Masukأنزل «جاسم» كوب القهوة عن فمه، وعلى الفور أردف معلّقًا ببديهية بعدما ابتلع رشفة القهوة:
— من المفترض أن الأمر انتهى الآن، وسيكون غبيًا أصلًا إن اقترب من طريق أيٍّ منا بعد الذي نملكه عليه. أظهرت ملامح «عدي» بعض الاقتناع بما قاله «جاسم»، لكنهما ثبّتا أنظارهما نحو «مجد» بانتظار رأيه فيما يتحدثان به. أعاد «مجد» ظهره إلى الخلف في وضعية مريحة له، وتحدث بعد مدة استغرقها في ترتيب أفكاره حول الأمر، بنبرة هادئة تحمل القليل من الضيق موضحًا: — كل ما وصلني عن سبب انتقام عاصم منا هو أن أبي قدّم الملفات التي كانت تدين كمال الصباحي للنيابة، وأنه السبب في سجنه، وهذا ليس سببًا يجعل شخصًا عاقلًا يظل ستة عشر عامًا يترصدنا ويحاول بكل الطرق إيذاء أحد منا، حتى بعد خروج والده من السجن. عاصم يريد أن يحرق قلوبنا، وبالتحديد يريد أن يحرق قلبي أنا. أي أذى كان يصيب أحدًا منا منه، كان ينتهي بي أنا. وما أراه أن عاصم يستحيل أن يكون شخصًا طبيعيًا. ظل «جاسم» على حالته المستمعة والمتفهمة لكل ما قيل، بينما استوقفت «عدي» آخر كلماته، فاقتطع منها متسائلًا باستفهام واضح: — ماذا تعني بأنه يستحيل أن يكون طبيعيًا؟ تنفس «مجد» بعمق، وراح يجيبه بلهجة متريثة لكنها تميل إلى الانزعاج من مجرد ذكره، بعدما أصبح لا يطيق الحديث عنه: — عقلية عاصم أصبحت مريضة، لأنه لم يكن هكذا، أو على الأقل لم يكن قد وصل إلى المرحلة التي صار عليها الآن. أنا أكثر شخص يعرف عاصم بحكم صداقتنا السابقة. نعم، كان ذا طباع غريبة قليلًا، وكان يحب إزعاج من حوله، لكنني لم أتخيل يومًا أن يصل به تفكيره إلى القتل. رمق «جاسم» «مجد» بنظرة توحي بعدم فهمه الكامل لما يرمي إليه بكلامه، بينما عقد «عدي» حاجبيه بريبة واضحة، وما زال ذلك الهاجس يطارده، فسأله: — يعني أفهم من هذا أنه سيحاول إيذاء أحد منا مجددًا؟ لم يكن هذا ما يقصده «مجد»، بل كان ذلك تحديدًا ما لا يتوقعه في الوقت الراهن، فهز رأسه بإيماءة صغيرة وأجابه باقتضاب: — لا أظن. ظهرت علامات الحنق ونفاد الصبر على وجه «جاسم»، الذي قال بتشنج واضح: — مجد، أنا لم أعد أضمن عاصم ولا أعرف إلى أين قد يصل به تفكيره. دعنا نسلّم التسجيل الذي معنا إلى الشرطة وننهي هذا الضغط العصبي. لكن بالنسبة لـ«مجد»، لم يكن ذلك القرار هو الصائب، فحافظ على هدوء ملامحه وهو يرد بعقلانية: — سجنه لن يفيد. سيقضي مدة العقوبة ثم يخرج، وساعتها سيزداد كرهه لنا ورغبته في الانتقام. أما الآن فهو مقيّد بما نملكه عليه، ولن يفكر في فعل شيء. ازدادت علامات الريبة على وجه «عدي»، خوفًا من أن يمس الأذى زوجته أو طفله الذي لم يتبقَّ على موعد ولادته سوى القليل، فضلًا عن شقيقته التي كادت أن تخسر طفلها وقدرتها على الإنجاب مرة أخرى. نظر إلى «مجد» باستفهام وقال بقلق واضح: — وإن فكّر؟ لاحظ «مجد» القلق الذي يملأ صدره على شقيقته وزوجته، لكن «جاسم» سبقه بالرد، وقال بعدائية صريحة تحمل نوعًا من الوعيد: — إذا فكّر عاصم في الاقتراب من أي أحد منا، أو حتى خطر بباله الاقتراب من رفيف مجددًا، فلن أتراجع عن قتله. ساد الصمت للحظة بينهم، بينما كان «مجد» يدرس في عقله احتمالية أن يعترض «عاصم» طريق أحدهم مرة أخرى، لكنه سرعان ما هز رأسه نافيًا وقال بثقة لا يشوبها الشك: — عاصم لن يفعلها، لأن السبب الذي ينتقم من أجله — بحسب ما أعرف — هو دخول والده السجن. وبالمنطق، لن يرغب في دخول السجن هو أيضًا. ولو فعلها واقترب من أحد منا مجددًا، فسيكون هو من جنى على نفسه، وعاصم ليس غبيًا إلى هذه الدرجة. لكن ذلك السبب الذي يدفع «عاصم» للانتقام لم يكن مقنعًا إطلاقًا بالنسبة لـ«عدي». أي شخص طبيعي يظل كل تلك السنوات مترصدًا لتحركات شخص، منتظرًا الوقت المناسب للنيل منه بسبب أمر مضى منذ سنوات ولم يمسه هو شخصيًا بأي أذى؟ والأغرب أن كل كراهيته لم تكن موجهة لمن تسبب في سجن والده كما يدّعي، بل كانت متمركزة بالكامل حول «مجد». بتعبيرات متشككة ونظرات مليئة بالحيرة، قال «عدي» وهو يحاول ترتيب أفكاره المشوشة: — هل من الممكن أن يكون هناك سبب آخر ينتقم لأجله؟ الكره الذي بداخله تجاهك ليس طبيعيًا يا مجد، وكما قلت، هو يريد أن يحرق قلبك أنت تحديدًا. مع أن السبب في سجن والده كان هشام بيه، فلماذا كل هذا الكره موجّه إليك أنت وليس إليه؟ ساد بينهم ترقب للحظات انتظارًا لرد «مجد»، الذي شرد في احتمالية وجود سبب آخر لكل ذلك الحقد، لكنه في النهاية هز رأسه بصمت، في إشارة إلى أنه لا يعرف سببًا آخر غير ذلك الذي اعترف به «عاصم» سابقًا. ❈-❈-❈ أسند ظهره إلى الكرسي الموضوع أمام مائدة الطعام، وهو يتناول الغداء مع «داليا» الذي أعدّته بنفسها. أغلق شاشة هاتفه ووضعه جانبًا، بينما كان وجهه يعتريه وجوم غامض، ونظره ثابتًا في الفراغ أمامه بشرود مبهم، يمضغ الطعام ببطء يدل على عدم تركيزه فيما يأكله. شعرت «داليا» بالريبة من تبدّل حالته المفاجئ، لكنها ظنت أنه ربما يسترجع أحداث الليلة الماضية وما تعرض له على يد «مجد». ظلت تختلس النظر إليه وهي تتابع تناول الطعام، مترقبة أي حركة أو رد فعل يصدر منه. أما هو، فكان يحاول كتم الغضب الذي يشتعل بداخله بعد ما علمه قبل قليل. فقد اكتشف أن أحد رجاله — الذي كلّفه بمراقبة المشفى وإبلاغه بأي طارئ — أرسل له رسالة ليلة أمس لم يرها حينها، يخبره فيها بأن «داليا» جاءت إلى المشفى وبقيت هناك قرابة الساعة. بدأ الشك يتسلل إليه بقوة، خاصة بعدما ربط ذهابها إلى المشفى بوجودها في منزله قبلها، وهو أمر لم يكن يعلم به أصلًا، بل أخبرته به العاملة عندما جاءت إليها بعصير الليمون الذي طلبته، وقالت إنها أوصلته لها في غرفة المكتب حيث كانت تتحدث مع «عاصم». خروجها من المنزل دون أن تدخل إليه مرة أخرى لم يكن يحمل بالنسبة له سوى معنى واحد: أنها استمعت إلى حديثه مع الطبيب قبل إجراء العملية لـ«طيف»، وهذا ما أكمل الصورة في ذهنه حول كيفية معرفة «مجد» بخطته ومنعه للطبيب من الاقتراب من زوجته، وهو أن «داليا» ذهبت إليهم وحذرتهم. لقد كشفت أمره أمامهم، وكانت السبب الوحيد فيما حدث له. كاد «مجد» يقتله بسبب إفشائها لخطة انتقامه، لكنها لم تعبأ بحياته التي كانت على المحك، وكل ما اهتمت به كان أمر عائلة صديقتها. وفي خضم أفكاره المريضة، كانت «داليا» غارقة في عالم آخر تمامًا. كان يشغل تفكيرها سبب رفضه الذهاب إلى المشفى لاستخراج الرصاصة التي كادت تودي بحياته، فمن المستحيل أن يكون ذلك حمايةً لـ«مجد»، فكرهه له دفعه لمحاولة قتل طفله وحرمان زوجته من الإنجاب مرة أخرى، لذلك من غير المنطقي أن يحاول حمايته من السجن بعد محاولته قتله. ولأنها لم ترغب في إنهاك عقلها بالتساؤلات، رأت أنه لا ضرر من سؤاله مباشرة، فابتلعت لقمة الطعام ثم رفعت نظرها إليه استعدادًا لطرح ما يشغلها. أما هو، فقد حسم أمره وقرر مواجهتها بالشكوك التي تملأ رأسه، لكنه أراد أن يسمع اعترافًا صريحًا منها، حتى يكتمل يقينه ولا تظل الظنون تنهش عقله أكثر، فهو يعلم جيدًا أنه مفرط في الشك بمن حوله. لكن مواجهتها ستمنحه الفرصة لمعرفة الحقيقة، والتأكد من حبها وولائها له كما تدّعي، إذ إن ذلك كله سيصبح موضع شك إن كانت فعلتها حقًا. وفجأة، وفي اللحظة نفسها التي همّت فيها بالكلام، سبقها هو بسؤال خرج بصوت حاد يحمل رهبة زلزلت كيانها وألجمت لسانها: — أنتِ من أخبر مجد؟حركت رأسها نافية، وقد اتسعت ابتسامتها حتى ملأت وجهها. أما هو، فأطال النظر إليها، وكانت مشاعره التي تعاظمت مع مرور السنين تفيض من عينيه، حتى تعجبت من نظراته المرتكزة عليها، وسألته بحيرة: — لِمَ تنظر إليَّ هكذا؟ تجاهل سؤالها، وقال بدلًا من ذلك: — أتعلمين أنني أحبك كثيرًا؟ وكأنه تعمد أن يزيدها دلالًا في ذلك اليوم، فأجابته بدلالٍ واثق: — هذه حقيقةٌ لا أشك فيها... أتدري لماذا؟ ظل يتابع كل حركةٍ تصدر عنها بعينين مملوءتين حبًا، ثم سألها باهتمام: — ولماذا؟ أجابته بغرورٍ أنثوي لطيف، يستسيغه منها دائمًا: — لأنني أستحق أن أُحب. استمتع بثقتها الآسرة، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ متأثرة، ثم قال: — ويحق لكِ ذلك... فما من امرأةٍ استطاعت أن توقع عاصم الصباحي في حبها غيرك. تظاهرت بالامتعاض، وقالت بينما لم تفارق الابتسامة وجهها: — مغرور. وهمّت بالابتعاد، لكنه حال دون ذلك بعدما أمسك رسغها برفق. رفعت عينيها إليه بنظرةٍ مستفسرة، فقال بصوتٍ خطف قلبها: — أنتِ فعلًا تستحقين أن تُحبي يا داليا... حبًّا ليس كأي حب. ارتسمت ابتسامةٌ عفوية على شفتيها، وازداد خفقان قلبها وهو يتابع ب
توجه نحوه "عز الدين" متظاهرًا بالانزعاج، وما إن صار مقابلًا له، اجتذبه إلى أحضانه، وقال له بحنو، وهو يربت على ظهره: — حمدًا لله على سلامتك يا يونس. رد عليه "يونس" بنبرةٍ يملؤها الاشتياق: — سلَّمك الله يا أبي... لقد اشتقت إليكم كثيرًا. أبعده "عز الدين" عنه على مهل، ثم سأله بوجهٍ عابس: — أما كنت تنوي أن تبقى هناك إلى الأبد؟ ثم ما لبث أن لامه، وعيناه تلمعان بدموعٍ حبيسة عند أطرافهما: — خمس سنوات يا يونس. رأى العبرات العالقة في عيني والده، فأراد أن يخفف عنه، وقال بمرح: — يا إلهي... يبدو أنني قد أطلت الغياب فعلًا. ثم وقعت عيناه في تلك اللحظة على ابنة عمه الصغيرة، فأردف بإعجاب: — حتى صغيرتنا الجميلة كبرت، وأصبحت كالقمر. بدلًا من أن تفرح بإطرائه، عقدت حاجبيها وقالت بفتور: — لست صغيرة، على فكرة... لقد بلغت السابعة عشرة من عمري. ثم استدارت مبتعدةً عنهما. عندها ارتسم التعجب على وجه "يونس"، وسأل والده باستغراب: — هل غضبت؟ انتبه إلى صوت عمه قادمًا من جواره وهو يقول: — لقد أخطأت في حقها. التفت "يونس" إليه، وعقد حاجبيه متسائلًا: — ولماذا؟ ماذا قلتُ خطأ؟ وقف "عاصم" بجوار أخيه، م
ابتسم "رائف" لسرعة بديهة الرجل، ودقة ملاحظته.فالأمر بالفعل مهم، وشخصي كذلك.واحترامًا لوجود والده، ترك له مهمة الحديث.وحين التقت عيناه بعيني "عاصم"، فهم الأخير مقصده على الفور، فقال لمجد بوقار:— في الحقيقة يا مجد، جئت أطلب يد ابنتك لابني رائف.لم تظهر على وجه "مجد" أي علامة دهشة أو مفاجأة، وكأنه كان يتوقع هذا الطلب.فاكتفى بابتسامةٍ هادئة، وقال:— ما هذا الطلب المفاجئ؟! هون عليَّ قليلًا، ولا تفاجئني هكذا دفعةً واحدة.ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه "رائف"، وظل صامتًا، بينما تابع "مجد" مستفسرًا:— حسنًا... أيُّ ابنتَيَّ تقصد؟انتبه "رائف" إلى أن "عاصم" لم يحدد المقصودة، فأجاب بصوته الرزين:— الكبرى يا عمي... لمار.ضيق "مجد" عينيه إليه بنظرةٍ ماكرة، وقال بإيحاء:— يبدو أنك تعرف جيدًا ما تريد.ثم ألقى نظرةً خاطفة على ابنتيه "لمار" و"لور"، الواقفتين بجوار صاحبة عيد الميلاد، قبل أن يعود ببصره إلى "رائف"، ويقول بتعقل:— بصراحة، إن كنتم تنتظرون مني جوابًا الآن، فهذا ليس مكانه ولا أوانه.وأنت تعلم جيدًا أن أمرًا كهذا لا أستطيع أن أبت فيه قبل أن أستمع إلى رأي لمار.أجابه "عاصم" بتفهم:— ونحن ن
أومأت برأسها موافقة، وهي ترمقه بنظرةٍ ذات مغزى.فتجنب النظر إليها متعمدًا، ثم انفجرا بالضحك مرةً أخرى.وبعد لحظات، لف ذراعه حول خصرها، ودفعها برفق وهو يقول:— هيا... لنخبرهم.لكنها أوقفته بثباتها في مكانها، وقالت بصوتٍ يفيض بالحرج:— أشعر بإحراجٍ شديد.تعجب من كلامها، وسألها باستغراب:— وهل أصبحتِ عجوزًا لأن الأولاد كبروا وصاروا بطولك؟تحولت ملامحها في لحظةٍ إلى الاستنكار، وقالت بثقةٍ ممزوجة بالغرور:— وما معنى أنني أصبحت عجوزًا؟! ما زلت صغيرة وجميلة، بل إن كثيراتٍ في مثل سني لم يتزوجن أصلًا.هز رأسه موافقًا، وقال:— معكِ حق، ألم تتزوج صديقتكِ الشهر الماضي فقط؟ لقد حضرنا زفافها.ترددت مرةً أخرى في التقدم، وضمت شفتيها للحظة، ثم سألته بترقب:— إذًا... من الطبيعي أن أحمل الآن، أليس كذلك؟هز رأسه مستنكرًا، ثم دفعها برفق من ظهرها لتسير معه، وقال:— هيا يا داليا... هداكِ الله.سارت معه بضع خطوات، ثم توقفت مرةً أخرى.وقبل أن يسألها عن السبب، بادرت بسؤالها:— أتظن أنهم سيفاجَؤون؟مط شفتيه لحظة، ثم هز رأسه نافيًا:— لا أعتقد، أمرٌ كهذا كان متوقعًا، فلا تقلقي.عقدت حاجبيها بعدم فهم، وسألته باست
قابل ذلك النبأ المفاجئ بوجهٍ هادئ، وصوتٍ رزين، ثم علّق ببساطة:— لا، ليس مستحيلًا، فهما خطّان واضحان كما ترين.رفعت حاجبيها بصدمةٍ مضاعفة، وسألته بذهول:— ماذا يعني ذلك؟وضع يده على جانب ذراعها، وأجابها بابتسامةٍ صغيرة:— يعني... مباركٌ لكِ يا حبيبتي.أبعدت كتفها عن كفه في انتفاضةٍ سريعة، وكأن عبارته قد أصابتها بمسٍّ من الجنون، وقالت بوجهٍ متجهم:— مباركٌ؟! أيُّ مباركٍ هذا؟! أنا لم أكن أريد أطفالًا آخرين يا عاصم.حاول أن يتريث في رده، وقال بهدوء:— لكنكِ حامل، وهذا يعني أن طفلًا جديدًا سيأتي إلى الدنيا، بإذن الله.استفزها هدوؤه، وكأن الأمر لا يحمل كل تلك المفاجأة بالنسبة إليها، فهتفت بانزعاج:— أتحاول استفزازي يا عاصم؟ثم ما لبثت أن أضافت بلهجةٍ مشحونة بالضيق:— وعلى فكرة... أنت السبب.تفهم اضطراب مشاعرها، وما تمر به من تغيراتٍ هرمونية واضحة، لذلك لم يأخذ انفعالها على محمل الجد، وقال معتذرًا بمرح:— حسنًا، أنا آسف يا حبيبتي... لقد كان الأمر خارج إرادتي.اشتعل غضبها أكثر من سماجة رده، وبرود أعصابه، فتأففت بضيقٍ واضح، وتمتمت بغيظ:— أنت تتعامل مع الأمر وكأنه مزحة، بينما أنا منزعجة أصلًا
أمسك يديها باحتواءٍ ودعمٍ متزايد، وأجابها بإطراءٍ صادقٍ يخلو من التملق:— كنتِ كالقمر، خطفتِ أنظار جميع الحاضرين.اتسعت ابتسامتها، وسألته وقد غمرها السرور:— حقًّا يا كرم؟أكد لها بهزةٍ من رأسه، وقال بفخر:— حقًّا يا حبيبتي، أنا فخورٌ بكِ كثيرًا، أنتِ أمهر وأنجح طبيبةٍ في الدنيا.لمعت عيناها بدموع الفرح، بعدما اجتازت تلك المرحلة التي بذلت جهدًا كبيرًا لتتخطاها.وفي المقابل، رفع يده وأحاط وجنتها بكفه، ثم هنأها بحب:— مباركٌ لكِ يا حبيبة قلبي.انسابت دمعةٌ من إحدى عينيها متأثرةً بكلماته، وردت بصوتٍ ارتجف قليلًا:— بارك الله فيك يا كرم.مسح بإبهامه دمعتها المنحدرة على وجنتها، وقال بسرورٍ واضح:— سعادتي بكِ اليوم لا تُوصف يا سما.امتلأ قلبها سعادةً وهي تستمع إلى كلماته الطيبة، المفعمة بالحب الصادق، والفرح الظاهر.وفي تلك اللحظة، أرادت أن تمنحه سعادةً تضاهي تلك التي تملأ قلبها، وهي السعادة التي كان هو السبب الأول فيها.لذلك رأت أن الوقت قد حان لتخبره بالنبأ الذي طال انتظاره، والذي علمت به مساء الأمس، وأخفته عنه مؤقتًا، إذ كانت تنوي أن تفاجئه به في يوم ميلاده، لكنها شعرت أن من الأفضل ألا تؤ
لكلِّ نفسٍ طاقةُ تحمُّل، فإذا بلغت ذروتها؛ عجز كاهلها عن احتمال المزيد من المصائب، ونفد مدخر الصبر، ولم يعد للصمت جدوى، ليصبح البوح بكل ما يختلج النفس وما تحمّلته عبر السنين أمرًا حتميًا. وهذا تمامًا ما آل إليه حال "هشام" بعدما قضى أعوامًا طويلة يتحمل ما ألمّ به من مآسٍ، ويتغاضى عن كل غدرٍ أصابه. و
ساد صمت ثقيل بينهما مُحمّلًا بنظرات "عاصم" المتفرسة لكامل إيماءات "داليا" المرتبكة؛ والتي إن كانت توضح شيئًا فلن يكون سوى برهانٍ على صحة ما يساوره من شكوك حيالها. ابتلعت بتلبكٍ عارم واشتد وجيب قلبها في خفقانه من مباغتته بتساؤلٍ سيؤول بها إلى ما لا يُحمد عقباه حتمًا. أدركت أنها أضحت الآن قاب قوسين أو
لم يُرِد أن يظهر في صوته أي أثر للإعياء حتى لا يساور والده الشك في أمرٍ ما، لذا تنحنح بخفة مجليًا صوته، ثم أجابه بالجمود ذاته الذي ورثه عنه أساسًا: — كنت نائمًا، ولم أسمعه. لم يكن من الصعب على «كمال» أن يلاحظ تهرب ابنه من التطرق إلى ما حدث بالأمس، وإلا لكان أخبره منذ بداية الحديث، لكنه اختار المرا
عاد «كمال» بظهره إلى الخلف، وقد أدرك أن ما هو قادم لن ينال رضاه. ظل مثبتًا نظره عليه بانتظار أن يتابع حديثه، بينما رفع الآخر عينيه نحوه وأكمل على الوتيرة نفسها قائلًا: — عاصم بيه... احتل الضيق ملامح «كمال» بسبب عدم إفصاحه عمّا جاء لأجله دفعة واحدة، فتساءل بنبرة جوفاء امتزجت بالحنق الذي بدا جليًا ع







