مشاركة

2

مؤلف: ليل
last update تاريخ النشر: 2026-09-05 03:43:28

فبراير... 2023

الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل.

منذ ذلك اللقاء المؤلم مع والدة نادر، انقطعت أخباري عنه تمامًا. أغلقت كل طرق التواصل بيننا، وعدت إلى عادتي القديمة؛ فراشي، غرفتي المظلمة، وعينان مغمضتان أحاول بهما الهروب من كل شيء.

لكن تلك الليلة، لم يتركني النوم بسلام.

فجأة، شعرت باختناق حاد، كأن الهواء اختفى من حولي.

خرجت شهقة من أعماقي، ففتحت عيني بعنف، وراحت أنفاسي تتلاحق وأنا أتلفت حولي. لم أرَ شيئًا سوى الظلام يحيط بي من كل جانب.

وأنا أكره الظلام.

لكن ما جعل الخوف يتسلل إلى قلبي لم يكن الظلام وحده.

شعرت بأنفاس ساخنة قريبة جدًا... خلفي.

لم أفكر.

اندفعت راكضة وأنا أصرخ:

— نــــادر! الحقني... نــــادر، إنت فين؟ نادر!

تعثرت قدمي وسقطت أرضًا، فامتلأت يداي بالتراب.

رفعت رأسي على صوت دقات طبول غريبة، تتكرر بنغمة منتظمة. وكلما اقترب صوتها، ضاق صدري أكثر، وتسارعت ضربات قلبي.

انهارت قوتي، وانهمرت دموعي.

همست:

— نادر...

ثم سمعت صوتًا لم أسمعه منذ وقت طويل.

صوت أمي.

هادئًا، دافئًا... كما كان دائمًا.

— اهربي يا نايا.

تجمدت في مكاني.

للحظة، تسلل الأمان إلى قلبي.

لكن النار اشتعلت في يدي اليسرى.

صرخت من الألم واحتضنتها، ثم فتحت كفي ببطء.

كانت هناك حروق تتخذ شكل حروف غريبة.

حاولت قراءتها:

— ااا... ب... بيل... بيلز... بيلزبو...

ما إن انتهيت من نطق الاسم حتى انشقت الأرض.

اندفعت منها براكين من نار سوداء، وعادت دقات الطبول، أعلى وأقرب. ركضت أبحث عن أي مكان يحميني من الحمم التي بدأت تطاردني.

— أبي... أمي... نادر... حد يساعدني!

صرخت بكل ما بقي في صدري:

— يــــا رب!

اصطدمت بشيء صلب.

قبل أن أستوعب ما حدث، التفّت يد حول عنقي ورفعتني عن الأرض.

لم أرَ وجهه.

لم أرَ سوى ظلام يبتلع ملامحه.

كانت يده تحرق عنقي كأنها من نار. حاولت الصراخ، لكن الهواء انقطع عن صدري. شعرت بقوتي تتلاشى، وسقطت دموعي على يده.

أغمضت عيني...

واستسلمت للموت.

لكن جسدي سقط فجأة إلى الأرض.

صرخت متألمة عندما اندفع التراب فوقي، ثم رفعت رأسي ببطء.

كان هناك شخص ملثم يقف أمامي.

لم أرَ من وجهه شيئًا سوى عينيه... تلمعان كجمرتين وسط الظلام.

ظللت أحدق فيهما.

حتى اخترق الظلام نور ساطع.

واختفى كل شيء.

فتحت عيني بشهقة عنيفة، أبحث عن الهواء كأنني خرجت للتو من قاع بئر.

نظرت حولي.

غرفتي.

فراشي.

الظلام نفسه.

كان كابوسًا.

وضعت يدي على رأسي.

— فوقي يا نايا...

لكنني تألمت.

نظرت إلى يدي.

وتجمدت.

الحروق ما زالت هناك.

نفس الحروف التي رأيتها في الحلم.

شعرت بالخوف من نطق الاسم مرة أخرى، فأسرعت بربط يدي دون أن أفهم ما يحدث لي.

لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا...

كنت أريد الرسم.

وبشدة.

أغلقت هاتفي كعادتي في الأيام الأخيرة، وانعزلت داخل غرفتي. مر يومان وأنا أرسم دون أن أخرج، ودون أن أنام ليلًا، خوفًا من عودة ذلك الكابوس.

حتى جاء صباح اليوم الثالث.

غلبني الإرهاق.

أغمضت عيني أخيرًا مع ظهور أول خيط من ضوء النهار، بعدما انتهيت من رسم اللوحة التي تحمل تفاصيل الكابوس.

وسقطت في النوم.

لم يوقظني سوى جرس الباب.

حاولت مقاومة النوم، لكن الطرق المتواصل أجبرني على مغادرة فراشي. فتحت الباب والإرهاق يثقل ملامحي.

كان نادر.

توقفت أمامه.

امتلأت عيناي بمشاعر متناقضة، بينما ابتلع الصمت المكان.

بدأ يتحدث بغضب، لكنني لم ألتقط من كلماته سوى بعضها:

— الأستاذة هتفضل لحد إمتى متجاهلاني وقلقاني عليها؟ أنا ذنبي إيه؟ أنا بحبك يا نايا، وهفضل معاكي، قولتلك... مليش ذنب في أي حاجة عشان تعامليني كأني نكرة كده وتصديني... نايا، أنا...

لم أتركه يكمل.

احتضنته.

وانهرت بالبكاء، كأنني كنت أنتظر ذراعيه منذ زمن.

— مش عايزة أفضل لوحدي يا نادر... اتصرف. أنا تعبانة أوي... أنا بموت بالبطيء. قربت أتجنن كمان.

تغير غضبه إلى قلق.

— إيه اللي حصل؟ مالك؟

ازداد بكائي.

— مش عارفة أنام. بقالي يومين صاحية... أنا خايفة أنام. في حاجات غريبة بتحصلي.

جلست معه وقصصت عليه الكابوس، ثم أريته اللوحة.

حاول تهدئتي بكل الطرق، ووعدني أنه في أقرب وقت سنتزوج، وسيأخذني معه إلى بيته، بعيدًا عن والدته وعن العالم كله.

— وقتها مش هتحلمي بالكوابيس دي تاني.

ظل بجانبي يتحدث ويحكي لي القصص حتى أهدأ، ويذكرني بمدى خوفه عندما لم أجب على اتصالاته.

وللمرة الأولى منذ أيام، شعرت بالأمان.

حتى غلبني النوم.

وغادر نادر المنزل... حاملًا معه اللوحة.

مرت الأيام ثقيلة.

وفاة أمي، والكوابيس التي لا تنتهي، والإرهاق الذي أنهك جسدي... كل ذلك جعل دراستي آخر ما أفكر فيه.

لكنني لم أسمح لنفسي بخسارة مستقبلي.

اجتهدت وكافحت، من أجل أمي قبل أي شيء.

كانت تتمنى أن تراني ناجحة، وكنت أريد أن أحقق أمنيتها، حتى لو لم تعد موجودة لتراني.

وفي أحد الأيام، اتصل بي عمي.

أخبرني أنه يريد رؤيتي في أمر عاجل.

أنهيت المكالمة وأعددت العشاء، ثم جلست أنتظر وصوله.

لكن عقلي وقلبي دخلا في حرب صامتة.

عقلي يخبرني بحزم:

أن لا خير في تلك الزيارة.

وقلبي يتأمل خيرًا:

أنه أتى ومعه بعض الأخبار السعيدة.

نفخت بضيق، محاولة إيقاف ذلك الحوار.

كانت الساعة السابعة مساءً.

وفي الموعد تمامًا، رن جرس الباب.

نهضت، وألقيت نظرة على نفسي في المرآة، ثم ابتسمت بسخرية.

كنت أشبه وردة تذبل ببطء.

فتحت الباب.

دخل عمي بابتسامة رسمية، وأخذ يتفحص أركان المنزل قبل أن يجلس.

— عاملة إيه؟ طمنيني عليكي... أحسن دلوقتي؟

جلست أمامه، أراقب أصابعي، وأقبض كفي وأبسطه من شدة التوتر.

— الحمد لله... الحمد لله.

أشعل سيجارته، ونفث دخانها في هدوء بعد تبادل كلمات المجاملة الروتينية.

ظل صامتًا دقائق، ثم قال:

— بصي يا نايا، أنا مش هلف وأدور. أنا جاي في موضوع حق.

اعتدلت في جلستي بتفاجؤ من سرعة الأمر.

— موضوع إيه؟

نظر إليّ مباشرة.

— إنتِ عارفة إن نادر، زميلك، طالب إيدك.

خفضت رأسي بخجل.

— أيوه.

تابع:

— الوقت بيجري، وامتحاناتك قربت، وبعدها هتتخرجي. ونادر شاب كويس، وبيتهيألي إنك بتحبيه، مش كده؟

لم أجب.

فأكمل وهو ينظر حوله:

— يعني من الآخر، إنتِ هتتجوزي، وهو مستعجل أصلًا. ممكن على آخر السنة تكوني في بيت نادر، وساعتها هتسيبي الشقة دي... شقة أبوكي.

رفعت عيني إليه.

— تقصد إيه؟

نفث دخان سيجارته بلا مبالاة.

— أقصد إن الشقة دي حقي. والمفروض تشكريني إني سبتك تعيشي فيها كل ده. هتتباع بمبلغ كويس، هديكي حقك، وآخد حقي.

لم أفهم في البداية.

— بس...

قاطعني:

— مفيش بس. أنا هاخد حقي. أحسن ما نادر ده يضحك عليكي ويكون طمعان فيكي وفي الشقة وياخدها منك. عمك أولى من الغريب. وأنا هديكي حقك، مش هاكله عليكي.

نظرت حولي.

كل ركن في الشقة كان يحمل ذكرى.

هنا كانت أمي.

هنا كان أبي.

وهنا عشت معهما.

سقطت دموعي، وقلت باستسلام:

— وهعيش فين لحد ما أنا ونادر نتجوز؟

ابتسم.

— هتفضلي هنا. أنا مش وحش عشان أرميكي. اللي خلاني أصبر كل ده، مش هصبر كام شهر كمان. أوعدك أول ما تروحي بيت جوزك هبعتلك حقك.

هززت رأسي بسخرية.

— شكرًا.

اقترب وربت على رأسي متصنعًا الحنان، ثم أخبرني أنه يجب أن يغادر لأن عائلته تنتظره.

وخرج.

لم أمنعه.

ليذهب إلى الجحيم.

اتجهت إلى المطبخ ونظرت إلى الطعام الذي أعددته.

ابتسمت بمرارة.

— وأنا اللي قولت جاي ياكل معايا ويطمن عليا... طلع جاي ياكلني.

ألقيت الطعام.

لم أعد أشتهي شيئًا.

لا الطعام...

ولا حتى الحياة.

دخلت غرفتي وأغلقت الباب.

أصبحت أختبئ في الظلام، وكأنه المكان الوحيد الذي لا يطلب مني شيئًا.

أغمضت عيني.

عادت الأنفاس الساخنة من حولي.

واشتعل الحرق في يدي من جديد.

لكنني هذه المرة لم أملك طاقة للخوف.

كان قلبي قد تحطم بما يكفي.

أخذ عقلي يدور حول سؤال واحد:

ماذا لو رفضت والدة نادر أن يتزوجني؟

أين سأذهب؟

هل سيكون الشارع ملجئي؟

اشتد بكائي، وتمنيت لو يتوقف قلبي.

كنت قد سمعت كثيرًا أن الحزن والبكاء قبل النوم قد يقتلان القلب.

لكن لماذا، أيها الغبي، ما زلت متمسكًا بحياة لا تريدك؟

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • ما لم يُدفن   4

    «لا تتوقف اللعنة على حب الحبيب والهوس به... فالحب لا يتوقف على الحبيب وحده. إذ ما زالت الحياة تحمل قوانين لم يتوصل إليها البعض، وقوانين أخرى لم يتعرف عليها أحد بعد.ومن بين تلك القوانين...قانون الهوس بالشعور الدائم بالأمان والطمأنينة.فلحاجتك إلى ذلك الشعور، قد يصل بك الأمر إلى الجنون في سبيل الوصول إليه...»---«كانت تطمح إلى التخلص من أعباء الحياة وحدها.»فاستمعت إلى نادر، وعادت إلى ممارسة حياتها، محاولةً تجاهل جميع الأحداث الغريبة التي تحدث لها، والتي قلت حدتها قليلًا بوجوده بجانبها معظم الوقت.عادت إلى الكلية والاستعداد للامتحانات، وكان يسندها في ذلك. يأتي يوميًا، يذاكر لها ما فاتها، ويجمع لها المحاضرات، ويساعدها في إكمال تصميماتها.وفي أحد الأيام، كانت تجلس منتظرةً نادر كعادتها...لكنه تأخر على غير العادة.أمسكت هاتفها بتردد للاتصال به، وكانت شاردة، لكنها انتفضت بفزع عندما رن الهاتف في يدها، وظهر اسمه على الشاشة، وكأنه شعر بها.— نادر، مجتش ليه؟ فينك؟شعرت بتردده قبل أن يجيب.— نايا... مش هقدر أجي تاني.صمت للحظة، ثم تابع:— إنتِ خلاص مش محتاجاني. إنتِ كده معاكي كل اللي فاتك، وه

  • ما لم يُدفن   3

    — نايا تعالي هنا.. أنا همسكك! ضحكت نايا وهي تجري بين أرجاء الغرفة، بينما والدتها تطاردها محاولة الإمساك بها. — مش هتفضلي مستخبية مني كتير. اختبأت نايا خلف أحد الأبواب، وكتمت ضحكتها بيدها. — عرفت مكانك.. أنا هوصلك أهو! انفجرت نايا بالضحك، وخرجت من مخبئها، لكن والدتها أمسكت بها أخيرًا. — خلاص، اعترفي إنك خسرانة. — لااا، أنا ما خسرتش! ضحكت والدتها وهي تضمها إليها. — طيب قومي بقى نذاكر شوية. — مش عايزة... أنا عايزة أرسم. سحبتها والدتها معها إلى الغرفة. — ترسمي براحتك بعد ما تخلصي مذاكرة. جلست نايا أمام كتابها، وبدأت والدتها تشرح لها الرياضيات. وبعد وقت، تركتها وذهبت إلى المطبخ لتحضير الغداء. ما إن اختفت والدتها عن الأنظار، حتى أغلقت نايا كتابها وأخرجت أوراقها وأقلامها. اندمجت في الرسم، حتى فوجئت بوالدتها تقف خلفها. — إيه ده يا نايا؟ ارتبكت نايا وأخفت الورقة. — ولا حاجة. اقتربت والدتها وأخذت الرسم منها، ثم ابتسمت. — إنتِ موهوبة بجد يا نايا. رفعت نايا عينيها إليها بسعادة. — بجد؟ — بجد. لو فضلتي تطوري موهبتك، ممكن تدخلي فنون جميلة وتبقي فنانة شاطرة جدًا. ارتمت نايا في

  • ما لم يُدفن   2

    فبراير... 2023الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل.منذ ذلك اللقاء المؤلم مع والدة نادر، انقطعت أخباري عنه تمامًا. أغلقت كل طرق التواصل بيننا، وعدت إلى عادتي القديمة؛ فراشي، غرفتي المظلمة، وعينان مغمضتان أحاول بهما الهروب من كل شيء.لكن تلك الليلة، لم يتركني النوم بسلام.فجأة، شعرت باختناق حاد، كأن الهواء اختفى من حولي.خرجت شهقة من أعماقي، ففتحت عيني بعنف، وراحت أنفاسي تتلاحق وأنا أتلفت حولي. لم أرَ شيئًا سوى الظلام يحيط بي من كل جانب.وأنا أكره الظلام.لكن ما جعل الخوف يتسلل إلى قلبي لم يكن الظلام وحده.شعرت بأنفاس ساخنة قريبة جدًا... خلفي.لم أفكر.اندفعت راكضة وأنا أصرخ:— نــــادر! الحقني... نــــادر، إنت فين؟ نادر!تعثرت قدمي وسقطت أرضًا، فامتلأت يداي بالتراب.رفعت رأسي على صوت دقات طبول غريبة، تتكرر بنغمة منتظمة. وكلما اقترب صوتها، ضاق صدري أكثر، وتسارعت ضربات قلبي.انهارت قوتي، وانهمرت دموعي.همست:— نادر...ثم سمعت صوتًا لم أسمعه منذ وقت طويل.صوت أمي.هادئًا، دافئًا... كما كان دائمًا.— اهربي يا نايا.تجمدت في مكاني.للحظة، تسلل الأمان إلى قلبي.لكن النار اشتعلت في يدي الي

  • ما لم يُدفن   الفصل الأوّل

    1كانت الأضواء تغمر المكان، وتتوالى صيحات الجمهور من كل جانب، بينما امتلأت المدرجات بالحاضرين. وعلى بُعدٍ منهم، استقرت الأضواء على وجه مذيع ذائع الصيت في الوطن العربي، يجلس أمامه كاتب تضاهي شهرته شهرة المذيع أضعافًا. وُضع أمام الكاتب كوب من الماء، وبجواره كتابه الأخير الذي صدر حديثًا. كان هادئًا على نحوٍ لافت؛ اعتاد مثل هذه اللقاءات، ولم يعد يخشى الأسئلة أو مفاجآتها. أشار إليه المذيع، فهز رأسه مستعدًا، ثم التفت إلى فريق العمل. — 3... 2... 1... هوا! ابتسم المذيع ابتسامته البشوشة المعتادة، وقال أمام الكاميرا: — وزي ما وعدناكم وفينا بوعدنا، النهارده معانا لقاء مع الكاتب الشهير جدًا، علشان نجاوب على كل أسئلتكم.... نورت برنامجنا المتواضع. اتجهت الكاميرا نحو الكاتب، الذي ابتسم بتكلف، ثم أشار للجمهور. — مين حابب يسأل؟ أمسك المذيع بأوراق الإعداد: — خلينا الأول نتعرف على كاتبنا أكتر، وبعدها نتوجه للجمهور. ابتسم الكاتب ابتسامة مصطنعة. — تمام. خفتت الإضاءة، ولم يبقَ منها سوى ما يسلط على وجه المذيع والكاتب. — اسمك «ليل»، لكن عرفنا من مصادرنا الخاصة إن ده اسم شهرة، وإن لي

  • ما لم يُدفن   2

    ركض طفل في العاشرة من عمره صاعدًا درجات السلم، متوجهًا إلى الطابق الثالث حيث منزله، بعدما انتهى للتو من دوامه المدرسي الابتدائي.وصل إلى باب المنزل، وقبل أن يهمّ بالضغط على جرسه، استمع إلى صوت من خلفه، فالتفت ليجد جارته تقف أمام باب منزلها.ابتسم لها ببراءة طفولية:- إزي حضرتك يا طنط؟بادلته الابتسامة:- حبيبي، أمال فين نايا؟ اتأخرتوا كده ليه؟وبتلقائية، أشار إلى الدرج خلفه:- طالعة ورايا أهي... وهي اللي أخرتنا، كانت عايزة تدخل البيت الم...لم يُكمل جملته، إذ قاطعته طفلة تصغره بعام، وقفت أمامه بغضب طفولي:- اسكت يا فتان.ضم حاجبيه متذمرًا، وبدأت وجنتاه تحمران دليلًا على غضبه الذي أخذ يشتعل:- أنا مش فتان.ردت بنبرة مليئة بالتحدي والإصرار:- لا، فتان.صاحت الأم بغضب:- تاني يا نايا؟ مش قولت متمشوش من الشارع ده؟تجاهلت الطفلة والدتها، وظلت تحدق في الطفل بشر:- فتان.ضرب بقدمه الأرض اعتراضًا:- أنا مش فتان.- فتان.بدأ الشجار بينهما من جديد، إلى أن اضطرت الأم إلى سحب الطفلة إلى داخل المنزل، وهي تصرخ عليها، بعدما شكرت الطفل.ظل واقفًا في مكانه للحظات، يستمع إلى صراخ الأم عليها، وشعر بوخزة

  • ما لم يُدفن   1

    كان الظلام قد ألقى بظلاله الثقيلة على تلك المنطقة الريفية؛ منطقة يغلب عليها طابع الأراضي الزراعية، تتخللها بعض المصانع والمخازن، وتتناثر بينها بيوت ريفية قليلة ومحال بقالة صغيرة.ورغم أن الساعة لم تتجاوز التاسعة مساءً، فإن المكان كان يبدو وكأنه قد تجاوز منتصف الليل منذ زمن. لا شيء سوى طرقات خاوية، وظلام يبتلع ما حوله، ونباح كلاب ضالة يتردد من بعيد، فيمنح المكان شعورًا موحشًا لا يُريح القلب.في تلك الأجواء، أغلق شاب ذو عيون زرقاء باب محل البقالة الذي يعمل به، ثم استدار عائدًا إلى منزله.كان يسكن في بقعة تتلاصق فيها البيوت، حتى بدت كأنها تحتمي ببعضها، مكوّنة حارة صغيرة تُعرف باسم «حارة سعيد الأسود»؛ نسبة إلى أكبر بلطجي يفرض سيطرته على محيط القرية الصغيرة.تنهد الشاب بإرهاق.كان قد تخرج لتوه من كلية التجارة، ولم يتخيل أن تكون بدايته بعد التخرج بهذا الشكل؛ يقضي ساعات طويلة في محل البقالة، ثم يعود كل ليلة عبر تلك الطرقات المظلمة.واصل سيره، بينما كانت خطواته تتردد في الصمت.من حين لآخر، كان يلتفت حوله.لا أحد.الطريق خالٍ تمامًا.حتى توقفت خطواته فجأة.وصل إلى أذنيه صوت مكتوم...ثم صوت آخر

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status