مشاركة

3

مؤلف: ليل
last update تاريخ النشر: 2026-09-11 04:35:18

— نايا تعالي هنا.. أنا همسكك!

ضحكت نايا وهي تجري بين أرجاء الغرفة، بينما والدتها تطاردها محاولة الإمساك بها.

— مش هتفضلي مستخبية مني كتير.

اختبأت نايا خلف أحد الأبواب، وكتمت ضحكتها بيدها.

— عرفت مكانك.. أنا هوصلك أهو!

انفجرت نايا بالضحك، وخرجت من مخبئها، لكن والدتها أمسكت بها أخيرًا.

— خلاص، اعترفي إنك خسرانة.

— لااا، أنا ما خسرتش!

ضحكت والدتها وهي تضمها إليها.

— طيب قومي بقى نذاكر شوية.

— مش عايزة... أنا عايزة أرسم.

سحبتها والدتها معها إلى الغرفة.

— ترسمي براحتك بعد ما تخلصي مذاكرة.

جلست نايا أمام كتابها، وبدأت والدتها تشرح لها الرياضيات. وبعد وقت، تركتها وذهبت إلى المطبخ لتحضير الغداء.

ما إن اختفت والدتها عن الأنظار، حتى أغلقت نايا كتابها وأخرجت أوراقها وأقلامها.

اندمجت في الرسم، حتى فوجئت بوالدتها تقف خلفها.

— إيه ده يا نايا؟

ارتبكت نايا وأخفت الورقة.

— ولا حاجة.

اقتربت والدتها وأخذت الرسم منها، ثم ابتسمت.

— إنتِ موهوبة بجد يا نايا.

رفعت نايا عينيها إليها بسعادة.

— بجد؟

— بجد. لو فضلتي تطوري موهبتك، ممكن تدخلي فنون جميلة وتبقي فنانة شاطرة جدًا.

ارتمت نايا في أحضانها.

كانت والدتها بالنسبة لها أكثر من مجرد أم... كانت أول شخص آمن بموهبتها، وأول شخص جعلها تصدق أنها تستطيع أن تصبح شيئًا كبيرًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرت السنوات، وجاء يوم ظهور نتيجة التنسيق.

جلست نايا ممسكة بهاتفها، تحدق في الشاشة بتوتر، بينما جلست والدتها بجوارها.

— متخافيش يا نايا.

— خايفة... نفسي أدخل فنون جميلة أوي.

ابتسمت والدتها وربتت على يدها.

— اتقبلتي أو لا، هفضل فخورة بيكي وبدعمك.

— بس ده حلمي يا ماما.

— وأنا هساعدك تحققيه. المهم تفضلي مؤمنة بنفسك.

نظرت نايا إليها وابتسمت.

— ادعيلي.

— بدعيلك دايمًا يا نور عيني.

وفي اللحظة نفسها، ظهر إشعار على الهاتف.

فتحت نايا الرسالة، واتسعت عيناها.

— اتقبلت!

صرخت من الفرحة، واحتضنت والدتها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكن لم تكن كل الأيام سعيدة.

في أحد الأيام، عادت نايا إلى المنزل ودموعها تملأ عينيها.

— مالك يا بنتي؟

ألقت حقيبتها جانبًا وجلست.

— الدكتور قطع التصميم بتاعي... تعبت فيه أوي يا ماما.

جلست والدتها بجوارها ومسحت دموعها.

— معلش، هتعملي الأحسن منه.

— هو أصلًا مش بيعجبه أي حاجة بعملها.

— أنا واثقة فيكي يا نايا.

وضعت الطعام أمامها.

— يلا كلي.

— مش قادرة.

— وأنا كمان مش هاكل لو إنتِ مش هتاكلي.

نظرت إليها نايا، ورغم دموعها إلا أنها حاولت تناول الطعام لأجل والدتها التي أخذت تربت على يدها بحنان.

وبعد أيام، عادت نايا من الكلية وهي تكاد لا تصدق ما حدث.

— ماما!

— في إيه؟

— الدكتور شاف التصميم اللي عملته... شكر فيا وفي تصميمي قدام كل الناس، فضل يمدح فيا كتير أوي!

ابتسمت والدتها بفخر.

— ما أنا قولتلك... إنتِ موهوبة بجد يا نايا.

كانت كلمات والدتها آخر ما بقي عالقًا في ذاكرتها من تلك الأيام.

«إنتِ موهوبة بجد يا نايا.»

مرت السنوات، وبقي صوتها وحده قادرًا على العودة إليها كلما ضاق بها كل شيء.

لكن هذه المرة، لم تعد الذكرى كافية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استيقظت نايا في منتصف الليل، وصورة والدتها بين ذراعيها.

حدقت في الصورة طويلًا، وكأنها تحاول استعادة ملامحها من جديد.

ثم وضعت الصورة جانبًا ونهضت من سريرها.

كان المنزل غارقًا في الظلام.

خطت بضع خطوات، قبل أن تشعر بالألم في يدها اليسرى.

نظرت إليها.

الحروف التي ظهرت على يدها منذ ذلك الكابوس كانت تلمع من جديد، والدم بدأ يتجمع حولها، بينما تصاعد دخان خفيف من راحة يدها.

ركضت إلى الحمام، ووضعت يدها تحت الماء.

لكن الألم ازداد.

كانت تلك الحروف لا تزال موجودة منذ ليلة الكابوس، لذلك اعتادت أن تخفي يدها وتلفها دائمًا، تخفيها من نفسها قبل الجميع.

رفعت رأسها نحو المرآة.

ظهر وجهها شاحبًا، وعيناها محاطتان بالإرهاق.

وفجأة، بدأت ملامح وجهها تتغير أمامها ببطء... حتى اختفت ملامحها تمامًا، وظهرت ملامح والدتها بدلًا منها.

تجمدت في مكانها.

حدقت في وجه والدتها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، تحمل اشتياقًا أكثر مما تحمل فرحًا.

لكن ملامح والدتها بدأت تتلاشى هي الأخرى.

تبدلت عيناها، ثم وجهها، حتى ظهرت ملامح نادر أمامها.

تغيرت ابتسامتها، وتحولت إلى ابتسامة تحمل شيئًا من الحب.

ثم بدأ وجه نادر في التشوه.

اسودت ملامحه تدريجيًا، حتى ظهرت هيئة الكيان الأسود أمامها، يمد يده نحوها.

صرخت نايا، ووضعت يدها على وجهها:

— ابعد عني... ناااادر!

في اللحظة نفسها، رن جرس الباب.

ساد الهدوء المكان فجأة.

اختفى كل شيء.

رفعت نايا عينيها إلى المرآة مرة أخرى...

فعاد انعكاسها طبيعيًا، وكأن شيئًا لم يحدث.

ظلت تحدق فيها لثوانٍ، ثم تراجعت عنها، ولفت يدها بسرعة قبل أن تخرج من الحمام.

كانت الساعة تقترب من الثانية صباحًا.

فتحت الباب على عجالة، وقد امتزجت دهشتها بخوفها من الطارق في هذا الوقت المتأخر.

لتتفاجأ بنادر يقف أمامها.

لم يقل شيئًا.

ارتميت بين ذراعيه، وانفجرت في البكاء.

— نادر... أنا خايفة أوي. نادر، عايزة أمشي من هنا.

ظل صامتًا.

فواصلت، وكأن صمته يدفعها للمزيد للحديث:

— هسيب البيت لعمي. هو عايز يبيعه وياخده يخده، وأنا أجيب شقة غيرها. مش عايزة حاجة غير إني أحس بالأمان زي زمان وبس وهنا مفيش امان مبقاش فيه نهائي ... خليك جانبي يا نادر، ومعايا.

شعرت بريبة من صمته.

نظرت إلى يديه اللتين تحتضنانها.

كانتا تسبحان في السواد.

رفعت عينيها إلى وجهه.

لم ترَ سوى سواد.

صرخت وحاولت الابتعاد عنه، والخوف يكاد يشق قلبها:

— ابعد عني... ابعــــد!

كانت قوته تفوق قوتها، ورفض أن يتركها.

لم تستطيع أبعد عينيها عن وجهه.

ثم بدأ وجهه يتغير.

نادر...

والدتها...

ثم الكيان الأسود.

تراجعت خطوة، والدم بدأ يسيل من يدها.

وفجأة، خرج صوت مرعب من ذلك الكيان:

— بــــــــــيـــــلــــزبــــــو!

سقط جسد نايا على الأرض.

تصاعد دخان أسود حولها، ثم ظهر أمامها شخص بوجه مضيء، حملها بين ذراعيه.

همست بصوت ضعيف:

— نادر...

ابتسم لها ابتسامة مخيفة.

ثم سقطت من جديد.

وجدت نفسها داخل حفرة مظلمة، وبدأ شخص ملثم يهيل التراب فوقها.

حاولت الصراخ، حاولت الحركة، لكن جسدها لم يستجب.

رفعت عينيها إليه.

تعلقت عيناها بعينيه.

عرفتهما.

كانت عينا نادر.

صرخت بكل ما تبقى في صوتها.

ثم غمرها الظلام.

وفجأة، تسلل ضوء قوي إلى المكان.

اختفى كل شيء.

لكن قلبها ظل ينبض بعنف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد مرور أسبوع...

كان نادر يجلس في منزله، القلق ينهش داخله.

حاول الاتصال بنايا عشرات المرات، لكن هاتفها ظل مغلقًا طوال الأسبوع.

لم يعد يحتمل.

لم يعرف إلى أين يذهب، سوى منزلها، لعله يطمئن.

وكالعادة...

كانت مختفية عن الأنظار.

حتى هاتفها مغلق منذ أسبوع.

طرق جرس الباب بقوة، ينتظر ردًا بلهفة، قبل أن يتصاعد خوفه ويفكر في كسر الباب.

وأخيرًا...

فتحت له.

نظر إليها مطولًا، معاتبًا، دون أن ينطق.

بحزن على حالتها وملامحها الذابلة، قال:

— تاني يا نايا؟

للمرة الأولى شعرت بالخوف منه.

لم تعد تعرف إن كانت تحلم أم تعيش الواقع.

أغلقت الباب في وجهه وصرخت:

— امشي من هنا.

وقف مصدومًا.

— نايا، افتحي. أنا جاي أطمن عليكي وأمشي.

صرخت بحدة:

— مش عايزة أشوفك. قولتلك امشي... امــشـي!

ضرب الباب بيده غاضبًا.

— افتحي! إنتِ إيه اللي حصلك؟

استمرت في الصراخ، والدموع تغرق وجهها.

— أرجوك امشي يا نادر.

جاء صوته أكثر إصرارًا:

— مش همشي غير لما تفتحي وأطمن عليكي وأفهم مالك... وأنا هفضل هنا.

جلس على السلم بجانب الباب.

وجلست هي أيضًا على الأرض، مستندة إلى الباب، وعيناها معلقتان بغرفتها.

باللوحة الكبيرة التي انتهت منها بالأمس.

كانت لفتاة تعتمر ملامح الرعب وجهها، يلتف حولها كيان أسود، بينما يحيط بها نور غريب.

وعلى الهامش...

قبر يلمع عليه اسمها:

نايا.

وبجانبه رمز غريب.

لم تعرف معناه.

ولا أدركت كيف رسمته.

جاء صوته من خلف الباب، حزينًا، كأنه يعزف على أوتار قلبها:

— أنا مش فاهم إيه بيحصلك... لكني مش هسيبك وهفضل معاكي عشان أنا بحبك. فاهمة يعني إيه بحبك؟

نظرت إلى الساعة.

كانت عقاربها تتحرك ببطء.

نهضت.

فتحت الباب، وأشرت له بالدخول.

— ادخل بدل ما حد يشوفك كده.

تحركت نحو أقرب كرسي، وسار خلفها إلى الداخل.

لكن عينيه توقفتا عند اللوحة.

جلس أمامها، وأشار إلى عدة فناجين قهوة.

تنهد.

— كابوس تاني؟

وضعت يديها على وجهها، تحاول منع دموعها.

— كابوس للمرة المليون... وحاجات غريبة بتظهر وتختفي.

أمسك يديها واحتضنها بين يديه.

— لازم تحلمي بكوابيس طول ما إنتِ بتشربي قهوة. ومنعه نفسك عن النوم غلط على أعصابك، طبيعي يحصل لعقلك تشوش.

سحبت يديها منه، وصرخت بدموع تفضح خوفها وعجزها:

— قهوة أو من غيرها أنا مبنمش! ومش عارفة أنام، وخايفة أنام. أنا معرفش إنت حقيقي ولا كابوس... أنا مبقتش فاهمة حاجة. أنا تعبت يا نادر... تعبت.

ضمّها إليه وظل صامتًا للحظات، يبث لروحها الأمان، وظلّت ساكنهً حتي هدأت تمامًا.

— هانت يا نايا... كلها شهرين ونص ونخلص.

ابتعدت عنه قليلًا بانتباه.

— ونخلص من إيه؟

ابتسم.

— من الدراسة... وبعدها نتجوز.

سكتت، ثم سألت:

— وإنت فاكر إني هقدر أنجح؟

قبّل رأسها.

— إنتِ موهوبة بجد... وأكيد هتنجحي.

توقفت للحظة عند سماع الجملة.

كأن صوتًا قديمًا عاد إليها من مكان بعيد.

تابع نادر:

— أنا جبتلك كل المحاضرات اللي فاتتك. من بكرة هبدأ أذاكر معاكي واحدة واحدة، لحد ما نخلص.

— ولو فشلت؟

— مش هتفشلي.

— واثق أوي كده؟

ابتسم.

— أكتر منك كمان.

نظرت إليه طويلًا.

ثم أغمضت عينيها من شدة الإرهاق.

— طيب... خليك هنا شوية.

— حاضر.

ولأول مرة منذ أيام، أغمضت نايا عينيها دون أن تقاوم النوم.

وبينما كانت غارقة في نومها، حمل نادر اللوحة وغادر المنزل.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • ما لم يُدفن   4

    «لا تتوقف اللعنة على حب الحبيب والهوس به... فالحب لا يتوقف على الحبيب وحده. إذ ما زالت الحياة تحمل قوانين لم يتوصل إليها البعض، وقوانين أخرى لم يتعرف عليها أحد بعد.ومن بين تلك القوانين...قانون الهوس بالشعور الدائم بالأمان والطمأنينة.فلحاجتك إلى ذلك الشعور، قد يصل بك الأمر إلى الجنون في سبيل الوصول إليه...»---«كانت تطمح إلى التخلص من أعباء الحياة وحدها.»فاستمعت إلى نادر، وعادت إلى ممارسة حياتها، محاولةً تجاهل جميع الأحداث الغريبة التي تحدث لها، والتي قلت حدتها قليلًا بوجوده بجانبها معظم الوقت.عادت إلى الكلية والاستعداد للامتحانات، وكان يسندها في ذلك. يأتي يوميًا، يذاكر لها ما فاتها، ويجمع لها المحاضرات، ويساعدها في إكمال تصميماتها.وفي أحد الأيام، كانت تجلس منتظرةً نادر كعادتها...لكنه تأخر على غير العادة.أمسكت هاتفها بتردد للاتصال به، وكانت شاردة، لكنها انتفضت بفزع عندما رن الهاتف في يدها، وظهر اسمه على الشاشة، وكأنه شعر بها.— نادر، مجتش ليه؟ فينك؟شعرت بتردده قبل أن يجيب.— نايا... مش هقدر أجي تاني.صمت للحظة، ثم تابع:— إنتِ خلاص مش محتاجاني. إنتِ كده معاكي كل اللي فاتك، وه

  • ما لم يُدفن   3

    — نايا تعالي هنا.. أنا همسكك! ضحكت نايا وهي تجري بين أرجاء الغرفة، بينما والدتها تطاردها محاولة الإمساك بها. — مش هتفضلي مستخبية مني كتير. اختبأت نايا خلف أحد الأبواب، وكتمت ضحكتها بيدها. — عرفت مكانك.. أنا هوصلك أهو! انفجرت نايا بالضحك، وخرجت من مخبئها، لكن والدتها أمسكت بها أخيرًا. — خلاص، اعترفي إنك خسرانة. — لااا، أنا ما خسرتش! ضحكت والدتها وهي تضمها إليها. — طيب قومي بقى نذاكر شوية. — مش عايزة... أنا عايزة أرسم. سحبتها والدتها معها إلى الغرفة. — ترسمي براحتك بعد ما تخلصي مذاكرة. جلست نايا أمام كتابها، وبدأت والدتها تشرح لها الرياضيات. وبعد وقت، تركتها وذهبت إلى المطبخ لتحضير الغداء. ما إن اختفت والدتها عن الأنظار، حتى أغلقت نايا كتابها وأخرجت أوراقها وأقلامها. اندمجت في الرسم، حتى فوجئت بوالدتها تقف خلفها. — إيه ده يا نايا؟ ارتبكت نايا وأخفت الورقة. — ولا حاجة. اقتربت والدتها وأخذت الرسم منها، ثم ابتسمت. — إنتِ موهوبة بجد يا نايا. رفعت نايا عينيها إليها بسعادة. — بجد؟ — بجد. لو فضلتي تطوري موهبتك، ممكن تدخلي فنون جميلة وتبقي فنانة شاطرة جدًا. ارتمت نايا في

  • ما لم يُدفن   2

    فبراير... 2023الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل.منذ ذلك اللقاء المؤلم مع والدة نادر، انقطعت أخباري عنه تمامًا. أغلقت كل طرق التواصل بيننا، وعدت إلى عادتي القديمة؛ فراشي، غرفتي المظلمة، وعينان مغمضتان أحاول بهما الهروب من كل شيء.لكن تلك الليلة، لم يتركني النوم بسلام.فجأة، شعرت باختناق حاد، كأن الهواء اختفى من حولي.خرجت شهقة من أعماقي، ففتحت عيني بعنف، وراحت أنفاسي تتلاحق وأنا أتلفت حولي. لم أرَ شيئًا سوى الظلام يحيط بي من كل جانب.وأنا أكره الظلام.لكن ما جعل الخوف يتسلل إلى قلبي لم يكن الظلام وحده.شعرت بأنفاس ساخنة قريبة جدًا... خلفي.لم أفكر.اندفعت راكضة وأنا أصرخ:— نــــادر! الحقني... نــــادر، إنت فين؟ نادر!تعثرت قدمي وسقطت أرضًا، فامتلأت يداي بالتراب.رفعت رأسي على صوت دقات طبول غريبة، تتكرر بنغمة منتظمة. وكلما اقترب صوتها، ضاق صدري أكثر، وتسارعت ضربات قلبي.انهارت قوتي، وانهمرت دموعي.همست:— نادر...ثم سمعت صوتًا لم أسمعه منذ وقت طويل.صوت أمي.هادئًا، دافئًا... كما كان دائمًا.— اهربي يا نايا.تجمدت في مكاني.للحظة، تسلل الأمان إلى قلبي.لكن النار اشتعلت في يدي الي

  • ما لم يُدفن   الفصل الأوّل

    1كانت الأضواء تغمر المكان، وتتوالى صيحات الجمهور من كل جانب، بينما امتلأت المدرجات بالحاضرين. وعلى بُعدٍ منهم، استقرت الأضواء على وجه مذيع ذائع الصيت في الوطن العربي، يجلس أمامه كاتب تضاهي شهرته شهرة المذيع أضعافًا. وُضع أمام الكاتب كوب من الماء، وبجواره كتابه الأخير الذي صدر حديثًا. كان هادئًا على نحوٍ لافت؛ اعتاد مثل هذه اللقاءات، ولم يعد يخشى الأسئلة أو مفاجآتها. أشار إليه المذيع، فهز رأسه مستعدًا، ثم التفت إلى فريق العمل. — 3... 2... 1... هوا! ابتسم المذيع ابتسامته البشوشة المعتادة، وقال أمام الكاميرا: — وزي ما وعدناكم وفينا بوعدنا، النهارده معانا لقاء مع الكاتب الشهير جدًا، علشان نجاوب على كل أسئلتكم.... نورت برنامجنا المتواضع. اتجهت الكاميرا نحو الكاتب، الذي ابتسم بتكلف، ثم أشار للجمهور. — مين حابب يسأل؟ أمسك المذيع بأوراق الإعداد: — خلينا الأول نتعرف على كاتبنا أكتر، وبعدها نتوجه للجمهور. ابتسم الكاتب ابتسامة مصطنعة. — تمام. خفتت الإضاءة، ولم يبقَ منها سوى ما يسلط على وجه المذيع والكاتب. — اسمك «ليل»، لكن عرفنا من مصادرنا الخاصة إن ده اسم شهرة، وإن لي

  • ما لم يُدفن   2

    ركض طفل في العاشرة من عمره صاعدًا درجات السلم، متوجهًا إلى الطابق الثالث حيث منزله، بعدما انتهى للتو من دوامه المدرسي الابتدائي.وصل إلى باب المنزل، وقبل أن يهمّ بالضغط على جرسه، استمع إلى صوت من خلفه، فالتفت ليجد جارته تقف أمام باب منزلها.ابتسم لها ببراءة طفولية:- إزي حضرتك يا طنط؟بادلته الابتسامة:- حبيبي، أمال فين نايا؟ اتأخرتوا كده ليه؟وبتلقائية، أشار إلى الدرج خلفه:- طالعة ورايا أهي... وهي اللي أخرتنا، كانت عايزة تدخل البيت الم...لم يُكمل جملته، إذ قاطعته طفلة تصغره بعام، وقفت أمامه بغضب طفولي:- اسكت يا فتان.ضم حاجبيه متذمرًا، وبدأت وجنتاه تحمران دليلًا على غضبه الذي أخذ يشتعل:- أنا مش فتان.ردت بنبرة مليئة بالتحدي والإصرار:- لا، فتان.صاحت الأم بغضب:- تاني يا نايا؟ مش قولت متمشوش من الشارع ده؟تجاهلت الطفلة والدتها، وظلت تحدق في الطفل بشر:- فتان.ضرب بقدمه الأرض اعتراضًا:- أنا مش فتان.- فتان.بدأ الشجار بينهما من جديد، إلى أن اضطرت الأم إلى سحب الطفلة إلى داخل المنزل، وهي تصرخ عليها، بعدما شكرت الطفل.ظل واقفًا في مكانه للحظات، يستمع إلى صراخ الأم عليها، وشعر بوخزة

  • ما لم يُدفن   1

    كان الظلام قد ألقى بظلاله الثقيلة على تلك المنطقة الريفية؛ منطقة يغلب عليها طابع الأراضي الزراعية، تتخللها بعض المصانع والمخازن، وتتناثر بينها بيوت ريفية قليلة ومحال بقالة صغيرة.ورغم أن الساعة لم تتجاوز التاسعة مساءً، فإن المكان كان يبدو وكأنه قد تجاوز منتصف الليل منذ زمن. لا شيء سوى طرقات خاوية، وظلام يبتلع ما حوله، ونباح كلاب ضالة يتردد من بعيد، فيمنح المكان شعورًا موحشًا لا يُريح القلب.في تلك الأجواء، أغلق شاب ذو عيون زرقاء باب محل البقالة الذي يعمل به، ثم استدار عائدًا إلى منزله.كان يسكن في بقعة تتلاصق فيها البيوت، حتى بدت كأنها تحتمي ببعضها، مكوّنة حارة صغيرة تُعرف باسم «حارة سعيد الأسود»؛ نسبة إلى أكبر بلطجي يفرض سيطرته على محيط القرية الصغيرة.تنهد الشاب بإرهاق.كان قد تخرج لتوه من كلية التجارة، ولم يتخيل أن تكون بدايته بعد التخرج بهذا الشكل؛ يقضي ساعات طويلة في محل البقالة، ثم يعود كل ليلة عبر تلك الطرقات المظلمة.واصل سيره، بينما كانت خطواته تتردد في الصمت.من حين لآخر، كان يلتفت حوله.لا أحد.الطريق خالٍ تمامًا.حتى توقفت خطواته فجأة.وصل إلى أذنيه صوت مكتوم...ثم صوت آخر

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status