Mag-log inما زالت تجلس في ذلك المتنزه، بينما يحاول نادر إرضاءها بعدما جعل قلبها يرتجف خوفًا عليه.
كان ممسكًا بيدها، يهتف بصوت مرتفع قليلًا: — هقوم أنتحر، فكي بقى. سحبت يدها منه وصرخت في وجهه: — أنا كان قلبي هيقف، وحضرتك قاعد هنا تشرب بيبسي ساقع على قلبك! ابتسم بمكر: — وحش البيبسي... كنت أشرب ويسكي. ضربته باستياء في كتفه: — إنت بتهزر؟ إنت إيه يا أخي؟ تلاعب بحاجبيه مبتسمًا: — أنا الحب يا بت. نفخت بغضب وهي تنهض: — أنا ماشية بدل ما أطق منك، ولو رنيت عليّا تاني هتموت بجد، ومش هعبرك. أمسك بيدها بهدوء، محاولًا إيقافها: — نايا، عشان خاطري خليكي. أنا لو كنت قلتلك عايز أشوفك ونتقابل بره شوية، كنتي هترفضي. وأنا عارف إنك بتنـزلي الجامعة بالعافية، ففكرت ملقتش غير الطريقة دي. كنت عايز أشوفك أوي، ومكنش ينفع أجيلك، وإنتِ فاهمة ليه. قوليلي أعمل إيه طيب؟ ابتسمت، وتبخر غضبها شيئًا فشيئًا، وشعرت بقلبها يلين له: — متخضنيش تاني، عشان خاطري. ابتسم وهو ينظر إليها: — بتحبيني أوي كده؟ وبتخافي عليّا؟ رفعت يدها لتجيبه، لكنها تذكرت صوت السيدة، فعاد الغضب يشتعل داخلها. ضربت صدره بيدها: — حب إيه يا خاين؟ مين دي اللي كلمتني وقالتلي العنوان؟ تنهد بضيق: — بقولك حب، تقوليلي أخونك؟ سحبت يدها منه بعصبية: — انطق وقول! ابتسم وهو ينظر إلى الأرض، متصنعًا الخجل. — ناااادر... مين دي؟ انطق! رفع رأسه، ثم قلد صوت المرأة بنبرة ساخرة: — كنت أنا يا نايا، بس إنتِ يا حبيبة قلبي من التوتر مخدتيش بالك. أنفع مش كده؟ نظرت إليه بشر حقيقي، فتراجع إلى الخلف بحذر، قبل أن تصرخ وتركض نحوه: — هعضك يا نادر! هعضك! انطلق راكضًا بسرعة: — يا بت، أنا كنت بهزر معاكي! شكلك أداءي معجبكيش! ده أنا كنت بقول أفرفشك قبل الامتحانات! واصلت الركض خلفه: — اقف بس! استنى أقولك! تعالى هنااا! فضحك وهو يركض، بينما كانت تحاول اللحاق به. وتحول صراخها الغاضب إلى ضحكات متقطعة، ثم انتشرت ضحكاتهما في أرجاء المكان، حتى بدأ الجميع ينظر إليهما، لكنهما لم يهتما بأحد. مرّ اليوم بين ضحكات ومشاكسات كثيرة، أعادت إليها جزءًا من روحها القديمة؛ تلك الروح التي كادت أن تُدفن تحت تراب الحزن والوحدة. أغمضت عينيها، مسترجعةً حديثه، ومستشعرةً شيئًا من الراحة يتسلل إلى داخلها. ورغم انشغال عقلها بموعد الامتحانات الذي اقترب، تغلّب قلبها على كل شيء، مستعيدًا صوت نادر الحنون وتشجيعه الدائم لها. ولأول مرة منذ فترة طويلة، غرقت في نوم عميق. مرّت الليلة دون أحداث غريبة، ودون أحلام أو قلق. كل ما دار في أحلامها كان متعلقًا بتجاوز عقبة الامتحانات فقط. مرت الأيام سريعًا، وكان الغريب فيها ذلك الهدوء الذي لم تعتده. عاد جزء بسيط من روحها المفقودة، وجاء موعد الامتحانات. ورغم رفض نادر الشديد أن يذهب إلى منزلها ويجلس معها للمذاكرة، فإنه وافق بعد إلحاح طويل منها. كان يأتي قبل كل امتحان بيوم، يجلس معها للمذاكرة، ثم يغادر سريعًا، وفي الصباح يعود ويأخذها إلى الكلية. كان دائمًا متلهفًا للاطمئنان عليها، حتى إنه كان ينسى نفسه تمامًا. اهتم بأدق تفاصيل حياتها؛ بطعامها، ونومها، وراحتها، وحتى ملابسها. وأحيانًا كان يجلب لها بعض مستحضرات التجميل لمجرد أن يمازحها بها. احتل أدوارًا كثيرة في حياتها؛ دور الأخ، والأب، وحتى الأم، وأخيرًا الدور الأهم... دور الحبيب. لم تعرف في حياتها كيف يكون الأب حنونًا على أبنائه، أو كيف يحميهم ويشعرهم بالأمان، لكن نادر عوّض روحها عن جزء كبير من ذلك الحرمان. انتهت فترة الامتحانات، وسلمت المشروع، وانتهى توتر الامتحانات والمشروع، لكن خوفًا جديدًا بدأ يتملكها... خوف النتيجة. ومع انتظار ظهورها، أصبح نادر منشغلًا عنها كثيرًا بسبب عمله الجديد. وعادت الأحلام والكوابيس مرة أخرى، وعاد معها شغفها الغريب بالرسم. بدأت ترسم لوحات جديدة، تحمل كل واحدة منها رمزًا مختلفًا، حتى امتلأت غرفتها بها. تبدل حالها من جديد، بعدما كانت على وشك استعادة حياتها القديمة. في إحدى الليالي، كانت ما تزال مستيقظة في منتصف الليل، يملؤها الرعب، ولا تعرف كيف يمكن للنوم أن يجد طريقه إليها. مرّت ثلاث ليالٍ لم تعرف فيها النوم، فالتقطت هاتفها، وكأنها تتشبث بآخر وسيلة للنجاة. كانت يدها ترتعش وهي تضع الهاتف على أذنها، منتظرةً رده. — يلا رد يا نادر... يلا. جاء صوته ناعسًا، مثقلًا بالتعب: — ألو... — نادر، إنت فين؟ أنا محتاجة ليك. رد بصوت غارق في النوم: — مين؟ فين؟ — نادر، فوق لو شوية صغيرين. تثاءب، ثم قال بنبرة يغلبها النعاس: — نامي يا نايا... نامي، والصبح نبقى نتكلم. شعرت بخيبة أمل تسقط داخلها: — نادر... نادر. لكن لم يأتِها رد. نظرت إلى الهاتف، فرأت أن المكالمة قد انتهت. ابتعدت أفكارها عن الكوابيس وما تمر به، وبدأت تفكر فيه هو. كيف تغيّر نادر في الفترة الأخيرة؟ كيف أصبح مهملًا بها بعدما جعلها تشعر بدفء العائلة؟ هل ملّ منها؟ هل انتهت قدرته على تحمّل حالتها النفسية؟ هل اقتربت منه امرأة أخرى؟ هل أحبها؟ هل يحنو عليها ويدللها بالطريقة نفسها التي اعتاد أن يعاملها بها؟ للمرة الثالثة، شعرت باليُتم. احتضنت هاتفها، وأغمضت عينيها، مجبرةً روحها على النوم، متجاهلةً تلك الأنفاس التي أصبحت تلازمها، وتلك اليد التي صارت تشعر بأنها تمتلكها. لكن هذه المرة، لم يكن خوفها من الكوابيس وحدها. كان هناك خوف آخر يتضخم داخل رأسها... خوف من أن يمتلك قلب نادر شخص آخر غيرها. هوى جسدها بعنف إلى الأرض، ففتحت عينيها متألمة. وجدت نفسها ما زالت على فراشها، تحتضن هاتفها. وقفت متخبطة، لا تفهم كيف تقف أمام الفراش، بينما كانت منذ لحظات نائمة فوقه. اقتربت خطوة، لكنها تراجعت خطوتين إلى الخلف عندما وقعت عيناها على ذلك الكيان الأسود. كان يحتضن جسدها بقوة وهي نائمة. ثم اختفى جسدها من فوق الفراش، وامتلأ المكان بالسواد، قبل أن يتحول السواد إلى دماء تسيل من الفراش نحو الأرض. بدأت الدماء تنجرف في اتجاهها، فواصلت التراجع إلى الخلف، حتى شعرت أنها تفقد توازنها. ثم هوت من النافذة التي كانت خلفها. صرخت بعنف، وأغمضت عينيها: — أخلص بقى... أخلص بقى! فتحت عينيها عندما شعرت بيد تساعدها على الوقوف. عجبًا... لم تشعر باصطدام جسدها! رفعت عينيها إلى الشخص أمامها، وحاولت شكره: — ش... شكرًا... لكن الهمسة ماتت في حلقها. — عمي؟ ابتسم بحنان مصطنع، بينما كانت عيناه تفوحان بالخبث: — لا شكر على واجب، ابنة أخي. شعرت بالريبة من نبرته، وسألته بصوت مرتجف: — إحنا فين؟ اقترب منها أكثر، وعندها رأت قرونًا تخرج من جبهته. صرخ في وجهها بغلظة: — في الجحيم! ركضت بعيدًا عنه، والخوف يعتمر قلبها، لكنها تعثرت بقدميها قبل أن يهوي جسدها إلى الأرض. احتضنها أحدهم وساعدها على الوقوف. رفعت رأسها نحوه، وما إن رأته حتى تجمدت في مكانها. كانت... والدة نادر. تراجعت سريعًا إلى الخلف. كانت تحدق بها بالنظرات الخبيثة نفسها، ثم اقتربت قائلة: — إلى أين؟ صرخت وسط دموعها: — ده كابوس! أخلص بقى! كفاية! رأتها تقف أمامها، بينما خرجت قرون حمراء من جبهتها، وبدأ جلد وجهها يتساقط كما لو كانت حية تبدل جلدها. كان جسدها متلهبًا، يشع نارًا، ولم يتغير من ملامحها سوى عينيها. استدارت مستعدةً للركض، لكنها رأت عمها يقف خلفها بالمظهر البشع نفسه. كانت والدة نادر أمامها، وعمها خلفها. أصبحت محاصرة بينهما. صرخت، ولم تعد تعرف شيئًا سوى الصراخ. شعرت بيد تسحبها بقوة من بينهما، وتجذبها نحو صاحبها. كان نادر. استسلمت له فورًا، وكانت تعرف ما سيفعله. ألقى بها داخل حفرة، ثم بدأ يهيل التراب فوق جسدها، يدفنها حيّة. لكن هذه المرة، كانت مستسلمة له تمامًا. كل ما تمنته كان انتهاء ذلك الكابوس. وكان آخر ما رأته عمها، ونادر، ووالدة نادر، وهم يدفنونها، حتى اختفى رأسها تحت التراب. شعرت بوخزة عميقة في قلبها... ثم انتهى كل شيء. مع شروق الصباح، استيقظت بهدوء مريب. كانت تتذكر تفاصيل الكابوس كاملة، وكأنها لم تكن تحلم، بل تعيش كل لحظة منه بالفعل. وكعادتها، بدأت الرسم. رسمت ورسمت، ولم تهتم بشيء سوى الرسم. فجرًا 27 أكتوبر مع مرور الوقت، أدركت مؤخرًا أن تلك الكوابيس كانت تأتيها في أسوأ حالاتها، حين يتملكها الحزن وتكون في أضعف حالاتها. فعندما تغضب من نادر، يظهر ذلك الكيان. وعندما تتصالح معه، ويظل قريبًا منها، يغادر الكيان وتختفي الكوابيس. بدأت تفهم الأمر بصورة أكثر هدوءًا، وأدركت أن انشغال نادر بعمله لم يكن إهمالًا متعمدًا، بل أمرًا اعتادت عليه مع مرور الأيام. فهو لم يستسلم، بل حارب من أجلها، وهي أيضًا حاربت معه. حتى إن كوابيسها، التي كان جزء كبير منها متعلقًا به، أصبحت أقل حدة. صعدت إلى فراشها، مسترجعةً كيف مرّ الوقت سريعًا معه، ثم غاصت في بحر الأحلام، حتى استسلمت للنوم. — بسرعة... بسرعة... اجري بسرعة! كانت تدور حول نفسها في فراغ لا نهاية له، تستمع إلى صوتها من كل اتجاه. ركضت إلى اليمين، فسمعت ضحكاتها وهي تقول: — اجري أسرع... أنا هنا. اتجهت يسارًا، فعاد صوتها يهمس بحنان: — أنا هنا... جانبك... هنا. جعلها صوتها تركض إلى الخلف، ثم ناداها باسمها: — نايا... نــايــا... كان صوتها محببًا إلى قلبها، فعادت تركض إلى الأمام، لكن صوتها اختفى فجأة. سقطت أرضًا، وصرخت بقلب مرتعب: — ماما... إنتِ فين يا ماما؟ عاد صوتها مرة أخرى، لكنه لم يكن كما اعتادته. كان متألمًا... مستغيثًا بها. عادت إلى الركض، بينما بدأت خيالات غريبة تظهر من حولها وتركض معها. في كل مرة تغيّر فيها اتجاهها، كان المكان يتبدل. مرة تشعر بأنفاس تلفح وجهها، ومرة تجد الظلام يضيق حولها، ومرة تتعثر، ثم تنهض وتواصل البحث عنها. حتى تعثرت من جديد، وسقطت باستسلام. جلست على الأرض، محتضنةً نفسها كطفلة خائفة، يزداد رعبها كلما ازدادت ظلمة المكان. شعرت بيد توضع على كتفها. أدارت وجهها لترى صاحبها، لكنها لم تتمكن من رؤية شيء بسبب ذلك النور الأبيض المتوهج الذي كان يعمي العين. أغمضت عينيها، ووضعت يدها على وجهها، لكنها أبعدتها سريعًا. فتحت عينيها متحديةً ذلك الضوء عندما سمعت صرخة أمها المستغيثة. ارتفع صوت صراخها مع صراخ أمها، بينما بدأ النور يحرق عينيها. شعرت بدماء ساخنة تخرج منهما، وتسيل على وجهها بغزارة. ثم فقدت بصرها. ظلت تصرخ، لكن شيئًا لم يتغير، سوى أن الألم ازداد حدة. استيقظت ووجهها غارق في العرق، وأنفاسها متلاحقة، وضربات قلبها تتسارع بعنف. كان ذلك الكابوس مختلفًا، لكنه لم يعد يهمها. فاليوم مختلف. اليوم لن تسمح لأي كابوس بأن يعكر صفوها. اليوم، ومع اكتمال القمر، ستكتمل حياتها أيضًا بقمرها. لم تستطع النوم طويلًا أو بعمق، لكن هذه المرة لم يكن الأرق بسبب الكيان أو الكوابيس أو ذلك الحلم الغريب. لأول مرة، شعرت براحة وسعادة تتغلبان على جميع مخاوفها. فاليوم سيتحقق كل ما طمحت إليه. اليوم هو يوم زفافها هي ونادر. نادر، الذي تحدى الجميع من أجلها، وتحمل تغيراتها وحالتها النفسية، وبعد معاناة طويلة استطاع شراء شقة ليتزوجا بها، كما استطاع إقناع والدته. اليوم ستترك مفتاح منزلها القديم لعمها، وتذهب إلى بيتها الجديد. وقد وفّى نادر بوعده. فما إن استلمت شهادة تخرجها، حتى انقلبت حياتها من الحزن والوحدة والكوابيس إلى الفرح والتجهيزات الكثيرة. لم يطلب منها أن تتحمل أي شيء، ولم يطمع في شيء سوى موافقتها على أن تصبح زوجته. أما عمها، فكان أسعد منها بهذا العرض. بينما كانت والدة نادر تحاول كبت غيظها من أجل فرحة ابنها. وقفت للمرة الأخيرة تودع صورة والدتها، وابتسمت لها: — النهارده يا أمي هيكون مختلف عن أي يوم. النهارده هترجع فرحتي من تاني، وهترجع أيامي تحلو. مفيش كوابيس تاني... ومفيش وحدة تاني. لم تكن هناك دموع اليوم. اليوم كان يوم سعدها وفرحها فقط. حملت حقيبتها وغادرت المنزل، فوجدت نادر ينتظرها. صعدت إلى السيارة، فأشار إلى سائق التاكسي بالتحرك. نظر إليها بفرحة تتسع للكون كله: — أخيرًا يا نايا. ابتسمت بخجل، وهي تنظر إلى الأرض: — عارفة إنك كنت نفسك نعمل فرح... قاطعها مبتسمًا، وهو يمسك يدها: — مش عايز حاجة غير إنك تكوني معايا وبس. كفاية عليّا أشوفك بفستان الفرح. دي أجمل فرحة عندي. سحبت يدها بخجل، بينما أكمل حديثه: — أول ما تخلصي هتلاقيني عندك. هاخدك من البيوتي سنتر، ونروح نعمل سيشن، وبعدها هتلاقي حتة زفة عربيات... حاجة مافيا على الآخر. ضحكت بحماس، متخيلة مساء اليوم: — وعلى كده مامتك هتكون معانا في العربية؟ غمز لها بمشاكسة: — لا، أنا وإنتِ وبس. إنتِ بتاعتي النهارده. ضحك، فضربته بنغزة خفيفة حتى يصمت قليلًا. لكنها، في داخلها، لم تكن تريده أن يصمت. كانت تريد أن تستمع إلى حديثه أكثر... وأكثر. مرّ الوقت كالثواني، حتى وصلا. ودعها، ووعدها ألا يتأخر، وأن يأتي ومعه باقة ورد فور انتهائها. دخلت إلى البيوتي سنتر، وبدأت التجهيزات. كان الجميع يشيد بجمالها كعروس، وكلما نظرت إلى انعكاسها في المرآة، شعرت أنها تقترب من حياة جديدة. وبعد انتهاء التجهيزات، جلست تنتظر نادر، متلهفةً لرؤيته ولسماع كلماته وهو يراها بفستان الزفاف. غادرت المكان إلى الخارج لتتصل به، بعدما تأخر وأخلف وعده. لم يأتِها رد. عاودت الاتصال مرة، ثم ثانية، لكن الهاتف ظل صامتًا. طال الانتظار، وبدأ التوتر يتسلل إلى داخلها. شعرت بدوار شديد، وأصبحت الرؤية أمامها مشوشة. لم تعرف متى غفت في مكانها، ولا كيف فقدت وعيها فجأة وسقطت أرضًا. رأت أحد الكوابيس، ولم ينتشلها منه سوى فتيات المكان، اللواتي حاولن إعادتها إلى وعيها وإخراجها من تلك الحالة التي انتابتها. فتحت عينيها بتشوش، فرأت وجوه الفتيات تحيط بها. لكن من بينهن... رأت الكيان. لم تنتظر نايا أن تفهم ما يحدث. بمجرد أن لمحته بين الفتيات، اندفعت هاربة من البيوتي سنتر، غير عابئة بنداءات العاملات خلفها أو بنظرات المارة التي التفتت نحوها باستغراب. كانت تركض بفستان زفافها الأبيض، حافية القدمين تقريبًا، بينما تتعثر أطرافه بين خطواتها المرتبكة. لم تكن تعرف إلى أين تذهب. كل ما كانت تعرفه أنها لا تريد أن يقترب منها ذلك الشيء. تبعها وقع خطوات بطيئة، لم تكن تقترب منها بقدر ما كانت تحاصرها؛ فكلما أسرعت، تسارعت خلفها. التفتت خلفها، فلم ترَ أحدًا. لكنها سمعت صوتًا قريبًا من أذنها: — نايا... توقفت أنفاسها. كان الصوت يشبه صوت نادر. استدارت بسرعة، إلا أن الشارع بدا خاليًا تمامًا. لا سيارات، ولا أشخاص، ولا حتى ضجيج المدينة المعتاد. وكأن العالم كله قد انطفأ من حولها، ولم يتبقَّ سوى ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق وقوع شيء لا يمكن التراجع عنه. ثم شعرت بيد تُطبق على ذراعها. صرخت، وحاولت الإفلات منها، لكن جسدها خانها. دار العالم من حولها، واختلطت الأصوات في رأسها؛ صراخ بعيد، همسات متداخلة، ورائحة نفاذة تشبه رائحة الخشب المحترق. آخر ما لمحته قبل أن يغيب وعيها، كان طرف ثوب أسود ينساب أمامها، بينما وقف صاحبه ساكنًا كأنه ينتظر سقوطها. ثم ابتلعها الظلام. حين فتحت عينيها، لم تستطع في البداية أن تحدد أين هي. كان رأسها مستندًا إلى صدر شخص ما، وذراعان تحيطان بجسدها بإحكام. حاولت الحركة، فشعرت بأنفاس دافئة تلامس شعرها. رفعت رأسها ببطء. — نادر؟ لم يجبها. ابتعدت عنه قليلًا، ونظرت حولها. لم تكن في الشارع. ولم تكن في البيوتي سنتر. كانت داخل قصر مهجور. قصر ضخم، غارق في عتمة خانقة، تتدلى من سقفه ثريات مكسورة، وتغطي جدرانه طبقات من الرطوبة والسواد. كانت النوافذ العالية مغلقة بألواح خشبية متآكلة، ومع ذلك كانت الرياح تتسلل من بينها، حاملةً صفيرًا متقطعًا يشبه أنين شخص يحتضر. كانت الأرض باردة تحت قدميها؛ باردة إلى حد جعلها تشعر بأنها تقف فوق قبر مفتوح. نظرت إلى نادر، فوجدته واقفًا أمامها، شاحب الوجه، ساكنًا بصورة غير طبيعية. — إحنا فين؟ ظل ينظر إليها دون أن يجيب. — نادر، إنت جبتني هنا إزاي؟ تراجع خطوة إلى الخلف. وفي تلك اللحظة، انتبهت إلى وجود شيء يقف خلفه. شيء طويل، أسود، لا يمكن تحديد ملامحه. كان أشبه بكتلة من الظلام اتخذت هيئة بشرية، لكن أطرافه بدت أطول من اللازم، ورأسه مائلًا بزاوية غير آدمية. تجمد الدم في عروقها. لم يكن يقترب. كان فقط يراقبها، وكأن وصولها إلى ذلك المكان كان أمرًا متوقعًا منذ البداية. تراجعت نايا حتى اصطدم ظهرها بأحد الأعمدة الحجرية. — نادر... خرج صوتها ضعيفًا. — هو ده... هو ده اللي بشوفه في أحلامي. لم ينظر نادر خلفه، وكأنه يعرف تمامًا ما يقف هناك. رفع الكيان ذراعه ببطء، وأشار إلى ناحية بعيدة من القاعة. كانت هناك طاولة خشبية قديمة، فوقها سكين طويل يلمع رغم الظلام المحيط به. حدقت نايا في السكين، ثم عادت بعينيها إلى الكيان. لم يتكلم، لكن صوته وصل إليها داخل رأسها، واضحًا وثقيلًا: — اقتليه. وضعت يديها على أذنيها، رغم أن الصوت لم يكن يأتي من الخارج. — لا... — اقتليه. بدأت تهز رأسها بعنف: — لا، لا، لا... نظرت إلى نادر، وكأنها تنتظر منه أن ينقذها؛ أن يقول إن ما يحدث مجرد كابوس، أو أن يقترب منها ويأخذها بعيدًا عن ذلك المكان. لكنه ظل واقفًا في مكانه. — نادر، قول له يسكت! لم يتحرك. اقتربت منه بخطوات متعثرة، وأمسكت بذراعه. كانت يده باردة؛ باردة بصورة جعلتها تنتفض. — نادر، أنا خايفة... خلّينا نمشي من هنا. رفع عينيه إليها أخيرًا. ولأول مرة، لم تجد في وجهه الطمأنينة التي اعتادت أن تبحث عنها. كان هناك شيء آخر؛ حزن غامض وعميق، وكأنه يعرف نهاية لا تستطيع هي رؤيتها بعد. — مش هنعرف نمشي. ابتعدت عنه ببطء. — يعني إيه؟ لم يجب. عاد الصوت يدوّي داخل رأسها: — اقتليه... قبل ما يقتلك. نظرت إلى السكين، ثم إلى نادر، ثم إلى الكيان. كان جسدها يرتجف بالكامل، لكنها لم تتحرك نحو السكين. لم تستطع أن تتخيل نفسها ترفع يدها عليه، مهما حدث، ومهما كان الثمن. — أنا مش هقتله. خرجت الجملة بصعوبة، لكنها كانت واضحة. للحظة، خُيّل إليها أن القصر كله قد صمت. حتى الرياح توقفت. ثم بدأ الكيان يتحرك. خطوة واحدة. فقط خطوة واحدة. لكنها جعلت الأرض تحت قدميها ترتجف. اندفعت نايا نحو نادر، وتعلقت به كما لو كان آخر شيء حقيقي في هذا العالم. — نادر، أرجوك... أنا مش عايزة أموت. ضمها إليه. وفي اللحظة الأولى، شعرت بالأمان. شعرت أنها عادت إلى المكان الوحيد الذي طالما احتمت به من كل شيء. لكن ذلك الشعور لم يستمر. لأن صوته حين تحدث، لم يكن صوته. كان أعمق، وأكثر برودة، وخاليًا من الحياة. — وأنا حبيتك... تجمدت بين ذراعيه. رفع رأسه قليلًا، وأكمل بصوت غريب: — بس لازم حد فينا يموت. ابتعدت عنه بسرعة، لكن يده أمسكت بها. نظرت إلى وجهه، فوجدت دموعًا تنساب على خديه. دموعًا حقيقية، رأتها للمرة الأولى منذ عرفته. — نادر... إنت بتقول إيه؟ لم يجبها. شعرت بوخزة حادة تخترق جسدها. نظرت إلى أسفلها، فرأت السكين مغروسًا في فستانها الأبيض. لم تفهم كيف وصل إلى هناك، ولا متى تحركت يده. كل ما شعرت به كان الألم، ثم الدفء الذي بدأ ينتشر أسفل بطنها، ويتسرب فوق القماش الأبيض كزهرة حمراء تتفتح ببطء. رفعت عينيها إليه. لم يكن وجهه غاضبًا. كان منكسرًا، وكأن الطعنة لم تصب جسدها وحده، بل أصابته هو أيضًا. حاولت أن تتحدث، لكن صوتها لم يخرج. تراجعت خطوة، ثم سقطت بين ذراعيه. احتضنها بقوة، بينما أخذ جسدها يبرد شيئًا فشيئًا. كان القصر يبتلع أنفاسها الأخيرة. والكيان يقف خلفهما، صامتًا، كأنه لم يكن ينتظر سوى هذه اللحظة. آخر ما رأته نايا، قبل أن يبتعد العالم عن عينيها، كان دموع نادر. دموع رأتها للمرة الأولى. ثم انطفأ كل شيء. لم يعد هناك قصر. ولا كيان. ولا نادر. فقط ظلام. وظل فستان أبيض ملوث بالدماء. ذلك الفرح الذي انتظرته طويلًا، لم يبدأ أصلًا. فقد تحوّل الأبيض إلى أحمر. وتحوّل الحب إلى موت. وتحوّلت العروس... إلى جثة لم يعرف أحد أين دُفنت.ما زالت تجلس في ذلك المتنزه، بينما يحاول نادر إرضاءها بعدما جعل قلبها يرتجف خوفًا عليه.كان ممسكًا بيدها، يهتف بصوت مرتفع قليلًا:— هقوم أنتحر، فكي بقى.سحبت يدها منه وصرخت في وجهه:— أنا كان قلبي هيقف، وحضرتك قاعد هنا تشرب بيبسي ساقع على قلبك!ابتسم بمكر:— وحش البيبسي... كنت أشرب ويسكي.ضربته باستياء في كتفه:— إنت بتهزر؟ إنت إيه يا أخي؟تلاعب بحاجبيه مبتسمًا:— أنا الحب يا بت.نفخت بغضب وهي تنهض:— أنا ماشية بدل ما أطق منك، ولو رنيت عليّا تاني هتموت بجد، ومش هعبرك.أمسك بيدها بهدوء، محاولًا إيقافها:— نايا، عشان خاطري خليكي. أنا لو كنت قلتلك عايز أشوفك ونتقابل بره شوية، كنتي هترفضي. وأنا عارف إنك بتنـزلي الجامعة بالعافية، ففكرت ملقتش غير الطريقة دي. كنت عايز أشوفك أوي، ومكنش ينفع أجيلك، وإنتِ فاهمة ليه. قوليلي أعمل إيه طيب؟ابتسمت، وتبخر غضبها شيئًا فشيئًا، وشعرت بقلبها يلين له:— متخضنيش تاني، عشان خاطري.ابتسم وهو ينظر إليها:— بتحبيني أوي كده؟ وبتخافي عليّا؟رفعت يدها لتجيبه، لكنها تذكرت صوت السيدة، فعاد الغضب يشتعل داخلها. ضربت صدره بيدها:— حب إيه يا خاين؟ مين دي اللي كلمتني و
«لا تتوقف اللعنة على حب الحبيب والهوس به... فالحب لا يتوقف على الحبيب وحده. إذ ما زالت الحياة تحمل قوانين لم يتوصل إليها البعض، وقوانين أخرى لم يتعرف عليها أحد بعد.ومن بين تلك القوانين...قانون الهوس بالشعور الدائم بالأمان والطمأنينة.فلحاجتك إلى ذلك الشعور، قد يصل بك الأمر إلى الجنون في سبيل الوصول إليه...»---«كانت تطمح إلى التخلص من أعباء الحياة وحدها.»فاستمعت إلى نادر، وعادت إلى ممارسة حياتها، محاولةً تجاهل جميع الأحداث الغريبة التي تحدث لها، والتي قلت حدتها قليلًا بوجوده بجانبها معظم الوقت.عادت إلى الكلية والاستعداد للامتحانات، وكان يسندها في ذلك. يأتي يوميًا، يذاكر لها ما فاتها، ويجمع لها المحاضرات، ويساعدها في إكمال تصميماتها.وفي أحد الأيام، كانت تجلس منتظرةً نادر كعادتها...لكنه تأخر على غير العادة.أمسكت هاتفها بتردد للاتصال به، وكانت شاردة، لكنها انتفضت بفزع عندما رن الهاتف في يدها، وظهر اسمه على الشاشة، وكأنه شعر بها.— نادر، مجتش ليه؟ فينك؟شعرت بتردده قبل أن يجيب.— نايا... مش هقدر أجي تاني.صمت للحظة، ثم تابع:— إنتِ خلاص مش محتاجاني. إنتِ كده معاكي كل اللي فاتك، وه
— نايا تعالي هنا.. أنا همسكك! ضحكت نايا وهي تجري بين أرجاء الغرفة، بينما والدتها تطاردها محاولة الإمساك بها. — مش هتفضلي مستخبية مني كتير. اختبأت نايا خلف أحد الأبواب، وكتمت ضحكتها بيدها. — عرفت مكانك.. أنا هوصلك أهو! انفجرت نايا بالضحك، وخرجت من مخبئها، لكن والدتها أمسكت بها أخيرًا. — خلاص، اعترفي إنك خسرانة. — لااا، أنا ما خسرتش! ضحكت والدتها وهي تضمها إليها. — طيب قومي بقى نذاكر شوية. — مش عايزة... أنا عايزة أرسم. سحبتها والدتها معها إلى الغرفة. — ترسمي براحتك بعد ما تخلصي مذاكرة. جلست نايا أمام كتابها، وبدأت والدتها تشرح لها الرياضيات. وبعد وقت، تركتها وذهبت إلى المطبخ لتحضير الغداء. ما إن اختفت والدتها عن الأنظار، حتى أغلقت نايا كتابها وأخرجت أوراقها وأقلامها. اندمجت في الرسم، حتى فوجئت بوالدتها تقف خلفها. — إيه ده يا نايا؟ ارتبكت نايا وأخفت الورقة. — ولا حاجة. اقتربت والدتها وأخذت الرسم منها، ثم ابتسمت. — إنتِ موهوبة بجد يا نايا. رفعت نايا عينيها إليها بسعادة. — بجد؟ — بجد. لو فضلتي تطوري موهبتك، ممكن تدخلي فنون جميلة وتبقي فنانة شاطرة جدًا. ارتمت نايا في
فبراير... 2023 الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل منذ ذلك اللقاء المؤلم مع والدة نادر، انقطعت أخباره عنها تمامًا. أغلقت كل طرق التواصل بينهما، وعادت إلى عادتها القديمة؛ فراشها، غرفتها المظلمة، وعينان مغمضتان تحاول بهما الهروب من كل شيء. لكن في تلك الليلة، لم يتركها النوم بسلام. فجأة، شعرت باختناق حاد، كأن الهواء اختفى من حولها. خرجت شهقة من أعماقها، ففتحت عينيها بعنف، وراحت أنفاسها تتلاحق وهي تتلفت حولها. لم ترَ شيئًا سوى الظلام المحيط بها من كل جانب. وهي تكره الظلام. لكن ما جعل الخوف يتسلل إلى قلبها لم يكن الظلام وحده. شعرت بأنفاس ساخنة قريبة جدًا... خلفها. لم تفكر. اندفعت راكضة وهي تصرخ: — نــــادر! الحقني... نــــادر، إنت فين؟ نادر! تعثرت قدماها وسقطت أرضًا، فامتلأت يداها بالتراب. رفعت رأسها على صوت دقات طبول غريبة، تتكرر بنغمة منتظمة. وكلما اقترب صوتها، ضاق صدرها أكثر، وتسارعت ضربات قلبها. انهارت قوتها، وانهمرت دموعها. همست: — نادر... ثم سمعت صوتًا لم تسمعه منذ وقت طويل. صوت أمها. هادئًا، دافئًا... كما كان دائمًا. — اهربي يا نايا. تجمدت في مكانها. للحظة، تس
كانت الأضواء تغمر المكان، وتتوالى صيحات الجمهور من كل جانب، بينما امتلأت المدرجات بالحاضرين. وعلى بُعدٍ منهم، استقرت الأضواء على وجه مذيع ذائع الصيت في الوطن العربي، يجلس أمامه كاتب تضاهي شهرته شهرة المذيع أضعافًا. وُضع أمام الكاتب كوب من الماء، وبجواره كتابه الأخير الذي صدر حديثًا. كان هادئًا على نحوٍ لافت؛ فقد اعتاد مثل هذه اللقاءات، ولم يعد يخشى الأسئلة أو مفاجآتها. أشار إليه المذيع، فهز رأسه مستعدًا، ثم التفت إلى فريق العمل. — 3... 2... 1... هوا! ابتسم المذيع ابتسامته البشوشة المعتادة، وقال أمام الكاميرا: — وزي ما وعدناكم وفينا بوعدنا، النهارده معانا لقاء مع الكاتب الشهير جدًا، علشان نجاوب على كل أسئلتكم... نورت برنامجنا المتواضع. اتجهت الكاميرا نحو الكاتب، الذي ابتسم بتكلف، ثم أشار إلى الجمهور. — مين حابب يسأل؟ أمسك المذيع بأوراق الإعداد: — خلينا الأول نتعرف على كاتبنا أكتر، وبعدها نتوجه للجمهور. ابتسم الكاتب ابتسامة مصطنعة. — تمام. خفتت الإضاءة، ولم يبقَ منها سوى ما يسلط على وجه المذيع والكاتب. — اسمك «ليل»، لكن عرفنا من مصادرنا الخاصة إن ده اسم شهرة، وإن ليك اسم تان
ركض طفل في العاشرة من عمره صاعدًا درجات السلم، متوجهًا إلى الطابق الثالث حيث منزله، بعدما انتهى للتو من دوامه المدرسي الابتدائي.وصل إلى باب المنزل، وقبل أن يهمّ بالضغط على جرسه، استمع إلى صوت من خلفه، فالتفت ليجد جارته تقف أمام باب منزلها.ابتسم لها ببراءة طفولية:- إزي حضرتك يا طنط؟بادلته الابتسامة:- حبيبي، أمال فين نايا؟ اتأخرتوا كده ليه؟وبتلقائية، أشار إلى الدرج خلفه:- طالعة ورايا أهي... وهي اللي أخرتنا، كانت عايزة تدخل البيت الم...لم يُكمل جملته، إذ قاطعته طفلة تصغره بعام، وقفت أمامه بغضب طفولي:- اسكت يا فتان.ضم حاجبيه متذمرًا، وبدأت وجنتاه تحمران دليلًا على غضبه الذي أخذ يشتعل:- أنا مش فتان.ردت بنبرة مليئة بالتحدي والإصرار:- لا، فتان.صاحت الأم بغضب:- تاني يا نايا؟ مش قولت متمشوش من الشارع ده؟تجاهلت الطفلة والدتها، وظلت تحدق في الطفل بشر:- فتان.ضرب بقدمه الأرض اعتراضًا:- أنا مش فتان.- فتان.بدأ الشجار بينهما من جديد، إلى أن اضطرت الأم إلى سحب الطفلة إلى داخل المنزل، وهي تصرخ عليها، بعدما شكرت الطفل.ظل واقفًا في مكانه للحظات، يستمع إلى صراخ الأم عليها، وشعر بوخزة







