LOGINساد صمت ثقيل بينهما مُحمّلًا بنظرات "عاصم" المتفرسة لكامل إيماءات "داليا" المرتبكة؛ والتي إن كانت توضح شيئًا فلن يكون سوى برهانٍ على صحة ما يساوره من شكوك حيالها. ابتلعت بتلبكٍ عارم واشتد وجيب قلبها في خفقانه من مباغتته بتساؤلٍ سيؤول بها إلى ما لا يُحمد عقباه حتمًا. أدركت أنها أضحت الآن قاب قوسين أو أدنى من الهلاك، رفرفت بأهدابها وهي غير قادرة على النظر داخل عينيه اللتين ازدادتا اضطرامًا أمام تغاير هيئتها. تداركت صمتها الذي طال؛ بالطبع لن تعترف خيفةً من نتائج هذا الاعتراف، لذا ستلجأ إلى إظهار عدم فهمها لتساؤله المبطن. حاولت إخراج الكلمات من حلقها على نحوٍ منضبط مواريةً ما أصاب لسانها من رعشةٍ واضحة وهي تتساءل بمراوغة:
-أخبرته بماذا؟ بسهولةٍ كبيرة تراءت له لجلجتها التي كشفت تزييفها لعدم العلم عما يتساءل حوله. للحظةٍ تدارك سؤاله النزق، وكبح جموحه، ثم راح يتساءل عمّا كان ينبغي أن يبدأ به أولًا. بهدوءٍ مريب ردد وهو يتكئ على نطقه للحروف: -ماذا كنتِ تفعلين في المستشفى بالأمس يا داليا؟ تضاعفت بداخلها الصدمة الممزوجة بالهلع، وتهدجت أنفاسها وهي تتهرب بنظرها من نظراته المسددة نحوها كالسهام التي تخترق ذهنها، رائيًا ما تجاهد لإخفائه. تشوشٌ بالغ أصاب عقلها ولم يسعفها لاختلاق أية كذبة تبرئ نفسها من اتهامه الذي لم يصرّح به كاملًا بعد، لكنها تفقه تمامًا ما يرمي إليه. لم يكن لديها رد ينقذها من وطأة الموقف المحيط بها، لكنها تمتمت محاولةً إيجاد أي شيء تجيبه به متلعثمة: -أأنا... أنا... توقفت عن إتمام جملتها، أو بالأحرى عن التفوه بشيءٍ بعينه، بينما هو أراد أن يضيق عليها الخناق كي لا تستمر في ادعائها أو اختلاق أمرٍ مكذوب. وبتعابير ماكرة خاطبها بلهجةٍ مستفسرة تحمل التكذيب بين طياتها: -ألم تذهبي إلى المستشفى بالأمس؟ لم يتحسن حال "داليا"، بل ازداد سوءًا مع هدوئه الغامض الذي لا يبشر بخيرٍ على الإطلاق. رفعت يدها المرتعشة وأعادت خصلة شعرٍ انسدلت على إحدى عينيها خلف أذنها، محاولةً بقصارى جهدها أن تتظاهر بالتلقائية وهي تعلق بتوترٍ مضاعف بما خطر بعقلها: -بل ذهبت... كنت... شعرت بدوار، فذهبت لأقيس ضغطي لأنّه ينخفض كثيرًا هذه الأيام و... بُتر باقي حديثها في حلقها عندما هبّ "عاصم" واقفًا بغتة، وصرخ بها بخشونة أصابت لسانها بشللٍ للحظة: -كاذبة! انتفاضة واضحة سرت بكامل بدنها، ودق قلبها هلعًا من التغير الذي طرأ على سائر تعابير وجهه التي تحولت للشراسة. انحنى بجذعه العلوي نحوها وهي ما تزال جالسة على مقعدها منكمشة على نفسها وأضاف بصوتٍ لاهث من اهتياج أعصابه: -كنتِ بخير، والدليل أنكِ كنتِ قبلها في الفيلا عندنا. أخبرتِ الخادمة أنكِ ستدخلين إليّ وطلبتِ منها ليمونًا لتحضره إلى المكتب بعدما علمتِ أنني بالداخل، ومع ذلك لم تدخلي. ما تفسيركِ إذًا؟ لم يأبه بالوخزات القاتلة التي تصيب كتفه مع كل كلمة ينطق بها أو حركة منفعلة تشتد عضلات جسده على إثرها، ثم تابع باتهامٍ صريح ارتعدت أوصالها له: -إلا أنكِ سمعتِ حديثي مع الطبيب وذهبتِ لتخبري مجدًا... ذهبتِ لتقفِي معهم ضدي. ازدادت قوة صوته الصارخ في تتمة ما قاله تزامنًا مع ضربه بكفه بعنف فوق الطاولة أمامها. رفعت يديها بتلقائية أمام وجهها كدرعٍ يحميها خشية أن يطالها كما فعل من قبل، وردت عليه على الفور بقلبٍ يدب فيه خوفٌ متعاظم مدافعةً عن نفسها: -أنا لم أقل عنك شيئًا لمجد ولا لأي أحد هناك. لم يبتعد عنها خطوةً واحدة، وظل على انحناءة جسده وهو يسألها بسخطٍ عارم: -إذًا ماذا قلتِ له؟ ابتلعت بوجل وأجابته بصوتٍ مهتز من شدة روعها، وقلبها يكاد ينخلع من صدرها من قوة نبضاته: -قلت لهم ألا يُدخلوا الطبيب لأن الطفل سيموت... أقسم لك هذا فقط ما حدث. كزّ على أسنانه غضبًا من استهانتها بفعلتها، وبحركةٍ مفاجئة التقط كوبًا زجاجيًا من فوق الطاولة وألقاه بالحائط ليتحطم مُصدرًا صوتًا صاخبًا أجفلت "داليا" عينيها له. عاد بنظراتٍ تتطاير منها النيران وعقب بغلٍ وزئيرٍ غاضب: -وعندما تكون بيني وبينهم عداوة، وابنة خالتي تذهب لتحذرهم من الطبيب، وهم يعلمون بعلاقتنا، أفلا يعني هذا أنكِ أخبرتهم بشيء؟! ظنت من فرط انفعاله المرئي أنه سيحطم كل ما تطاله يداه. نهضت بذعر عن مقعدها وهي تحرك رأسها بالنفي، ونطقت دون تفكير معقبة: -لا أحد منهم يعلم بعلاقتنا، رفيف فقط... ورفيف يستحيل أن تخبر أحدًا. أوصلته عبارتها النزقة إلى أوج غضبه؛ فها هي على طبقٍ من ذهب تعترف له بإخبارها لصديقتها عن علاقتهما السرية، والتي من المؤكد أنها أخبرت شقيقها. اندفع بكامل عنفوانه وقبض على ذراعها، تحديدًا ما فوق مرفقها، وبغضبٍ أهوج صاح بها: -الجميع يعلم، ومجد أولهم! جاءني وقال إنني أدوس على شرفي وأُحمل ثم أترك! كيف عرف أنني حمّلتكِ إن لم تكن رفيف قد أخبرته؟! أنتِ من أخبره! ارتعدت فرائصها وتضاعفت رعشة جسدها، وهزت رأسها بالنفي محاولةً إنكار الاتهام بوجلٍ وهي تقول بصوتٍ بدأ يختنق بالبكاء: -أقسم لك أنني لم أخبره شيئًا، ولم أكلمه أصلًا. لم يأبه بالعبرات التي تجمعت في عينيها، ولا بإيلامه لذراعها الذي اشتدت قبضته عليه حتى خرج من حلقها تأوهٌ مكتوم، وأطنب على نفس الشاكلة المهتاجة ملقيًا كامل الذنب عليها فيما تعرض له الليلة الماضية وهو يلوح بذراعه الأخرى أمام وجهها: -جعلتِ صديقتكِ وعائلتها ضدي! اخترتِ أن تقفي في صفهم وسلمتِني إليهم. كل ما حدث لي بالأمس كان بسببكِ أنتِ. لم يكن كل ما حدث له ما كانت تسعى إليه من البداية، ولم تفكر بنتائج فعلتها العفوية؛ وأنها ربما تعرضه للأذى. انهمرت دموعها أمام إحساسها بالذنب حياله. كان من الممكن أن تهاتف صديقتها على رقم والدها عندما وجدت هاتفها مغلقًا وتخبرها بالأمر حتى تظل بعيدة عن دائرة الشكوك. تعلم أنه ما كان ينبغي أن يصل تفكيره إلى إيذاء طفل أو التخطيط لقتله مهما بلغت العداوة بينه وبين والده، لكن ما يهمها في النهاية هو شأنه وحده وألا يمسه مكروه. بأنفاسٍ متلاحقة أخبرته مبررةً فعلتها بصدق: -لم أقصد أن أخونك، ولم أكن أعلم أن كل هذا سيحدث لك. كل ما في الأمر أنني تصرفت بعفوية، لم أستطع احتمال أن أكون أعلم أن طفلًا سيموت بينما أستطيع إنقاذه وألتزم الصمت. حدجها بنظراتٍ مشتعلة، ثم نفض ذراعها بقسوة، لكنه لم يتحرك من أمامها. دنا بوجهه منها أكثر وأخبرها بجمود، وصوتٍ خبت منه العصبية التي كانت متأججة منذ لحظات، مما أثار ريبتها: -وقمتِ بدور البطولة إذًا... أحسنتِ، رائع. انسِي من الآن أي شيءٍ بيننا. ما إن نطق بآخر عبارة حتى خفق قلبها بقوة هزت وجدانها. رغم فهمها لمعناها الصريح، أرادت تكذيب ما تراءى لها، فسألته بصوتٍ مرتجف يعبر عما أصاب قلبها المكلوم: -ماذا تعني بأن أنسى أي شيءٍ بيننا؟ اكتسبت ملامحه شراسة متزايدة مع نطقه موضحًا المعنى الضمني بنبرة حادة قاسية خالية من أي شعور إنساني، غير مكترث بما سيخلفه على روحها من جروحٍ طالما تسبب لها بها: -يعني أنه ابتداءً من اليوم لا شيء سيجمعنا. حتى قرابتنا لم تعد تعني لي شيئًا. ألقى كلماته الأخيرة كما يُلقى سهمٌ في القلب ليصيبه في مقتل، ثم سار نحو باب شقتها مغادرًا، بينما هي، كعادتها غير المتقبلة لفكرة تركه لها، ركضت خلفه مسرعة قبل وصوله إلى الباب وهي تقول بصوتٍ متلهف، معتذرة ومتوسلة إليه بطريقةٍ تبعث على الذل: -عاصم... انتظر، لا ترحل، أنا آسفة، أقسم لك... لم تكمل سيل كلماتها الذليلة بعدما أزاح يدها التي أمسكت برسغه فور لمسها له بنفضةٍ قوية وهو يهتف بها بحدة: -ابتعدي... آه! تفلتت آهة متألمة للغاية من حلقه بسبب تلك الحركة الخاطئة المتشنجة التي أصابت جرحه وأعادت تدفق الدماء من كتفه. دق قلبها خوفًا عندما وقع صوته المتألم على أذنيها. استعادت اتزانها بعد حركة يده الهوجاء التي تسببت في ترنح جسدها، ثم هرعت نحوه وهي تسأله بصوتٍ مرتعد متفحصة جانب وجهه: -ماذا حدث؟ التفت بجسده قليلًا ليصبح مواجهًا لها، وعلى وجهه أمارات رهبة وهو يوجه بصره نحو قميصه الذي ظهرت عليه بقعة حمراء موضع جرحه دلالةً على سيلان الدماء أسفله من الجرح الذي تمّت خياطته الليلة الماضية. أردف بصوتٍ متألم: -يبدو أن الجرح انفتح. شخصت ببصرها نحو بقعة الدماء التي لطخت قميصه، وخرجت منها شهقة خافتة واضعة يدها فوق فمها وهي تنظر إليه بعينين جاحظتين من الرعب، بينما هو راح يفتح أزرار قميصه بيدين مرتعشتين لذلك الخوف المستبد به من رؤية الدماء. نحّى الضمادات الموضوعة فوق كتفه جانبًا والتي لم تعد صالحة لغزارة الدماء التي سالت من جرحه ولوثتها. وجد أن الخياطة ما تزال كما هي، لكن من حركته غير المتأنية انسدلت بعض الدماء من نهاية الجرح. غادر حلقه تأوهٌ صارخ عندما علقت الضمادة بكتفه جاذبةً الجلد المجاور لموضع الخياطة: -آه... برجفةٍ متمكنة من جسدها جابت بعينيها المكان لتتذكر موضع تركها لعلبة الإسعافات الأولية التي استخدمتها أمس. وما إن تذكرت حتى توجهت فورًا نحو غرفتها، وبقيت بها لثوانٍ ثم عادت وبين يديها ما تحتاج إليه، ثم أخبرته بصوتٍ هادئ وأنفاسٍ متلاحقة بعض الشيء لما يختلجها من خوفٍ من رفضه: -تعال لأغير لك على الجرح. ولم يكن منه سوى الاستجابة لطلبها دون أدنى مماطلة لما يتمكن منه من هلعٍ أصاب أوصاله. جلسا على أقرب أريكة منهما، وخلعت له قميصه بتؤدة كي لا تؤذيه. التقطت قطعة قطن ووضعت فوقها القليل من المطهر، ثم مررتها بحذر فوق الجرح تمسح حوله وفوقه مزيحة بقع الدماء وعاملةً على تطهيره أيضًا، بينما هو كان يكز على أسنانه متحاملًا على الوجع الذي يمزق كتفه. كانت تفرق نظرها بين ما تفعله وبين عينيه الموجهتين إلى اللاشيء أمامه متحاشيًا النظر إليها. حزّ في قلبها ذلك الوجع المعتلي وجهه، فهي رغم كل ما تلقاه منه من جفاء وقسوة وهجران، سيظل حبيبها الوحيد الذي تأبه لأمره ويظل حبه محفورًا داخل قلبها مهما حدث. حرك بؤبؤي عينيه البندقيتين نحوها عندما انتهت ووضعت اللاصق الطبي فوق الشاش لتثبيته. أمسكت عيناه عضتها فوق شفتها السفلى وهي تثبت اللاصق فوق كتفه بحذر كي لا يسقط، فتدفقت الإثارة بعروقه وتأججت الرغبة بداخله، كما اجتاح خلاياه غضبٌ عارم لن يتبدد إلا من خلالها، ناهيك عن أنها المتسببة به أصلًا. استشعرت اقترابه منها فرفعت عينيها الخضراوين المشابهتين تمامًا لعيني والدته الراحلة، فرأت القتامة التي غامت خلف حدقتيه لتفطن ما الذي يريده. قاطعت اقترابه بنهوضها وهي تمسك بالضمادات المستهلكة إيحاءً منها بذهابها لإلقائها في سلة المهملات، لكنه لم يدعها تتحرك قيد أنملة، قابضًا على رسغها وأجلسها جبرًا، لتشهق بخفوت من سرعة فعلته وتوجه نظراتها المرتبكة نحو عينيه اللتين تفاقمت بهما الرغبة. أمسك بجانب وجهها ودنا برأسه منها من جديد، فتهدجت أنفاسها وارتعش صوتها وهي تخبره محاولةً التماسك بآخر ذرات قوةٍ داخلها كي لا تنساق معه فيما يريد، فبداخلها يكمن مزيجٌ بغيض من الاشتياق له والنفور مما يريده: -أنت متعب... ظهر على وجهه عدم الاكتراث لعبارتها الواهية التي لن تمنعه عما يريده الآن. فقد كان يشعر بنيرانٍ تنهش جسده كاملًا ولن يخمدها شيء سواها. اكتسبت قسماته شراسة متزايدة، وبأنفاسٍ متسارعة وصوتٍ أجش طغت عليه معالم الرغبة ردد: -ششش... ضاقت نظراته من الانتشاء الذي سرى بعروقه، وما تحفز داخل خلاياه. طوق خصرها بذراعه الأخرى وجذبها نحوه لتصبح ملاصقة له، غير مكترث بملامسة بطنها المنتفخة له، أو بالأحرى لم يضع التريث في حسبانه تلك الليلة لأجل حملها. انحنى أكثر ليأخذ شفتيها المرتجفتين في قبلةٍ هوجاء فوضوية تحمل الكثير من الغضب، لا الشغف فحسب، وكأنه يجاهد لإدماء شفتيها لا لتقبيلهما. لاحظ عدم رغبتها الواضحة فيما يحدث، فهي لم تبادله القبلة حتى، لكن ذلك كان آخر ما قد يعبأ به الآن. فهي المتسببة الأولى بكل ذلك الاختناق الجاثم على صدره، وهي من ستتلقى نتائجه الوخيمة أيضًا. أدركت هي بقية السيناريو وما ستؤول إليه تلك الليلة. لم تكن بحاجةٍ لتخمين حال جسدها في النهاية، فسيمر الوقت بينهما ثم يهدأ جسده، وإما يجافيه النوم بجانبها أو يقرر الرحيل دون سابق إنذار، بينما هي ستظل طوال الليل تتألم مما أصاب جسدها وروحها من صنيعه. أي امرأة تملك قدرًا من العقلانية كانت سترفض أو تثور، لكنها كانت مغايرة تمامًا لأي توقع. تعلم يقينًا أن رفضها سيكون عاملًا يدفعه لتنفيذ تهديده بتركها، تلك التهديدات التي لا ينفك يلقيها على مسامعها باستمرار. لذا كانت مسالمة، متقبلة لكل ما يحدث مهما بلغت وطأته على جسدها المنهك أو روحها المهشمة، وكل ذلك خوفًا، بل رعبًا، من فقده؛ وهذا تحديدًا ما كان يستغله هو بأبشع الطرق.تشنج جسدها من انتعاش ذاكرتها بذلك المشهد المثير للاشمئزاز، وأجابته صارخة:-نعم، كانت تراني، كنت واقفة ورأيتكما بعينيّ وأنتم تقبّلان بعضكما.لم يتحمل ظلمها له بإصرارها على نسب تلك التهمة إليه، وهدر مدافعًا عن نفسه بعصبية عارمة:-أنا لم أقبلها، افهمي هذا جيدًا، لم أقترب منها، ولا من غيرها، أنا منذ أن تزوجنا لم ألمس غيرك، ولا كان قلبي مع أحد سواك.لم تعبأ بغضبه، وتابعت في تكذيبها المليء بالإدانة بتهكم ممتلئ بالغِلّ:-وطبعا أنت تظنني داليا الساذجة القديمة التي ستصدق هذه الكلمات وتفرح بها وتلقي بنفسها في أحضانك، أليس كذلك؟بمزيد من العصبية هتف أمام وجهها:-أنتِ يجب أن تصدقي، لأن هذا هو ما حدث، وهذه هي الحقيقة، لا مي ولا ألف امرأة مثلها تعنيني بشيء، لأني لا أريد أحدًا غيرك.تجاهلت رجفة جسدها حين عبرت جملته الأخيرة قلبها الرهيف، الذي يفتقد إلى سماع مثل تلك الكلمات المحتضنة لآلامها، ولكن خيانته المشهودة جعلتها تراه محض كذب يتلاعب بها، وتظاهرت بالجمود وهي تقول له:-وأنا لا أريدك.نظر بعينين واثقتين إلى داخل عينيها اللتين يتطاير منهما الشرر، وهو يكذب ادعاءها بثقة منقطعة النظير:-أنتِ كاذبة يا د
قابله بهدوء وبدأ يشرح له الأمر بمصداقية واضحة:-يا عاصم، والله لم أكن أعلم. علمت فقط اليوم صباحًا من زينة، فقد دخلت عليها الغرفة صدفة وهي تتحدث مع داليا، فعرفت أنها كانت على تواصل معها طوال الفترة الماضية، لكنها طلبت منها ألا تخبر أحدًا، حتى أنا، خصوصًا بعد أن علمت أن علاقتنا قد تحسنت.ومن شدة انفعاله عجز عن رؤية الصدق في كلامه، وتابع اتهامه:-ولماذا لم تخبرني صباح اليوم؟ لماذا انتظرت كل هذا الوقت إلا إذا كنت تخفي الأمر؟استمر في الدفاع عن نفسه بهدوء:-لم أكن أخفي شيئًا، وقلت لزينة أن تخبرك، لكنها قالت إن داليا منهارة، وصحتها ضعيفة لأنها لا تأكل جيدًا، ولا تحتمل الدخول في حالة عصبية أخرى، وأنت تعلم أنها حامل وقد تتعرض لنزيف أو تؤذي نفسها كما فعلت في المرة الأولى.وبحِدّة شديدة عقب على مبرراته بأسلوب فظ:-أنتم لن تخافون عليها أكثر مني، كان يجب أن تخبرني.لم ينزعج من لهجته، ورد بصدر رحب:-معك حق، ولهذا قلت لزينة أن تخبرك، ولو لم يكن رائف قد تعب لكانت زينة قد جاءت إليك أو جئت أنا بنفسي لأخبرك.ومع أسلوبه الهادئ غير المنفعل، أدرك "عاصم" تسرعه في الحكم ومحاولته إلقاء اللوم عليه رغم صدق كلم
تجاهل ما قالته كأنما لم يمر عبر سمعه، وتقدم منها بخطوات تقوده إليها دون تحكم منه، وهو ينظر إليها بتوق شديد، مرددًا بتلهف:-داليا، أنا...بدت منهارة الأعصاب وهي تعود بجسدها إلى الخلف، وتصرخ به بصوت أشد:-قلت لك ابتعد عني، ابقَ مكانك، لا تقترب مني يا عاصم.تدخل "عز الدين" حينما رأى حالتها المروعة، ووضع يده فوق كتف أخيه، وطلب منه بنظرة متوسلة:-كفى يا عاصم الآن، أجل أي حديث، دعنا نطمئن على رائف أولًا.توجهت "زينة" نحو الأخرى لتمنحها الدعم والأمان الذي تحتاجه، في حين خضع "عاصم" لطلبه مكرهًا، حينما تراءى له تدهور حالتها أكثر مما مضى، وأومأ له بخفة وهو منكس الرأس إلى أسفل. ربت حينئذ "عز الدين" على ظهره، فهو يعلم جيدًا العذاب الذي أنهكه في بُعدها، وأن استجابته لطلبه في ذلك الوقت تعني أنه يكافح نفسه كي لا يثور أمام صدها، بعد كل ما لحق به، وما تحمّله في الآونة الماضية بسبب افتراقهما.منذ أن دلف من باب البيت، وعلى الرغم من رفضها لاقترابه منها، إلا أنه عندما رأى وجهها الذي اشتاق إلى كل ملامحه، كان يتجاهل قدر المستطاع خفقان قلبه الذي يلح عليه بأن يرتمي في أحضانها، ويبكي كطفل صغير بين ذراعيها، يشك
أومأت بخفة بالإيجاب، وأكدت بإيجاز:-نعم، حملت مرة أخرى دون قصد.ازداد ذهوله من ردها الذي سبق وقد سمعه بحملها السابق، واقتبس مما قالته بغرابة:ظون قصد! الحمل يتكرر الأمر ظون قصد في كل مرة؟انتقلت أمارات الذهول إلى وجهها، ورفعت حاجبيها بتعجب من موقفه هو الآخر تجاه حملها، مرددة فيه بضيق مدهوش:-أنت أيضًا يا جاسم؟صمت للحظة، حينما تدارك ردة فعله، خاصة أن الشأن لا يعنيه، ثم قال بنبرة عادية:-لم أقصد شيئًا، إنها مسألة خاصة بها، لكن ما الذي يحدث حقًا؟ أبعد كل فترة تحمل؟كلماته التي تبدو متضادة مع بعضها البعض جعلت بسمة صغيرة تغتصب شفتيها، ثم سرعان ما أخفتها وعقبت بعقلانية:-يا حبيبي، هذا بيد الله، ثم هل ستغضب إن أنجبت لك كل فترة؟استغلت الموقف لصالحها بتساؤلها الأخير، الذي تهرب "جاسم" منه، ومن نظراتها الثاقبة حينما استدار وخطى خطواته نحو الفراش وهو يقول لها باقتضاب:-لا، لن أغضب بالطبع.تبعته بعينين لاح بهما انزعاج واضح من نفس الطريقة المستخفة بقيمة الحديث في ذلك الأمر، وتساءلت بتجهم:-إذًا لماذا لا تريدنا أن ننجب الآن؟تقدمت منه بعد تساؤلها، في حين تنفس هو مطولًا، ثم رسم بسمة صغيرة على ثغره
انتفضت "زينة" في جلستها، وسألتها على الفور بقلق:-ماذا هناك؟حملت نظراتها هلع شديد، وهي تقول لها بخوف جم:-رائف وجهه محمر وساخن جدًا.هبت واقفة في لحظتها، وهرولت نحوها، وهي تردد بصدمة:-كيف هذا؟ لقد كان بخير.حملت "داليا" الرضيع الذي هدأ بكائه، وبدا لها وكأنما قد فقد القدرة على التنفس بشكل طبيعي، حينئذ هتفت بارتياع وقد قاربت على البكاء خوفًا:-أشعر أنه لا يستطيع التنفس يا زينة.مدت يدها لها حتى تحمله من بين ذراعيها، وهي تقول لها مسرعة:-أعطني إياه بسرعة.حينما حملته، تفقدت حرارته المرتفعة، التي جعلت خوفها يتضاعف، وما جعل الرعب يدب في قلب كلتيهما إغماضه لعينيه، ولم يصدر منه أي صوت بعد ذلك، مما تسبب في خروج شهقة هلع من حلق "داليا"، تبعها صراخها المرتعد:-ابني يموت!❈-❈-❈كظم بصعوبة غيظه بعد المكالمة الهاتفية بصديقة زوجته، بعدما جاءه الرد عليها من زوجها الكاره له، والذي كان رده مستفزًا وجافيًا من كافة الأصعدة، حينها قرر أن يزاول مهمته اليومية، المقتصرة على البحث عن زوجته، وألا يعتمد على أحد في عثوره عليها، وأثناء سيره في بهو الفيلا، قاطع خطواته المتجهة نحو الباب المؤدي للخارج هرولة أخيه
توسعت عيناها من قوله الأخير، وعلى الفور اعترضت على اتهامه:-لكنني لست أؤذيه.رمقها بنظرة غير راضية، قبل أن يرد عليها بتعقيب مستنكر:-تخفين عنه أنكِ تتواصلين مع زوجته وتعرفين مكانها، وهو منذ ما يقارب شهرين وهو يكاد يهلك من أجل الوصول إليها، وتقولين إنك لا تؤذين؟خفضت رأسها خجلًا، وعجزت عن الدفاع عن نفسها، بينما تابع هو، محاولًا ألا يرتفع صوته حتى لا تنتبه والدته - التي كانت تطعم الصغير - إلى حديثهما المستتر:-وحتى لو كنتِ تظنين أنكِ بذلك تساعدين داليا على التعافي من أذى عاصم لها، أترين أن تفكيرها سليم بعد محاولتها أن تقتل نفسها وهروبها بطفلين لا يزالان في أشهرهما الأولى إلى مكان بعيد عن أبيهما؟لم تعلق على ما رأته من منطق في حديثه، بينما واصل هو كلامه بعقلانية:-داليا في حالة انهيار، وليست مدركة لما تفعله أصلًا، فلا تحمّلي نفسك مسؤولية امرأة منهارة نفسيًا، قد تؤذي نفسها مجددًا في أي لحظة، فضلًا عن أنكِ تساعدينها على حرمان أبٍ من رؤية أطفاله، وهذا أمر لا يرضاه الله، وأنتِ تعلمين ذلك جيدًا.زاد قوله الأخير من شعورها بالندم، وأشعرها بأنها لم تُحكم عقلها فيما قامت به، غير أنه لم يتوقف عند







