Share

ماوراء البوابة

Author: رزان
last update publish date: 2026-07-12 10:22:07

8"}

# الفصل الثاني

لم تشعر مريم بقدميها وهما تلامسان الأرض.

كان النور الذهبي يحيط بها من كل اتجاه، حتى فقدت القدرة على تمييز السماء من الأرض، أو معرفة إن كانت تتحرك أم أن العالم هو الذي يدور حولها.

ثم...

اختفى كل شيء.

فتحت عينيها ببطء، وأخذت نفسًا عميقًا.

لم تعد تشم رائحة الدخان.

ولا تسمع صرخات الجنود.

ولا ترى آثار الحرب.

بدلًا من ذلك، استقبلتها نسائم باردة تحمل عبير الأزهار، وأصوات مياه جارية بهدوء، وزقزقة طيور لم تسمع مثلها من قبل.

جلست على الأرض وهي تنظر حولها بدهشة.

امتد أمامها وادٍ واسع تكسوه الأعشاب الخضراء، تتخلله أنهار صافية تعكس لون السماء، بينما كانت الأشجار تتلألأ بأوراق فضية وخضراء، كأن الضوء يخرج منها بدلًا من أن يسقط عليها.

في الأفق ارتفعت جبال شاهقة، تتدفق من قممها شلالات براقة، وحلقت فوقها مخلوقات بيضاء تشبه الطيور، لكنها أكبر حجمًا وأكثر جمالًا.

همست مريم لنفسها:

"هل... متُّ؟"

ضحكة صغيرة قاطعتها.

التفتت بسرعة.

كان لورين يقف فوق صخرة قريبة، يراقب دهشتها بابتسامة.

قال بلطف:

"لا... أنتِ حية، وأكثر حياةً مما كنتِ عليه في الخارج."

نهضت وهي تنفض الغبار عن ثوبها.

"أين أنا؟"

أجاب وهو ينظر إلى الوادي بفخر:

"مرحبًا بكِ في وادي الأمان."

ترددت الكلمات في أذنيها.

"وادي الأمان؟"

أومأ برأسه.

"مكان لا يصل إليه إلا من اختارته الغابة."

نظرت حولها مرة أخرى.

كان كل شيء جميلًا إلى درجة يصعب تصديقها.

زهور بألوان لم ترها من قبل، وفراشات مضيئة تحلق بين الأغصان، ومياه صافية ترى في أعماقها أحجارًا كأنها من البلور.

لكن رغم ذلك...

ظل قلبها مثقلًا بالحزن.

قالت بصوت منخفض:

"لو كان هذا المكان حقيقيًا... فلماذا لم تأخذ الغابة عائلتي أيضًا؟"

اختفت ابتسامة لورين.

اقترب منها بهدوء وقال:

"الغابة لا تختار من هو الأقوى... ولا من هو الأذكى... إنها تختار من لا يزال يحمل في قلبه بصيص أمل، حتى بعد كل ما فقده."

انخفضت عينا مريم.

لم تعرف ماذا تقول.

وفجأة، تحركت الشجيرات القريبة.

قفزت خلف لورين بخوف.

ابتسم وقال مطمئنًا:

"لا تقلقي."

خرجت ثلاثة مخلوقات صغيرة، لكل واحد منها أذنان طويلتان وذيل كثيف، وكانت تحمل سلالًا مليئة بثمار ذهبية.

اقترب أحدها ومد يده إليها بخجل.

"هذه لك."

ترددت مريم.

لكن الجوع كان أقوى من خوفها.

تناولت الثمرة بحذر.

وما إن تذوقت أول قضمة، حتى شعرت بدفء غريب يسري في جسدها، وكأن التعب الذي حملته طوال الأيام الماضية بدأ يتلاشى.

اتسعت عيناها بدهشة.

"ما هذه؟"

ضحك لورين وقال:

"ثمار الحياة... لا تنمو إلا هنا."

وبينما كانت تنظر إلى الوادي بإعجاب، سمعت فجأة صوت بوق عميق يهز المكان كله.

توقفت الطيور عن الطيران.

واختفت ابتسامة لورين.

قال بصوت منخفض:

"لقد عاد..."

عقدت مريم حاجبيها.

"من عاد؟"

نظر إلى الطريق الحجري المؤدي إلى أعماق الوادي، ثم قال:

"الشخص الذي يحكم هذا المكان."

وقبل أن تتمكن من طرح سؤال آخر...

ظهر في نهاية الطريق ظل فارس يمتطي حصانًا أبيض، وكانت أشعة الشمس خلفه تمنعها من رؤية ملامحه.

تسارع نبض قلبها.

لم تكن تعلم أن ذلك اللقاء سيغيّر حياتها إلى الأبد.

تقدّم الفارس بخطوات هادئة فوق الطريق الحجري، بينما كان حصانه الأبيض يسير بثبات وهيبة، حتى بدا وكأن الوادي بأكمله يفسح له الطريق. ومع كل خطوة يقترب بها، كانت نبضات قلب مريم تتسارع أكثر، وشعرت بأن أنفاسها أصبحت ثقيلة.

أخفضت رأسها نحو الأرض دون أن تشعر، وأخذت أصابعها ترتجف وهي تقبض على طرف ثوبها الممزق. لم تكن تعرف من يكون، لكنها أحست بهيبة غريبة تحيط به، هيبة لم تشعر بها من قبل.

مرّت في ذهنها صور الجنود الذين طاردوها، فعاد الخوف يتسلل إلى قلبها من جديد، وارتجف جسدها وهي تهمس بصوت يكاد لا يُسمع:

"أرجوك... لا تؤذني."

توقّف الفارس على بُعد خطوات قليلة منها، وساد صمت قصير، لم يُسمع فيه سوى خرير النهر ورفرفة أجنحة الطيور. كان ذلك الصمت كافيًا ليجعل قلب مريم يخفق بقوة، وهي تظن أن مصيرها على وشك أن يتغير ....

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وريثة الظلال   بين الخطر والحماية

    الفصل الخمسون كان القصر الملكي غارقًا في الصمت.ذلك الصمت الذي لا يشبه الهدوء…بل يشبه انتظار شيء قادم.كانت مريم لا تزال تقلب الأوراق القديمة، تبحث بين ما تركه الزمن خلفه، بينما بقيت رودينا وآسر قريبين منها.رفعت مريم إحدى الأوراق القديمة، لكنها لم تجد سوى كلمات غير مكتملة.شعرت بالإحباط للحظة.كل طريق تسلكه يقودها إلى سؤال جديد.وليس إلى إجابة.قالت رودينا بهدوء:“مريم…”التفتت إليها.“ربما يجب أن نغادر قبل أن يطول بقاؤنا هنا.”نظرت مريم نحو الصورة التي كانت تحملها.لم تكن تريد تركها.كان هناك شيء يخبرها أن هذه الصورة مهمة.لكنها قبل أن تجيب…سمعوا صوتًا في الخارج.توقفت حركتهم.نظر آسر نحو الباب.وضع يده على سيفه.“هناك أحد.”ساد الصمت.اقتربت رودينا من مريم، وأخذت موقعها بحذر.أما مريم فشعرت بقلبها ينبض بقوة.لم تكن تعرف من القادم…لكنها كانت تعرف أن وجودهم هنا لم يعد سرًا.في تلك اللحظة…فُتح باب الغرفة.وتوقفت مريم عندما رأت الشخص الواقف أمامها.كيان.كان يقف هناك، وخلفه عدد من الجنود.لكن عينيه لم تكن تنظران إلى المكان…بل إليها فقط.ساد صمت طويل بينهما.لم تكن مريم مستعدة لرؤ

  • وريثة الظلال   أبواب الماضي

    التاسع والاربعون كانت أسوار القصر الملكي تظهر أمامهم مع اقتراب منتصف الليل.توقفت الخيول بعيدًا عن البوابة الرئيسية، في مكان لا يمكن أن يلاحظهم فيه أحد.نزل آسر من على حصانه بخفة، ثم نزلت رودينا بعده بثبات، وكأنها اعتادت على مثل هذه الرحلات.أما مريم فبقيت للحظة مترددة فوق الحصان.لاحظت رودينا ذلك، فتقدمت نحوها.“انتظري، سأساعدك.”مدت يدها إليها، وساعدتها على النزول بحذر.ابتسمت مريم بخجل بسيط.“أظن أنني سأحتاج وقتًا حتى أعتاد على هذا.”ابتسمت رودينا.“ليس الجميع يولدون وهم يعرفون التعامل مع الخيول.”ثم التفتت نحو القصر.اختفت ابتسامتها، وعادت ملامح المحاربة التي تعرفها مريم.“لكن الليلة ليست وقت التعلم.”اقترب آسر من البوابة القديمة للقصر الملكي، وألقى نظرة سريعة حول المكان.كان كل شيء ساكنًا.لا أصوات للحراس…ولا حركة خلف الأسوار.فقط الرياح وهي تمر بين الأشجار القريبة، تحمل معها برودة الليل.قال آسر بصوت منخفض:“علينا أن نتحرك الآن.”أومأت رودينا، بينما نظرت مريم إلى القصر أمامها.كان ضخمًا وصامتًا، تقف جدرانه العالية كأنها تخفي خلفها سنوات طويلة من الأسرار.لم تعرف لماذا شعرت بذل

  • وريثة الظلال   خلف أسوار القصر

    الثامن والاربعون وبعد لحظات، فُتح باب القاعة.دخل لورين بخطوات هادئة، ثم انحنى احترامًا.“أمرتني يا مولاي؟”التفت كيان إليه، وبقي صامتًا للحظات قبل أن يتحدث.“أريد منك أن تعرف أين ذهبت مريم.”نظر إليه لورين باستغراب بسيط.“هل حدث شيء؟”هز كيان رأسه.“لا.”ثم أضاف بعد لحظة:“لكنها تخفي شيئًا.”لم يكن في صوته غضب…ولا شك.فقط ملاحظة اعتاد أن يثق بها.قال لورين:“هل تريد مني أن أسألها؟”أجاب كيان مباشرة:“لا.”ثم نظر نحو النافذة، حيث بدأت الشمس تختفي خلف أسوار القصر.“لا أريد أن تشعر بأنها تحت المراقبة.”صمت قليلًا، ثم أكمل:“فقط اعرف إلى أين ذهبت.”أومأ لورين.“كما تأمر يا مولاي.”ثم غادر القاعة.بقي كيان وحده للحظات.لم يكن يريد أن يمنع مريم من شيء.ولم يكن يريد أن يجعلها تشعر بأنها مقيدة.لكنه كان يعرفها…ويعرف أن خلف هدوئها سؤالًا لم تجد له إجابة بعد.وفي الوقت نفسه…كانت مريم قد وصلت إلى الإسطبل.كان المكان أكثر هدوءًا من المعتاد، ولم يكن هناك سوى أصوات الخيول وحركة الرياح بين الأشجار القريبة.نظرت حولها، حتى رأت رودينا تنتظرها بالقرب من المدخل.ابتسمت رودينا عندما رأتها.“ظننت أنك

  • وريثة الظلال   السابع والاربعون

    الفصل السابع والاربعون ...سارا معًا خارج ساحة التدريب، باتجاه الممر الحجري المؤدي إلى الحديقة.كان الصمت بينهما هادئًا، لا يحمل ذلك الثقل الذي اعتادته مريم في بعض اللحظات معه.كانت تسمع خطواتهما فوق الحجارة القديمة، بينما كانت أشعة الشمس تميل نحو الغروب، فتنعكس على جدران القصر بلون ذهبي خافت.نظر كيان إلى الأشجار الممتدة أمامهما، ثم قال:“يبدو أن القصر أكثر هدوءًا اليوم.”أجابته مريم وهي تنظر حولها:“ربما لأن الجميع منشغل بالتدريبات.”أومأ كيان.“قد يكون ذلك.”ثم صمت للحظات.كانت مريم تحاول أن تبدو طبيعية، لكن عقلها كان يعود كل مرة إلى ما اتفقت عليه مع آسر ورودينا.الوقت يمر…وكل دقيقة تقربها من تنفيذ خطتها.لاحظ كيان شرودها، لكنه لم يسألها مباشرة.قال بهدوء:“هل تفكرين في شيء آخر؟”انتبهت مريم لسؤاله، ثم ابتسمت بسرعة.“لا، فقط كنت أتأمل المكان.”نظر إليها للحظة، وكأنه يعرف أنها لم تقل كل شيء، لكنه لم يضغط عليها.لطالما كان كيان يختار الصمت عندما يرى أن الكلام لن يغير شيئًا.واصلا السير حتى وصلا إلى النافورة القديمة في وسط الحديقة.توقفت مريم قليلًا، ونظرت إلى المياه المتحركة بهدوء.

  • وريثة الظلال   مالم يقال

    الفصل السادس والأربعون ظل الثلاثة واقفين في طرف ساحة التدريب، بعيدًا عن الحراس الذين انشغلوا بمتابعة تدريباتهم. كانت أصوات اصطدام السيوف تتردد في المكان، بينما كانت الرياح تحرك أعلام القصر المعلقة فوق الأسوار. ألقت رودينا نظرة سريعة حولها، ثم اقتربت من مريم وآسر، وقالت بصوت منخفض: “علينا أن ننهي هذا الحديث بسرعة… لا أريد أن يلاحظ أحد أننا نقف هنا منذ فترة.” أومأ آسر موافقًا، ثم قال وهو يخفض صوته أكثر: “قبل أن نفكر في دخول القصر الملكي… علينا أن نعرف كيف سنخرج من هنا.” عقدت مريم حاجبيها. “من قصر كيان؟” “نعم.” أشار بعينيه نحو الحراس المنتشرين في أنحاء الساحة. “الحراس يعرفوننا جميعًا.” “ولو خرجنا معًا… فسيسأل أحدهم عن وجهتنا.” ساد الصمت للحظات. ثم قالت مريم وهي تفكر: “إذن لن نخرج معًا.” نظر إليها آسر باهتمام. “اشرحي.” قالت بثقة: “أخرج أنا أولًا.” “وكأنني ذاهبة إلى الحديقة أو إلى الإسطبل.” ثم التفتت إلى رودينا. “وبعد دقائق… تلحقين بي.” أومأت رودينا ببطء. “وأنت؟” نظرت إلى آسر. ابتسم ابتسامة خفيفة. “سأخرج من البوابة الغربية.” استغربت مريم. “لماذا تلك البوابة تح

  • وريثة الظلال   حين انتصر الأصرار

    الفصل الخامس والاربعون ساد الصمت.لم يقطع أحد ذلك السكون.كانت كلماتها بسيطة…لكنها حملت من الصدق ما جعل الاعتراض يبدو أصعب من ذي قبل.خفضت مريم نظرها للحظة، ثم قالت بصوت أكثر هدوءًا:“إن كانت الحقيقة ستؤلمني… فسأتقبلها.”“وإن كانت ستغيّر كل ما أعرفه عن نفسي…”رفعت رأسها من جديد.“فأنا مستعدة.”تنهدت رودينا، ثم مررت يدها في شعرها بتوتر.“أنتِ لا تعلمين ما الذي قد تجدينه هناك.”ابتسمت مريم ابتسامة حزينة.“ولهذا أريد أن أذهب.”سألها آسر بهدوء:“وماذا تتوقعين أن تجدي؟”هزت رأسها.“لا أعلم.”ثم أضافت بعد لحظة:“لكنني أشعر أن كل الطرق تقود إلى القصر.”“منذ جئت إلى هذا الوادي… وكل سر ينتهي عنده.”“وكلما اقتربت من الحقيقة… وجدت بابًا مغلقًا.”تنهدت ببطء.“وحان الوقت لأن أفتح أحد تلك الأبواب بنفسي.”ساد الصمت مرة أخرى.كانت رودينا تنظر إليها بعينين امتلأتا بالقلق.أما آسر، فكان يفكر بصمت، وكأنه يزن بين الخطر الذي ينتظرهم… وبين حق مريم في معرفة ماضيها.وأخيرًا قال:“لن يكون الأمر سهلًا.”أومأت مريم.“أعلم.”“القصر محاط بالحراس.”أومأت مرة أخرى.“أعلم.”“وأي خطأ واحد…”توقف لحظة.“…قد يجعلنا ج

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status