Share

4

Author: ليل
last update publish date: 2026-09-12 02:19:01

«لا تتوقف اللعنة على حب الحبيب والهوس به... فالحب لا يتوقف على الحبيب وحده. إذ ما زالت الحياة تحمل قوانين لم يتوصل إليها البعض، وقوانين أخرى لم يتعرف عليها أحد بعد.

ومن بين تلك القوانين...

قانون الهوس بالشعور الدائم بالأمان والطمأنينة.

فلحاجتك إلى ذلك الشعور، قد يصل بك الأمر إلى الجنون في سبيل الوصول إليه...»

---

«كانت تطمح إلى التخلص من أعباء الحياة وحدها.»

فاستمعت إلى نادر، وعادت إلى ممارسة حياتها، محاولةً تجاهل جميع الأحداث الغريبة التي تحدث لها، والتي قلت حدتها قليلًا بوجوده بجانبها معظم الوقت.

عادت إلى الكلية والاستعداد للامتحانات، وكان يسندها في ذلك. يأتي يوميًا، يذاكر لها ما فاتها، ويجمع لها المحاضرات، ويساعدها في إكمال تصميماتها.

وفي أحد الأيام، كانت تجلس منتظرةً نادر كعادتها...

لكنه تأخر على غير العادة.

أمسكت هاتفها بتردد للاتصال به، وكانت شاردة، لكنها انتفضت بفزع عندما رن الهاتف في يدها، وظهر اسمه على الشاشة، وكأنه شعر بها.

— نادر، مجتش ليه؟ فينك؟

شعرت بتردده قبل أن يجيب.

— نايا... مش هقدر أجي تاني.

صمت للحظة، ثم تابع:

— إنتِ خلاص مش محتاجاني. إنتِ كده معاكي كل اللي فاتك، وهتقدري تذاكري لوحدك.

شعرت بانسحاب الهواء من حولها، وعاد الخوف من جديد.

— إنت كويس؟ فهمني... ليه مش عايز تيجي؟

تنهد، ثم قال:

— عمك كلمني يا نايا. كان مضايق أوي، وبيقولي إن الجيران كلموه عننا. الناس هتفكر فيكي بطريقة وحشة أوي، وأنا مش عايز أعملك مشاكل. مش عايز الناس تبصلك بشكل مش كويس.

ارتفع صوتها بعصبية، وكأنها تتمنى لو يستمع الجميع إليها:

— يولعوا الناس! إحنا مالنا؟ هما زبالة عشان بيفكروا بطريقة زبالة شبههم! هتسيبني لوحدي عشان ناس تفكرها زبالة يا نادر؟

— يا نايا، افهمي عمك...

قاطعته، والنيران تزداد في قلبها:

— ماله ده كمان؟ ما يولع هو كمان! هو كان سأل فيا؟ هو خايف على شكله مش أكتر. أما أنا مش في دماغه! ده يوم ما جه يسأل عني، جه عشان ياخد الشقة ويطردني بره ويقولي حقي!

تحدث بهدوء، محاولًا احتواء غضبها:

— ممكن تهدي؟ هانت يا نايا... وهنتجوز. وقتها كلام الناس مش هيهمنا، ولا عمك حتى. ياخد الشقة ويشبع بيها، وأنا أخدك وأشبع بيكي.

سكت قليلًا، ثم قال في محاولة منه لإرضائها:

— حقك عليا من الدنيا بحالها. لو كده، نبقى نتقابل بره وفي الكلية. أنا مش هسيبك... أنا معاكي.

همست:

— هتفضل معايا؟

شعرت بابتسامته التي لا تراها عيناها، لكن قلبها شعر بها.

— أكيد طبعًا هفضل معاكي. أمال مين يشلني ويطير عقلي؟

ابتسمت رغمًا عنها.

— أنا.

— مين يخرجني عن شعوري ويطير النوم من عيني؟

— أنا.

ضحك.

— مين يعاند معايا ويقلقني عليه؟

— أنا.

— مين يسحلني وراه وي...

قاطعته متذمرة:

— ما خلاص بقى! عرفت إني مطلعة عينك... مفيش حاجة حلوة؟

— في طبعًا.

سكت لحظة مفكرًا، ثم قال:

— مين يخلي قلبي يدق أول ما أشوف عينيه؟ مين مدوب قلبي فيه؟ مين مقدرش أعيش الدنيا إلا بيه؟

ضحكت، وقد نسيت كل شيء للحظات.

— أنا.

أكمل حديثه معها، ونجح في تهدئتها.

فلا أحد يستطيع احتواءها مثله.

كان المتبقي لها.

مرت ساعات وهما يتحدثان، إلى أن طلب منها النوم والاسترخاء، وأصرّ على ألا يغلق المكالمة حتى يطمئن أنها ذهبت إلى النوم.

استمعت إليه، وتوجهت إلى فراشها، مغمضةً عينيها، بعقل شارد...

لكنها كانت ما تزال مستيقظة.

جاء صوته من الهاتف هامسًا:

— نايا حبيبتي... نمتي؟

ابتسمت وهي ما تزال مغمضة العينين، وفتحت فمها لإجابته...

لكن قبل أن يخرج صوتها، جاء صوت والدته من الطرف الآخر.

فتحت عينيها على صوتها العالي الغاضب، وهي توبخه على قربه منها وعصيانه لأوامرها.

كررت حديثها السابق، وأكدت له أنه مهما حدث... لن يتزوجا.

ظلت نايا صامتة تستمع.

انتظرت أن يرد عليها.

أن يدافع عنها.

أن يقول كلمة واحدة تعيد إليها حقها.

لكنه أنهى المكالمة.

ولم تسمع صوت له.

---

هذه المرة، شعرت باللامبالاة تجاه كل شيء.

رفعت عينيها إلى سقف الغرفة، ثم وقعت نظرتها على صورة والدتها المعلقة أمامها.

— سيبني إنتي مع شوية حوش جربيع... بيبيعوا ويشتروا فيا.

تنهدت، ثم تابعت:

— واحد طمعان في بيتي، والتانية خايفة على الواد اللي حيلتها، وكأني هخطفه. وشوية ناس معرفهمش ولا يعرفوني بيخوضوا في سمعتي عشان يسلوا نفسهم في وقت فراغهم.

صمتت لحظة.

— فاضل إيه تاني؟ هو في أسوأ من كده؟

وقعت عيناها على كف يدها المخفي تحت قطعة القماش التي أصبحت ملازمةً لكفها، تخفي بها حروقها.

تذكرت الكوابيس...

ذلك الكيان الذي يطاردها.

ابتسمت بمرارة.

— طلع في أسوأ منهم.

تخيلت نفسها تطيح بالجميع ضربًا، وتسبّهم بأفظع الشتائم، بدايةً من عمها الحقير الجشع...

وتلك الحماة التي تقمصت دور العقرباء...

إلى تلك الجارة صاحبة النظرات الخبيثة...

وصاحب البقالة بنظراته المنحطة...

والسائق الذي يصر على إنزالها بعيدًا عن الشارع المقصود، ويجعلها تعود سيرًا، وكأنها من البداية كانت تسير...

ودكتور المادة بنظراته السخيفة...

حتى أصدقاءها، إن كانوا بالفعل أصدقاء.

الجميع أصبح يحمل نظرات متعالية، سخيفة، خبيثة، وغير مريحة للنفس.

وفي نهاية تلك المصارعة، تخيلت قلمًا ضخمًا يهبط على وجه نادر...

ثم احتضنته بشدة وهدوء.

وعلى تلك الفكرة، غاصت في بحار من الأحلام، متخيلةً أن والدتها عادت وأنقذتها من ذلك الكيان الأسود، ثم أوسعته ضربًا هي الأخرى.

---

الساعة الثالثة منتصف الليل

في مكان مجهول، يسكنه الهدوء...

مكان يشبه قصرًا مهجورًا، وقف شخص في منتصف رسم محفور على الأرض.

لكن هذه المرة، كان يجرح ذراعه بأداة حادة، ويرسم عليها رمزًا غريبًا.

مال بذراعه، وبدأ يحركها في اتجاهات محددة، يقطر دماءه في نقطة معينة من الرسم المحفور على الأرض.

تمتم بكلمات غير مفهومة.

ومع مرور الوقت، امتلأت الأرض تحته بالدماء.

خرجت الدماء من بين شقوق الأرض، وتكوّن مجرى دموي واضح، بينما بدأت تفاصيل الرسم تظهر بصورة أكثر وضوحًا، حتى بدا وكأنه رمز كامل.

اختلطت قطرات دمه بالدماء الخارجة من الأرض، فأضاءت نقطة تلو الأخرى، وظهر رمز آخر منعكسًا على سقف القصر، مضيئًا في الظلام.

وكان وقوفه في المنتصف دليلًا على اكتمال الرمز.

أما الرمز الشيطاني المرسوم على يده، فبدأ يتوهج بالدماء.

تلألأت عيناه بالسواد، وخرجت الدماء من جفونه.

— متى اللقاء؟

أتاه صوت يردد في أذنه، من العدم:

— عند اكتمال قمر الصياد... وقتها سيحدث اللقاء.

— وإن تخلفت عن الموعد؟

ازدادت قوة الصوت في أذنه:

— ستكون حياتك الثمن. ستكون قرباني. لا تنسَ عقد الدماء الذي بيننا... فلم ترَ شيئًا بعد.

وضع يده على أذنه من شدة الصوت.

— حسنًا، سآتي في الموعد. تأخذ الغالي وتعطيني الأغلى... ولا أريد رؤيتك إلى أن يأتي الموعد.

جاءه الصوت من جديد:

— ولكني سأذكّرك دائمًا بمن هو الأقوى، حتى تقدم لي ما وعدتني به.

ازدادت الدماء خروجًا من جفنه، واشتعل الغضب في صوته:

— سأفعل! لكن كفّ عن إزعاجي. أعلم بضعفي جيدًا.

— ظهوري من وقت لآخر... لضمان عدم تراجعك.

تنهد بضعف.

— حسنًا... لكنني لن أتراجع.

اختفى الصوت تدريجيًا، قبل أن يعود مرددًا:

— إذًا لا تنسَ الموعد عند اكتمال قمر الصياد... وقتها ستكون الأقوى.

اختفى الصوت تمامًا.

جفت الدماء على خديه وعلى الأرض.

لكن انقباض قلبه ازداد.

لم يعد قادرًا على العودة.

ماذا فعل بنفسه؟

قلبه يخبره بأنه على صواب...

وعقله يصرخ بأنه أخطأ.

وكان ذلك الخطأ أعظم أخطائه.

سقط أرضًا.

تغذى الضعف والخوف على قلبه، بينما أخذت قوة الشيطان من حوله في الازدياد...

---

الساعة الواحدة ظهرًا

استيقظت نايا على صوت رنين الهاتف بجوارها.

نظرت حولها بنعاس، وما زال وعيها غائبًا قليلًا.

أمسكت الهاتف وأجابت:

— ألو؟

جاءها صوته ضعيفًا، فعاد بها إلى الواقع بقسوة.

— نايا... الحقيني يا نايا.

اعتدلت سريعًا، والقلق يضرب قلبها.

— نادر! مالك؟ إنت فين؟

— نايا... أنا بحبك.

توقف للحظة.

— أنا آسف.

لم تشعر بدموعها وهي تغرق وجهها.

— نادر، إنت فين؟ إيه حصلك؟

لم يصلها رد.

صرخت باسمه، لكن الصمت ظل في الطرف الآخر.

ثم جاءها صوت امرأة، وأعطاها عنوانًا لم تعرفه.

لم تستوعب شيئًا مما قالته؛ كل ما فهمته هو المكان.

وانتهت المكالمة.

لم تفكر.

قفزت من فراشها، وبدلت ملابسها على عجالة، ثم خرجت تركض بأقصى سرعة بين الشوارع.

أوقفت سيارة أجرة، وأخبرت السائق بالعنوان، وظلت تصرخ عليه طوال الطريق:

— أسرع!

— لو سمحت أسرع!

حتى وصلت إلى وجهتها.

ترجلت من السيارة وركضت إلى الداخل، وهي تصيح باسمه:

— نادر!

— ناااادر!

إلى أن وقعت عيناها عليه.

توقفت خطواتها.

وخرج اسمه من بين شفتيها همسًا:

— نادر...

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ما لم يُدفن   5

    ما زالت تجلس في ذلك المتنزه، بينما يحاول نادر إرضاءها بعدما جعل قلبها يرتجف خوفًا عليه.كان ممسكًا بيدها، يهتف بصوت مرتفع قليلًا:— هقوم أنتحر، فكي بقى.سحبت يدها منه وصرخت في وجهه:— أنا كان قلبي هيقف، وحضرتك قاعد هنا تشرب بيبسي ساقع على قلبك!ابتسم بمكر:— وحش البيبسي... كنت أشرب ويسكي.ضربته باستياء في كتفه:— إنت بتهزر؟ إنت إيه يا أخي؟تلاعب بحاجبيه مبتسمًا:— أنا الحب يا بت.نفخت بغضب وهي تنهض:— أنا ماشية بدل ما أطق منك، ولو رنيت عليّا تاني هتموت بجد، ومش هعبرك.أمسك بيدها بهدوء، محاولًا إيقافها:— نايا، عشان خاطري خليكي. أنا لو كنت قلتلك عايز أشوفك ونتقابل بره شوية، كنتي هترفضي. وأنا عارف إنك بتنـزلي الجامعة بالعافية، ففكرت ملقتش غير الطريقة دي. كنت عايز أشوفك أوي، ومكنش ينفع أجيلك، وإنتِ فاهمة ليه. قوليلي أعمل إيه طيب؟ابتسمت، وتبخر غضبها شيئًا فشيئًا، وشعرت بقلبها يلين له:— متخضنيش تاني، عشان خاطري.ابتسم وهو ينظر إليها:— بتحبيني أوي كده؟ وبتخافي عليّا؟رفعت يدها لتجيبه، لكنها تذكرت صوت السيدة، فعاد الغضب يشتعل داخلها. ضربت صدره بيدها:— حب إيه يا خاين؟ مين دي اللي كلمتني و

  • ما لم يُدفن   4

    «لا تتوقف اللعنة على حب الحبيب والهوس به... فالحب لا يتوقف على الحبيب وحده. إذ ما زالت الحياة تحمل قوانين لم يتوصل إليها البعض، وقوانين أخرى لم يتعرف عليها أحد بعد.ومن بين تلك القوانين...قانون الهوس بالشعور الدائم بالأمان والطمأنينة.فلحاجتك إلى ذلك الشعور، قد يصل بك الأمر إلى الجنون في سبيل الوصول إليه...»---«كانت تطمح إلى التخلص من أعباء الحياة وحدها.»فاستمعت إلى نادر، وعادت إلى ممارسة حياتها، محاولةً تجاهل جميع الأحداث الغريبة التي تحدث لها، والتي قلت حدتها قليلًا بوجوده بجانبها معظم الوقت.عادت إلى الكلية والاستعداد للامتحانات، وكان يسندها في ذلك. يأتي يوميًا، يذاكر لها ما فاتها، ويجمع لها المحاضرات، ويساعدها في إكمال تصميماتها.وفي أحد الأيام، كانت تجلس منتظرةً نادر كعادتها...لكنه تأخر على غير العادة.أمسكت هاتفها بتردد للاتصال به، وكانت شاردة، لكنها انتفضت بفزع عندما رن الهاتف في يدها، وظهر اسمه على الشاشة، وكأنه شعر بها.— نادر، مجتش ليه؟ فينك؟شعرت بتردده قبل أن يجيب.— نايا... مش هقدر أجي تاني.صمت للحظة، ثم تابع:— إنتِ خلاص مش محتاجاني. إنتِ كده معاكي كل اللي فاتك، وه

  • ما لم يُدفن   3

    — نايا تعالي هنا.. أنا همسكك! ضحكت نايا وهي تجري بين أرجاء الغرفة، بينما والدتها تطاردها محاولة الإمساك بها. — مش هتفضلي مستخبية مني كتير. اختبأت نايا خلف أحد الأبواب، وكتمت ضحكتها بيدها. — عرفت مكانك.. أنا هوصلك أهو! انفجرت نايا بالضحك، وخرجت من مخبئها، لكن والدتها أمسكت بها أخيرًا. — خلاص، اعترفي إنك خسرانة. — لااا، أنا ما خسرتش! ضحكت والدتها وهي تضمها إليها. — طيب قومي بقى نذاكر شوية. — مش عايزة... أنا عايزة أرسم. سحبتها والدتها معها إلى الغرفة. — ترسمي براحتك بعد ما تخلصي مذاكرة. جلست نايا أمام كتابها، وبدأت والدتها تشرح لها الرياضيات. وبعد وقت، تركتها وذهبت إلى المطبخ لتحضير الغداء. ما إن اختفت والدتها عن الأنظار، حتى أغلقت نايا كتابها وأخرجت أوراقها وأقلامها. اندمجت في الرسم، حتى فوجئت بوالدتها تقف خلفها. — إيه ده يا نايا؟ ارتبكت نايا وأخفت الورقة. — ولا حاجة. اقتربت والدتها وأخذت الرسم منها، ثم ابتسمت. — إنتِ موهوبة بجد يا نايا. رفعت نايا عينيها إليها بسعادة. — بجد؟ — بجد. لو فضلتي تطوري موهبتك، ممكن تدخلي فنون جميلة وتبقي فنانة شاطرة جدًا. ارتمت نايا في

  • ما لم يُدفن   2

    فبراير... 2023 الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل منذ ذلك اللقاء المؤلم مع والدة نادر، انقطعت أخباره عنها تمامًا. أغلقت كل طرق التواصل بينهما، وعادت إلى عادتها القديمة؛ فراشها، غرفتها المظلمة، وعينان مغمضتان تحاول بهما الهروب من كل شيء. لكن في تلك الليلة، لم يتركها النوم بسلام. فجأة، شعرت باختناق حاد، كأن الهواء اختفى من حولها. خرجت شهقة من أعماقها، ففتحت عينيها بعنف، وراحت أنفاسها تتلاحق وهي تتلفت حولها. لم ترَ شيئًا سوى الظلام المحيط بها من كل جانب. وهي تكره الظلام. لكن ما جعل الخوف يتسلل إلى قلبها لم يكن الظلام وحده. شعرت بأنفاس ساخنة قريبة جدًا... خلفها. لم تفكر. اندفعت راكضة وهي تصرخ: — نــــادر! الحقني... نــــادر، إنت فين؟ نادر! تعثرت قدماها وسقطت أرضًا، فامتلأت يداها بالتراب. رفعت رأسها على صوت دقات طبول غريبة، تتكرر بنغمة منتظمة. وكلما اقترب صوتها، ضاق صدرها أكثر، وتسارعت ضربات قلبها. انهارت قوتها، وانهمرت دموعها. همست: — نادر... ثم سمعت صوتًا لم تسمعه منذ وقت طويل. صوت أمها. هادئًا، دافئًا... كما كان دائمًا. — اهربي يا نايا. تجمدت في مكانها. للحظة، تس

  • ما لم يُدفن   الفصل الأوّل

    كانت الأضواء تغمر المكان، وتتوالى صيحات الجمهور من كل جانب، بينما امتلأت المدرجات بالحاضرين. وعلى بُعدٍ منهم، استقرت الأضواء على وجه مذيع ذائع الصيت في الوطن العربي، يجلس أمامه كاتب تضاهي شهرته شهرة المذيع أضعافًا. وُضع أمام الكاتب كوب من الماء، وبجواره كتابه الأخير الذي صدر حديثًا. كان هادئًا على نحوٍ لافت؛ فقد اعتاد مثل هذه اللقاءات، ولم يعد يخشى الأسئلة أو مفاجآتها. أشار إليه المذيع، فهز رأسه مستعدًا، ثم التفت إلى فريق العمل. — 3... 2... 1... هوا! ابتسم المذيع ابتسامته البشوشة المعتادة، وقال أمام الكاميرا: — وزي ما وعدناكم وفينا بوعدنا، النهارده معانا لقاء مع الكاتب الشهير جدًا، علشان نجاوب على كل أسئلتكم... نورت برنامجنا المتواضع. اتجهت الكاميرا نحو الكاتب، الذي ابتسم بتكلف، ثم أشار إلى الجمهور. — مين حابب يسأل؟ أمسك المذيع بأوراق الإعداد: — خلينا الأول نتعرف على كاتبنا أكتر، وبعدها نتوجه للجمهور. ابتسم الكاتب ابتسامة مصطنعة. — تمام. خفتت الإضاءة، ولم يبقَ منها سوى ما يسلط على وجه المذيع والكاتب. — اسمك «ليل»، لكن عرفنا من مصادرنا الخاصة إن ده اسم شهرة، وإن ليك اسم تان

  • ما لم يُدفن   2

    ركض طفل في العاشرة من عمره صاعدًا درجات السلم، متوجهًا إلى الطابق الثالث حيث منزله، بعدما انتهى للتو من دوامه المدرسي الابتدائي.وصل إلى باب المنزل، وقبل أن يهمّ بالضغط على جرسه، استمع إلى صوت من خلفه، فالتفت ليجد جارته تقف أمام باب منزلها.ابتسم لها ببراءة طفولية:- إزي حضرتك يا طنط؟بادلته الابتسامة:- حبيبي، أمال فين نايا؟ اتأخرتوا كده ليه؟وبتلقائية، أشار إلى الدرج خلفه:- طالعة ورايا أهي... وهي اللي أخرتنا، كانت عايزة تدخل البيت الم...لم يُكمل جملته، إذ قاطعته طفلة تصغره بعام، وقفت أمامه بغضب طفولي:- اسكت يا فتان.ضم حاجبيه متذمرًا، وبدأت وجنتاه تحمران دليلًا على غضبه الذي أخذ يشتعل:- أنا مش فتان.ردت بنبرة مليئة بالتحدي والإصرار:- لا، فتان.صاحت الأم بغضب:- تاني يا نايا؟ مش قولت متمشوش من الشارع ده؟تجاهلت الطفلة والدتها، وظلت تحدق في الطفل بشر:- فتان.ضرب بقدمه الأرض اعتراضًا:- أنا مش فتان.- فتان.بدأ الشجار بينهما من جديد، إلى أن اضطرت الأم إلى سحب الطفلة إلى داخل المنزل، وهي تصرخ عليها، بعدما شكرت الطفل.ظل واقفًا في مكانه للحظات، يستمع إلى صراخ الأم عليها، وشعر بوخزة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status