تسجيل الدخوللم تزد يوستينا على الابتسام، ثم أشارت إلى الوصيفات الأخريات بالانصراف."يمكنكن المغادرة، أما لوسيا فلتبقَ قليلًا."انحنت الوصيفات وخرجن واحدة تلو الأخرى، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبحت الغرفة هادئة. بقيت واقفة في مكاني، ويدي متشابكتان أمامي، أنتظر ما ستطلبه.نهضت يوستينا من أمام المرآة واتجهت نحو النافذة المطلة على الحديقة. وقفت للحظات تنظر إلى الخارج، ثم التفتت نحوي."هل تعدين شعري؟""بكل سرور، سيدتي."اقتربت منها وأخذت المشط الفضي من فوق الطاولة، ثم بدأت أمرره بين خصلات شعرها الطويلة بحركات هادئة. كانت تنظر إلى انعكاسنا في المرآة دون أن تتكلم، بينما كنت أركز على عملي وأحرص ألا أشد خصلة واحدة أكثر من اللازم.بعد دقائق قالت فجأة:"أخبريني يا لوسيا... كم عمرك؟""عشرون عامًا، سيدتي."أومأت برأسها."إذن نحن متقاربتان في العمر."لم أعلق.ابتسمت وهي ما تزال تنظر إلى المرآة."لا داعي لكل هذا التوتر. أشعر وكأنك تخافين مني.""أنا فقط أحاول أداء عملي كما ينبغي."ضحكت ضحكة خافتة."إجابة مثالية."وضعت المشط جانبًا عندما انتهيت، لكن قبل أن أبتعد أشارت إلى عقد من اللؤلؤ كان فوق الطاولة."ساعديني في ا
بقيت واقفة في مكاني حتى بعد أن انتهى من كلامه، ولم أتحرك إلا عندما استدار وغادر الرواق بخطوات هادئة، وكأن ما قاله قبل لحظات لم يكن سوى حديث عابر.أما أنا...فلم أستطع أن ألتقط أنفاسي إلا بعد أن اختفى عن ناظري.أغلقت عيني لثوانٍ، ثم قبضت على يدي بقوة حتى هدأت ارتجافتها تدريجيًا."تماسكي..."همست بها لنفسي، ثم عدلت قناعي وأكملت طريقي نحو جناح الخدم.لم أبتعد كثيرًا حتى سمعت صوتًا يناديني من آخر الرواق."لوسيا."التفت فورًا.كانت إحدى وصيفات يوستينا تقف عند المدخل المؤدي إلى جناحها."السيدة يوستينا تطلبك."شعرت بانقباض خفيف في صدري، لكنني أخفيته بانحناءة قصيرة."حاضر."تبعتها بصمت حتى وصلنا إلى جناح الإمبراطورة المستقبلية. طرقت الوصيفة الباب بخفة، ثم فتحته بعد أن سمعت الإذن بالدخول.كانت يوستينا جالسة أمام مرآة كبيرة، بينما وقفت حولها عدة وصيفات يحملن صناديق المجوهرات والفساتين. وما إن رأتني حتى ارتسمت على وجهها تلك الابتسامة الهادئة التي لا تفارقها."لوسيا، تعالي."تقدمت وانحنيت."امرك يا سيدتي."أشارت إلى إبريق الشاي الموضوع على الطاولة."هل تعدين لي كوبًا؟ أشعر ببعض التعب.""بالطبع."
شدني معه دون أن ينطق بكلمة، ولم يترك معصمي إلا بعد أن ابتعدنا عن الساحة الخلفية واختفت أصوات الخدم والجنود تدريجيًا. توقف في رواق جانبي خالٍ، ثم استدار نحوي. كنت على وشك التراجع خطوة، لكنه وضع يده على الحائط بجوار رأسي، فأغلق عليَّ طريق الهرب دون أن يلمسني.رفعت رأسي إليه بحذر، بينما بقيت يداه ثابتتين، ونظرته الباردة لا تفارق وجهي."ألم أقل لكِ ألا تتحدثي مع الرجال؟"خرج صوته منخفضًا، لكنه لم يكن سؤالًا بقدر ما كان محاسبة.تجمدت في مكاني للحظة، ثم تماسكت وأجبته بهدوء."لم أتحدث معه إلا لأنه أنقذني من السقوط، يا جلالتكم."لم يتغير تعبيره."لكنك واصلتِ الحديث."أخذت نفسًا بطيئًا."كان من الوقاحة أن أدير ظهري لشخص ساعدني."ظل ينظر إلي بصمت، وكأنه يزن كل كلمة أقولها. ثم قال بعد لحظة:"أنتِ خادمة في قصري."أومأت برأسي."أجل.""إذن يكفي أن تؤدي عملك، وليس أن تقفي لتبادلي الحديث مع الرجال."شعرت بالضيق من نبرته أكثر من كلماته.رفعت عيني إليه للمرة الأولى منذ بدأ الحديث."مع كامل احترامي، يا جلالتكم... هذا ليس من حقك."لمعت عيناه قليلًا."ليس من حقي؟""لدي خطيب بالفعل."ساد الصمت بيننا.تابعت
أخذت نفسًا عميقًا، ثم سرت خلف بقية الخادمات نحو الجناح الغربي حيث كانت أولى مهامنا لهذا اليوم. كانت الحركة في القصر أكثر نشاطًا من الأيام السابقة، فكل ممر أعبره يعج بالخدم والحراس، بينما تُنقل الصناديق والزهور وأقمشة الزينة من مكان إلى آخر استعدادًا للزفاف. بدا واضحًا أن الجميع يعمل تحت ضغط كبير، حتى ميريل لم تكتفِ بإصدار الأوامر، بل كانت تتنقل بنفسها بين الأجنحة لتتأكد من تنفيذ كل شيء كما تريد.أُلقيت إلي قطعة قماش وسطل ماء، ثم بدأت بتنظيف النوافذ المطلة على الحديقة الداخلية. لم يكن العمل صعبًا، لكنه احتاج إلى تركيز، خاصة أن أي خطأ صغير كان كفيلًا بجلب توبيخ ميريل أمام الجميع. مر الوقت بهدوء، ولم يقطع الصمت سوى أصوات الخادمات وهن يتبادلن الحديث أثناء العمل."سمعت أن الطاهي الملكي سيصل اليوم.""ليس وحده، حتى الخياطون الخاصون بالعائلة الإمبراطورية وصلوا منذ الفجر.""طبيعي، لم يبقَ سوى أسبوع."ابتسمت في داخلي مرة أخرى.كلما سمعت تلك الجملة ازددت يقينًا بأن بقائي هنا لن يطول.بعد أسبوع...إما أن أخرج من هذا القصر ومعي الملفات التي يبحث عنها أدريان منذ سنوات، أو أفشل وأدفع الثمن.لا يوجد
بقيت واقفة في مكاني عدة ثوانٍ بعد أن اختفى من الرواق، ثم أطلقت زفرة طويلة لم أدرك أنني كنت أحبسها طوال الوقت. لم يكن الحديث قد استغرق سوى دقائق معدودة، لكنه ترك داخلي شعورًا بالضيق لم أستطع التخلص منه. هززت رأسي محاوِلة طرد أفكاري، ثم تابعت طريقي نحو جناح الخادمات.كانت أغلب المصابيح قد خفت نورها، ولم يبقَ في الممرات سوى عدد قليل من الحراس والخدم المناوبين ليلًا. وصلت إلى غرفتنا بهدوء، وفتحت الباب بحذر حتى لا أوقظ الأخريات. كان الجميع نائمًا بالفعل، لذلك وضعت السلة جانبًا، وجلست على سريري دون أن أخلع حذائي.مددت يدي إلى القناع الذي يغطي وجهي، ونزعته ببطء، ثم مررت كفي على عيني."أي نوع من الرجال هذا..."خرجت الكلمات همسًا دون أن أشعر.طوال سبع سنوات، تعاملت مع قتلة وتجار عبيد ونبلاء فاسدين وقادة عصابات، بل وتسللت إلى قصور ومقار محصنة أكثر من مرة، لكنني لم أشعر بهذا القدر من الضغط مع أي منهم. كان داريوس يتصرف بهدوء دائم، إلا أن ذلك الهدوء نفسه كان يجعل من الصعب معرفة ما يدور في رأسه.استلقيت على السرير وأنا أحدق في السقف.كان من المفترض أن أركز على مهمتي، لكن وجوده بدأ يعرقل طريقة تفكير
وقفت في مكاني للحظات وأنا أفكر في كلام ذلك الحارس.لم يكن يخيفني بقدر ما أربكني، فالكراهية التي رأيتها في عينيه لم تكن من النوع الذي يولد بسبب خلاف عابر أو منافسة بين فرسان، بل بدت وكأنها تراكمت على مدى سنوات طويلة حتى أصبحت جزءًا منه.من يكون هذا الرجل؟ ولماذا يخدم يوستينا إذا كان يحمل تلك النظرات كلما رأى داريوس؟تنهدت بصمت، ثم قررت التوقف عن التفكير في الأمر. لم آتِ إلى هذا القصر لأفهم علاقاتهم، بل لأسرق الملفات وأغادر قبل أن يكتشف أحد هويتي.سرت بهدوء عبر الممر الطويل، وكانت خطواتي خافتة فوق الأرضية الرخامية اللامعة. لم يكن في المكان سوى عدد قليل من الخدم الذين انحنوا باحترام كلما مررت بجانبهم، بينما بقي الحراس واقفين في أماكنهم كتماثيل لا تتحرك.وبينما كنت أعبر أمام إحدى النوافذ الكبيرة المطلة على الحديقة، رفعت رأسي دون قصد.تجمدت قدماي.في الجهة المقابلة، وعلى الشرفة الحجرية للطابق الرابع، كان يقف داريوس.لم أستطع رؤية ملامحه كاملة بسبب المسافة، لكنني رأيت شيئًا واحدًا بوضوح...عيناه الذهبيتان.كان ينظر نحوي مباشرة.لم يكن يتحدث مع أحد، ولم يكن ينظر إلى الحديقة أو إلى الحراس.كا







