Share

الفصل الرابع

last update publish date: 2026-05-17 04:13:30

أنزل «جاسم» كوب القهوة عن فمه، وعلى الفور أردف معلّقًا ببديهية بعدما ابتلع رشفة القهوة:

— من المفترض أن الأمر انتهى الآن، وسيكون غبيًا أصلًا إن اقترب من طريق أيٍّ منا بعد الذي نملكه عليه.

أظهرت ملامح «عدي» بعض الاقتناع بما قاله «جاسم»، لكنهما ثبّتا أنظارهما نحو «مجد» بانتظار رأيه فيما يتحدثان به.

أعاد «مجد» ظهره إلى الخلف في وضعية مريحة له، وتحدث بعد مدة استغرقها في ترتيب أفكاره حول الأمر، بنبرة هادئة تحمل القليل من الضيق موضحًا:

— كل ما وصلني عن سبب انتقام عاصم منا هو أن أبي قدّم الملفات التي كانت تدين كمال الصباحي للنيابة، وأنه السبب في سجنه، وهذا ليس سببًا يجعل شخصًا عاقلًا يظل ستة عشر عامًا يترصدنا ويحاول بكل الطرق إيذاء أحد منا، حتى بعد خروج والده من السجن. عاصم يريد أن يحرق قلوبنا، وبالتحديد يريد أن يحرق قلبي أنا. أي أذى كان يصيب أحدًا منا منه، كان ينتهي بي أنا. وما أراه أن عاصم يستحيل أن يكون شخصًا طبيعيًا.

ظل «جاسم» على حالته المستمعة والمتفهمة لكل ما قيل، بينما استوقفت «عدي» آخر كلماته، فاقتطع منها متسائلًا باستفهام واضح:

— ماذا تعني بأنه يستحيل أن يكون طبيعيًا؟

تنفس «مجد» بعمق، وراح يجيبه بلهجة متريثة لكنها تميل إلى الانزعاج من مجرد ذكره، بعدما أصبح لا يطيق الحديث عنه:

— عقلية عاصم أصبحت مريضة، لأنه لم يكن هكذا، أو على الأقل لم يكن قد وصل إلى المرحلة التي صار عليها الآن. أنا أكثر شخص يعرف عاصم بحكم صداقتنا السابقة. نعم، كان ذا طباع غريبة قليلًا، وكان يحب إزعاج من حوله، لكنني لم أتخيل يومًا أن يصل به تفكيره إلى القتل.

رمق «جاسم» «مجد» بنظرة توحي بعدم فهمه الكامل لما يرمي إليه بكلامه، بينما عقد «عدي» حاجبيه بريبة واضحة، وما زال ذلك الهاجس يطارده، فسأله:

— يعني أفهم من هذا أنه سيحاول إيذاء أحد منا مجددًا؟

لم يكن هذا ما يقصده «مجد»، بل كان ذلك تحديدًا ما لا يتوقعه في الوقت الراهن، فهز رأسه بإيماءة صغيرة وأجابه باقتضاب:

— لا أظن.

ظهرت علامات الحنق ونفاد الصبر على وجه «جاسم»، الذي قال بتشنج واضح:

— مجد، أنا لم أعد أضمن عاصم ولا أعرف إلى أين قد يصل به تفكيره. دعنا نسلّم التسجيل الذي معنا إلى الشرطة وننهي هذا الضغط العصبي.

لكن بالنسبة لـ«مجد»، لم يكن ذلك القرار هو الصائب، فحافظ على هدوء ملامحه وهو يرد بعقلانية:

— سجنه لن يفيد. سيقضي مدة العقوبة ثم يخرج، وساعتها سيزداد كرهه لنا ورغبته في الانتقام. أما الآن فهو مقيّد بما نملكه عليه، ولن يفكر في فعل شيء.

ازدادت علامات الريبة على وجه «عدي»، خوفًا من أن يمس الأذى زوجته أو طفله الذي لم يتبقَّ على موعد ولادته سوى القليل، فضلًا عن شقيقته التي كادت أن تخسر طفلها وقدرتها على الإنجاب مرة أخرى.

نظر إلى «مجد» باستفهام وقال بقلق واضح:

— وإن فكّر؟

لاحظ «مجد» القلق الذي يملأ صدره على شقيقته وزوجته، لكن «جاسم» سبقه بالرد، وقال بعدائية صريحة تحمل نوعًا من الوعيد:

— إذا فكّر عاصم في الاقتراب من أي أحد منا، أو حتى خطر بباله الاقتراب من رفيف مجددًا، فلن أتراجع عن قتله.

ساد الصمت للحظة بينهم، بينما كان «مجد» يدرس في عقله احتمالية أن يعترض «عاصم» طريق أحدهم مرة أخرى، لكنه سرعان ما هز رأسه نافيًا وقال بثقة لا يشوبها الشك:

— عاصم لن يفعلها، لأن السبب الذي ينتقم من أجله — بحسب ما أعرف — هو دخول والده السجن. وبالمنطق، لن يرغب في دخول السجن هو أيضًا. ولو فعلها واقترب من أحد منا مجددًا، فسيكون هو من جنى على نفسه، وعاصم ليس غبيًا إلى هذه الدرجة.

لكن ذلك السبب الذي يدفع «عاصم» للانتقام لم يكن مقنعًا إطلاقًا بالنسبة لـ«عدي». أي شخص طبيعي يظل كل تلك السنوات مترصدًا لتحركات شخص، منتظرًا الوقت المناسب للنيل منه بسبب أمر مضى منذ سنوات ولم يمسه هو شخصيًا بأي أذى؟

والأغرب أن كل كراهيته لم تكن موجهة لمن تسبب في سجن والده كما يدّعي، بل كانت متمركزة بالكامل حول «مجد».

بتعبيرات متشككة ونظرات مليئة بالحيرة، قال «عدي» وهو يحاول ترتيب أفكاره المشوشة:

— هل من الممكن أن يكون هناك سبب آخر ينتقم لأجله؟ الكره الذي بداخله تجاهك ليس طبيعيًا يا مجد، وكما قلت، هو يريد أن يحرق قلبك أنت تحديدًا. مع أن السبب في سجن والده كان هشام بيه، فلماذا كل هذا الكره موجّه إليك أنت وليس إليه؟

ساد بينهم ترقب للحظات انتظارًا لرد «مجد»، الذي شرد في احتمالية وجود سبب آخر لكل ذلك الحقد، لكنه في النهاية هز رأسه بصمت، في إشارة إلى أنه لا يعرف سببًا آخر غير ذلك الذي اعترف به «عاصم» سابقًا.

❈-❈-❈

أسند ظهره إلى الكرسي الموضوع أمام مائدة الطعام، وهو يتناول الغداء مع «داليا» الذي أعدّته بنفسها.

أغلق شاشة هاتفه ووضعه جانبًا، بينما كان وجهه يعتريه وجوم غامض، ونظره ثابتًا في الفراغ أمامه بشرود مبهم، يمضغ الطعام ببطء يدل على عدم تركيزه فيما يأكله.

شعرت «داليا» بالريبة من تبدّل حالته المفاجئ، لكنها ظنت أنه ربما يسترجع أحداث الليلة الماضية وما تعرض له على يد «مجد».

ظلت تختلس النظر إليه وهي تتابع تناول الطعام، مترقبة أي حركة أو رد فعل يصدر منه.

أما هو، فكان يحاول كتم الغضب الذي يشتعل بداخله بعد ما علمه قبل قليل.

فقد اكتشف أن أحد رجاله — الذي كلّفه بمراقبة المشفى وإبلاغه بأي طارئ — أرسل له رسالة ليلة أمس لم يرها حينها، يخبره فيها بأن «داليا» جاءت إلى المشفى وبقيت هناك قرابة الساعة.

بدأ الشك يتسلل إليه بقوة، خاصة بعدما ربط ذهابها إلى المشفى بوجودها في منزله قبلها، وهو أمر لم يكن يعلم به أصلًا، بل أخبرته به العاملة عندما جاءت إليها بعصير الليمون الذي طلبته، وقالت إنها أوصلته لها في غرفة المكتب حيث كانت تتحدث مع «عاصم».

خروجها من المنزل دون أن تدخل إليه مرة أخرى لم يكن يحمل بالنسبة له سوى معنى واحد: أنها استمعت إلى حديثه مع الطبيب قبل إجراء العملية لـ«طيف»، وهذا ما أكمل الصورة في ذهنه حول كيفية معرفة «مجد» بخطته ومنعه للطبيب من الاقتراب من زوجته، وهو أن «داليا» ذهبت إليهم وحذرتهم.

لقد كشفت أمره أمامهم، وكانت السبب الوحيد فيما حدث له.

كاد «مجد» يقتله بسبب إفشائها لخطة انتقامه، لكنها لم تعبأ بحياته التي كانت على المحك، وكل ما اهتمت به كان أمر عائلة صديقتها.

وفي خضم أفكاره المريضة، كانت «داليا» غارقة في عالم آخر تمامًا.

كان يشغل تفكيرها سبب رفضه الذهاب إلى المشفى لاستخراج الرصاصة التي كادت تودي بحياته، فمن المستحيل أن يكون ذلك حمايةً لـ«مجد»، فكرهه له دفعه لمحاولة قتل طفله وحرمان زوجته من الإنجاب مرة أخرى، لذلك من غير المنطقي أن يحاول حمايته من السجن بعد محاولته قتله.

ولأنها لم ترغب في إنهاك عقلها بالتساؤلات، رأت أنه لا ضرر من سؤاله مباشرة، فابتلعت لقمة الطعام ثم رفعت نظرها إليه استعدادًا لطرح ما يشغلها.

أما هو، فقد حسم أمره وقرر مواجهتها بالشكوك التي تملأ رأسه، لكنه أراد أن يسمع اعترافًا صريحًا منها، حتى يكتمل يقينه ولا تظل الظنون تنهش عقله أكثر، فهو يعلم جيدًا أنه مفرط في الشك بمن حوله.

لكن مواجهتها ستمنحه الفرصة لمعرفة الحقيقة، والتأكد من حبها وولائها له كما تدّعي، إذ إن ذلك كله سيصبح موضع شك إن كانت فعلتها حقًا.

وفجأة، وفي اللحظة نفسها التي همّت فيها بالكلام، سبقها هو بسؤال خرج بصوت حاد يحمل رهبة زلزلت كيانها وألجمت لسانها:

— أنتِ من أخبر مجد؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل المئة وستة وستون

    لم يُجبها، واتجه نحو موضع ثيابه الملقاة، والتقطها واحدة تلو الأخرى، ثم شرع في ارتدائها.حينئذ نهضت هي الأخرى، وتقدمت نحوه تسأله مجددًا بريبة:- عاصم... لماذا ترتدي ملابسك؟أجابها وهو ينظر في عينيها بنظرة صارمة، مرددًا بجمود:- سأغادر.قبضت على يده محاولة منعه من إكمال ارتداء ثيابه، وسألته بخوف ظاهر:- لماذا؟ هل أزعجتك؟انتزع يده منها بحركة عنيفة، وأجابها بإيحاء مقصود:- أنتِ تعلمين جيدًا ما الذي فعلته.تابعت استمراره فيما يفعل بوجه متقلص، وسارعت إلى الاعتذار منه بذلة:- حسنًا، أنا آسفة، سأفعل ما تريده، ولن أتكلم مطلقًا.نظر إليها بطرف عينه، ثم أشاح بوجهه عنها قائلًا بجفاء:- لم يعد لي مزاج.انتزعت قميصه من يده، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، وتوسلته بصوت متقطع:- أرجوك يا عاصم، لا ترحل.أثارته فعلتها، فكز على أسنانه وهو يزفر بانزعاج، قبل أن يهتف بضجر:- داليا، أنا لا أحب هذا الأسلوب.عادت تتوسله باستعطاف أكبر وهي تمسك بيده مجددًا:- من أجلي، لقد عدت للتو من السفر، ولم أصدق أنك رجعت.حدجها بنظرة ساخطة، ثم سألها بغلظة وكأن ما تفعله معه حق مكتسب:- وماذا فعلتِ لإمتاعي؟فاضت الدموع من عينيها

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل المئة وخمسة وستون

    ارتفع حاجبا "رفيف" بدهشة، ورددت بذهول:- ما هذا؟ أكان ذلك عاصم حقًا؟ لا، أنا أذكر أنه كان نحيلًا، لكن...قاطعتها "داليا" قبل أن تكمل حديثها، قائلة بثقة:- لا تكملي، كان عاصم فعلًا. لم أكن آتي أصلًا مع أحد غيره.انفرجت شفتا "رفيف" عن ابتسامة عابثة، وأشارت إلى "زينة" بحاجبها وهي تقول بتهكم:- يبدو أنها بدأت رحلة المعاناة معه مبكرًا جدًا.ارتسمت على وجه "داليا" ابتسامة صغيرة مشبعة بالحنين، ثم استطردت:- كنت متعلقة بعاصم جدًا وأنا صغيرة، وكنت أتشبث به دائمًا، ولذلك كان يصطحبني معه إلى النادي حتى يريح رأسه من إلحاحي، فأتركه يخرج من المنزل إذا أراد الذهاب إلى أي مكان آخر.سرعان ما غامت ملامحها بحزن دفين، وأردفت بندم:- ليت حكايتي معه توقفت عند ذلك الحد.❈-❈-❈مرر يديه بين خصلات شعره، يفرك رأسه أكثر من مرة، كأنما يحاول بتلك الحركة المتكررة أن يبدد الصداع الذي يداهمه ويؤرق نومه.لقد تجاوزت الساعة الثالثة صباحًا، وما زال النوم يجافي عينيه، ولم يتبقَّ سوى أقل من ثلاث ساعات على موعد استيقاظه للاستعداد للذهاب إلى عمله.وقد بدأ أثر قلة نومه يظهر جليًا على تركيزه وحيويته أثناء العمل.أطلق زفرة طويل

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل المئة وأربعة وستون

    منذ اللحظة التي علمت فيها بفداحة ذنبها، عكفت على تغيير نهج حياتها، بالابتعاد عن طريق الآثام، وكل ما هو محرم ويقود إلى اقتراف الذنوب. واستمرت في بحثها المهتم في أصول دينها، بمشاهدة التسجيلات الصوتية للدعاة وأهل العلم. ورغم اضطرابها في بادئ الأمر، وعدم علمها من أين تبدأ تحديدًا، فإنها أقدمت بعزيمة شديدة على تنفيذ ما يدعون إليه ويرشدون إليه، آملةً أن تنال رضا المولى وغفرانه عما مضى من سيئاتها.كانت "زينة" ترافقها في كل خطوة تخطوها، تحفزها وتقوي من عزيمتها، كما كانت تجيبها عن جميع تساؤلاتها، وعندما تعجز عن توضيح بعض الأمور تلجأ إلى أهل العلم. إلى أن اهتدت إلى ارتداء الحجاب، حتى وإن كان في البداية مقتصرًا على تغطية شعرها، فطريق الهداية لشخص كان كل ما يأبه به هو ما يناله من متاع الدنيا ونعيمها، إرضاءً لهوى نفسه وميلها، من الطبيعي أن يكون صعبًا ومتعسرًا في بدايته. وحتى يكون المسلك نابعًا من القلب، يجب أن يُسلك عن قناعة وحب، لا عن إجبار أو ترهيب، حتى لا يثقل كاهله ويجد مشقة في اتباعه.لذلك لم تُظهر لها "زينة" الجانب غير المقتنع بكونه غطاء رأس أكثر منه حجابًا شرعيًا، ورأت أن من الجيد أن تبدأ ب

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل المئة وثلاثة وستون

    سعدت "أمل" للغاية، من اشتداد أواصر الأخوة بين الاثنين بتلك الدرجة الواضحة، ودعت لهما وهي تمسح فوق ذراعيهما بحنو:- أسأل الله ألا يحرمكما من بعضكما أبدًا.ابتسم لها "عز الدين" ببسمة مشرقة، بينما لم يعلق "عاصم"، وقد أطرق رأسه لأسفل، كأنه يتحرج من النظر في عيني أخيه، من تسامحه، ونقاء قلبه، حتى أنه لم يفصح عن مساوئه الماضية، التي ارتكبها في حقه. ولم تلبث "أمل" أن أضافت بتحفز للتحرك عودةً إلى الداخل:- سأذهب لأحضر لكما الشاي كي تأكلا الكعك معه، وبعدها سأعد لك أرزًا باللبن يا عاصم.بعدما تأكد "عاصم" من ابتعادها عن محيطهما، وجه نظره لأخيه، وشكره بخزي شديد:- شكرًا يا عز لأنك لم تشوه صورتي في أعينهم.ناظره بنظرات طيبة، وعلق بنبرة متسامحة:- صورتك من صورتي يا عاصم، وأنت أخي الأكبر، وما مضى قد انتهى.لم يكَد "عاصم" يتأثر بمحبته الصادقة، إلا وأضاف الآخر بمزاح كان ثقيلًا تلك المرة، وفي غير موضعه:- ونحن أبناء اليوم، على حد قول السيدة آمال ماهر.فغر عينيه من تحويله لتلك اللحظات الاستثنائية بينهما، إلى هزل واهٍ، وعلق باستياء وهو يبدأ في السير من أمامه:- أنت لست طبيعيًا، سأرحل.كركر "عز الدين" ضاحك

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل المئة واثنان وستون

    ربت فوق كتفه بطريقة ساخرة، وعلق بهزل، وكأن لا يكترث لانفعاله الحانق:- أصدقك والله، من غير قسم.اشتاطت نظراته من لهجته الباردة، وأخبره بنفس النبرة المنزعجة، المشوبة بالضجر وهو متأهب في النهوض من جواره:- سأقوم.حال دون وثوبه صوت "أمل" التي أتت لتوها، حاملة طبقين من الكعك البيتي، الذي أعدته منذ برهة، مرددة بمحبة أمومية:- تفضلا يا أبنائي، لقد صنعت لكما هذا الكعك بيدي، تذوقاه وأخبراني برأيكما.قابلها "عز الدين" ببسمة متسعة، ورائقة، ثم ثنى صنيعها بتملق زائد:- سلمت يداكِ يا أمولة، طعمه رائع.ضربته بخفة فوق وجنته، وهي تعلق بنبرة مرحة، متعجبة:- يا لك من متملق، وهل تذوقته أصلًا؟نهض عن مقعده الخشبي، وقام بإمساك يديها، قائلًا بلسان معسول:- وهل هذه أول مرة أتذوق شيئًا من صنع يديكِ؟ أي شيء تلمسه هاتان اليدان الجميلتان يصبح شهدًا.ضحكت ملء شدقيها، من طريقته المرحة المعتادة، في إرضاء الجميع، ثم تكلمت بلين وهي تتنقل بنظرها بينهما على التوالي:- ستشغلني بكلامك المعسول، وتنسيني أن أسأل عاصم عن رأيه.ثبتت بصرها على "عاصم" وما لبثت أن تساءلت باهتمام:- ألن تخبرني برأيك يا عاصم؟سارع "عز الدين" في ا

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل المئة وواحد وستون

    ابتلعت وقتئذ بتلبك، وأخفضت عينيها، اللتين حملتا نوعًا من الحنين، ولكنها في تلك اللحظة لم تستمع إلى صوت قلبها المشتاق، وإنما انصاعت إلى صوت العقل والمنطق، الذي دفعها من البداية إلى التغلب على تعلقها المرضي به، ورهابها من فقده، لما كانت تضمنه حياتها معه، من مساوئ، ومشاكل متكررة، كانت تتغافل عنها، وتتحملها، أملًا في تبدل الحال، إلى حال أفضل، ولكنها عندما تيقنت من ثبات الوضع على ما هو عليه، حتى أن وعوده التي قطعها عليها لأكثر من مرة بشأن التغيير، كان ينقضها مع أول مشكلة، كانت تدفعه بها عصبيته للاعتداء عليها بالضرب، والسب، والإهانة، وما أتى بالنهاية الحتمية هو خيانته لها مع حبيبته السابقة، رغم ادعائه بعدم وجود علاقة جامعة بينهما، وتظاهره بوفائه الكامل لها، رأت أن الانفصال عنه هو القرار الصائب، حتى وإن كان مناوئًا لرغبات قلبها.ولكنها بتلك الطريقة سيتسنى لها الحفاظ على ما تبقى من كرامتها، ولملمة ما تحطم في نفسها. فما الذي يجبرها على تحمل كل ذلك التعسف، والاستبداد؟ ما الدافع الذي يبقيها في زواج تتجرع به مرارة المذلة، والمهانة على الدوام؟ أكان عليها أن تنتظر حتى يصل بها المطاف، لتتلقى نفس الم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status