك من غلاوة حسام وأكتر." انحنت عاليا وقبلت يد الأم باحترام شديد: "ربنا يخليكي لينا يا ماما، ولا يحرمنا من دعواتك أبدًا." التقى الجميع في حلقة واحدة في منتصف القاعة؛ حسام وعاليا، ورامز ومنة، وحازم وسارة، والأم ولي
التمعت عينا عاليا بالشوق: "ماشي.. ماما وحشتني أوي، وليلي وكلهم وحشوني خالص." حسام بتنهيدة حارة: "ومين سمعك! إحنا هنا داخلين على سنة أهو، مكنتش اتخيل أبداً إني أقدر أفضل كل ده بعيد عنهم.. اللِّي مصبرني كان الفيديو كول." عاليا بأمل: "هانت.. كلها شهر ونشوفهم ونشبع منهم." نظر لها حسام بلؤم محب ومقرب: "ياااارب.. قرب البعيد بقى، وقرب القريب برضه!" اتسعت ابتسامتها الخجولة، وتهربت من نظراته لتتحصن داخل غرفتها، بينما يتابعها هو بنظرات ممتنة لرجوعها. أصبح حسام رجلاً آخر؛ بات يدللها دلالاً كبيراً، يسبقها إلى أعمال المنزل، ويساعدها في كل صغيرة وكبيرة، ويحاول إرضاءها بأي شكل كان، ولا يترك فرصة تمر دون أن يتقرب من قلبها ومسامحتها. عندما كان يصيبها التعب، كان يسهر بجانبها طوال الليل يمسد رأسها بيده ويمسح جبينها، ويتابع معها مواعيد الطبيب بدقة شديدة. لا تزال عاليا تتذكر أول مرة شاهدا فيها الجنين سوياً عبر شاشة "السونار"، ورأت الفرحة الطاغية والدموع تترقرق في عينيه.. ها هي الآن قد بدأت شهرها الخامس، وبدأت تشعر بحركة الجنين الخفيفة في أحشائها كرفرفة الفراشات. كل يوم يأتي حسام بلهفة، يضع ك
لاحظت الأم نظراتها وسألتها: "بتدوري على حاجة؟" — "في ضيوف مستنياهم يا ماما.. أهو جم! عن إذنك اروح أستقبلهم." تحركت عاليا بسرعة نحو الباب واستقبلتهما بابتسامة عريضة: "أهلاً أهلاً.. اتأخرتوا ليه؟ أنا قلت مش جايين! هو دا اللي خلصت بدري؟" قال حسام مدافعاً عن نفسه وهو يعدل ياقة بدلته السوداء الأني
دخلت عاليا المنزل والبهجة تملأ كيانها، وغادر حسام وهو يشعر بأنه يملك العالم. أما ذلك الشخص الآخر، فقد كان يكاد يحترق من الغضب.. لكن من يبالي به؟صعدت عاليا إلى غرفتها، غسلت وجهها وأدت صلواتها بقلب خفيف، ثم استلقت على فراشها لتستسلم لسبات عميق مريح لم تذقه منذ أشهر.في الصباح التالي، بدأت خيوط الشمس
حازم: أنتي مالك أنتي كمان وغوري من وشي دلوقتي مش ناقصك! واستدار وخرج يضرب الباب خلفه بعنف، لتظل ليلى واقفة بمفردها مذهولة ومتوجسة. في مقر الشركة الاستثمارية الكبرى -- دخل عبد الله ومعه عاليا التي كانت تتأمل المكاتب والموظفين بنوع من الشغف الجديد. توجه بها إلى مكتب مستقل أنيق وواسع مجهز بالكام
مسحت عاليا دموعها بأطراف أصابعها رغماً عنها، وانفلتت منها ضحكة رقيقة وسط شجنها:— عاليا: هههههه أنت مجنون يا حسام، والله مجنون!— حسام (بابتسامة ساحرة ونظرة لم تفارق وجهها): اه مجنون.. مجنون بس أنتي تضحكي وتنوري الدنيا.. على فكرة، أنا أول مرة في حياتي أشوف حد بيعيط وبيرتعش، ويفضل قمر برضه ومشاعره ح







