تسجيل الدخول
كان الظلام قد ألقى بظلاله الثقيلة على تلك المنطقة الريفية؛ منطقة يغلب عليها طابع الأراضي الزراعية، تتخللها بعض المصانع والمخازن، وتتناثر بينها بيوت ريفية قليلة ومحال بقالة صغيرة.
ورغم أن الساعة لم تتجاوز التاسعة مساءً، فإن المكان كان يبدو وكأنه قد تجاوز منتصف الليل منذ زمن. لا شيء سوى طرقات خاوية، وظلام يبتلع ما حوله، ونباح كلاب ضالة يتردد من بعيد، فيمنح المكان شعورًا موحشًا لا يُريح القلب. في تلك الأجواء، أغلق شاب ذو عيون زرقاء باب محل البقالة الذي يعمل به، ثم استدار عائدًا إلى منزله. كان يسكن في بقعة تتلاصق فيها البيوت، حتى بدت كأنها تحتمي ببعضها، مكوّنة حارة صغيرة تُعرف باسم «حارة سعيد الأسود»؛ نسبة إلى أكبر بلطجي يفرض سيطرته على محيط القرية الصغيرة. تنهد الشاب بإرهاق. كان قد تخرج لتوه من كلية التجارة، ولم يتخيل أن تكون بدايته بعد التخرج بهذا الشكل؛ يقضي ساعات طويلة في محل البقالة، ثم يعود كل ليلة عبر تلك الطرقات المظلمة. واصل سيره، بينما كانت خطواته تتردد في الصمت. من حين لآخر، كان يلتفت حوله. لا أحد. الطريق خالٍ تمامًا. حتى توقفت خطواته فجأة. وصل إلى أذنيه صوت مكتوم... ثم صوت آخر؛ كأن قدمًا ما داست على أوراق جافة بين الحشائش. ثبت في مكانه، وأصغى. جاء الصوت مرة أخرى. هذه المرة من ناحية حقل الذرة. اقترب بحذر من أطرافه، حيث ارتفعت سيقان الذرة الطويلة لتحجب الرؤية، وتمنع ضوء الطريق من التسلل إلى الداخل. كان الظلام هناك أكثر كثافة، والحفيف الخافت بين الأوراق يشبه أنفاسًا مكتومة، كأن شيئًا ما يتحرك في العمق... يراقب دون أن يُرى. حدق في الأرض الزراعية، محاولًا تحديد مصدر الصوت. ظل واقفًا لثوانٍ، قبل أن يتمتم لنفسه: - أنا باين عليّا اتجننت ولا إيه؟ وبدأت أتوهم؟ هز رأسه، ثم استدار وعاد إلى طريقه. لكنّه لم يكن يعلم أن شيئًا ما كان يحدث بالفعل، على بُعد خطوات قليلة منه. في الجانب الآخر من حقل الذرة، حيث ابتلع الظلام كل شيء، كان يقف شاب محمرّ العينين. في يده سلاح أبيض، يضعه على عنق فتاة ترتعش تحت قبضته من شدة الخوف. همس لها بصوت حاد: - أوعى تتحركي. كانت دموعها تنساب بصمت، بينما خرج صوتها مرتجفًا: - عايز مني إيه؟ طالعها بنظرات تحمل معنى قذرًا، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة. - هعوز منك إيه غير ليلة حلوة؟ خليكي هادية عشان ما أعوركيش... وفي الآخر هاخد اللي عايزه. أغمضت عينيها، بينما أخذ قلبها يخفق بعنف داخل صدرها. - خد كل اللي معايا... بس أرجوك سبني. اقترب منها أكثر، ومد يده إليها. - مش عايز فلوس... أنا عايزك إنتِ. وهاخدك إنتِ. أبعدت يده عنها، وحاولت الصراخ: - ابع... لكن يده انطبقت سريعًا على فمها، بينما مرر السلاح الحاد على خدها، وهمس: - شكلك مش هتيجي بالذوق. دفعها بقوة إلى الأرض، فانطلقت منها صرخة متألمة. وقف فوقها، يراقبها وهي تحاول تغطية نفسها، وكأن خوفها وضعفها لم يكونا يعنيان له شيئًا. ابتسم ابتسامة جشعة، ثم تمتم: - شكلها هتكون ليلة عناب. اقترب منها محاولًا نزع ملابسها، بينما تشبثت هي بها بكل ما تبقى لديها من قوة. كانت دموعها تنهمر بلا توقف، وتحاول إبعاده عنها باستميتة، لكن فارق القوة كان واضحًا. كما أن الجرعات المخدرة التي تناولتها جعلت مقاومتها أضعف. صفعها عدة مرات بقوة، حتى خارت قواها، وأغمضت عينيها في استسلام، وكأنها لم تعد ترى أمامها سوى نهاية واحدة. ابتسم، وقد ظن أن مقاومتها انتهت. كانت فريسة سهلة أمام ذئب مسعور. اقترب منها أكثر، لكنه قبل أن يفعل ما يريد، باغتته ضربة قوية أطاحت به بعيدًا عنها. وقف مترنحًا، واضعًا يده على موضع الألم، بينما اشتعل الشر في عينيه وهو يتطلع إلى الشخص الذي تجرأ على إفساد ليلته. - ده إنت مش هيطلع عليك شمس. لم يجبه الشاب. انحنى ليساعد الفتاة على الوقوف، محاولًا طمأنتها، وفي الوقت نفسه محاولة رؤية ملامحها وسط الظلام. - متخفيش... هتكوني بخير. تعالت شهقاتها، ثم خرج صوتها مذعورًا: - حاااسب! استدار الشاب. لم يمهله الوقت ليفعل شيئًا. اندفع قاطع الطريق نحوه بكل قوته، ودفعه أرضًا. صاح الشاب بالفتاة: - اجرري بسرعة! ركضت. أما قاطع الطريق، فأخرج سلاحه الأبيض الصغير وفتحه بحركة خاطفة. أدرك الشاب ما ينوي فعله، فحاول إسقاط السلاح من يده، لكن قوة قاطع الطريق كانت أكبر منه. ضربه برأسه في أنفه، ثم أصابه في كف يده، فترك الشاب قبضته من شدة الألم. لم يتوقف. تلقى الشاب لكمة قوية في وجهه، فترنح، بينما استغل قاطع الطريق الفرصة ووقف يبحث عن الفتاة. كانت قد وصلت إلى الطريق وبدأت تركض. ركض خلفها. لحق بها، أمسك شعرها، وسحبها عائدًا بها إلى داخل الأرض الزراعية؛ إلى ذلك المكان الذي تخفيه سيقان الذرة العالية عن أعين الناس. قاومته بكل ما لديها. لكن لطمة قوية على وجهها أسقطتها أرضًا، فتناثر الدم من أنفها وفمها. تقدم نحوها. إلا أن الشاب ظهر أمامه من جديد. كان وجهه متورمًا، وأنفاسه متقطعة، وعينه تكاد لا تُرى من شدة ما أصابها. ومع ذلك، وقف أمامه بثبات. - على جثتي تقرب منها. توقف قاطع الطريق، ثم ابتسم بغضب. - اديتك فرصة تستغلها، ولكن طلعت غبي مصمم على الموت... تعال يا حبيبي، دي هتكون ليلة عناب. اندفع الشاب نحوه. تعاركا، وسقطا أرضًا، وكل منهما يحاول التغلب على الآخر. تمسك قاطع الطريق بسلاحه جيدًا، ولوّح به محاولًا طعن الشاب والتخلص منه. كانت الفتاة تراقب المشهد وهي تحاول جمع ما تبقى لديها من قوة. وفجأة... شهقت. الدماء كانت تسيل من عين الشاب. نجح قاطع الطريق في تسديد طعنة استقرت في عينه اليسرى. اندفعت الفتاة نحوه دون تفكير، وخدشت عنقه بعنف. استدار إليها، وصفعها بقوة، ثم أمسك بعنقها. - يا بنت الكلب... اهمدي بقى! بدأ وجهها يشحب تدريجيًا. حاولت التقاط أنفاسها، بينما كانت قبضته تزداد قوة حول عنقها. وفي لحظة لم يتوقعها... هوى الشاب الغارق بالدماء بحجر كبير على رأس قاطع الطريق. سقط جسده أرضًا. تراجعت الفتاة بعيدًا عنه، تستنشق الهواء بجشع، وتحتضن نفسها بيدين مرتعشتين. أما الشاب، فحرك جسد قاطع الطريق بقدمه. وضع يده على عينه المصابة، ثم نظر بعينه اليمنى إلى الجثة الهامدة الغارقة في دمائها. التقط أنفاسه بصعوبة، وقال: - شكله مات. خرج صوت الفتاة مهزوزًا: - هنعمل إيه؟ جلس الشاب أرضًا من شدة التعب. - هنكلم البوليس طبعًا. ارتعشت وهي تفكر فيما سيحدث بعدها. الفضيحة... كلام الناس... نظرات أهل البلد... كل ذلك كان أكثر رعبًا بالنسبة إليها مما حدث قبل قليل. - الناس هتقول عليّا إيه وقتها؟ قال بإرهاق، محاولًا طمأنتها: - متخفيش... إنتِ بخير، مش كده؟ هو اللي مجرم، واخد جزاءه. أغمض عينيه. كان الظلام يزداد من حوله، والإرهاق يثقل جسده أكثر فأكثر. ثم فقد وعيه. نظرت الفتاة إليه في صمت. ومع صمته، عاد الخوف إليها من جديد. نظرت حولها بارتباك، وضربت خدها بيدها، محاولة أن تجمع أفكارها. ثم زحفت نحو جثة قاطع الطريق. أخرجت هاتفه بيد مرتعشة، واتصلت بالشرطة. خرج صوتها مهزوزًا، متقطعًا بالبكاء، وهي تخبرهم بوجود جثتين وتعطيهم العنوان. أغلقت الهاتف، وضمت الهاتف إلى يدها بقوة، ثم ركضت نحو منزلها. ركضت دون أن تلتفت خلفها. وتركت وراءها كل شيء...«لا تتوقف اللعنة على حب الحبيب والهوس به... فالحب لا يتوقف على الحبيب وحده. إذ ما زالت الحياة تحمل قوانين لم يتوصل إليها البعض، وقوانين أخرى لم يتعرف عليها أحد بعد.ومن بين تلك القوانين...قانون الهوس بالشعور الدائم بالأمان والطمأنينة.فلحاجتك إلى ذلك الشعور، قد يصل بك الأمر إلى الجنون في سبيل الوصول إليه...»---«كانت تطمح إلى التخلص من أعباء الحياة وحدها.»فاستمعت إلى نادر، وعادت إلى ممارسة حياتها، محاولةً تجاهل جميع الأحداث الغريبة التي تحدث لها، والتي قلت حدتها قليلًا بوجوده بجانبها معظم الوقت.عادت إلى الكلية والاستعداد للامتحانات، وكان يسندها في ذلك. يأتي يوميًا، يذاكر لها ما فاتها، ويجمع لها المحاضرات، ويساعدها في إكمال تصميماتها.وفي أحد الأيام، كانت تجلس منتظرةً نادر كعادتها...لكنه تأخر على غير العادة.أمسكت هاتفها بتردد للاتصال به، وكانت شاردة، لكنها انتفضت بفزع عندما رن الهاتف في يدها، وظهر اسمه على الشاشة، وكأنه شعر بها.— نادر، مجتش ليه؟ فينك؟شعرت بتردده قبل أن يجيب.— نايا... مش هقدر أجي تاني.صمت للحظة، ثم تابع:— إنتِ خلاص مش محتاجاني. إنتِ كده معاكي كل اللي فاتك، وه
— نايا تعالي هنا.. أنا همسكك! ضحكت نايا وهي تجري بين أرجاء الغرفة، بينما والدتها تطاردها محاولة الإمساك بها. — مش هتفضلي مستخبية مني كتير. اختبأت نايا خلف أحد الأبواب، وكتمت ضحكتها بيدها. — عرفت مكانك.. أنا هوصلك أهو! انفجرت نايا بالضحك، وخرجت من مخبئها، لكن والدتها أمسكت بها أخيرًا. — خلاص، اعترفي إنك خسرانة. — لااا، أنا ما خسرتش! ضحكت والدتها وهي تضمها إليها. — طيب قومي بقى نذاكر شوية. — مش عايزة... أنا عايزة أرسم. سحبتها والدتها معها إلى الغرفة. — ترسمي براحتك بعد ما تخلصي مذاكرة. جلست نايا أمام كتابها، وبدأت والدتها تشرح لها الرياضيات. وبعد وقت، تركتها وذهبت إلى المطبخ لتحضير الغداء. ما إن اختفت والدتها عن الأنظار، حتى أغلقت نايا كتابها وأخرجت أوراقها وأقلامها. اندمجت في الرسم، حتى فوجئت بوالدتها تقف خلفها. — إيه ده يا نايا؟ ارتبكت نايا وأخفت الورقة. — ولا حاجة. اقتربت والدتها وأخذت الرسم منها، ثم ابتسمت. — إنتِ موهوبة بجد يا نايا. رفعت نايا عينيها إليها بسعادة. — بجد؟ — بجد. لو فضلتي تطوري موهبتك، ممكن تدخلي فنون جميلة وتبقي فنانة شاطرة جدًا. ارتمت نايا في
فبراير... 2023الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل.منذ ذلك اللقاء المؤلم مع والدة نادر، انقطعت أخباري عنه تمامًا. أغلقت كل طرق التواصل بيننا، وعدت إلى عادتي القديمة؛ فراشي، غرفتي المظلمة، وعينان مغمضتان أحاول بهما الهروب من كل شيء.لكن تلك الليلة، لم يتركني النوم بسلام.فجأة، شعرت باختناق حاد، كأن الهواء اختفى من حولي.خرجت شهقة من أعماقي، ففتحت عيني بعنف، وراحت أنفاسي تتلاحق وأنا أتلفت حولي. لم أرَ شيئًا سوى الظلام يحيط بي من كل جانب.وأنا أكره الظلام.لكن ما جعل الخوف يتسلل إلى قلبي لم يكن الظلام وحده.شعرت بأنفاس ساخنة قريبة جدًا... خلفي.لم أفكر.اندفعت راكضة وأنا أصرخ:— نــــادر! الحقني... نــــادر، إنت فين؟ نادر!تعثرت قدمي وسقطت أرضًا، فامتلأت يداي بالتراب.رفعت رأسي على صوت دقات طبول غريبة، تتكرر بنغمة منتظمة. وكلما اقترب صوتها، ضاق صدري أكثر، وتسارعت ضربات قلبي.انهارت قوتي، وانهمرت دموعي.همست:— نادر...ثم سمعت صوتًا لم أسمعه منذ وقت طويل.صوت أمي.هادئًا، دافئًا... كما كان دائمًا.— اهربي يا نايا.تجمدت في مكاني.للحظة، تسلل الأمان إلى قلبي.لكن النار اشتعلت في يدي الي
1كانت الأضواء تغمر المكان، وتتوالى صيحات الجمهور من كل جانب، بينما امتلأت المدرجات بالحاضرين. وعلى بُعدٍ منهم، استقرت الأضواء على وجه مذيع ذائع الصيت في الوطن العربي، يجلس أمامه كاتب تضاهي شهرته شهرة المذيع أضعافًا. وُضع أمام الكاتب كوب من الماء، وبجواره كتابه الأخير الذي صدر حديثًا. كان هادئًا على نحوٍ لافت؛ اعتاد مثل هذه اللقاءات، ولم يعد يخشى الأسئلة أو مفاجآتها. أشار إليه المذيع، فهز رأسه مستعدًا، ثم التفت إلى فريق العمل. — 3... 2... 1... هوا! ابتسم المذيع ابتسامته البشوشة المعتادة، وقال أمام الكاميرا: — وزي ما وعدناكم وفينا بوعدنا، النهارده معانا لقاء مع الكاتب الشهير جدًا، علشان نجاوب على كل أسئلتكم.... نورت برنامجنا المتواضع. اتجهت الكاميرا نحو الكاتب، الذي ابتسم بتكلف، ثم أشار للجمهور. — مين حابب يسأل؟ أمسك المذيع بأوراق الإعداد: — خلينا الأول نتعرف على كاتبنا أكتر، وبعدها نتوجه للجمهور. ابتسم الكاتب ابتسامة مصطنعة. — تمام. خفتت الإضاءة، ولم يبقَ منها سوى ما يسلط على وجه المذيع والكاتب. — اسمك «ليل»، لكن عرفنا من مصادرنا الخاصة إن ده اسم شهرة، وإن لي
ركض طفل في العاشرة من عمره صاعدًا درجات السلم، متوجهًا إلى الطابق الثالث حيث منزله، بعدما انتهى للتو من دوامه المدرسي الابتدائي.وصل إلى باب المنزل، وقبل أن يهمّ بالضغط على جرسه، استمع إلى صوت من خلفه، فالتفت ليجد جارته تقف أمام باب منزلها.ابتسم لها ببراءة طفولية:- إزي حضرتك يا طنط؟بادلته الابتسامة:- حبيبي، أمال فين نايا؟ اتأخرتوا كده ليه؟وبتلقائية، أشار إلى الدرج خلفه:- طالعة ورايا أهي... وهي اللي أخرتنا، كانت عايزة تدخل البيت الم...لم يُكمل جملته، إذ قاطعته طفلة تصغره بعام، وقفت أمامه بغضب طفولي:- اسكت يا فتان.ضم حاجبيه متذمرًا، وبدأت وجنتاه تحمران دليلًا على غضبه الذي أخذ يشتعل:- أنا مش فتان.ردت بنبرة مليئة بالتحدي والإصرار:- لا، فتان.صاحت الأم بغضب:- تاني يا نايا؟ مش قولت متمشوش من الشارع ده؟تجاهلت الطفلة والدتها، وظلت تحدق في الطفل بشر:- فتان.ضرب بقدمه الأرض اعتراضًا:- أنا مش فتان.- فتان.بدأ الشجار بينهما من جديد، إلى أن اضطرت الأم إلى سحب الطفلة إلى داخل المنزل، وهي تصرخ عليها، بعدما شكرت الطفل.ظل واقفًا في مكانه للحظات، يستمع إلى صراخ الأم عليها، وشعر بوخزة
كان الظلام قد ألقى بظلاله الثقيلة على تلك المنطقة الريفية؛ منطقة يغلب عليها طابع الأراضي الزراعية، تتخللها بعض المصانع والمخازن، وتتناثر بينها بيوت ريفية قليلة ومحال بقالة صغيرة.ورغم أن الساعة لم تتجاوز التاسعة مساءً، فإن المكان كان يبدو وكأنه قد تجاوز منتصف الليل منذ زمن. لا شيء سوى طرقات خاوية، وظلام يبتلع ما حوله، ونباح كلاب ضالة يتردد من بعيد، فيمنح المكان شعورًا موحشًا لا يُريح القلب.في تلك الأجواء، أغلق شاب ذو عيون زرقاء باب محل البقالة الذي يعمل به، ثم استدار عائدًا إلى منزله.كان يسكن في بقعة تتلاصق فيها البيوت، حتى بدت كأنها تحتمي ببعضها، مكوّنة حارة صغيرة تُعرف باسم «حارة سعيد الأسود»؛ نسبة إلى أكبر بلطجي يفرض سيطرته على محيط القرية الصغيرة.تنهد الشاب بإرهاق.كان قد تخرج لتوه من كلية التجارة، ولم يتخيل أن تكون بدايته بعد التخرج بهذا الشكل؛ يقضي ساعات طويلة في محل البقالة، ثم يعود كل ليلة عبر تلك الطرقات المظلمة.واصل سيره، بينما كانت خطواته تتردد في الصمت.من حين لآخر، كان يلتفت حوله.لا أحد.الطريق خالٍ تمامًا.حتى توقفت خطواته فجأة.وصل إلى أذنيه صوت مكتوم...ثم صوت آخر