مشاركة

الفصل الثالث

last update تاريخ النشر: 2026-05-17 04:12:34

لم يُرِد أن يظهر في صوته أي أثر للإعياء حتى لا يساور والده الشك في أمرٍ ما، لذا تنحنح بخفة مجليًا صوته، ثم أجابه بالجمود ذاته الذي ورثه عنه أساسًا:

— كنت نائمًا، ولم أسمعه.

لم يكن من الصعب على «كمال» أن يلاحظ تهرب ابنه من التطرق إلى ما حدث بالأمس، وإلا لكان أخبره منذ بداية الحديث، لكنه اختار المراوغة، وهو أمر لم يكن «كمال» ليقبله، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بعائلة «الكيلاني».

لم تمر سوى ثوانٍ معدودة حتى ارتسم الغضب على وجه «عاصم» بسبب سؤال والده المباشر:

— إلى أين ذهبت مع رجال مجد؟ أم ندخل في صلب الموضوع مباشرة، وأسألك: هل عرف مجد أنك وراء ما حدث لزوجته أم لا؟

جزّ «عاصم» على أسنانه بغضب طاغٍ، وهو لا يدري كيف علم والده أصلًا بخطته وما كان ينوي فعله بزوجة «مجد». لكنه أدرك أن المراوغة لن تفيده بشيء، وأن الحديث في الأمر بات حتميًا، لذا أجابه بعد لحظات حاول خلالها السيطرة على أعصابه:

— الطبيب لم يفعل ما اتفقنا عليه.

ساد الصمت بينهما لعدة ثوانٍ، حتى ظن «عاصم» أن والده أنهى المكالمة، وما إن همّ بإبعاد الهاتف عن أذنه ليتأكد من استمرار الاتصال حتى جاءه صوت «كمال» متوجسًا:

— مجد عرف؟

لم يكن «عاصم» يرغب في الخوض أكثر في ذلك الأمر، حتى لا يدرك والده ما جرى الليلة الماضية بحنكته المعهودة، فسحب نفسًا عميقًا ثم أخرجه ببطء وأجابه بصوت مثقل بالكدر:

— نعم.

لم يعر «كمال» اهتمامًا لنبرة الضيق في صوت ابنه، بل تابع استجوابه بطريقة توحي بأنه متأكد مما سيقوله:

— وبالتأكيد لم يمرّ الأمر بسهولة.

نفث «عاصم» أنفاسًا ساخنة تعبر عمّا يعتمل في صدره، ثم أجابه بوجه متجهم بدت عليه الكراهية بوضوح:

— كان معه تسجيل لحديثي مع ذلك الطبيب اللعين، وهددني به.

وما إن نطق بتلك العبارة حتى سأله والده بسخط واضح شعر به «عاصم» من نبرته:

— وكيف هددك به؟

بلغ «عاصم» ذروة غضبه، فضلًا عما ينتظره من إهانة وتقريع من والده إذا علم الحقيقة كاملة، لكنه لم يجد مفرًا من إخباره، فإخفاء الأمر لن يمنع «كمال» من الوصول إليه بطرقه الخاصة.

وبعد هنيهة قال بصوت حاول جاهدًا أن يبدو جامدًا، رغم نيران الغضب المستعرة في داخله:

— إما أن أبتعد عن طريقهم... أو يسلم التسجيل للشرطة.

سمع صوت ارتطام عنيف أدرك أنه ليد والده فوق المكتب، أعقبه قوله بغضب متفاقم:

— لأنك أحمق! تفعل كل شيء برأسك دون أن تعود إليّ.

أغمض «عاصم» عينيه وضم شفتيه وهو يشعر بدمائه تغلي في عروقه، لكنه لم ينبس بكلمة ردًا على توبيخه، بينما تابع والده بصرامة:

— أين أنت الآن يا عاصم؟

بالطبع لم يكن ليخبره بأنه يقيم في منزل «داليا». فمن ناحية، لا يعلم والده شيئًا عن علاقتهما السرية، تلك العلاقة التي سبق أن أثارت شكوكه عندما تشاجر «عاصم» مع «داليا» بعد معرفتها بأنه المتسبب فيما حدث لـ«رفيف»، وحينها ألقت بكلماتها أمام «كمال» موحية بأن الحمل الذي تحمله سببه «عاصم»، لكنه أنكر الأمر ونفى أن يكون والد الجنين، بينما اكتفى والده بالصمت وغادر الغرفة دون إبداء تصديق أو تكذيب.

ومن ناحية أخرى، فإن معرفته بمكانه ستقوده حتمًا إلى معرفة ما فعله به «مجد»؛ من إشهار السلاح في وجهه، وإطلاق الرصاصة على كتفه، والاعتداء عليه بالضرب بينما كان عاجزًا عن المقاومة بسبب الرهاب الذي يعتريه عند رؤية الدماء، ذلك الرهاب الذي لازمه منذ طفولته.

لم يحتج وقتًا طويلًا حتى اختلق كذبة وألقاها فورًا بنفس الجمود المقتضب:

— مسافر... لدي بعض الأعمال أنهيها.

كان يتوقع أن يكذبه والده أو يوبخه بسبب السفر الذي اختلقه، لكنه خالف ظنه حين قال بصوت آمر لا يقبل النقاش:

— أنهِ عملك وتعال إليّ يا عاصم، لدينا حديث طويل حين تعود.

انتهت المكالمة فور انتهاء «كمال» من كلماته الآمرة، فأنزل «عاصم» الهاتف عن أذنه زافرًا بغضب، إذ ضاعفت تلك المكالمة احتقانه أكثر مما هو عليه.

استدار بجسده عندما سمع صوت «داليا» يأتيه من الخلف، بنبرتها المهتمة التي لا تزال تحمل آثار النوم:

— متى استيقظت؟

وبمنتهى السهولة لاحظ ما يملأ ملامحها من اشتياق ممزوج بالقلق، وما أفصحت عنه نظراتها بوضوح. وضع الهاتف في جيب بنطاله ثم أجابها بوجوم مقتضب:

— منذ قليل.

اقتربت منه قاطعة المسافة بينهما، وأخذت تتفقد ملامحه بعينيها، مركزة خاصة على عينيه اللتين اشتاقت للنظر إليهما، ثم سألته بلهجة يغلب عليها الاهتمام والطمأنة:

— هل أنت بخير؟

في أعماقه كان يدرك أنها لا تنتظر سوى كلمة حانية تروي بها ظمأ قلبها، لكنه لم يعرف يومًا كيف يكون سوى ذلك الرجل الجافي، الذي لا يبالي بمشاعر من حوله، ولا بما قد تتركه ردوده القاسية من جروح.

ثبت نظره عليها وهو يجيبها بفتور مقتضب، وكأنه يمنّ عليها بالكلمات:

— نعم.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة مهتزة، تختلط فيها رهبة أحداث الليلة الماضية براحة غامرة لرؤيتها له واقفًا أمامها بذلك الشموخ الذي اعتادت رؤيته عليه.

وفجأة، ومن دون مقدمات، اندفعت نحوه تعانقه بكل ما يعتصر قلبها من خوف عليه، تبحث عن الطمأنينة والأمان بقربه، وهي تقول بصوت مبحوح اختنقت فيه غصة مريرة:

— كنت سأموت من الرعب عليك.

أربكه إحساسه ببطنها المستديرة، الحاملة لجنينيه، وهي تلامس جسده، فتخشبت أطرافه للحظة، ثم رفع إحدى ذراعيه ووضعها فوق ظهرها بصمت، من دون أن يرد أو يثني على ما فعلته لأجله، ولا على سهرها بجواره طوال الليل تخفض حرارته.

بقيا على حالهما لبعض الوقت، ثم ابتعدت قليلًا من دون أن تغادر دائرة ذراعيه، ورفعت عينيها إليه متسائلة:

— من الذي فعل بك هذا؟

اشتدت ملامحه الجامدة بالكراهية، وعقد حاجبيه وهو يجيبها بطريقة تحمل لومًا خفيًا:

— مجد الكيلاني... شقيق رفيف، التي جئتِ وتشاجرتِ معي بسببها.

اكتست عيناها بدهشة مصدومة للحظة، لكنها سرعان ما استوعبت الأمر، رغم أنها لم تتوقع أبدًا أن يكون «مجد» هو الفاعل، فهي تعرفه منذ طفولتها.

ضمّت شفتيها بارتباك، ممزقة بين أن تخبره بما فعلته بالأمس حين حذرتهم، مما أوصلهم إلى أنه المتسبب بالأمر، أو أن تصمت. لكنها خافت سريعًا من غضبه إذا علم، رغم إدراكها لفداحة ما ارتكبه، والأهم أنها لم تكن تريد له أن يغادر وهو في تلك الحالة.

لذلك اختارت أن تتحدث عن موضوع «رفيف» فقط، حتى لا يبدو صمتها مريبًا، وقالت بصوت مهتز يشي بالتوتر:

— عاصم... أنت...

فهم فورًا ما تريد قوله، وإعادتها للكلمات التي سبق أن واجهته بها بشأن إيذائه لصديقتها التي كانت على حافة الموت.

ورفع يده أمام وجهها مانعًا إياها من الاسترسال، وهو يتحرك باتجاه الغرفة قائلًا بحزم:

— لا أريد الحديث في أي شيء.

أمسكت برسغه توقفه، ثم وقفت أمامه بسرعة وسألته بلهفة صرخت بها نبرتها وعيناها:

— إلى أين أنت ذاهب؟

رمقها بنظرة غامضة لم تفهم معناها، ثم سحب يده برفق من قبضتها، وأجابها بذلك الجفاء الذي يربك الأرواح:

— سأبدل ثيابي... فأنا راحل.

تناست شجارهما السابق وصفعته لها في منزل والده، وكل ما كانت تريده الآن هو بقاؤه فقط.

أمسكت يديه فورًا وقالت برجاء متلهف:

— لا... أرجوك ابقَ يا عاصم.

ضاق ذرعًا بإلحاحها الدائم وتمسكها به كلما حاول الرحيل، فتنهد بضيق وكاد يرفض، لكنها سارعت تتوسله بدهاء لعلها تنجح:

— على الأقل حتى تتحسن قليلًا... لقد فقدت الكثير من الدم، ولن تستطيع الذهاب إلى أي مكان وأنت بهذه الحالة.

وعبر تذكيرها له بحالته استطاعت أن تصيب هدفها، فقد أدرك أنه لا يريد لأحد أن يعلم بما حدث له، وخاصة والده الذي يستطيع بسهولة تتبع خطواته وكشف ما يحاول إخفاءه.

أما بقاؤه في منزل «داليا»، فلن يخطر ببال أحد، لا رجاله ولا رجال والده.

حرّك عينيه مع إيماءة خفيفة من رأسه تدل على موافقته، ثم قال على مضض:

— حسنًا.

قفز قلبها فرحًا باستجابته، واتسعت ابتسامتها المشرقة حتى بددت ما كان على وجهها من عبوس، وقالت بسعادة فاقت الوصف:

— إذًا سأذهب لأعدّ لنا الطعام، استرح أنت حتى أنتهي.

تحركت بحماس يناقض تمامًا ما كانت تعانيه منذ قليل من خوف وقلق، بينما بقي هو مكانه غارقًا في أفكاره عنها.

لقد أرهقه التفكير في أمرها؛ فغيرها ما كان ليتحمل كل ذلك الجفاء والهجر والمعاملة القاسية. وكم مرة حاول إنهاء علاقتهما، لكن الأمر كان ينتهي دائمًا بعودتها إليه، لتضعفه بذلك الشغف والهوس اللذين تكنهما له.

وسط حياته المظلمة المليئة بالآثام، تجاهل حقيقة أنه يدمرها حتمًا، ويستميل قلبها المستسلم لحبه نحو علاقة محرمة، بدأت وهي في سن صغيرة لا تعي فيها خطورة ما تفعله، واستمرت فيها خوفًا من أن يتركها إن اعترضت أو أظهرت كرهها للأمر.

زفر بضيق مثقل بكل ما يعتمل في صدره، فتلك الصحوة العابرة لضميره التي كانت تهاجمه بين الحين والآخر، كان يخمدها دومًا بما تراكم داخله من ظلمات وآثام.

خفض عينيه إلى الأسفل وهو يعيد جسده إلى الخلف، ثم استدار متجهًا نحو الغرفة ليبحث في الخزانة المخصصة له داخل غرفة ملابس «داليا» عن شيء مناسب يرتديه.

❈-❈-❈

انحنى بجذعه إلى الأمام قليلًا ليضع كوب العصير الفارغ فوق الطاولة الصغيرة أمامه، بينما كان جالسًا على المقعد الخشبي في حديقة منزله، بعدما أعاد زوجته من المشفى صباح ذلك اليوم.

استقام في جلسته ووجّه نظره نحو شقيق زوجته وزوج أخته الجالسين إلى جواره، منتبهًا إلى «عدي» الذي قال بجدية وهو يتنقل بنظره بين «مجد» و«جاسم»:

— ما أريد معرفته الآن... هل تخلصنا من عاصم بعد ما فعلناه بالأمس؟

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل المئتان واثنان وتسعون

    حركت رأسها نافية، وقد اتسعت ابتسامتها حتى ملأت وجهها. أما هو، فأطال النظر إليها، وكانت مشاعره التي تعاظمت مع مرور السنين تفيض من عينيه، حتى تعجبت من نظراته المرتكزة عليها، وسألته بحيرة: — لِمَ تنظر إليَّ هكذا؟ تجاهل سؤالها، وقال بدلًا من ذلك: — أتعلمين أنني أحبك كثيرًا؟ وكأنه تعمد أن يزيدها دلالًا في ذلك اليوم، فأجابته بدلالٍ واثق: — هذه حقيقةٌ لا أشك فيها... أتدري لماذا؟ ظل يتابع كل حركةٍ تصدر عنها بعينين مملوءتين حبًا، ثم سألها باهتمام: — ولماذا؟ أجابته بغرورٍ أنثوي لطيف، يستسيغه منها دائمًا: — لأنني أستحق أن أُحب. استمتع بثقتها الآسرة، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ متأثرة، ثم قال: — ويحق لكِ ذلك... فما من امرأةٍ استطاعت أن توقع عاصم الصباحي في حبها غيرك. تظاهرت بالامتعاض، وقالت بينما لم تفارق الابتسامة وجهها: — مغرور. وهمّت بالابتعاد، لكنه حال دون ذلك بعدما أمسك رسغها برفق. رفعت عينيها إليه بنظرةٍ مستفسرة، فقال بصوتٍ خطف قلبها: — أنتِ فعلًا تستحقين أن تُحبي يا داليا... حبًّا ليس كأي حب. ارتسمت ابتسامةٌ عفوية على شفتيها، وازداد خفقان قلبها وهو يتابع ب

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل المئتان وواحد وتسعون

    توجه نحوه "عز الدين" متظاهرًا بالانزعاج، وما إن صار مقابلًا له، اجتذبه إلى أحضانه، وقال له بحنو، وهو يربت على ظهره: — حمدًا لله على سلامتك يا يونس. رد عليه "يونس" بنبرةٍ يملؤها الاشتياق: — سلَّمك الله يا أبي... لقد اشتقت إليكم كثيرًا. أبعده "عز الدين" عنه على مهل، ثم سأله بوجهٍ عابس: — أما كنت تنوي أن تبقى هناك إلى الأبد؟ ثم ما لبث أن لامه، وعيناه تلمعان بدموعٍ حبيسة عند أطرافهما: — خمس سنوات يا يونس. رأى العبرات العالقة في عيني والده، فأراد أن يخفف عنه، وقال بمرح: — يا إلهي... يبدو أنني قد أطلت الغياب فعلًا. ثم وقعت عيناه في تلك اللحظة على ابنة عمه الصغيرة، فأردف بإعجاب: — حتى صغيرتنا الجميلة كبرت، وأصبحت كالقمر. بدلًا من أن تفرح بإطرائه، عقدت حاجبيها وقالت بفتور: — لست صغيرة، على فكرة... لقد بلغت السابعة عشرة من عمري. ثم استدارت مبتعدةً عنهما. عندها ارتسم التعجب على وجه "يونس"، وسأل والده باستغراب: — هل غضبت؟ انتبه إلى صوت عمه قادمًا من جواره وهو يقول: — لقد أخطأت في حقها. التفت "يونس" إليه، وعقد حاجبيه متسائلًا: — ولماذا؟ ماذا قلتُ خطأ؟ وقف "عاصم" بجوار أخيه، م

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل المئتان وتسعون

    ابتسم "رائف" لسرعة بديهة الرجل، ودقة ملاحظته.فالأمر بالفعل مهم، وشخصي كذلك.واحترامًا لوجود والده، ترك له مهمة الحديث.وحين التقت عيناه بعيني "عاصم"، فهم الأخير مقصده على الفور، فقال لمجد بوقار:— في الحقيقة يا مجد، جئت أطلب يد ابنتك لابني رائف.لم تظهر على وجه "مجد" أي علامة دهشة أو مفاجأة، وكأنه كان يتوقع هذا الطلب.فاكتفى بابتسامةٍ هادئة، وقال:— ما هذا الطلب المفاجئ؟! هون عليَّ قليلًا، ولا تفاجئني هكذا دفعةً واحدة.ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه "رائف"، وظل صامتًا، بينما تابع "مجد" مستفسرًا:— حسنًا... أيُّ ابنتَيَّ تقصد؟انتبه "رائف" إلى أن "عاصم" لم يحدد المقصودة، فأجاب بصوته الرزين:— الكبرى يا عمي... لمار.ضيق "مجد" عينيه إليه بنظرةٍ ماكرة، وقال بإيحاء:— يبدو أنك تعرف جيدًا ما تريد.ثم ألقى نظرةً خاطفة على ابنتيه "لمار" و"لور"، الواقفتين بجوار صاحبة عيد الميلاد، قبل أن يعود ببصره إلى "رائف"، ويقول بتعقل:— بصراحة، إن كنتم تنتظرون مني جوابًا الآن، فهذا ليس مكانه ولا أوانه.وأنت تعلم جيدًا أن أمرًا كهذا لا أستطيع أن أبت فيه قبل أن أستمع إلى رأي لمار.أجابه "عاصم" بتفهم:— ونحن ن

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل المئتان وتسعة وثمانون

    أومأت برأسها موافقة، وهي ترمقه بنظرةٍ ذات مغزى.فتجنب النظر إليها متعمدًا، ثم انفجرا بالضحك مرةً أخرى.وبعد لحظات، لف ذراعه حول خصرها، ودفعها برفق وهو يقول:— هيا... لنخبرهم.لكنها أوقفته بثباتها في مكانها، وقالت بصوتٍ يفيض بالحرج:— أشعر بإحراجٍ شديد.تعجب من كلامها، وسألها باستغراب:— وهل أصبحتِ عجوزًا لأن الأولاد كبروا وصاروا بطولك؟تحولت ملامحها في لحظةٍ إلى الاستنكار، وقالت بثقةٍ ممزوجة بالغرور:— وما معنى أنني أصبحت عجوزًا؟! ما زلت صغيرة وجميلة، بل إن كثيراتٍ في مثل سني لم يتزوجن أصلًا.هز رأسه موافقًا، وقال:— معكِ حق، ألم تتزوج صديقتكِ الشهر الماضي فقط؟ لقد حضرنا زفافها.ترددت مرةً أخرى في التقدم، وضمت شفتيها للحظة، ثم سألته بترقب:— إذًا... من الطبيعي أن أحمل الآن، أليس كذلك؟هز رأسه مستنكرًا، ثم دفعها برفق من ظهرها لتسير معه، وقال:— هيا يا داليا... هداكِ الله.سارت معه بضع خطوات، ثم توقفت مرةً أخرى.وقبل أن يسألها عن السبب، بادرت بسؤالها:— أتظن أنهم سيفاجَؤون؟مط شفتيه لحظة، ثم هز رأسه نافيًا:— لا أعتقد، أمرٌ كهذا كان متوقعًا، فلا تقلقي.عقدت حاجبيها بعدم فهم، وسألته باست

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل المئتان وثمانية وثمانون

    قابل ذلك النبأ المفاجئ بوجهٍ هادئ، وصوتٍ رزين، ثم علّق ببساطة:— لا، ليس مستحيلًا، فهما خطّان واضحان كما ترين.رفعت حاجبيها بصدمةٍ مضاعفة، وسألته بذهول:— ماذا يعني ذلك؟وضع يده على جانب ذراعها، وأجابها بابتسامةٍ صغيرة:— يعني... مباركٌ لكِ يا حبيبتي.أبعدت كتفها عن كفه في انتفاضةٍ سريعة، وكأن عبارته قد أصابتها بمسٍّ من الجنون، وقالت بوجهٍ متجهم:— مباركٌ؟! أيُّ مباركٍ هذا؟! أنا لم أكن أريد أطفالًا آخرين يا عاصم.حاول أن يتريث في رده، وقال بهدوء:— لكنكِ حامل، وهذا يعني أن طفلًا جديدًا سيأتي إلى الدنيا، بإذن الله.استفزها هدوؤه، وكأن الأمر لا يحمل كل تلك المفاجأة بالنسبة إليها، فهتفت بانزعاج:— أتحاول استفزازي يا عاصم؟ثم ما لبثت أن أضافت بلهجةٍ مشحونة بالضيق:— وعلى فكرة... أنت السبب.تفهم اضطراب مشاعرها، وما تمر به من تغيراتٍ هرمونية واضحة، لذلك لم يأخذ انفعالها على محمل الجد، وقال معتذرًا بمرح:— حسنًا، أنا آسف يا حبيبتي... لقد كان الأمر خارج إرادتي.اشتعل غضبها أكثر من سماجة رده، وبرود أعصابه، فتأففت بضيقٍ واضح، وتمتمت بغيظ:— أنت تتعامل مع الأمر وكأنه مزحة، بينما أنا منزعجة أصلًا

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل المئتان وسبعة وثمانون

    أمسك يديها باحتواءٍ ودعمٍ متزايد، وأجابها بإطراءٍ صادقٍ يخلو من التملق:— كنتِ كالقمر، خطفتِ أنظار جميع الحاضرين.اتسعت ابتسامتها، وسألته وقد غمرها السرور:— حقًّا يا كرم؟أكد لها بهزةٍ من رأسه، وقال بفخر:— حقًّا يا حبيبتي، أنا فخورٌ بكِ كثيرًا، أنتِ أمهر وأنجح طبيبةٍ في الدنيا.لمعت عيناها بدموع الفرح، بعدما اجتازت تلك المرحلة التي بذلت جهدًا كبيرًا لتتخطاها.وفي المقابل، رفع يده وأحاط وجنتها بكفه، ثم هنأها بحب:— مباركٌ لكِ يا حبيبة قلبي.انسابت دمعةٌ من إحدى عينيها متأثرةً بكلماته، وردت بصوتٍ ارتجف قليلًا:— بارك الله فيك يا كرم.مسح بإبهامه دمعتها المنحدرة على وجنتها، وقال بسرورٍ واضح:— سعادتي بكِ اليوم لا تُوصف يا سما.امتلأ قلبها سعادةً وهي تستمع إلى كلماته الطيبة، المفعمة بالحب الصادق، والفرح الظاهر.وفي تلك اللحظة، أرادت أن تمنحه سعادةً تضاهي تلك التي تملأ قلبها، وهي السعادة التي كان هو السبب الأول فيها.لذلك رأت أن الوقت قد حان لتخبره بالنبأ الذي طال انتظاره، والذي علمت به مساء الأمس، وأخفته عنه مؤقتًا، إذ كانت تنوي أن تفاجئه به في يوم ميلاده، لكنها شعرت أن من الأفضل ألا تؤ

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل السادس

    لكلِّ نفسٍ طاقةُ تحمُّل، فإذا بلغت ذروتها؛ عجز كاهلها عن احتمال المزيد من المصائب، ونفد مدخر الصبر، ولم يعد للصمت جدوى، ليصبح البوح بكل ما يختلج النفس وما تحمّلته عبر السنين أمرًا حتميًا. وهذا تمامًا ما آل إليه حال "هشام" بعدما قضى أعوامًا طويلة يتحمل ما ألمّ به من مآسٍ، ويتغاضى عن كل غدرٍ أصابه. و

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل الخامس

    ساد صمت ثقيل بينهما مُحمّلًا بنظرات "عاصم" المتفرسة لكامل إيماءات "داليا" المرتبكة؛ والتي إن كانت توضح شيئًا فلن يكون سوى برهانٍ على صحة ما يساوره من شكوك حيالها. ابتلعت بتلبكٍ عارم واشتد وجيب قلبها في خفقانه من مباغتته بتساؤلٍ سيؤول بها إلى ما لا يُحمد عقباه حتمًا. أدركت أنها أضحت الآن قاب قوسين أو

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل الرابع

    أنزل «جاسم» كوب القهوة عن فمه، وعلى الفور أردف معلّقًا ببديهية بعدما ابتلع رشفة القهوة: — من المفترض أن الأمر انتهى الآن، وسيكون غبيًا أصلًا إن اقترب من طريق أيٍّ منا بعد الذي نملكه عليه. أظهرت ملامح «عدي» بعض الاقتناع بما قاله «جاسم»، لكنهما ثبّتا أنظارهما نحو «مجد» بانتظار رأيه فيما يتحدثان به.

  • في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه   الفصل الثاني

    عاد «كمال» بظهره إلى الخلف، وقد أدرك أن ما هو قادم لن ينال رضاه. ظل مثبتًا نظره عليه بانتظار أن يتابع حديثه، بينما رفع الآخر عينيه نحوه وأكمل على الوتيرة نفسها قائلًا: — عاصم بيه... احتل الضيق ملامح «كمال» بسبب عدم إفصاحه عمّا جاء لأجله دفعة واحدة، فتساءل بنبرة جوفاء امتزجت بالحنق الذي بدا جليًا ع

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status