Share

8

last update publish date: 2026-08-14 17:56:36

الفصل الثامن: الرجل الذي دفنه الإسكندر

لم يعرف نادر كم مضى من الوقت وهو واقف أمام البوابة.

ثوانٍ؟

دقائق؟

ربما أكثر.

كان الصمت خلفها أثقل من أن يكون صمت مقبرة.

شيء ما كان يتحرك.

شيء كبير.

بطيء.

ثم جاءت الضربة الأولى.

دوم...

اهتزت البوابة.

تراجع نادر خطوة.

رفع مصباحه نحو النقش.

لم يعد يرى سوى الكلمات:

"الإسكندر هو من دفنني."

ابتلع ريقه.

ثم ضحك ضحكة قصيرة متوترة.

"ألعاب."

قالها لنفسه.

"مجرد ألعاب."

كان قد أمضى سنوات يطارد هذه الأسطورة.

لم يكن رجلًا يخاف من المقابر.

ولا من الموتى.

لكنه كان يخاف من شيء واحد فقط:

أن تكون الأسطورة حقيقية.

جاءت الضربة الثانية.

دوم...

تشققت قطعة صغيرة من الحجر.

رفع نادر سلاحه.

"من أنت؟"

لا إجابة.

ثم جاء الصوت.

أكثر وضوحًا هذه المرة.

"أنت تحمل شيئًا ليس لك."

نظر إلى البردية.

"هذه لي."

"ليست لك."

"أنا وصلت إليها."

"الوصول لا يعني الملكية."

ابتسم نادر.

"ومن قال إنني أبحث عن الملكية؟"

جاء الصوت:

"أنت تبحث عن الخلود."

اختفت ابتسامته.

---

في السيارة، كانت نور تنظر من النافذة.

الصحراء تمر بجوارها، لكن عقلها لم يكن هناك.

كانت تفكر في والدها.

في أمها.

في سامح.

في يوسف.

وفي نادر.

كل شخص في هذه الرحلة كان يخفي شيئًا.

حتى هي.

كانت تحمل في داخلها خوفًا لم تعترف به لأحد.

الخوف من أن يكون والدها قد اختفى طوال هذه السنوات لأنه اختار شيئًا آخر عليها.

لكنها لم تعد تريد أن تفكر بهذه الطريقة.

قالت أمها بهدوء:

"أنتِ غاضبة مني."

لم تنظر نور إليها.

"مش عارفة."

"لكنك غاضبة."

"سبعة عشر سنة يا ماما."

صمتت أمها.

"سبعة عشر سنة وأنا فاكرة إنكِ وأبويا متّوا."

"أعرف."

"كنت صغيرة."

"أعرف."

"كنت محتاجاكم."

أغمضت أمها عينيها.

"وأنا كنت محتاجاك."

التفتت نور إليها.

"إذن لماذا؟"

"لأنني كنت أعرف أن بقاءك بعيدة عنّا هو الطريقة الوحيدة لحمايتك."

"من ماذا؟"

"من السر."

"أي سر؟"

أمها لم تجب.

قالت نور:

"أنا تعبت من كلمة السر."

ابتسمت أمها بحزن.

"وأنا تعبت من حملها."

---

كان إياد يقود بصمت.

أما محمود، فكان بجواره يراقب الطريق.

قال إياد:

"أنت متأكد إننا لازم نرجع لأبو الهول؟"

"نعم."

"ليه؟"

"لأن نادر حصل على البردية."

"والبردية تقوده للمقبرة."

"نعم."

"إذن نلحقه."

محمود هز رأسه.

"لن تستطيع."

"ليه؟"

"لأن الطريق الذي سلكه لن يعيده."

إياد نظر إليه.

"ماذا تقصد؟"

"المقبرة الحقيقية لا يمكن دخولها من الخارج."

"إذن كيف سيدخل؟"

"لن يدخل."

"لكننا سمعناه يقول إنه وجدها."

"هو وجد الباب فقط."

"والباب؟"

"الباب سيجعله يعتقد أنه وصل."

توقف إياد لحظة.

"أنت تقصد أنه فخ."

"نعم."

"ولماذا وضعه الإسكندر؟"

نظر محمود إلى الصحراء.

"الإسكندر لم يضعه."

"إذن من؟"

"الرجل الذي دفنه."

---

وصلوا إلى الموقع بعد ساعات.

كان أبو الهول الثاني قائمًا وسط الصحراء كما تركوه.

ضخمًا.

صامتًا.

لكن نور عندما رأته هذه المرة شعرت أنه مختلف.

ربما لأن الحقيقة أصبحت أقرب.

أوقفوا السيارات.

نزل الجميع.

اقترب محمود من التمثال.

رفع عينيه إلى وجهه.

قال:

"لم أتخيل أن أعود إلى هنا."

نور:

"كنت هنا قبل كده؟"

"نعم."

"مع أبي؟"

"مع والدك وأمك."

قالت أمها:

"كانت الليلة الأخيرة."

نور:

"ماذا حدث؟"

أجاب محمود:

"اكتشفنا المدخل."

"تحت القدم؟"

"نعم."

"ثم؟"

"والدك دخل."

"وحده؟"

"أنا دخلت معه."

"وأمي؟"

"بقيت بالخارج."

نور:

"ولماذا؟"

نظرت أمها إلى التمثال.

"لأنني كنت أعرف أن هناك شخصًا يراقبنا."

---

أخرج إياد جهازًا صغيرًا.

قال:

"المكان تحت القدم الأولى فاضي."

محمود:

"لأنه ليس المدخل."

نور:

"لكننا فتحناه."

"كان مدخلًا لغرفة الحارس."

"والغرفة السابعة؟"

"مدخل ثانٍ."

"إذن أين المقبرة؟"

محمود لم يجب.

بل سار نحو القدم الأخرى.

وضع يده على الحجر.

قال:

"هنا."

نور اقتربت.

"مفيش حاجة."

"لأنها لا تظهر."

"إذن كيف نفتحها؟"

نظر إليها.

"بالاسم."

---

أخرجت نور القرص.

"اسم الإسكندر؟"

"لا."

"الاسم الآخر؟"

"لا."

"إذن ماذا؟"

قال محمود:

"اسم الرجل الذي دفنه."

سكت الجميع.

قالت نور:

"أنت تعرفه."

"نعم."

"إذن قل لي."

هز رأسه.

"لا أستطيع."

"لماذا؟"

"لأن نطق اسمه هنا سيوقظ الحارس."

ضحك إياد.

"إحنا بنتكلم عن حارس بقاله آلاف السنين؟"

محمود نظر إليه.

"لا تضحك."

"لماذا؟"

"لأنك لا تعرف ما رأيته."

قال إياد:

"إذن قل لنا."

محمود صمت طويلًا.

ثم قال:

"رأيت رجلًا."

"ميت؟"

"لا."

"حي؟"

"لا أعرف."

"إذن ماذا؟"

قال:

"كان واقفًا في نهاية الممر."

"وماذا فعل؟"

"نظر إلى والد نور."

"ثم؟"

"قال له: أنت لست الحارس."

نور:

"وماذا قال أبي؟"

"قال: أعرف."

"ثم؟"

"الرجل أشار إليه."

"بماذا؟"

"بالباب."

"وماذا كان خلف الباب؟"

أجاب محمود:

"المقبرة."

---

قالت نور:

"إذن أبي دخل."

"نعم."

"ولم يخرج."

"خرج."

تجمدت.

"خرج؟"

"نعم."

"متى؟"

"بعد ثلاثة أيام."

"وماذا حدث بعدها؟"

"كان مختلفًا."

"كيف؟"

"لم يتحدث."

"لماذا؟"

"لأنه رأى شيئًا."

"ما هو؟"

قال محمود:

"رأى نفسه."

---

ساد الصمت.

نور:

"مش فاهمة."

"داخل المقبرة، كانت هناك غرفة."

"ثم؟"

"وفي الغرفة تمثال."

"تمثال مين؟"

"والدك."

نور:

"والدي؟"

"نعم."

"تمثال له؟"

"ليس مجرد تمثال."

اقتربت أمها.

قالت:

"كان تمثالًا يشبهه تمامًا."

نور:

"ولماذا؟"

محمود:

"لأن المقبرة لا تعرض الماضي."

إياد:

"أمال؟"

"تعرض المستقبل."

---

بدأت نور تشعر بالبرد.

قالت:

"يعني إيه المستقبل؟"

محمود:

"الإسكندر لم يكن يبحث عن قبر."

"عرفنا."

"كان يبحث عن مكان يرى فيه ما سيحدث بعد موته."

إياد:

"هذا غير منطقي."

محمود:

"العلم لا يفسر كل شيء."

قالت نور:

"وأبي رأى نفسه؟"

"رأى نهايته."

"كيف؟"

"رأى نفسه يخرج من المقبرة بعد سبعة عشر عامًا."

نور شهقت.

"سبعة عشر."

أومأ.

"ثم قال لي: عندما يأتي الوقت، ستأتي ابنتي."

---

تراجعت نور.

"كان عارف إني هاجي."

"نعم."

"وكان عارف إمتى؟"

"منذ سبعة عشر عامًا."

قالت أمها:

"والدك لم يكن ينتظر عودتك."

نور:

"أمال؟"

"كان ينتظر هذا اليوم."

---

فجأة ظهر ضوء بعيد في الصحراء.

قال إياد:

"عندنا ضيوف."

نظر الجميع.

كانت هناك سيارات تقترب.

محمود:

"نادر."

إياد:

"قلت إنه لن يخرج."

"هذا ليس نادرًا."

نور:

"مين؟"

محمود:

"رجاله."

قال إياد:

"إذن أين هو؟"

نظر محمود إلى التمثال.

"تحت."

---

بدأت السيارات تحاصر الموقع.

نزل رجال مسلحون.

لكنهم لم يطلقوا النار.

كانوا ينتظرون.

ثم ظهر رجل.

لم يكن نادر.

كان أصغر سنًا.

في الأربعين تقريبًا.

قال:

"السيد نادر يريد منكم الابتعاد."

إياد:

"وقوله إيه؟"

"قال إن المكان ملكه."

ضحك إياد.

"بلغه إن الصحراء مش مسجلة باسمه."

الرجل لم يضحك.

"هو لا يريد الصحراء."

نظر إلى نور.

"يريدها."

رفع إياد سلاحه.

لكن محمود قال:

"لا."

"ليه؟"

"نحن بحاجة إلى معرفة ما حدث له."

---

اقترب الرجل.

قال:

"نادر دخل منذ ساعتين."

نور:

"ولم يخرج؟"

"لا."

"إذن ماذا حدث؟"

"سمعنا صوتًا."

"أي صوت؟"

"صرخة."

"صرخة نادر؟"

"لا."

تغير وجه محمود.

"صوت من المقبرة."

قال الرجل:

"ثم اختفى الاتصال."

نور:

"هل مات؟"

"لا نعرف."

قالت أمها:

"إذن لماذا جئتم؟"

"لأن نادر ترك رسالة."

أخرج ورقة.

ناولها لنور.

كان عليها سطر واحد:

"لا تثقوا بالرجل الذي خرج من المقبرة."

نور قرأت الجملة مرة ثانية.

ثم رفعت عينيها.

"أي رجل؟"

لم يجب أحد.

---

في تلك اللحظة...

سمعوا صوت خطوات.

من جهة التمثال.

الجميع استدار.

ظهر رجل من خلف الظلام.

كان يمشي ببطء.

ملابسه ممزقة.

وجهه متعب.

وكان يحمل شيئًا في يده.

نور شهقت.

"نادر."

كان حيًا.

لكن عينيه كانتا مختلفتين.

اقترب.

قال إياد:

"فين البردية؟"

لم يجب.

نظر إلى نور.

ثم إلى محمود.

وقال:

"لقد كذبتم علينا."

محمود:

"ماذا رأيت؟"

نادر:

"ليس الإسكندر."

نور:

"إيه؟"

"الرجل."

"أي رجل؟"

اقترب نادر أكثر.

وقال:

"الرجل الذي دفنه الإسكندر."

ثم أخرج شيئًا من جيبه.

كان جزءًا من قناع حجري.

وعليه وجه رجل مصري.

لكن في وسط الجبهة...

كان محفورًا رمز غريب.

قال نادر:

"هذا هو."

محمود:

"مستحيل."

نادر:

"بل رأيته."

"أين؟"

"في المقبرة."

"كان حيًا؟"

نادر لم يجب.

ثم قال:

"كان ينتظرنا."

---

نور:

"ماذا قال؟"

نادر نظر إليها.

"قال اسمك."

تجمدت.

"اسمي؟"

"نعم."

"كيف عرفني؟"

"قال إنك آخر من يحمل الدم."

محمود اقترب.

"ماذا قال أيضًا؟"

"قال إن والدك لم يكن الحارس."

ثم نظر إلى محمود.

"أنت الحارس."

محمود لم يتحرك.

قال نادر:

"لكن والدك..."

نظر إلى نور.

"هو المفتاح."

---

شعرت نور أن الأرض تميد بها.

"أبي المفتاح؟"

نادر:

"نعم."

"وأنا؟"

"أنت الباب."

صمت الجميع.

ثم قالت نور:

"وأمي؟"

نظر نادر إليها.

"هي الشاهدة."

ثم نظر إلى إياد.

"وأنت..."

توقف.

إياد:

"أنا إيه؟"

نادر:

"أنت الشخص الذي لم يكن يجب أن يكون هنا."

إياد:

"ماذا تقصد؟"

نادر ابتسم.

"ستعرف."

---

اقتربت نور من نادر.

"أين أبي؟"

"في المقبرة."

"حي؟"

"نعم."

"لماذا لم يخرج؟"

"لأنه لا يستطيع."

"لماذا؟"

نادر:

"لأن المقبرة أغلقت عليه."

"بواسطة من؟"

"بواسطة الرجل الذي دفنه الإسكندر."

"من هو؟"

رفع نادر القناع.

"اسمه هنا."

نور أخذته.

كانت الكتابة أسفل القناع شبه ممسوحة.

مسحت الرمل.

ظهر اسم.

"إيمحتب."

شهقت مريم.

"إيمحتب؟"

قالت نور:

"إيمحتب عاش قبل الإسكندر بقرون."

محمود:

"هذا ليس إيمحتب الذي نعرفه."

"إذن من؟"

"إيمحتب الحارس."

---

قال نادر:

"والدك يعرفه."

نور:

"كيف؟"

"لأنه تحدث إليه."

"إيمحتب؟"

"نعم."

"لكنه مات منذ آلاف السنين."

نادر:

"أحيانًا الموت ليس نهاية."

قال إياد:

"كفاية كلام."

ثم أمسك نادر من كتفه.

"خذنا إلى المقبرة."

نادر:

"لا أستطيع."

"ليه؟"

"لأن الطريق تغير."

محمود:

"تغير بسببك."

"لا."

"إذن بسبب ماذا؟"

رفع نادر عينيه نحو السماء.

"بسبب الفجر."

---

بدأت الشمس تشرق.

وفي اللحظة التي لامست فيها أول أشعتها وجه أبي الهول الثاني...

حدث شيء لم يتوقعه أحد.

تحركت عين التمثال.

ليس حرفيًا.

بل ظهر داخل إحدى العينين ضوء أزرق.

ثم انتقل إلى العين الثانية.

ثم إلى الفم.

ثم إلى القدمين.

صرخت مريم:

"شايفين؟!"

قال محمود:

"ابتعدوا!"

لكن نور بقيت مكانها.

كانت تحدق.

ظهرت على جسم التمثال خطوط ضوئية تشكل خريطة.

الخريطة بدأت من سيوة.

ثم امتدت إلى أبيدوس.

ثم إلى الأقصر.

ثم القاهرة.

ثم عادت إلى أبي الهول.

وفي النهاية ظهرت نقطة واحدة تحت قدمه الثانية.

رقم:

115

لكن هذه المرة لم يكن الرقم وحده.

ظهرت تحته جملة:

"غرفة الحارس الأخير."

---

قالت نور:

"دي هي."

محمود:

"نعم."

"غرفة 115."

"نعم."

إياد:

"إذن نفتحها."

محمود نظر إلى نور.

"لا."

"ليه؟"

"لأنها ليست غرفة."

"أمال؟"

"إنها اختبار."

نور:

"اختبار لإيه؟"

"لمن يستحق دخول المقبرة."

قالت:

"وأنا؟"

"أنت الوحيدة التي تستطيع اجتيازه."

---

اقتربت نور من القدم الثانية.

وجدت سبعة أحجار صغيرة.

واحد منها يحمل رمز العين.

الثاني الأذن.

الثالث اليد.

الرابع القلب.

الخامس العقل.

السادس الشمس.

السابع القمر.

تذكرت الغرفة تحت المعبد.

الحواس.

لكن هنا كان هناك رمزان إضافيان.

الشمس.

والقمر.

قالت:

"سبعة رموز."

محمود:

"نعم."

"لازم أختار واحد."

"نعم."

"أي واحد؟"

"الذي أخبرك والدك أن تختاريه."

نور:

"أبي لم يقل."

"بل قال."

"متى؟"

أخرج محمود صورة قديمة.

كانت لنور وهي طفلة.

والدها يحملها.

على ظهر الصورة جملة بخط يده:

"عندما تصلين إلى أبي الهول، لا تختاري بعينيك."

نور أغمضت عينيها.

ثم مدت يدها.

لمست حجرًا.

لم تعرفه.

لكنها شعرت بحرارة.

فتحت عينيها.

كان حجر القلب.

---

تحرك التمثال.

انفتح تحت القدم ممر ضيق.

قال إياد:

"نروح."

محمود:

"جميعًا."

نادر:

"أنا أيضًا."

محمود:

"لا."

"أعرف الطريق."

"وأنت السبب في إغلاقه."

نادر:

"وأنا الوحيد الذي رأى ما بداخله."

نور:

"خليه ييجي."

نظر إليها محمود.

"لماذا؟"

"لأننا نحتاج أن نعرف الحقيقة."

ثم أضافت:

"كل واحد فينا عنده جزء منها."

دخل نادر.

ثم إياد.

ثم نور.

ثم أمها.

وبقي محمود لحظة أمام المدخل.

نظر إلى أبي الهول.

وقال بصوت خافت:

"لو كنت تسمعني يا محمود..."

ثم توقف.

نور التفتت.

"بتكلم مين؟"

لم يجب.

دخل.

---

كان الممر أعمق من السابق.

لكن هذه المرة لم يكن حجريًا.

الجدران كانت ملساء كأنها صُنعت حديثًا.

وفي كل عدة أمتار كان هناك نقش.

الأول:

"من يدخل باسمه، يخرج بلا اسم."

الثاني:

"من يدخل طمعًا، يخرج فارغًا."

الثالث:

"من يدخل بحثًا عن الموت، يجد الحياة."

والرابع:

"من يدخل بحثًا عن الحياة، يجد الحقيقة."

نور توقفت أمام الأخير.

قالت:

"دي مش مقبرة."

محمود:

"قلت لك."

"إذن إيه؟"

"ممر بين عالمين."

ضحك إياد.

"بدأنا نرجع للأساطير."

لكن لم يضحك أحد.

---

وصلوا إلى باب.

كان عليه رسم رجل يقف أمام مرآة.

اقتربت نور.

وجدت وجه الرجل ممسوحًا.

قال نادر:

"هذا هو الحارس."

محمود:

"لا."

"إذن من؟"

قال:

"الزائر."

نور:

"الزائر؟"

"كل من دخل هنا أصبح زائرًا."

ثم أشار إلى المرآة.

"لكن الشخص الذي يظهر في المرآة..."

توقف.

نور نظرت.

كانت هناك مرآة سوداء في منتصف الباب.

اقتربت.

لم ترَ انعكاسها.

رأت والدها.

كان يقف في غرفة.

ينظر إليها.

قال:

"نور."

صرخت:

"بابا!"

اقتربت من المرآة.

وضع محمود يده على كتفها.

"لا."

"ده هو."

"ليس بالضرورة."

لكن الصورة داخل المرآة تغيرت.

ظهر والدها خلفه رجل آخر.

وجهه مصري قديم.

عينيه ثابتتان.

وفي يده مفتاح.

قال الرجل:

"يا ابنة الحارس..."

ثم أضاف:

"أخيرًا وصلتِ."

انطفأت المرآة.

وظهر على الباب سطر جديد:

"الحارس ينتظر."

---

فتحت نور عينيها.

لم تعد ترى الممر.

كانت واقفة في غرفة واسعة.

وحدها.

أمامها ثلاثة أبواب.

الأول يحمل اسم والدها.

الثاني يحمل اسم أمها.

والثالث...

يحمل اسمها.

سمعت صوتًا:

"اختاري."

قالت:

"مين أنت؟"

"الذي ينتظر منذ أن بدأ الإسكندر رحلته."

"إيمحتب؟"

"الاسم لا يهم."

"أريد أبي."

"اختاري الباب."

"أي باب؟"

"الباب الذي يقودك إليه."

نظرت إلى الأبواب.

ثم قالت:

"لو اخترت باب أبي، ماذا سيحدث؟"

"ستجدينه."

"ولو اخترت أمي؟"

"ستعرفين لماذا اختفت."

"ولو اخترت بابي؟"

صمت الصوت.

ثم قال:

"ستعرفين من أنت."

---

نور اقتربت من الباب الثالث.

وضعت يدها عليه.

لكنها لم تفتحه.

قالت:

"أنا عارفة مين أنا."

جاء الصوت:

"هل أنت متأكدة؟"

"أنا بنت محمود."

"من قال؟"

"أبي."

"وأمك؟"

"أمي."

"والدم؟"

توقفت.

"ما به؟"

"الدم الذي في عروقك ليس دم محمود وحده."

بدأ الباب يهتز.

ظهر عليه نقش جديد.

شجرة نسب.

لكن اسم محمود لم يكن في أعلاها.

كان هناك اسم أقدم.

"الإسكندر."

شهقت نور.

"مستحيل."

جاء الصوت:

"الحقيقة لا تهتم بما تصدقين."

ثم فتح الباب وحده.

ورأت نور شيئًا جعل قلبها يتوقف.

والدها كان واقفًا أمامها.

لكنه لم يكن وحده.

كان بجواره رجل يشبهه تمامًا.

نسخة أخرى.

أصغر سنًا.

وأمامهما...

تمثال الإسكندر.

قال والدها:

"نور..."

اقتربت.

"بابا؟"

ابتسم.

"الآن فقط يمكنني أن أخبرك الحقيقة."

قالت:

"أي حقيقة؟"

نظر إلى الرجل الذي بجواره.

ثم قال:

"أنا لم أكن أول حارس."

أشار إلى الرجل.

"وهذا ليس أخي."

ثم نظر إلى نور.

"هذا..."

توقف.

"هو الإسكندر."

---

تراجعت نور.

لم تستطع الكلام.

الإسكندر؟

حي؟

مستحيل.

لكن الرجل أمامها كان يحمل ملامح التمثال.

والعمر لم يكن منطقيًا.

والأغرب...

أنه ابتسم لها.

وقال:

"لقد انتظرت عائلتك قرونًا حتى تعود إليّ."

ثم أضاف:

"والآن جاء دورك."

وخلفه، بدأ باب آخر ينفتح ببطء.

وفي أعماقه ظهرت قاعة ضخمة.

صفوف من الأعمدة.

تماثيل.

برديات.

وأبواب لا حصر لها.

لكن في نهاية القاعة...

كان هناك تابوت واحد.

وعليه نقش:

"هنا يرقد الملك الذي لم يمت."

رفعت نور عينيها إلى والدها.

قال:

"أهلًا بكِ في مكتبة الإسكندر."

ثم انطفأت الأنوار.

ومن أعماق القاعة...

سمعوا صوتًا آخر.

صوت رجل يصرخ:

"أغلقوا الأبواب! نادر وصل!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مقبرة الاسكندر الاكبر السر المدفون تحت اقدام ابي الهول الثان   ١٠١

    الفصل المائة وواحد: الطفل ذو العينين الذهبيتينلم تستطع نور أن تتكلم.ظلت واقفة أمام الجدار الذي اختفت منه صورة الطفل، وكأنها تنتظر أن تعود الصورة مرة أخرى.لكن الجدار أصبح أسود.فارغًا.باردًا.قال نادر:"حد يفهمني إحنا ليه لسه واقفين هنا؟"لم يجبه أحد.رفع إياد عينيه إلى أريان."أنت قلت إن الإسكندر انتهى."قال أريان:"الذي عرفتموه انتهى.""والذي سيأتي؟""لم يبدأ."قالت نور:"لكنه سيبدأ."أومأ."نعم."---اقترب آدم من الجدار.مرر يده فوق الحجر.قال:"الصورة لم تكن نبوءة."التفت إليه إياد."إذن ماذا كانت؟""ذكرى."قال نادر:"ذكرى لمستقبل لم يحصل؟"أجاب آدم:"هناك فرق.""ما هو؟""بعض الذكريات لا تتذكر ما حدث."ثم:"بل ما كان يمكن أن يحدث."---قالت نور:"إذن الطفل ليس موجودًا بعد.""ليس بالضرورة.""ماذا تقصد؟"نظر آدم إليها."قد يكون موجودًا."---سأل إياد:"أين؟"أجاب:"في زمننا."---ساد الصمت.قال نادر:"لا."نظر إليه إياد."ماذا؟""أنا بدأت أكره فكرة الزمن."---قالت نور:"كيف نعرف؟"رفع آدم القلم."لأن القلم يعرف."---اقتربت نور."كيف؟"قال:"القلم لا يكتب أسماء الأحياء.""ماذا ي

  • مقبرة الاسكندر الاكبر السر المدفون تحت اقدام ابي الهول الثان   ١٠٠

    الفصل المائة: ما وراء الباب الأسودلم يتحرك أحد.ظل البرج الأسود أمامهم، صامتًا، شاهقًا، وكأنه لم يكن مبنى بقدر ما كان إصبعًا عملاقًا يشير إلى السماء.وفوق مدخله كانت كلمة واحدة تتوهج:نور.قال نادر:"أنا مش مرتاح."نظر إليه إياد."وأنت إمتى كنت مرتاح؟""ولا مرة، بس المرة دي الموضوع شخصي."لم تبتسم نور.كانت تنظر إلى الاسم.إلى البرج.إلى الباب الذي فُتح من تلقاء نفسه.ثم إلى آدم.قالت:"أنت قلت إنني الوريثة الثامنة.""نعم.""لماذا لم تخبرني من البداية؟"خفض آدم عينيه."لأنني لم أكن متأكدًا.""والآن؟""البرج أكد."---اقترب سليم منهم.كان صوته يصل عبر جهاز صغير تركه معهم قبل دخولهم البوابة."نور."التفتت."سليم؟""اسمعيني جيدًا.""أنا أسمعك.""أنا أراقب الإشارات من الجهة الأخرى."قالت:"وماذا ترى؟"صمت لثوانٍ.ثم:"لا شيء.""كيف؟""منذ دخولكم البرج، كل الإشارات اختفت."---نظر إياد إلى آدم."هذا طبيعي؟"أجاب آدم:"لا."قال نادر:"ممتاز."ثم تنهد."كنت أتمنى مرة واحدة نسمع كلمة نعم."---بدأت نور تمشي.قال إياد:"نور."توقفت."ماذا؟""لن ندخل منفصلين."نظرت إليه."أعرف."أمسك يدها.ثم

  • مقبرة الاسكندر الاكبر السر المدفون تحت اقدام ابي الهول الثان   ٩٩

    الفصل التاسع والتسعون: آخر زمنلم يكن الضوء الذي ظهر في السماء ضوءًا عاديًا.لم يكن برقًا، ولا شروقًا، ولا انعكاسًا على سطح البحر.كان شيئًا يشبه الجرح.شقًا طويلًا في السماء، تتدفق منه خيوط فضية، وكأن الزمن نفسه انفتح من منتصفه.وقف الجميع في الساحة القديمة بلا حركة.حتى البحر الذي كان قد انحسر حول مدينة نومينوس بدا وكأنه تجمد.قال نادر بصوت خافت:"أنا عندي اقتراح."لم يلتفت إليه أحد."نرجع."نظر إليه إياد."إلى أين؟""أي مكان."قال سليم:"لا يمكن.""ليه؟""لأن الطريق أغلق."أشار إلى البوابة."والباب ده هو الطريق الوحيد المفتوح الآن."---كانت نور تحدق في البوابة.رأت خلفها شيئًا يشبه مدينة.لكن المدينة لم تكن ثابتة.كانت تتغير كل ثانية.مرة تظهر مبانٍ زجاجية.ثم تختفي.مرة تظهر صحراء.ثم يعود البحر.ثم تظهر أبراج ضخمة تمتد نحو السماء.قالت:"ده المستقبل؟"أجاب سليم:"ليس مستقبلًا واحدًا.""ماذا تقصد؟""عدة احتمالات."---قال إياد:"إذن القبر موجود في كل الاحتمالات؟"هز سليم رأسه."لا.""إذن؟""القبر هو الشيء الوحيد الثابت."---اقتربت نور.قال والدها:"لا تدخلي."التفتت إليه."لماذا

  • مقبرة الاسكندر الاكبر السر المدفون تحت اقدام ابي الهول الثان   ٩٨

    الفصل الثامن والتسعون: القبر الحقيقيلم تنم نور تلك الليلة.منذ عودتهم إلى سطح الأرض، وهي تشعر بأن البحر ينظر إليها.كان كل شيء هادئًا أكثر مما ينبغي.الموج يتحرك ببطء.المدينة عادت إلى طبيعتها.الساعات بدأت تعمل.السيارات عادت إلى الشوارع.والناس لم يعرفوا شيئًا عن المدينة المدفونة تحت أقدامهم.لكن نور كانت تعرف.كانت تعرف أن شيئًا ما بقي مفتوحًا.شيئًا لم يستطيعوا إغلاقه.وقفت أمام النافذة، بينما كان إياد يجلس خلفها، يقرأ الصفحات التي بقيت في كتاب المستقبل.قال أخيرًا:"الصفحة دي اتغيرت."التفتت إليه."كيف؟"رفع الكتاب."كل مرة أبص فيها عليها، ألاقي كلام جديد."اقتربت منه.كانت الصفحة التي كانت بيضاء منذ ساعات تحتوي الآن على سطر واحد."لا تبحثوا عن قبر الإسكندر في مكان موته."قرأته نور ببطء.ثم قالت:"مكان موته..."أجاب إياد:"الإسكندر لم يمت في المكان اللي الناس فاكرينه.""بابل.""نعم."ثم أضاف:"لو القبر الحقيقي موجود، فمعنى كده إن كل اللي عرفناه عن موته كان جزءًا من الخدعة."قالت نور:"لكن لماذا يخفي نفسه؟"رفع عينيه إليها."ربما لأنه لم يكن يريد أن يُعثر عليه.""أو..."توقفت."ك

  • مقبرة الاسكندر الاكبر السر المدفون تحت اقدام ابي الهول الثان   ٩٧

    الفصل السابع والتسعون: عودة الملوك السبعةعندما فتح القبر عينيه، لم يكن أحد منهم يعرف أن ما يحدث تحت البحر كان مجرد انعكاس لما يحدث فوقه.في المدينة، بدأت الساعات تتوقف.السيارات تعطلت في الشوارع.المصابيح انطفأت ثم أضاءت من تلقاء نفسها.وفي المتحف، توقفت عقارب ساعة قديمة عند الرقم السابع.وفي دار الحكمة، انفتحت كل الكتب دفعة واحدة.كانت المدينة كلها تستعد لشيء لم يحدث منذ آلاف السنين.شيء لم يكن يفترض أن يعود.---في القاعة السرية، وقفت نور أمام الورثة السبعة.كان كل واحد منهم يحمل علامة مختلفة.الأول كان يحمل رمز الشمس.الثاني رمز القمر.الثالث رمز البحر.الرابع رمز العين.الخامس رمز المفتاح.السادس رمز التاج.أما السابع...فلم يحمل أي رمز.كان يحمل القلم فقط.قالت نور:"لماذا أنتم هنا؟"أجاب الوريث الأول:"لأنك فتحت الأبواب."قالت:"وأغلقتم القبر.""القبر شيء."ثم أشار إلى الأرض."والأبواب شيء آخر."---قال إياد:"ما الذي سيخرج من الأبواب؟"أجاب الوريثة الثانية:"الذكريات."قال نادر:"ذكريات مين؟""الجميع."---ارتجف نادر."الجميع؟"أومأت."كل شخص عاش في هذه الأرض ترك ذكرى."قال سل

  • مقبرة الاسكندر الاكبر السر المدفون تحت اقدام ابي الهول الثان   ٩٦

    الفصل السادس والتسعون: المرحلة الثانيةكان البحر هادئًا بصورة مخيفة.وقفت نور أمام الشاطئ، تحدق في المياه التي بدت كأنها تخفي تحتها مدينة كاملة.إلى جوارها وقف إياد، بينما جلس نادر على صخرة يلتقط أنفاسه، ووقف سليم بعيدًا وهو يقلب الكتاب الذي أحضره من المستقبل.أما آدم...فلم يكن معهم.منذ خروجهم من المدينة القديمة، اختفى.لم يجدوا له أثرًا.قال نادر:"أنا عندي سؤال."لم يرد أحد."هو ليه كل مرة بنخرج من مكان، بنلاقي حد ناقص؟"قال إياد:"لأننا لم نخرج جميعًا."نظر إليه نادر."مين ناقص؟""آدم."---رفعت نور عينيها."هو كان معنا."قال إياد:"في البداية.""وبعدين؟""اختفى بعد إغلاق القبر."قال سليم:"لم يختفِ."نظر إليه الجميع."إذن أين هو؟"أغلق الكتاب."في الإسكندرية."---قال نادر:"إحنا أصلًا في الإسكندرية."هز سليم رأسه."ليست هذه."---أخرج خريطة صغيرة.كانت مختلفة عن الخريطة السابقة.عليها ثلاث علامات.الأولى عند البحر.الثانية تحت مبنى قديم.والثالثة في مكان لم يحمل اسمًا.قال سليم:"الإسكندرية الحالية فوق مدينة أخرى."قال إياد:"ألكسندريا الأولى.""لا."ثم:"أعمق منها."---شعرت ن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status