LOGINفبراير... 2023
الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل منذ ذلك اللقاء المؤلم مع والدة نادر، انقطعت أخباره عنها تمامًا. أغلقت كل طرق التواصل بينهما، وعادت إلى عادتها القديمة؛ فراشها، غرفتها المظلمة، وعينان مغمضتان تحاول بهما الهروب من كل شيء. لكن في تلك الليلة، لم يتركها النوم بسلام. فجأة، شعرت باختناق حاد، كأن الهواء اختفى من حولها. خرجت شهقة من أعماقها، ففتحت عينيها بعنف، وراحت أنفاسها تتلاحق وهي تتلفت حولها. لم ترَ شيئًا سوى الظلام المحيط بها من كل جانب. وهي تكره الظلام. لكن ما جعل الخوف يتسلل إلى قلبها لم يكن الظلام وحده. شعرت بأنفاس ساخنة قريبة جدًا... خلفها. لم تفكر. اندفعت راكضة وهي تصرخ: — نــــادر! الحقني... نــــادر، إنت فين؟ نادر! تعثرت قدماها وسقطت أرضًا، فامتلأت يداها بالتراب. رفعت رأسها على صوت دقات طبول غريبة، تتكرر بنغمة منتظمة. وكلما اقترب صوتها، ضاق صدرها أكثر، وتسارعت ضربات قلبها. انهارت قوتها، وانهمرت دموعها. همست: — نادر... ثم سمعت صوتًا لم تسمعه منذ وقت طويل. صوت أمها. هادئًا، دافئًا... كما كان دائمًا. — اهربي يا نايا. تجمدت في مكانها. للحظة، تسلل الأمان إلى قلبها. لكن النار اشتعلت في يدها اليسرى. صرخت من الألم واحتضنتها، ثم فتحت كفها ببطء. كانت هناك حروق تتخذ شكل حروف غريبة. حاولت قراءتها: — ااا... ب... بيل... بيلز... بيلزبو... وما إن انتهت من نطق الاسم حتى انشقت الأرض. اندفعت منها براكين من نار سوداء، وعادت دقات الطبول، أعلى وأقرب. ركضت تبحث عن أي مكان يحميها من الحمم التي بدأت تطاردها. — أبي... أمي... نادر... حد يساعدني! صرخت بكل ما بقي في صدرها: — يــــا رب! اصطدمت بشيء صلب. وقبل أن تستوعب ما حدث، التفّت يد حول عنقها ورفعتها عن الأرض. لم ترَ وجهه. لم ترَ سوى ظلام يبتلع ملامحه. كانت يده تحرق عنقها كأنها من نار. حاولت الصراخ، لكن الهواء انقطع عن صدرها، وشعرت بقوتها تتلاشى، بينما سقطت دموعها فوق يده. أغمضت عينيها... واستسلمت للموت. لكن جسدها سقط فجأة إلى الأرض. صرخت متألمة عندما اندفع التراب فوقها، ثم رفعت رأسها ببطء. كان هناك شخص ملثم يقف أمامها. لم ترَ من وجهه شيئًا سوى عينيه... تلمعان كجمرتين وسط الظلام. ظلت تحدق فيهما. حتى اخترق الظلام نور ساطع. واختفى كل شيء. فتحت عينيها بشهقة عنيفة، تبحث عن الهواء كأنها خرجت للتو من قاع بئر. نظرت حولها. غرفتها. فراشها. الظلام نفسه. كان كابوسًا. وضعت يدها على رأسها. — فوقي يا نايا... لكنها تألمت. نظرت إلى يدها. وتجمدت. كانت الحروق ما تزال هناك. نفس الحروف التي رأتها في الحلم. شعرت بالخوف من نطق الاسم مرة أخرى، فأسرعت بربط يدها دون أن تفهم ما يحدث لها. لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا... كانت تريد الرسم. وبشدة. أغلقت هاتفها كعادتها في الأيام الأخيرة، وانعزلت داخل غرفتها. مرّ يومان وهي ترسم دون أن تخرج، ودون أن تنام ليلًا، خوفًا من عودة ذلك الكابوس. حتى جاء صباح اليوم الثالث. غلبها الإرهاق. أغمضت عينيها أخيرًا مع ظهور أول خيط من ضوء النهار، بعدما انتهت من رسم اللوحة التي تحمل تفاصيل الكابوس. وسقطت في النوم. لم يوقظها سوى جرس الباب. حاولت مقاومة النوم، لكن الطرق المتواصل أجبرها على مغادرة فراشها. فتحت الباب والإرهاق يثقل ملامحها. كان نادر. توقفت أمامه. امتلأت عيناها بمشاعر متناقضة، بينما ابتلع الصمت المكان. بدأ يتحدث بغضب، لكنها لم تلتقط من كلماته سوى بعضها: — الأستاذة هتفضل لحد إمتى متجاهلاني وقلقاني عليها؟ أنا ذنبي إيه؟ أنا بحبك يا نايا، وهفضل معاكي، قولتلك... مليش ذنب في أي حاجة عشان تعامليني كأني نكرة كده وتصديني... نايا، أنا... لم تتركه يكمل. احتضنته. وانهارت بالبكاء، كأنها كانت تنتظر ذراعيه منذ زمن. — مش عايزة أفضل لوحدي يا نادر... اتصرف. أنا تعبانة أوي... أنا بموت بالبطيء. قربت أتجنن كمان. تغير غضبه إلى قلق. — إيه اللي حصل؟ مالك؟ ازداد بكاؤها. — مش عارفة أنام. بقالي يومين صاحية... أنا خايفة أنام. في حاجات غريبة بتحصلي. جلست معه وقصّت عليه الكابوس، ثم أَرَته اللوحة. حاول تهدئتها بكل الطرق، ووعدها أنه في أقرب وقت سيتزوجها، وسيأخذها معه إلى بيته، بعيدًا عن والدته وعن العالم كله. — وقتها مش هتحلمي بالكوابيس دي تاني. ظل بجانبها يتحدث ويحكي لها القصص حتى تهدأ، ويذكرها بمدى خوفه عندما لم تجب على اتصالاته. وللمرة الأولى منذ أيام، شعرت بالأمان. حتى غلبها النوم. وغادر نادر المنزل... حاملًا معه اللوحة. --- مرت الأيام ثقيلة. وفاة أمها، والكوابيس التي لا تنتهي، والإرهاق الذي أنهك جسدها... كل ذلك جعل دراستها آخر ما تفكر فيه. لكنها لم تسمح لنفسها بخسارة مستقبلها. اجتهدت وكافحت، من أجل أمها قبل أي شيء. كانت تتمنى أن تراها ناجحة، وكانت نايا تريد أن تحقق أمنيتها، حتى لو لم تعد موجودة لترى ذلك. وفي أحد الأيام، اتصل بها عمها. أخبرها أنه يريد رؤيتها في أمر عاجل. أنهت المكالمة وأعدّت العشاء، ثم جلست تنتظر وصوله. لكن عقلها وقلبها دخلا في حرب صامتة. عقلها يخبرها بحزم: أن لا خير في تلك الزيارة. وقلبها يتأمل خيرًا: أنه أتى ومعه بعض الأخبار السعيدة. نفخت بضيق، محاولةً إيقاف ذلك الحوار. كانت الساعة السابعة مساءً. وفي الموعد تمامًا، رن جرس الباب. نهضت، وألقت نظرة على نفسها في المرآة، ثم ابتسمت بسخرية. كانت تشبه وردة تذبل ببطء. فتحت الباب. دخل عمها بابتسامة رسمية، وأخذ يتفحص أركان المنزل قبل أن يجلس. — عاملة إيه؟ طمنيني عليكي... أحسن دلوقتي؟ جلست أمامه، تراقب أصابعها، وتقبض كفها وتبسطه من شدة التوتر. — الحمد لله... الحمد لله. أشعل سيجارته، ونفث دخانها بهدوء، بعد تبادل كلمات المجاملة الروتينية. ظل صامتًا لدقائق، ثم قال: — بصي يا نايا، أنا مش هلف وأدور. أنا جاي في موضوع حق. اعتدلت في جلستها متفاجئةً من سرعة طرحه للأمر. — موضوع إيه؟ نظر إليها مباشرة. — إنتِ عارفة إن نادر، زميلك، طالب إيدك. خفضت رأسها بخجل. — أيوه. تابع: — الوقت بيجري، وامتحاناتك قربت، وبعدها هتتخرجي. ونادر شاب كويس، وبيتهيألي إنك بتحبيه، مش كده؟ لم تجب. فأكمل وهو ينظر حوله: — يعني من الآخر، إنتِ هتتجوزي، وهو مستعجل أصلًا. ممكن على آخر السنة تكوني في بيت نادر، وساعتها هتسيبي الشقة دي... شقة أبوكي. رفعت عينيها إليه. — تقصد إيه؟ نفث دخان سيجارته بلا مبالاة. — أقصد إن الشقة دي حقي. والمفروض تشكريني إني سبتك تعيشي فيها كل ده. هتتباع بمبلغ كويس، هديكي حقك، وآخد حقي. لم تفهم في البداية. — بس... قاطعها: — مفيش بس. أنا هاخد حقي. أحسن ما نادر ده يضحك عليكي ويكون طمعان فيكي وفي الشقة وياخدها منك. عمك أولى من الغريب. وأنا هديكي حقك، مش هاكله عليكي. نظرت حولها. كل ركن في الشقة كان يحمل ذكرى. هنا كانت أمها. هنا كان أبوها. وهنا عاشت معهما. سقطت دموعها، وقالت باستسلام: — وهعيش فين لحد ما أنا ونادر نتجوز؟ ابتسم. — هتفضلي هنا. أنا مش وحش عشان أرميكي. اللي خلاني أصبر كل ده، مش هصبر كام شهر كمان. أوعدك أول ما تروحي بيت جوزك هبعتلك حقك. هزّت رأسها بسخرية. — شكرًا. اقترب وربت على رأسها متصنعًا الحنان، ثم أخبرها أنه يجب أن يغادر لأن عائلته تنتظره. وخرج. لم تمنعه. ليذهب إلى الجحيم. اتجهت إلى المطبخ، ونظرت إلى الطعام الذي أعدّته. ابتسمت بمرارة. — وأنا اللي قولت جاي ياكل معايا ويطمن عليا... طلع جاي ياكلني. ألقت الطعام. لم تعد تشتهي شيئًا. لا الطعام... ولا حتى الحياة. دخلت غرفتها وأغلقت الباب. أصبحت تختبئ في الظلام، وكأنه المكان الوحيد الذي لا يطلب منها شيئًا. أغمضت عينيها. عادت الأنفاس الساخنة من حولها. واشتعل الحرق في يدها من جديد. لكنها هذه المرة لم تملك طاقة للخوف. كان قلبها قد تحطم بما يكفي. أخذ عقلها يدور حول سؤال واحد: ماذا لو رفضت والدة نادر أن يتزوجني؟ أين سأذهب؟ هل سيكون الشارع ملجئي؟ اشتد بكاؤها، وتمنت لو يتوقف قلبها. كانت قد سمعت كثيرًا أن الحزن والبكاء قبل النوم قد يقتلان القلب. لكن لماذا، أيها الغبي، ما زلت متمسكًا بحياة لا تريدك؟ما زالت تجلس في ذلك المتنزه، بينما يحاول نادر إرضاءها بعدما جعل قلبها يرتجف خوفًا عليه.كان ممسكًا بيدها، يهتف بصوت مرتفع قليلًا:— هقوم أنتحر، فكي بقى.سحبت يدها منه وصرخت في وجهه:— أنا كان قلبي هيقف، وحضرتك قاعد هنا تشرب بيبسي ساقع على قلبك!ابتسم بمكر:— وحش البيبسي... كنت أشرب ويسكي.ضربته باستياء في كتفه:— إنت بتهزر؟ إنت إيه يا أخي؟تلاعب بحاجبيه مبتسمًا:— أنا الحب يا بت.نفخت بغضب وهي تنهض:— أنا ماشية بدل ما أطق منك، ولو رنيت عليّا تاني هتموت بجد، ومش هعبرك.أمسك بيدها بهدوء، محاولًا إيقافها:— نايا، عشان خاطري خليكي. أنا لو كنت قلتلك عايز أشوفك ونتقابل بره شوية، كنتي هترفضي. وأنا عارف إنك بتنـزلي الجامعة بالعافية، ففكرت ملقتش غير الطريقة دي. كنت عايز أشوفك أوي، ومكنش ينفع أجيلك، وإنتِ فاهمة ليه. قوليلي أعمل إيه طيب؟ابتسمت، وتبخر غضبها شيئًا فشيئًا، وشعرت بقلبها يلين له:— متخضنيش تاني، عشان خاطري.ابتسم وهو ينظر إليها:— بتحبيني أوي كده؟ وبتخافي عليّا؟رفعت يدها لتجيبه، لكنها تذكرت صوت السيدة، فعاد الغضب يشتعل داخلها. ضربت صدره بيدها:— حب إيه يا خاين؟ مين دي اللي كلمتني و
«لا تتوقف اللعنة على حب الحبيب والهوس به... فالحب لا يتوقف على الحبيب وحده. إذ ما زالت الحياة تحمل قوانين لم يتوصل إليها البعض، وقوانين أخرى لم يتعرف عليها أحد بعد.ومن بين تلك القوانين...قانون الهوس بالشعور الدائم بالأمان والطمأنينة.فلحاجتك إلى ذلك الشعور، قد يصل بك الأمر إلى الجنون في سبيل الوصول إليه...»---«كانت تطمح إلى التخلص من أعباء الحياة وحدها.»فاستمعت إلى نادر، وعادت إلى ممارسة حياتها، محاولةً تجاهل جميع الأحداث الغريبة التي تحدث لها، والتي قلت حدتها قليلًا بوجوده بجانبها معظم الوقت.عادت إلى الكلية والاستعداد للامتحانات، وكان يسندها في ذلك. يأتي يوميًا، يذاكر لها ما فاتها، ويجمع لها المحاضرات، ويساعدها في إكمال تصميماتها.وفي أحد الأيام، كانت تجلس منتظرةً نادر كعادتها...لكنه تأخر على غير العادة.أمسكت هاتفها بتردد للاتصال به، وكانت شاردة، لكنها انتفضت بفزع عندما رن الهاتف في يدها، وظهر اسمه على الشاشة، وكأنه شعر بها.— نادر، مجتش ليه؟ فينك؟شعرت بتردده قبل أن يجيب.— نايا... مش هقدر أجي تاني.صمت للحظة، ثم تابع:— إنتِ خلاص مش محتاجاني. إنتِ كده معاكي كل اللي فاتك، وه
— نايا تعالي هنا.. أنا همسكك! ضحكت نايا وهي تجري بين أرجاء الغرفة، بينما والدتها تطاردها محاولة الإمساك بها. — مش هتفضلي مستخبية مني كتير. اختبأت نايا خلف أحد الأبواب، وكتمت ضحكتها بيدها. — عرفت مكانك.. أنا هوصلك أهو! انفجرت نايا بالضحك، وخرجت من مخبئها، لكن والدتها أمسكت بها أخيرًا. — خلاص، اعترفي إنك خسرانة. — لااا، أنا ما خسرتش! ضحكت والدتها وهي تضمها إليها. — طيب قومي بقى نذاكر شوية. — مش عايزة... أنا عايزة أرسم. سحبتها والدتها معها إلى الغرفة. — ترسمي براحتك بعد ما تخلصي مذاكرة. جلست نايا أمام كتابها، وبدأت والدتها تشرح لها الرياضيات. وبعد وقت، تركتها وذهبت إلى المطبخ لتحضير الغداء. ما إن اختفت والدتها عن الأنظار، حتى أغلقت نايا كتابها وأخرجت أوراقها وأقلامها. اندمجت في الرسم، حتى فوجئت بوالدتها تقف خلفها. — إيه ده يا نايا؟ ارتبكت نايا وأخفت الورقة. — ولا حاجة. اقتربت والدتها وأخذت الرسم منها، ثم ابتسمت. — إنتِ موهوبة بجد يا نايا. رفعت نايا عينيها إليها بسعادة. — بجد؟ — بجد. لو فضلتي تطوري موهبتك، ممكن تدخلي فنون جميلة وتبقي فنانة شاطرة جدًا. ارتمت نايا في
فبراير... 2023 الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل منذ ذلك اللقاء المؤلم مع والدة نادر، انقطعت أخباره عنها تمامًا. أغلقت كل طرق التواصل بينهما، وعادت إلى عادتها القديمة؛ فراشها، غرفتها المظلمة، وعينان مغمضتان تحاول بهما الهروب من كل شيء. لكن في تلك الليلة، لم يتركها النوم بسلام. فجأة، شعرت باختناق حاد، كأن الهواء اختفى من حولها. خرجت شهقة من أعماقها، ففتحت عينيها بعنف، وراحت أنفاسها تتلاحق وهي تتلفت حولها. لم ترَ شيئًا سوى الظلام المحيط بها من كل جانب. وهي تكره الظلام. لكن ما جعل الخوف يتسلل إلى قلبها لم يكن الظلام وحده. شعرت بأنفاس ساخنة قريبة جدًا... خلفها. لم تفكر. اندفعت راكضة وهي تصرخ: — نــــادر! الحقني... نــــادر، إنت فين؟ نادر! تعثرت قدماها وسقطت أرضًا، فامتلأت يداها بالتراب. رفعت رأسها على صوت دقات طبول غريبة، تتكرر بنغمة منتظمة. وكلما اقترب صوتها، ضاق صدرها أكثر، وتسارعت ضربات قلبها. انهارت قوتها، وانهمرت دموعها. همست: — نادر... ثم سمعت صوتًا لم تسمعه منذ وقت طويل. صوت أمها. هادئًا، دافئًا... كما كان دائمًا. — اهربي يا نايا. تجمدت في مكانها. للحظة، تس
كانت الأضواء تغمر المكان، وتتوالى صيحات الجمهور من كل جانب، بينما امتلأت المدرجات بالحاضرين. وعلى بُعدٍ منهم، استقرت الأضواء على وجه مذيع ذائع الصيت في الوطن العربي، يجلس أمامه كاتب تضاهي شهرته شهرة المذيع أضعافًا. وُضع أمام الكاتب كوب من الماء، وبجواره كتابه الأخير الذي صدر حديثًا. كان هادئًا على نحوٍ لافت؛ فقد اعتاد مثل هذه اللقاءات، ولم يعد يخشى الأسئلة أو مفاجآتها. أشار إليه المذيع، فهز رأسه مستعدًا، ثم التفت إلى فريق العمل. — 3... 2... 1... هوا! ابتسم المذيع ابتسامته البشوشة المعتادة، وقال أمام الكاميرا: — وزي ما وعدناكم وفينا بوعدنا، النهارده معانا لقاء مع الكاتب الشهير جدًا، علشان نجاوب على كل أسئلتكم... نورت برنامجنا المتواضع. اتجهت الكاميرا نحو الكاتب، الذي ابتسم بتكلف، ثم أشار إلى الجمهور. — مين حابب يسأل؟ أمسك المذيع بأوراق الإعداد: — خلينا الأول نتعرف على كاتبنا أكتر، وبعدها نتوجه للجمهور. ابتسم الكاتب ابتسامة مصطنعة. — تمام. خفتت الإضاءة، ولم يبقَ منها سوى ما يسلط على وجه المذيع والكاتب. — اسمك «ليل»، لكن عرفنا من مصادرنا الخاصة إن ده اسم شهرة، وإن ليك اسم تان
ركض طفل في العاشرة من عمره صاعدًا درجات السلم، متوجهًا إلى الطابق الثالث حيث منزله، بعدما انتهى للتو من دوامه المدرسي الابتدائي.وصل إلى باب المنزل، وقبل أن يهمّ بالضغط على جرسه، استمع إلى صوت من خلفه، فالتفت ليجد جارته تقف أمام باب منزلها.ابتسم لها ببراءة طفولية:- إزي حضرتك يا طنط؟بادلته الابتسامة:- حبيبي، أمال فين نايا؟ اتأخرتوا كده ليه؟وبتلقائية، أشار إلى الدرج خلفه:- طالعة ورايا أهي... وهي اللي أخرتنا، كانت عايزة تدخل البيت الم...لم يُكمل جملته، إذ قاطعته طفلة تصغره بعام، وقفت أمامه بغضب طفولي:- اسكت يا فتان.ضم حاجبيه متذمرًا، وبدأت وجنتاه تحمران دليلًا على غضبه الذي أخذ يشتعل:- أنا مش فتان.ردت بنبرة مليئة بالتحدي والإصرار:- لا، فتان.صاحت الأم بغضب:- تاني يا نايا؟ مش قولت متمشوش من الشارع ده؟تجاهلت الطفلة والدتها، وظلت تحدق في الطفل بشر:- فتان.ضرب بقدمه الأرض اعتراضًا:- أنا مش فتان.- فتان.بدأ الشجار بينهما من جديد، إلى أن اضطرت الأم إلى سحب الطفلة إلى داخل المنزل، وهي تصرخ عليها، بعدما شكرت الطفل.ظل واقفًا في مكانه للحظات، يستمع إلى صراخ الأم عليها، وشعر بوخزة