LOGINركض طفل في العاشرة من عمره صاعدًا درجات السلم، متوجهًا إلى الطابق الثالث حيث منزله، بعدما انتهى للتو من دوامه المدرسي الابتدائي.
وصل إلى باب المنزل، وقبل أن يهمّ بالضغط على جرسه، استمع إلى صوت من خلفه، فالتفت ليجد جارته تقف أمام باب منزلها. ابتسم لها ببراءة طفولية: - إزي حضرتك يا طنط؟ بادلته الابتسامة: - حبيبي، أمال فين نايا؟ اتأخرتوا كده ليه؟ وبتلقائية، أشار إلى الدرج خلفه: - طالعة ورايا أهي... وهي اللي أخرتنا، كانت عايزة تدخل البيت الم... لم يُكمل جملته، إذ قاطعته طفلة تصغره بعام، وقفت أمامه بغضب طفولي: - اسكت يا فتان. ضم حاجبيه متذمرًا، وبدأت وجنتاه تحمران دليلًا على غضبه الذي أخذ يشتعل: - أنا مش فتان. ردت بنبرة مليئة بالتحدي والإصرار: - لا، فتان. صاحت الأم بغضب: - تاني يا نايا؟ مش قولت متمشوش من الشارع ده؟ تجاهلت الطفلة والدتها، وظلت تحدق في الطفل بشر: - فتان. ضرب بقدمه الأرض اعتراضًا: - أنا مش فتان. - فتان. بدأ الشجار بينهما من جديد، إلى أن اضطرت الأم إلى سحب الطفلة إلى داخل المنزل، وهي تصرخ عليها، بعدما شكرت الطفل. ظل واقفًا في مكانه للحظات، يستمع إلى صراخ الأم عليها، وشعر بوخزة من تأنيب الضمير. - أنا كلامي مبيتسمعش ليه؟ جاء صوت الأم من الداخل: - يا ماما! - الشارع ده ميتمشيش منه، فاهمة؟ - بس يا ماما، ده أقصر وأسهل. - نايا، بطلي عناد واسمعي الكلام... الشارع ده لأ. وقف الطفل مترددًا أمام الباب، وكأنه يريد أن يطرقه ويتقدم لإيقاف ذلك الشجار، لكنه تراجع في النهاية، وفتح باب منزله ودخل مستسلمًا. كان عليه أن يبتعد عن صوت الشجار الذي كان هو السبب في إشعاله. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة ظهرًا، وكانت فتاة صغيرة تسير مرتدية ثيابها المدرسية، وحقيبتها معلقة على ظهرها. كانت تتعمد السير بسرعة، فيتطاير شعرها ذو الأطراف البنية، ويلتمع تحت أشعة الشمس، بينما كانت تبعده عن عينيها اللتين تلتمعان بالعناد. لكنها لم تبتعد كثيرًا حتى استمعت خلفها إلى صوت طفل يركض غاضبًا. - نايا استني... طنط قالت نروح سوا. زادت من سرعة خطواتها: - مش عايزة أمشي معاك. زفر بضيق، ثم وقف أمامها: - أنا آسف. توقفت، وحدقت به: - بس إنت فتان. كتم غيظه منها: - أنا مش فتان. - لا، فتان. صمت للحظات، يفكر في إجابة تقنعها، ثم قال: - إيه رأيك إننا هنمشي من الشارع، مش هقول لطنط، عشان تعرفي إني مش فتان؟ أشرقت عيناها بحماس: - خلاص موافقة، أمشي معاك... بس لو قولت لماما... ابتسم بثقة، وسار إلى جوارها: - متمشيش معايا تاني. سارت بحماس: - وعد مش هتقول لماما. ابتسم لحماسها: - وعد مش هقول لمامتك... عشان أنا مش فتان. ابتسمت بسعادة: - إنت مش فتان... إنت حلو. سار الطفلان في شارع هادئ، لا يمر منه إلا القليل جدًا من المارة. كان الهدوء يحيط بالمكان، حتى توقفت الطفلة أمام منزل كبير، قديم ومهجور، بعدما استمعت إلى همسة خافتة تخرج من داخله، تنادي اسمها. نظر الطفل إلى نايا بتحفز: - وقفتي ليه كده؟ هنتأخر زي امبارح وطنط هتزعق. تطلعت إلى المنزل بتوتر وبراءة: - أقولك سر؟ بس هتصدقني؟ هز رأسه، دليلًا على تصديق حديثها القادم: - قولي، أنا مصدقك. أشارت إلى بوابة المنزل: - البيت ده في حد جوه... كل يوم بينادي عليّا. ساد الصمت لثوانٍ. فكر الطفل كما علمته والدته، ثم رد دون أن يشكك في كلامها: - نايا، البيت ده مفيهوش حد. إنتِ مسمعتيش العيال في المدرسة بيقولوا إيه عليه؟ ده بيت العفاريت. تساءلت بتفكير طفولي: - يعني العفاريت بتندهلي؟ نفى، وهو ينظر إلى المنزل: - لا، ماما قالتلي مفيش عفاريت. ابتسمت بحماس، ثم تقدمت ناحية المنزل: - تعال نشوف فيه ولا لأ. شعر بالخوف فورًا، فوقف أمامها يمنعها من الدخول: - لا، تعالي نروح بدل ما نتأخر. ابتسمت بخبث طفولي: - إنت خايف. كشر، واحمرت وجنتاه غضبًا: - أنا مبخافش. - لا، إنت خايف... جبان. التفت إلى المنزل، ثم نظر إليها: - أنا مش جبان، وهدخل وهتشوفي إني مش جبان. ركضت الطفلة إلى داخل بوابة المنزل القديم المتهالكة، وهي تقول: - الأخير يبقى جبان. مشى خلفها بخطوات مترددة: - استني. تجاهلته، وبدأت تصعد درجات المنزل المكون من أربعة طوابق. كلما صعدت درجة، كانت رعشة غريبة تسري في أوصال جسدها، لكنها لم تتوقف. كانت الهمسات لا تزال تتردد من حولها، خافتة وغير واضحة، ومع ذلك واصلت الصعود دون خوف. حتى توقفت أمام شقة تحمل الرقم خمسة في الطابق الثالث. لم تعرف كيف وصلت إلى هناك. تقدمت نحو الباب، وقبل أن تلمسه، انفتح أمامها. تجمدت للحظة. ثم همست بعدما بدأ الخوف يتسلل إليها: - أحمد... لكنها شعرت لوهلة أنها أصبحت وحيدة، منفصلة تمامًا عن العالم من حولها. دخلت الشقة، وبدأت تتجول بداخلها. كانت الجدران محروقة ومتهالكة، والظلام يملأ المكان. وفجأة، شعرت بخطوات خلفها. ظنت أنه صديقها. تقدمت خطوة إلى الأمام، حتى رأت هاتفًا قديمًا ملقى على الأرض بجوار غرفة مغلقة. كانت تلك الغرفة هي الوحيدة المغلقة في الشقة. جلست على الأرض، وأمسكت الهاتف، تحاول فتحه بفضول. لكنها لم تشعر بأن باب الغرفة المغلقة قد انفتح. رفعت رأسها عن الهاتف بعدما شعرت بيد على كتفها الأيمن. تجمدت في مكانها. لاحظت باب الغرفة وقد أصبح مفتوحًا. ظلت صامتة لثوانٍ، وكأن عينيها تشاهدان شيئًا لا تستطيع الكلمات وصفه. ثم خرجت منها صرخة قوية، هزت أرجاء المنزل كاملًا... قبل أن تفقد وعيها. في الخارج، كان أحمد لا يزال يصعد درجات المنزل. كان يحث قدميه على إكمال الطريق، فالمنزل مظلم، وله رهبة ثقيلة على القلب. كان قد وصل إلى الطابق الأول، وأخذ ينادي عليها، لعلها تأتي ويعود إلى منزله مطمئنًا. لكن الصمت كان هو الإجابة الوحيدة. كان صدى صوته يتردد في أرجاء المكان، فيزيد خوفه أكثر، وجعله يندم على عدم اعترافه بأنه جبان. جلس على إحدى الدرجات، ينتظرها، ويتلفت حوله كل فترة وأخرى. لم يحركه من مكانه شيء... حتى استمع إلى صرختها القوية. انتفض واقفًا. وركض. ركض بسرعة لم يكن يعلم أنه يمتلكها. صعد إلى الطابق الثالث، ودخل إلى الشقة الوحيدة التي كان بابها مفتوحًا. وهناك... رأى نايا ملقاة على الأرض فاقدة الوعي. لم يستوعب عقله ما يراه. لم يعرف ماذا يفعل. تساقطت دموعه بطفولة، وانحنى نحوها، يحاول إيقاظها. هز جسدها الصغير بيد مرتعشة: - نايا... أنا خايف. نايا قومي، خلينا نمشي. ردي عليا. ازداد الخوف بداخله. ولم يجد في ذهنه سوى فكرة واحدة؛ أن يستدعي والدتها لتنقذها سريعًا. ربت على كف يدها، وكأنه يحاول طمأنتها: - هجيب طنط وأجي بسرعة... متخفيش. ثم ركض. ركض سريعًا، ودموعه تتطاير من شدة خوفه. لم يكن يعلم كم من الوقت استغرقه للوصول إلى منزلها والسعي لإنقاذها سريعًا. صعد الدرجات وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، ثم ضرب الباب بيده بقوة. - طنط! افتحي يا طنط... افتحي بسرعة! وعلى صوت الطرقات القوية، فُتح باب شقة نايا، وكذلك باب شقتهم المواجهة لها. نظرت والدته إلى ابنها الصغير، الغارق في دموعه، وثيابه ملوثة. - مالك؟ إيه حصل؟ لكن والدة نايا هتفت سريعًا، بعدما بدأت أسوأ السيناريوهات تضرب عقلها خوفًا على ابنتها: - نايا فين؟! فتح الطفل فمه للحديث، وهو يطلق شهقات متقطعة، ثم أمسك بيد والدة نايا يحثها على الحركة معه: - وقعت... نايا مش بترد. تحركت معه بقلق بالغ: - وقعت فين؟ مالها؟ إيه حصل؟ سحبها الطفل سريعًا للنزول، ونزلت خلفهم والدته. وقبل أن يخرجوا من مدخل العمارة، توقفت أقدامهم فجأة عندما رأوا... نايا. كانت تقف أمامهم بابتسامة مازحة. شعرها مربوط في ذيل حصان مرتفع خلف ظهرها، وملابسها نظيفة، وكأن شيئًا لم يحدث. ضحكت: - جبان. بهت وجهه: - لكن أنا... اتجهت إليها والدتها سريعًا واحتضنتها: - إيه حصل؟ إنتِ كويسة؟ أحمد قال إنك وقعتي. تطلعت إليها نايا ببراءة: - أنا كويسة يا ماما، ده مقلب هو عمله فيكم. مدت والدة أحمد يدها وأمسكت بأذنه: - إنت كنت بتكدب! صاح متألمًا: - أنا مش كداب! هي كانت واقعة. نظرت إليه نايا بتحدٍ: - موقعتش. صاح، مبعدًا يد والدته عنه: - لا، وقعتي لما كنا في... صمت سريعًا. تذكر الوعد الذي قطعه لها. رفعت نايا حاجبها بسخرية: - كنا فين؟ نظر إلى الأرض: - أنا كداب... آسف إني ضحكت عليكم. مش هعمل مقالب تاني. اعتذرت والدته من والدة نايا، ثم سحبت ابنها من أذنه، وأخذت تحدثه عن العقاب الذي سيتلقاه. ورغم ألمه من أذنه، لم يبعد عينيه عنها. ظل ينظر إلى نايا حتى... تبلل بنطاله دون إرادة منه. لم يكن ذلك بسبب خوفه من عقاب والدته. بل بسبب ما رآه خلف نايا. كيان أسود. كان يقف خلفها، واضعًا يده على كتفها الأيمن. التفتت نايا إليه. ثم غلفت باب شقتهم. وفي اللحظة الأخيرة، لمح عينيها ولكن كانت. عين حمراء... وعين زرقاء. وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة لم يرها منها من قبل. ثم أغلقت الباب. دخل هو أيضًا بعدما استطاعت والدته سحبه إلى الداخل، وظلت تصرخ عليه بشدة بسبب أفعاله؛ بداية من كذبه، وصولًا إلى ذلك المقلب وحتي تلك الفعله وتبليل بنطاله. لكنه لم يكن يسمعها حقًا. كان عقله شاردًا... وقلبه خائفًا مرتعبًا... ولسانه معقودًا...ما زالت تجلس في ذلك المتنزه، بينما يحاول نادر إرضاءها بعدما جعل قلبها يرتجف خوفًا عليه.كان ممسكًا بيدها، يهتف بصوت مرتفع قليلًا:— هقوم أنتحر، فكي بقى.سحبت يدها منه وصرخت في وجهه:— أنا كان قلبي هيقف، وحضرتك قاعد هنا تشرب بيبسي ساقع على قلبك!ابتسم بمكر:— وحش البيبسي... كنت أشرب ويسكي.ضربته باستياء في كتفه:— إنت بتهزر؟ إنت إيه يا أخي؟تلاعب بحاجبيه مبتسمًا:— أنا الحب يا بت.نفخت بغضب وهي تنهض:— أنا ماشية بدل ما أطق منك، ولو رنيت عليّا تاني هتموت بجد، ومش هعبرك.أمسك بيدها بهدوء، محاولًا إيقافها:— نايا، عشان خاطري خليكي. أنا لو كنت قلتلك عايز أشوفك ونتقابل بره شوية، كنتي هترفضي. وأنا عارف إنك بتنـزلي الجامعة بالعافية، ففكرت ملقتش غير الطريقة دي. كنت عايز أشوفك أوي، ومكنش ينفع أجيلك، وإنتِ فاهمة ليه. قوليلي أعمل إيه طيب؟ابتسمت، وتبخر غضبها شيئًا فشيئًا، وشعرت بقلبها يلين له:— متخضنيش تاني، عشان خاطري.ابتسم وهو ينظر إليها:— بتحبيني أوي كده؟ وبتخافي عليّا؟رفعت يدها لتجيبه، لكنها تذكرت صوت السيدة، فعاد الغضب يشتعل داخلها. ضربت صدره بيدها:— حب إيه يا خاين؟ مين دي اللي كلمتني و
«لا تتوقف اللعنة على حب الحبيب والهوس به... فالحب لا يتوقف على الحبيب وحده. إذ ما زالت الحياة تحمل قوانين لم يتوصل إليها البعض، وقوانين أخرى لم يتعرف عليها أحد بعد.ومن بين تلك القوانين...قانون الهوس بالشعور الدائم بالأمان والطمأنينة.فلحاجتك إلى ذلك الشعور، قد يصل بك الأمر إلى الجنون في سبيل الوصول إليه...»---«كانت تطمح إلى التخلص من أعباء الحياة وحدها.»فاستمعت إلى نادر، وعادت إلى ممارسة حياتها، محاولةً تجاهل جميع الأحداث الغريبة التي تحدث لها، والتي قلت حدتها قليلًا بوجوده بجانبها معظم الوقت.عادت إلى الكلية والاستعداد للامتحانات، وكان يسندها في ذلك. يأتي يوميًا، يذاكر لها ما فاتها، ويجمع لها المحاضرات، ويساعدها في إكمال تصميماتها.وفي أحد الأيام، كانت تجلس منتظرةً نادر كعادتها...لكنه تأخر على غير العادة.أمسكت هاتفها بتردد للاتصال به، وكانت شاردة، لكنها انتفضت بفزع عندما رن الهاتف في يدها، وظهر اسمه على الشاشة، وكأنه شعر بها.— نادر، مجتش ليه؟ فينك؟شعرت بتردده قبل أن يجيب.— نايا... مش هقدر أجي تاني.صمت للحظة، ثم تابع:— إنتِ خلاص مش محتاجاني. إنتِ كده معاكي كل اللي فاتك، وه
— نايا تعالي هنا.. أنا همسكك! ضحكت نايا وهي تجري بين أرجاء الغرفة، بينما والدتها تطاردها محاولة الإمساك بها. — مش هتفضلي مستخبية مني كتير. اختبأت نايا خلف أحد الأبواب، وكتمت ضحكتها بيدها. — عرفت مكانك.. أنا هوصلك أهو! انفجرت نايا بالضحك، وخرجت من مخبئها، لكن والدتها أمسكت بها أخيرًا. — خلاص، اعترفي إنك خسرانة. — لااا، أنا ما خسرتش! ضحكت والدتها وهي تضمها إليها. — طيب قومي بقى نذاكر شوية. — مش عايزة... أنا عايزة أرسم. سحبتها والدتها معها إلى الغرفة. — ترسمي براحتك بعد ما تخلصي مذاكرة. جلست نايا أمام كتابها، وبدأت والدتها تشرح لها الرياضيات. وبعد وقت، تركتها وذهبت إلى المطبخ لتحضير الغداء. ما إن اختفت والدتها عن الأنظار، حتى أغلقت نايا كتابها وأخرجت أوراقها وأقلامها. اندمجت في الرسم، حتى فوجئت بوالدتها تقف خلفها. — إيه ده يا نايا؟ ارتبكت نايا وأخفت الورقة. — ولا حاجة. اقتربت والدتها وأخذت الرسم منها، ثم ابتسمت. — إنتِ موهوبة بجد يا نايا. رفعت نايا عينيها إليها بسعادة. — بجد؟ — بجد. لو فضلتي تطوري موهبتك، ممكن تدخلي فنون جميلة وتبقي فنانة شاطرة جدًا. ارتمت نايا في
فبراير... 2023 الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل منذ ذلك اللقاء المؤلم مع والدة نادر، انقطعت أخباره عنها تمامًا. أغلقت كل طرق التواصل بينهما، وعادت إلى عادتها القديمة؛ فراشها، غرفتها المظلمة، وعينان مغمضتان تحاول بهما الهروب من كل شيء. لكن في تلك الليلة، لم يتركها النوم بسلام. فجأة، شعرت باختناق حاد، كأن الهواء اختفى من حولها. خرجت شهقة من أعماقها، ففتحت عينيها بعنف، وراحت أنفاسها تتلاحق وهي تتلفت حولها. لم ترَ شيئًا سوى الظلام المحيط بها من كل جانب. وهي تكره الظلام. لكن ما جعل الخوف يتسلل إلى قلبها لم يكن الظلام وحده. شعرت بأنفاس ساخنة قريبة جدًا... خلفها. لم تفكر. اندفعت راكضة وهي تصرخ: — نــــادر! الحقني... نــــادر، إنت فين؟ نادر! تعثرت قدماها وسقطت أرضًا، فامتلأت يداها بالتراب. رفعت رأسها على صوت دقات طبول غريبة، تتكرر بنغمة منتظمة. وكلما اقترب صوتها، ضاق صدرها أكثر، وتسارعت ضربات قلبها. انهارت قوتها، وانهمرت دموعها. همست: — نادر... ثم سمعت صوتًا لم تسمعه منذ وقت طويل. صوت أمها. هادئًا، دافئًا... كما كان دائمًا. — اهربي يا نايا. تجمدت في مكانها. للحظة، تس
كانت الأضواء تغمر المكان، وتتوالى صيحات الجمهور من كل جانب، بينما امتلأت المدرجات بالحاضرين. وعلى بُعدٍ منهم، استقرت الأضواء على وجه مذيع ذائع الصيت في الوطن العربي، يجلس أمامه كاتب تضاهي شهرته شهرة المذيع أضعافًا. وُضع أمام الكاتب كوب من الماء، وبجواره كتابه الأخير الذي صدر حديثًا. كان هادئًا على نحوٍ لافت؛ فقد اعتاد مثل هذه اللقاءات، ولم يعد يخشى الأسئلة أو مفاجآتها. أشار إليه المذيع، فهز رأسه مستعدًا، ثم التفت إلى فريق العمل. — 3... 2... 1... هوا! ابتسم المذيع ابتسامته البشوشة المعتادة، وقال أمام الكاميرا: — وزي ما وعدناكم وفينا بوعدنا، النهارده معانا لقاء مع الكاتب الشهير جدًا، علشان نجاوب على كل أسئلتكم... نورت برنامجنا المتواضع. اتجهت الكاميرا نحو الكاتب، الذي ابتسم بتكلف، ثم أشار إلى الجمهور. — مين حابب يسأل؟ أمسك المذيع بأوراق الإعداد: — خلينا الأول نتعرف على كاتبنا أكتر، وبعدها نتوجه للجمهور. ابتسم الكاتب ابتسامة مصطنعة. — تمام. خفتت الإضاءة، ولم يبقَ منها سوى ما يسلط على وجه المذيع والكاتب. — اسمك «ليل»، لكن عرفنا من مصادرنا الخاصة إن ده اسم شهرة، وإن ليك اسم تان
ركض طفل في العاشرة من عمره صاعدًا درجات السلم، متوجهًا إلى الطابق الثالث حيث منزله، بعدما انتهى للتو من دوامه المدرسي الابتدائي.وصل إلى باب المنزل، وقبل أن يهمّ بالضغط على جرسه، استمع إلى صوت من خلفه، فالتفت ليجد جارته تقف أمام باب منزلها.ابتسم لها ببراءة طفولية:- إزي حضرتك يا طنط؟بادلته الابتسامة:- حبيبي، أمال فين نايا؟ اتأخرتوا كده ليه؟وبتلقائية، أشار إلى الدرج خلفه:- طالعة ورايا أهي... وهي اللي أخرتنا، كانت عايزة تدخل البيت الم...لم يُكمل جملته، إذ قاطعته طفلة تصغره بعام، وقفت أمامه بغضب طفولي:- اسكت يا فتان.ضم حاجبيه متذمرًا، وبدأت وجنتاه تحمران دليلًا على غضبه الذي أخذ يشتعل:- أنا مش فتان.ردت بنبرة مليئة بالتحدي والإصرار:- لا، فتان.صاحت الأم بغضب:- تاني يا نايا؟ مش قولت متمشوش من الشارع ده؟تجاهلت الطفلة والدتها، وظلت تحدق في الطفل بشر:- فتان.ضرب بقدمه الأرض اعتراضًا:- أنا مش فتان.- فتان.بدأ الشجار بينهما من جديد، إلى أن اضطرت الأم إلى سحب الطفلة إلى داخل المنزل، وهي تصرخ عليها، بعدما شكرت الطفل.ظل واقفًا في مكانه للحظات، يستمع إلى صراخ الأم عليها، وشعر بوخزة