Share

وريثة الظلال
وريثة الظلال
Author: رزان

بوابة القدر

Author: رزان
last update publish date: 2026-07-12 10:08:44

# الفصل الأول

## بوابة القدر

كان الليل يبتلع آخر خيوط الضوء، بينما كانت ألسنة اللهب تلتهم القرية خلف مريم. تصاعد الدخان إلى السماء، واختلطت رائحته برائحة التراب المبلل والرماد، حتى بدا الهواء نفسه ثقيلًا لا يُطاق.

كانت تركض بلا توقف.

قدماها تؤلمانها، وثوبها الممزق يعيق حركتها، لكن الخوف كان أسرع من الألم.

ومن بعيد، تعالت صيحات الجنود وهم يفتشون بين الأشجار.

"ابحثوا عنها! لا بد أنها ما زالت قريبة!"

حبست مريم أنفاسها، وانحنت خلف صخرة كبيرة. وضعت يدها على فمها حتى لا يسمع أحد شهقاتها، بينما راحت دموعها تنساب بصمت.

قبل ساعات قليلة فقط...

كانت تجلس مع أسرتها حول مائدة بسيطة، يضحكون ويتبادلون الأحاديث، ولم تكن تعلم أن تلك الضحكات ستكون الأخيرة.

في لحظة واحدة، تحولت حياتها إلى رماد.

هاجم الجنود القرية بلا رحمة، وأشعلوا النيران في البيوت، وسقط الأبرياء واحدًا تلو الآخر.

صرخت أمها وهي تدفعها نحو الغابة:

"اهربي يا مريم... لا تنظري إلى الخلف!"

ومنذ تلك اللحظة... وهي تركض.

مسحت دموعها بطرف كمها وهمست بصوت مرتجف:

"سامحوني... لم أستطع إنقاذكم."

لكنها وعدت نفسها بشيء واحد...

أن تبقى على قيد الحياة، مهما كان الثمن.

نهضت بحذر، وأكملت السير بين الأشجار الكثيفة. كانت الغابة مختلفة عن أي مكان رأته من قبل؛ جذوعها شاهقة، وأغصانها متشابكة حتى حجبت ضوء القمر، بينما كان الضباب ينساب بين الأرض كأنه كائن حي.

وفجأة...

اختفت أصوات الجنود.

لا صرخات.

لا وقع أقدام.

لا شيء سوى صمت غريب.

توقفت مريم، وأخذت تنظر حولها بقلق.

"كيف...؟"

كان الصمت مخيفًا أكثر من الضجيج.

ثم سمعت همسة خافتة، كأن الريح تحملها إليها.

"مريم..."

اتسعت عيناها.

استدارت بسرعة، لكنها لم تر أحدًا.

ظنت أنها تتوهم بسبب التعب.

لكن الهمسة عادت مرة أخرى، أقرب هذه المرة.

"مريم..."

ارتجف جسدها.

"من هناك؟"

لم يجبها أحد.

بدلًا من ذلك، تحركت أوراق الأشجار رغم أن الريح كانت ساكنة، وكأن الغابة كلها تشير إلى مكان واحد.

اتبعت نظراتها ذلك الاتجاه.

وهناك...

وقفت شجرة هائلة لم تر مثلها في حياتها.

كان جذعها أعرض من بيت كامل، وجذورها تمتد في الأرض كأنها عروق عملاق نائم منذ آلاف السنين.

اقتربت ببطء.

وما إن أصبحت أمامها، حتى شهقت بدهشة.

كان داخل الجذع باب خشبي قديم، تتدلى فوقه أغصان خضراء، ونُقشت على أطرافه رموز غريبة لم تستطع فهمها.

مدت يدها نحوه بتردد.

وقبل أن تلمس المقبض...

سمعت صوتًا هادئًا خلفها يقول:

"لا يراه الجميع."

استدارت مذعورة.

فوجدت مخلوقًا صغيرًا يقف على أحد الجذور.

لم يكن يشبه أي إنسان. كانت عيناه تلمعان بلون ذهبي، ويرتدي معطفًا أخضر مصنوعًا من أوراق الشجر، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة.

تراجعت مريم خطوة.

"من... من أنت؟"

انحنى المخلوق باحترام، ثم قال:

"اسمي لورين."

حدقت فيه بدهشة.

"كيف تعرف اسمي؟"

ابتسم وقال:

"لأن الغابة نادتك... ولأن هذا الباب لم يفتح منذ سنوات طويلة، وكان ينتظر شخصًا واحدًا فقط."

ابتلعت ريقها بصعوبة.

"ومن يكون هذا الشخص؟"

رفع المخلوق يده الصغيرة، وأشار إليها.

"أنتِ يا مريم."

شعرت بأن قلبها يخفق بعنف.

"أنا؟ ولماذا؟"

لم يجبها مباشرة.

اكتفى بالنظر إلى الباب الخشبي، ثم قال بصوت هادئ:

"إذا أردتِ معرفة الحقيقة... فعليكِ أن تفتحيه."

نظرت مريم إلى الظلام خلفها، حيث يمكن أن يعود الجنود في أي لحظة، ثم عادت تنظر إلى الباب الذي يفيض منه ضوء خافت يتسلل من بين شقوقه.

كان أمامها طريقان...

العودة إلى عالمٍ سرق منها كل شيء...

أو عبور بابٍ لا تعرف ما الذي ينتظرها خلفه.

أغمضت عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا.

ثم وضعت يدها على المقبض...

وببطء...

بدأ الباب يُفتح.

واندفع منه نور ذهبي ساطع، حتى ابتلع مريم

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وريثة الظلال   حين انكسر الصمت

    الفصل الواحد و الخمسين انكسار الصمتلم تعد تسير فيه وحدها…لكنها لم تكن تعلم…أن تلك الليلة لم تنتهِ بعد.⸻استمرت الخيول تشق طريقها بين أشجار الغابة حتى ظهرت أسوار وادي الأمان مع اقتراب الفجر.ما إن فُتحت البوابة حتى اندفع الحراس لاستقبالهم.ترجل آسر أولًا، ثم ساعد رودينا على النزول، بينما بقي كيان ممسكًا بلجام حصانه للحظات، وكأنه يجمع ما تبقى من قوته.التفت إلى مريم.“انزلي.”مد يده إليها، فنزلت بهدوء.وما إن لامست قدماها الأرض…حتى اختل توازن كيان فجأة.أسرع أحد الحراس نحوه، لكنه رفع يده يمنعه من الاقتراب.حاول أن يخطو خطوة أخرى…إلا أن الدم الذي انساب من تحت عباءته كشف ما كان يخفيه طوال الطريق.شهقت مريم.اتسعت عيناها وهي تحدق في كتفه.كان السهم قد أصابه أثناء الهجوم، ولم ينتبه أحد إلى ذلك وسط الفوضى.اقتربت منه دون تفكير.“أنت… مصاب؟”نظر إليها بهدوء، وكأن الأمر لا يستحق القلق.“جرح لن يوقفني.”لكن الدم كان يقول غير ذلك.تبادل آسر ورودينا نظرة سريعة، ثم اقترب آسر منه هذه المرة دون أن يتكلم.لم يعترض كيان.اكتفى بإيماءة خفيفة، قبل أن يسمح لهم بإسناده إلى داخل القصر.وقفت مريم مكا

  • وريثة الظلال   بين الخطر والحماية

    الفصل الخمسون كان القصر الملكي غارقًا في الصمت.ذلك الصمت الذي لا يشبه الهدوء…بل يشبه انتظار شيء قادم.كانت مريم لا تزال تقلب الأوراق القديمة، تبحث بين ما تركه الزمن خلفه، بينما بقيت رودينا وآسر قريبين منها.رفعت مريم إحدى الأوراق القديمة، لكنها لم تجد سوى كلمات غير مكتملة.شعرت بالإحباط للحظة.كل طريق تسلكه يقودها إلى سؤال جديد.وليس إلى إجابة.قالت رودينا بهدوء:“مريم…”التفتت إليها.“ربما يجب أن نغادر قبل أن يطول بقاؤنا هنا.”نظرت مريم نحو الصورة التي كانت تحملها.لم تكن تريد تركها.كان هناك شيء يخبرها أن هذه الصورة مهمة.لكنها قبل أن تجيب…سمعوا صوتًا في الخارج.توقفت حركتهم.نظر آسر نحو الباب.وضع يده على سيفه.“هناك أحد.”ساد الصمت.اقتربت رودينا من مريم، وأخذت موقعها بحذر.أما مريم فشعرت بقلبها ينبض بقوة.لم تكن تعرف من القادم…لكنها كانت تعرف أن وجودهم هنا لم يعد سرًا.في تلك اللحظة…فُتح باب الغرفة.وتوقفت مريم عندما رأت الشخص الواقف أمامها.كيان.كان يقف هناك، وخلفه عدد من الجنود.لكن عينيه لم تكن تنظران إلى المكان…بل إليها فقط.ساد صمت طويل بينهما.لم تكن مريم مستعدة لرؤ

  • وريثة الظلال   أبواب الماضي

    التاسع والاربعون كانت أسوار القصر الملكي تظهر أمامهم مع اقتراب منتصف الليل.توقفت الخيول بعيدًا عن البوابة الرئيسية، في مكان لا يمكن أن يلاحظهم فيه أحد.نزل آسر من على حصانه بخفة، ثم نزلت رودينا بعده بثبات، وكأنها اعتادت على مثل هذه الرحلات.أما مريم فبقيت للحظة مترددة فوق الحصان.لاحظت رودينا ذلك، فتقدمت نحوها.“انتظري، سأساعدك.”مدت يدها إليها، وساعدتها على النزول بحذر.ابتسمت مريم بخجل بسيط.“أظن أنني سأحتاج وقتًا حتى أعتاد على هذا.”ابتسمت رودينا.“ليس الجميع يولدون وهم يعرفون التعامل مع الخيول.”ثم التفتت نحو القصر.اختفت ابتسامتها، وعادت ملامح المحاربة التي تعرفها مريم.“لكن الليلة ليست وقت التعلم.”اقترب آسر من البوابة القديمة للقصر الملكي، وألقى نظرة سريعة حول المكان.كان كل شيء ساكنًا.لا أصوات للحراس…ولا حركة خلف الأسوار.فقط الرياح وهي تمر بين الأشجار القريبة، تحمل معها برودة الليل.قال آسر بصوت منخفض:“علينا أن نتحرك الآن.”أومأت رودينا، بينما نظرت مريم إلى القصر أمامها.كان ضخمًا وصامتًا، تقف جدرانه العالية كأنها تخفي خلفها سنوات طويلة من الأسرار.لم تعرف لماذا شعرت بذل

  • وريثة الظلال   خلف أسوار القصر

    الثامن والاربعون وبعد لحظات، فُتح باب القاعة.دخل لورين بخطوات هادئة، ثم انحنى احترامًا.“أمرتني يا مولاي؟”التفت كيان إليه، وبقي صامتًا للحظات قبل أن يتحدث.“أريد منك أن تعرف أين ذهبت مريم.”نظر إليه لورين باستغراب بسيط.“هل حدث شيء؟”هز كيان رأسه.“لا.”ثم أضاف بعد لحظة:“لكنها تخفي شيئًا.”لم يكن في صوته غضب…ولا شك.فقط ملاحظة اعتاد أن يثق بها.قال لورين:“هل تريد مني أن أسألها؟”أجاب كيان مباشرة:“لا.”ثم نظر نحو النافذة، حيث بدأت الشمس تختفي خلف أسوار القصر.“لا أريد أن تشعر بأنها تحت المراقبة.”صمت قليلًا، ثم أكمل:“فقط اعرف إلى أين ذهبت.”أومأ لورين.“كما تأمر يا مولاي.”ثم غادر القاعة.بقي كيان وحده للحظات.لم يكن يريد أن يمنع مريم من شيء.ولم يكن يريد أن يجعلها تشعر بأنها مقيدة.لكنه كان يعرفها…ويعرف أن خلف هدوئها سؤالًا لم تجد له إجابة بعد.وفي الوقت نفسه…كانت مريم قد وصلت إلى الإسطبل.كان المكان أكثر هدوءًا من المعتاد، ولم يكن هناك سوى أصوات الخيول وحركة الرياح بين الأشجار القريبة.نظرت حولها، حتى رأت رودينا تنتظرها بالقرب من المدخل.ابتسمت رودينا عندما رأتها.“ظننت أنك

  • وريثة الظلال   السابع والاربعون

    الفصل السابع والاربعون ...سارا معًا خارج ساحة التدريب، باتجاه الممر الحجري المؤدي إلى الحديقة.كان الصمت بينهما هادئًا، لا يحمل ذلك الثقل الذي اعتادته مريم في بعض اللحظات معه.كانت تسمع خطواتهما فوق الحجارة القديمة، بينما كانت أشعة الشمس تميل نحو الغروب، فتنعكس على جدران القصر بلون ذهبي خافت.نظر كيان إلى الأشجار الممتدة أمامهما، ثم قال:“يبدو أن القصر أكثر هدوءًا اليوم.”أجابته مريم وهي تنظر حولها:“ربما لأن الجميع منشغل بالتدريبات.”أومأ كيان.“قد يكون ذلك.”ثم صمت للحظات.كانت مريم تحاول أن تبدو طبيعية، لكن عقلها كان يعود كل مرة إلى ما اتفقت عليه مع آسر ورودينا.الوقت يمر…وكل دقيقة تقربها من تنفيذ خطتها.لاحظ كيان شرودها، لكنه لم يسألها مباشرة.قال بهدوء:“هل تفكرين في شيء آخر؟”انتبهت مريم لسؤاله، ثم ابتسمت بسرعة.“لا، فقط كنت أتأمل المكان.”نظر إليها للحظة، وكأنه يعرف أنها لم تقل كل شيء، لكنه لم يضغط عليها.لطالما كان كيان يختار الصمت عندما يرى أن الكلام لن يغير شيئًا.واصلا السير حتى وصلا إلى النافورة القديمة في وسط الحديقة.توقفت مريم قليلًا، ونظرت إلى المياه المتحركة بهدوء.

  • وريثة الظلال   مالم يقال

    الفصل السادس والأربعون ظل الثلاثة واقفين في طرف ساحة التدريب، بعيدًا عن الحراس الذين انشغلوا بمتابعة تدريباتهم. كانت أصوات اصطدام السيوف تتردد في المكان، بينما كانت الرياح تحرك أعلام القصر المعلقة فوق الأسوار. ألقت رودينا نظرة سريعة حولها، ثم اقتربت من مريم وآسر، وقالت بصوت منخفض: “علينا أن ننهي هذا الحديث بسرعة… لا أريد أن يلاحظ أحد أننا نقف هنا منذ فترة.” أومأ آسر موافقًا، ثم قال وهو يخفض صوته أكثر: “قبل أن نفكر في دخول القصر الملكي… علينا أن نعرف كيف سنخرج من هنا.” عقدت مريم حاجبيها. “من قصر كيان؟” “نعم.” أشار بعينيه نحو الحراس المنتشرين في أنحاء الساحة. “الحراس يعرفوننا جميعًا.” “ولو خرجنا معًا… فسيسأل أحدهم عن وجهتنا.” ساد الصمت للحظات. ثم قالت مريم وهي تفكر: “إذن لن نخرج معًا.” نظر إليها آسر باهتمام. “اشرحي.” قالت بثقة: “أخرج أنا أولًا.” “وكأنني ذاهبة إلى الحديقة أو إلى الإسطبل.” ثم التفتت إلى رودينا. “وبعد دقائق… تلحقين بي.” أومأت رودينا ببطء. “وأنت؟” نظرت إلى آسر. ابتسم ابتسامة خفيفة. “سأخرج من البوابة الغربية.” استغربت مريم. “لماذا تلك البوابة تح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status