LOGINعاد «كمال» بظهره إلى الخلف، وقد أدرك أن ما هو قادم لن ينال رضاه. ظل مثبتًا نظره عليه بانتظار أن يتابع حديثه، بينما رفع الآخر عينيه نحوه وأكمل على الوتيرة نفسها قائلًا:
— عاصم بيه... احتل الضيق ملامح «كمال» بسبب عدم إفصاحه عمّا جاء لأجله دفعة واحدة، فتساءل بنبرة جوفاء امتزجت بالحنق الذي بدا جليًا على تعابيره: — ما به؟ أطلق الرجل زفرة من رئتيه، ثم أخبره بحذر، متابعًا بعينيه المتفحصتين أثر كلماته عليه، وهو يعلم أنها لن تمرّ بهدوء: — رجال مجد الكيلاني نصبوا لنا كمينًا... وعاصم بيه ذهب معهم. اعتدل «كمال» في جلسته محركًا جذعه إلى الأمام قليلًا، وتبدلت ملامحه المسترخية إلى غموض وشراسة، وهو يتساءل بدهشة ارتسمت على وجهه مما سمعه: — أيّ كمين؟ وإلى أين ذهب معهم؟ ظهر الوجل بوضوح على وجه الرجل من الإجابة عن ذلك السؤال، والتي لن تكون سوى اعترافه بجهله بالأمر. ابتلع ريقه ولم يدعه ينتظر أكثر حتى لا يثير غضبه الذي سيندلع حتمًا عند سماعه الرد، ثم أجابه بصوت جاد تشوبه الريبة: — لا نعلم. ضرب «كمال» سطح المكتب بيده بقوة، ثم نهض واقفًا، وقد تشنج جسده بشدة، وهو يهتف بصوت خشن ممتلئ بالاستهجان: — ماذا تعني بأنكم لا تعلمون؟! وكيف تركتموه يذهب معهم أيها الحمقى؟ غزا الخوف ملامح الرجل من ثورة غضب «كمال» المستعرة، فهو أكثر من يعلم بطشه، ولا يريد أن تتعقد الأمور بسبب سوء فهم لما حدث، لذا سارع يوضح له ما جرى آنذاك قائلًا: — يا كمال بيه، عاصم بيه هو من أمرنا بالمغادرة، وقال إنه سيذهب معهم وحده. ارتخت ملامحه قليلًا وهو ينظر إليه بنظرات متفحصة، ثم سأله بطريقة غامضة بعد برهة قضاها يستعرض ما أخبره به في ذهنه: — يعني أنه ذهب معهم بإرادته؟ أومأ الرجل مؤكدًا، ثم أجابه بشيء من الشرح، بصوت مفعم بالريبة: — نعم يا باشا، كان عدي الجمال معهم وتحدث إليه، وبعدها ذهب عاصم بيه برفقتهم، وأمرنا نحن بالمغادرة. ضمّ «كمال» شفتيه وهو يجمع في عقله كل ما أخبره به الآخر، ثم مد يده نحو هاتفه، واستخرج رقم ابنه وأجرى اتصالًا به. انتظر عدة ثوانٍ وهو يستمع إلى رنين الهاتف دون أن يتلقى ردًا، لتنتهي المكالمة من غير إجابة. اشتعل غضبه بسبب تجاهل «عاصم» لاتصاله، وعدم إخباره بالسبب الجلل وراء ما فعله «مجد»، لكن ما أقلقه حقًا هو شعوره بأن هناك أمرًا مريبًا حدث. رفع عينيه المتقدتين بالغضب نحو الرجل الواقف أمامه، الذي كان ينتظر إذنه بالانصراف أو أي أمر يطلبه منه، ثم قال بصوت أجش يحمل أمرًا لا يقبل النقاش، وهو يعاود الاتصال بـ«عاصم»: — خلال ساعة تكون قد عرفت لي مكانه... ولي معكم حديث آخر، لكن اعرف أولًا ماذا حدث بالضبط. بدت ملامح الرجل هادئة على عكس ما يعتمل بداخله من خوف، بسبب عدم رد «عاصم» على اتصال والده، وخشيته من أن يكون قد حدث أمر لا يبشر بالخير، فهم حينها من سيتحملون العاقبة نتيجة تركهم له يذهب مع الآخرين بمفرده. لكنهم في ذلك الوقت لم يكن بأيديهم حيلة؛ إذ لم يكن باستطاعتهم، مهما حدث، الاعتراض على أوامره. أومأ برأسه بخفة وأجابه بخضوع، وهو يتحرك من أمامه لتنفيذ ما أمره به: — حاضر يا باشا. ظل «كمال» يحدق في الفراغ أمامه بنظرات ممتلئة بالعدائية تجاه عائلة «هشام الكيلاني»، وبالأخص ابنه «مجد»، تلك العدائية التي لم تخفت حتى بعد مرور أعوام طويلة على نزاعاتهم، والتي انتهت بزجّه في السجن سبع سنوات، الأمر الذي ضاعف كراهيته لهم. سحب نفسًا عميقًا إلى رئتيه ثم أخرجه ببطء، قبل أن يردد بفحيح يحمل وعيدًا لا ينطفئ: — حسنًا يا ابن الكيلاني... ❈-❈-❈ بعينين نصف مفتوحتين أخذ ينظر في أرجاء الغرفة بعد استيقاظه، محاولًا التعود على ضوء النهار المتسلل من الشرفة، وفي الوقت ذاته يستعيد أحداث الأمس بعد مجيئه إلى منزل «داليا»، التي لم يفكر في اللجوء إلى سواها. مرت أمام ذاكرته أطياف من حضور الطبيب المدعو «سامح» وبرفقته رجل آخر يبدو أنه طبيب أيضًا، والذي قام بإخراج الرصاصة من كتفه. وما إن تذكر أمر الرصاصة حتى خفض نظره نحو كتفه، ليجد جذعه عاريًا وقد التفّ الشاش الطبي حول موضع الإصابة، فعلم أن الرصاصة قد أُخرجت بالفعل. أغمض عينيه متألمًا بعدما انتشر الوجع في أنحاء جسده بسبب حركة بسيطة حاول بها رفع نفسه قليلًا، فتقلصت ملامحه معبرة عن توجعه، ثم التفت برأسه إلى اليمين عندما شعر بحركة طفيفة إلى جواره، ليجد «داليا» متمددة على الفراش بقربه وما تزال غافية. نظر إليها مطولًا، بينما تعود إلى ذهنه هيئتها الباكية المذعورة، وكلماتها التي كانت تخرج بين شهقاتها وهي جالسة إلى جوار جسده بعدما سقط أرضًا: — عاصم... أرجوك لا تتركني، ليس لي سواك، لا ترحل عني كما رحل الجميع وتركوني. تلك العبارات، من بين كل ما قالته، انغرست في ذهنه. لم يكن مخطئًا حين قصدها دون غيرها، فعلى الرغم من خصومتهما، وما بدر منه تجاهها في آخر لقاء بينهما حين صفعها على وجهها، فإنه كان واثقًا بأنها لن تتركه في ذلك الوقت العصيب. حالته التي كان عليها بالأمس، والتي لم يكن ليرغب في أن يراه أحد بها، لم تجعله يتردد للحظة في أن تراها هي وهو في أضعف حالاته، ولم يفكر في اللجوء إلى أحد سواها. لا يدري أكان ذلك بسبب معرفته بحبها الجارف له، أم بسبب ذلك الشعور بالألفة الذي لا يشعر به إلا معها؟ وهو دائمًا ما يكذب ذلك الشعور، متذرعًا بأن ما يجمعه بها ليس سوى رغبة جسدية يفرغها معها، وهي تتقبل الأمر برحابة صدر كي تستمر علاقته بها ولا يتركها. حرّك رأسه إلى الجهة الأخرى عندما شعر أن تأمله لها طال أكثر من اللازم، لكن هيئتها وهي نائمة بتلك الراحة، وجمالها الاستثنائي، وأنوثتها المختلفة تمامًا رغم صغر سنها الذي لم يتجاوز التاسعة عشرة، كانت دائمًا ما تجذبه وتؤثر في رجولته بقوة. وحين وجّه نظره إلى الاتجاه الآخر لمح محفظة نقوده وهاتفه موضوعين فوق الكومود، فمد يده تلقائيًا ليلتقط هاتفه، متغاضيًا عن الألم الذي وخز كتفه. فتح الشاشة، فلفت انتباهه وجود عدد كبير من المكالمات الفائتة. فتح سجل المكالمات ليجد معظمها من والده، ولم يُجَب عنها. زفر بضيق، متيقنًا أن والده قد علم بذهابه مع رجال «مجد»، لكن ما أقلقه حقًا هو احتمال معرفته بما فعله الآخر به، فعندها فقط سيناله الإهانة والتقليل من شأنه مقارنة بـ«مجد»، الذي يتفوق عليه في كل شيء، حتى في احترام والده وتقديره له. نهض من الفراش، لكنه شعر بدوار شديد اجتاح رأسه وشوش رؤيته لثوانٍ، فرفع يده ودلك مقدمة رأسه، ثم بقي جالسًا على طرف السرير لبعض الوقت حتى استعادت عيناه وضوح الرؤية. تابع نهوضه وخرج من الغرفة ليجري اتصالًا بوالده، راغبًا في معرفة الأمر المهم الذي دفعه إلى الاتصال به كل تلك المرات. وقف في الصالة بعدما أجرى الاتصال، ولم تمضِ سوى ثوانٍ قليلة حتى أتاه صوت والده الجامد يقول: — لماذا لا ترد على هاتفك يا عاصم؟حركت رأسها نافية، وقد اتسعت ابتسامتها حتى ملأت وجهها. أما هو، فأطال النظر إليها، وكانت مشاعره التي تعاظمت مع مرور السنين تفيض من عينيه، حتى تعجبت من نظراته المرتكزة عليها، وسألته بحيرة: — لِمَ تنظر إليَّ هكذا؟ تجاهل سؤالها، وقال بدلًا من ذلك: — أتعلمين أنني أحبك كثيرًا؟ وكأنه تعمد أن يزيدها دلالًا في ذلك اليوم، فأجابته بدلالٍ واثق: — هذه حقيقةٌ لا أشك فيها... أتدري لماذا؟ ظل يتابع كل حركةٍ تصدر عنها بعينين مملوءتين حبًا، ثم سألها باهتمام: — ولماذا؟ أجابته بغرورٍ أنثوي لطيف، يستسيغه منها دائمًا: — لأنني أستحق أن أُحب. استمتع بثقتها الآسرة، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ متأثرة، ثم قال: — ويحق لكِ ذلك... فما من امرأةٍ استطاعت أن توقع عاصم الصباحي في حبها غيرك. تظاهرت بالامتعاض، وقالت بينما لم تفارق الابتسامة وجهها: — مغرور. وهمّت بالابتعاد، لكنه حال دون ذلك بعدما أمسك رسغها برفق. رفعت عينيها إليه بنظرةٍ مستفسرة، فقال بصوتٍ خطف قلبها: — أنتِ فعلًا تستحقين أن تُحبي يا داليا... حبًّا ليس كأي حب. ارتسمت ابتسامةٌ عفوية على شفتيها، وازداد خفقان قلبها وهو يتابع ب
توجه نحوه "عز الدين" متظاهرًا بالانزعاج، وما إن صار مقابلًا له، اجتذبه إلى أحضانه، وقال له بحنو، وهو يربت على ظهره: — حمدًا لله على سلامتك يا يونس. رد عليه "يونس" بنبرةٍ يملؤها الاشتياق: — سلَّمك الله يا أبي... لقد اشتقت إليكم كثيرًا. أبعده "عز الدين" عنه على مهل، ثم سأله بوجهٍ عابس: — أما كنت تنوي أن تبقى هناك إلى الأبد؟ ثم ما لبث أن لامه، وعيناه تلمعان بدموعٍ حبيسة عند أطرافهما: — خمس سنوات يا يونس. رأى العبرات العالقة في عيني والده، فأراد أن يخفف عنه، وقال بمرح: — يا إلهي... يبدو أنني قد أطلت الغياب فعلًا. ثم وقعت عيناه في تلك اللحظة على ابنة عمه الصغيرة، فأردف بإعجاب: — حتى صغيرتنا الجميلة كبرت، وأصبحت كالقمر. بدلًا من أن تفرح بإطرائه، عقدت حاجبيها وقالت بفتور: — لست صغيرة، على فكرة... لقد بلغت السابعة عشرة من عمري. ثم استدارت مبتعدةً عنهما. عندها ارتسم التعجب على وجه "يونس"، وسأل والده باستغراب: — هل غضبت؟ انتبه إلى صوت عمه قادمًا من جواره وهو يقول: — لقد أخطأت في حقها. التفت "يونس" إليه، وعقد حاجبيه متسائلًا: — ولماذا؟ ماذا قلتُ خطأ؟ وقف "عاصم" بجوار أخيه، م
ابتسم "رائف" لسرعة بديهة الرجل، ودقة ملاحظته.فالأمر بالفعل مهم، وشخصي كذلك.واحترامًا لوجود والده، ترك له مهمة الحديث.وحين التقت عيناه بعيني "عاصم"، فهم الأخير مقصده على الفور، فقال لمجد بوقار:— في الحقيقة يا مجد، جئت أطلب يد ابنتك لابني رائف.لم تظهر على وجه "مجد" أي علامة دهشة أو مفاجأة، وكأنه كان يتوقع هذا الطلب.فاكتفى بابتسامةٍ هادئة، وقال:— ما هذا الطلب المفاجئ؟! هون عليَّ قليلًا، ولا تفاجئني هكذا دفعةً واحدة.ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه "رائف"، وظل صامتًا، بينما تابع "مجد" مستفسرًا:— حسنًا... أيُّ ابنتَيَّ تقصد؟انتبه "رائف" إلى أن "عاصم" لم يحدد المقصودة، فأجاب بصوته الرزين:— الكبرى يا عمي... لمار.ضيق "مجد" عينيه إليه بنظرةٍ ماكرة، وقال بإيحاء:— يبدو أنك تعرف جيدًا ما تريد.ثم ألقى نظرةً خاطفة على ابنتيه "لمار" و"لور"، الواقفتين بجوار صاحبة عيد الميلاد، قبل أن يعود ببصره إلى "رائف"، ويقول بتعقل:— بصراحة، إن كنتم تنتظرون مني جوابًا الآن، فهذا ليس مكانه ولا أوانه.وأنت تعلم جيدًا أن أمرًا كهذا لا أستطيع أن أبت فيه قبل أن أستمع إلى رأي لمار.أجابه "عاصم" بتفهم:— ونحن ن
أومأت برأسها موافقة، وهي ترمقه بنظرةٍ ذات مغزى.فتجنب النظر إليها متعمدًا، ثم انفجرا بالضحك مرةً أخرى.وبعد لحظات، لف ذراعه حول خصرها، ودفعها برفق وهو يقول:— هيا... لنخبرهم.لكنها أوقفته بثباتها في مكانها، وقالت بصوتٍ يفيض بالحرج:— أشعر بإحراجٍ شديد.تعجب من كلامها، وسألها باستغراب:— وهل أصبحتِ عجوزًا لأن الأولاد كبروا وصاروا بطولك؟تحولت ملامحها في لحظةٍ إلى الاستنكار، وقالت بثقةٍ ممزوجة بالغرور:— وما معنى أنني أصبحت عجوزًا؟! ما زلت صغيرة وجميلة، بل إن كثيراتٍ في مثل سني لم يتزوجن أصلًا.هز رأسه موافقًا، وقال:— معكِ حق، ألم تتزوج صديقتكِ الشهر الماضي فقط؟ لقد حضرنا زفافها.ترددت مرةً أخرى في التقدم، وضمت شفتيها للحظة، ثم سألته بترقب:— إذًا... من الطبيعي أن أحمل الآن، أليس كذلك؟هز رأسه مستنكرًا، ثم دفعها برفق من ظهرها لتسير معه، وقال:— هيا يا داليا... هداكِ الله.سارت معه بضع خطوات، ثم توقفت مرةً أخرى.وقبل أن يسألها عن السبب، بادرت بسؤالها:— أتظن أنهم سيفاجَؤون؟مط شفتيه لحظة، ثم هز رأسه نافيًا:— لا أعتقد، أمرٌ كهذا كان متوقعًا، فلا تقلقي.عقدت حاجبيها بعدم فهم، وسألته باست
قابل ذلك النبأ المفاجئ بوجهٍ هادئ، وصوتٍ رزين، ثم علّق ببساطة:— لا، ليس مستحيلًا، فهما خطّان واضحان كما ترين.رفعت حاجبيها بصدمةٍ مضاعفة، وسألته بذهول:— ماذا يعني ذلك؟وضع يده على جانب ذراعها، وأجابها بابتسامةٍ صغيرة:— يعني... مباركٌ لكِ يا حبيبتي.أبعدت كتفها عن كفه في انتفاضةٍ سريعة، وكأن عبارته قد أصابتها بمسٍّ من الجنون، وقالت بوجهٍ متجهم:— مباركٌ؟! أيُّ مباركٍ هذا؟! أنا لم أكن أريد أطفالًا آخرين يا عاصم.حاول أن يتريث في رده، وقال بهدوء:— لكنكِ حامل، وهذا يعني أن طفلًا جديدًا سيأتي إلى الدنيا، بإذن الله.استفزها هدوؤه، وكأن الأمر لا يحمل كل تلك المفاجأة بالنسبة إليها، فهتفت بانزعاج:— أتحاول استفزازي يا عاصم؟ثم ما لبثت أن أضافت بلهجةٍ مشحونة بالضيق:— وعلى فكرة... أنت السبب.تفهم اضطراب مشاعرها، وما تمر به من تغيراتٍ هرمونية واضحة، لذلك لم يأخذ انفعالها على محمل الجد، وقال معتذرًا بمرح:— حسنًا، أنا آسف يا حبيبتي... لقد كان الأمر خارج إرادتي.اشتعل غضبها أكثر من سماجة رده، وبرود أعصابه، فتأففت بضيقٍ واضح، وتمتمت بغيظ:— أنت تتعامل مع الأمر وكأنه مزحة، بينما أنا منزعجة أصلًا
أمسك يديها باحتواءٍ ودعمٍ متزايد، وأجابها بإطراءٍ صادقٍ يخلو من التملق:— كنتِ كالقمر، خطفتِ أنظار جميع الحاضرين.اتسعت ابتسامتها، وسألته وقد غمرها السرور:— حقًّا يا كرم؟أكد لها بهزةٍ من رأسه، وقال بفخر:— حقًّا يا حبيبتي، أنا فخورٌ بكِ كثيرًا، أنتِ أمهر وأنجح طبيبةٍ في الدنيا.لمعت عيناها بدموع الفرح، بعدما اجتازت تلك المرحلة التي بذلت جهدًا كبيرًا لتتخطاها.وفي المقابل، رفع يده وأحاط وجنتها بكفه، ثم هنأها بحب:— مباركٌ لكِ يا حبيبة قلبي.انسابت دمعةٌ من إحدى عينيها متأثرةً بكلماته، وردت بصوتٍ ارتجف قليلًا:— بارك الله فيك يا كرم.مسح بإبهامه دمعتها المنحدرة على وجنتها، وقال بسرورٍ واضح:— سعادتي بكِ اليوم لا تُوصف يا سما.امتلأ قلبها سعادةً وهي تستمع إلى كلماته الطيبة، المفعمة بالحب الصادق، والفرح الظاهر.وفي تلك اللحظة، أرادت أن تمنحه سعادةً تضاهي تلك التي تملأ قلبها، وهي السعادة التي كان هو السبب الأول فيها.لذلك رأت أن الوقت قد حان لتخبره بالنبأ الذي طال انتظاره، والذي علمت به مساء الأمس، وأخفته عنه مؤقتًا، إذ كانت تنوي أن تفاجئه به في يوم ميلاده، لكنها شعرت أن من الأفضل ألا تؤ
رغمًا عنها، لم تستطع التماسك أكثر من ذلك دون رؤيته، أو حتى سماع صوته عبر الهاتف الذي لا يجيب عليه. لقد نفدت آخر ذرات صبرها، ورأت أن الحل الوحيد المتبقي أمامها هو المجيء إليه. تنحنحت محاولة إجلاء صوتها، ثم أجابته بارتباك سببه أسلوبه المتجافي وتساؤله الذي أوحى بعدم رغبته في رؤيتها وضيقِه من حضورها:-
انتهى من كلماته المشبعة بالاحتدام، وأنهى المكالمة دون أن يسمح للآخر بإضافة المزيد. ألقى الهاتف فوق سطح المكتب بإهمال، وقد اكتست ملامحه بكامل علامات الغضب، بينما كانت السخونة تضطرم في صدره بوضوح، وتظهر مع كل نفس يغادر رئتيه.كان شريكه "كرم" يتابع الموقف بصمتٍ تام، وقد استطاع بسهولة أن يدرك مصدر تلك
فور نطقها بتلك العبارة توقف عن سيره واستدار بجسده إليها، وعلى محياه جمود مريب. رمقها بنظرة ثابتة غير مقروءة المعنى. تعجبت "داليا" من صمته المبهم، وشعرت لوهلة بالندم على تسرعها، لكن ما زاد من حيرتها هو ملامحه الجامدة التي أخذت في التراخي رويدًا رويدًا، ثم انفجرت شفتاه بابتسامة أخذت تتسع حتى تحولت إل
ترك الملفات من يده، ووثب عن مقعده وعلى محياه ابتسامة متسعة تشكلت لرؤيتها. دار حول مكتبه بهامته السامقة حتى وقف أمامها، ثم رمقها بنظرة عميقة وأردف بهدوء:-لم تجيبيني.حركت حدقتيها بتوترٍ طفيف، ولم تدرك ما الذي يقصده، حتى ظنت أنه ربما أمرٌ يخص العمل وقد غفلت عنه. كانت هيئته تربكها قليلًا مقارنةً بشري







