تسجيل الدخولالفصل السابع: عودة الحارس
لم تتحرك نور. لم تستطع. كان الرجل يقف عند فتحة الباب، والضوء الذهبي المنبعث من خلفه يحيط بجسده حتى جعل ملامحه غير واضحة. لكنها لم تكن بحاجة إلى رؤية وجهه. كانت تعرفه. تعرف وقفته. تعرف انحناءة كتفيه. تعرف الطريقة التي يميل بها رأسه قليلًا عندما يكون على وشك أن يقول شيئًا لا يريد أن يقوله. ذلك الصوت الذي ظلت تسمعه في ذاكرتها سنوات طويلة. ذلك الصوت الذي كانت تظن أنها لن تسمعه مرة أخرى. قال الرجل: "نور." وانهارت آخر مقاومة داخلها. "بابا..." خطت نحوه. لكن أمها أمسكت بذراعها بقوة. "لا!" التفتت نور إليها. "سيبيه." "مش لسه." "ده بابا!" قالت أمها: "أعرف." "إذن سيبيني." "نور، استني." توقف الرجل عند الباب. كان وجهه ما يزال في الظلام. قال: "اسمعي أمك." تجمدت نور. "أنت فعلًا بابا؟" صمت الرجل. ثم رفع يده ببطء. ظهر في إصبعه خاتم قديم. الخاتم الذي كانت نور تراه في صور والدها. الخاتم الذي لم يكن يفارقه أبدًا. قال: "لو لم أكن، لما عرفتِ هذا." بكت نور. "أنت حي." "نعم." "كل السنين دي؟" "نعم." "ليه؟" لم يجب. اقتربت خطوة. "ليه سبتني؟" ظل صامتًا. ثم قال: "لأنني لو رجعت، كانوا سيصلون إليك." نور: "مين؟" قال: "كل من يريد فتح المقبرة." --- وراء نور، رفع إياد سلاحه. قال: "محمود، لو كنت فعلًا والد نور، فأنا محتاج أفهم حاجة." التفت الرجل إليه. "اسمي محمود." "إذن أين كنت؟" "هنا." "منذ متى؟" "منذ سبعة عشر عامًا." شهقت نور. "سبعة عشر سنة؟" أومأ. "منذ الليلة التي اختفيت فيها." عبدالرحمن كان ينظر إليه وكأنه يرى شبحًا. قال: "كنت أظن أنك مت." ابتسم محمود بحزن. "كان ذلك أفضل للجميع." اقترب عبدالرحمن. "لماذا لم تخبرني؟" "لأنك كنت مراقبًا." "ممن؟" "منهم." وأشار إلى الرجال الذين كانوا قد توقفوا عند بداية الممر. كان زعيمهم ما يزال واقفًا. نظر إلى محمود وقال: "أخيرًا ظهرت." محمود: "كنت أعلم أنك ستأتي." الرجل: "كنت أريدك حيًا." "وأنا كنت أريدك أن تظل تبحث." --- قالت نور: "مين هو؟" أجاب محمود: "اسمه الحقيقي نادر." الرجل ابتسم. "لم يعد هذا الاسم مهمًا." محمود: "بل مهم جدًا." نادر: "لم تعد تستطيع حماية نفسك." "ولا أحتاج." "لديك ابنتك." هنا تحرك إياد. "لو قربت منها..." قاطعه نادر: "لن ألمسها." ثم نظر إلى نور. "أنا أحتاجها." محمود: "لن تحصل عليها." "لأنها تحمل المفتاح." نور رفعت القطعة المعدنية. "المفتاح ده؟" نادر: "ليس مفتاحًا." قال محمود: "لا." ثم نظر إلى نور. "إنه جزء من المفتاح." --- اقترب محمود من نور. كانت أمها لا تزال ممسكة بيدها. قال محمود: "أعطيني القرص." نور: "ليه؟" "لأنك لا تعرفين كيف تستخدمينه." "وأنت تعرف؟" "نعم." "إذن قولي." "القرص لا يفتح المقبرة." "أمال؟" "يكشف مكانها الحقيقي." إياد: "لكننا داخل المقبرة." هز محمود رأسه. "أنتم داخل المدخل." مريم: "إيه الفرق؟" قال محمود: "الذي تسمونه مقبرة الإسكندر ليس إلا البوابة." نظر إلى التمثال الضخم خلفه. "المقبرة الحقيقية أعمق." --- كانت الكلمات أثقل مما يستطيع العقل استيعابه. نور: "يعني إحنا لسه ما دخلناش المقبرة؟" "لا." "إذن إيه المكان ده؟" محمود: "غرفة الحارس." سامح قال من الخلف: "كنت أخشى أن تكون قد وصلت إليها." نظر محمود إليه. "وأنا كنت أعلم أنك ستأتي." سامح: "أنت لم تتغير." محمود: "بل تغيرت كثيرًا." سامح: "أنت ما زلت تحاول حماية الشيء الخطأ." محمود: "والشيء الصحيح بالنسبة لك هو فتح القبر." سامح: "أنا أريد الحقيقة." محمود: "لا." ثم قال بحدة: "أنت تريد القوة التي تمنحها الحقيقة." --- نادر رفع يده. تقدم رجاله. قال: "انتهى وقت الحديث." محمود: "لن تستطيع الدخول." "لدي القرص." "لا." أخرج نادر قطعة معدنية من جيبه. كانت تشبه مفتاح نور. لكن عليها رمز مختلف. قال: "وأنا أملك النصف الآخر." نظر محمود إليها. "هذا ما كنت أخشاه." نور: "إيه هو؟" قال: "مفتاح السجل." "أي سجل؟" "السجل الذي كتب فيه الإسكندر كل ما عرفه في مصر." نادر: "أين هو؟" محمود: "لا تعرف." "لكن ابنتك ستعرف." نور: "أنا؟" محمود: "لأن الدم هو المفتاح." --- وضع نادر القطعة على الجدار. بدأ الحجر يهتز. ظهر خط من الضوء. ثم دائرة. ثم فتحت في الأرض فتحة صغيرة. خرج منها صندوق حجري. نادر ابتسم. "أخيرًا." لكن قبل أن يقترب... قال محمود: "لا تلمسه." نادر: "لماذا؟" "لأنه لا يفتح لك." "ولمن؟" محمود نظر إلى نور. "لها." --- التفتت كل العيون إلى نور. قالت: "أنا؟" محمود: "نعم." "ليه؟" "لأن والدتك كانت حاملة الخاتم." نظر إلى أم نور. "وأنا كنت حارسًا." ثم إلى نور. "أما أنت..." توقف. "أنت آخر مفتاح." شعرت نور بالخوف. "أنا مش مفتاح." قال محمود: "أعرف." ثم ابتسم. "أنت ابنتي." --- اقتربت نور من الصندوق. قال إياد: "استني." توقفت. قال: "إحنا مش عارفين إيه اللي جواه." محمود: "ولا أنا." نور: "إنت ما تعرفش؟" "لا." "إذن ليه عايزني أفتحه؟" "لأنني حاولت فتحه سبع مرات." "وفشلت." "نعم." "وليه؟" "لأنني لم أكن الشخص المطلوب." --- وضعت نور يدها على الصندوق. كان باردًا. ثم بدأ يسخن. ظهر نقش تحت أصابعها. لم يكن هيروغليفيًا. كان خطًا بسيطًا. "إلى ابنة الرجل الذي اختار الحراسة بدل الخلود." تجمد محمود. قال: "لا." نور: "إيه؟" "لا تكملي." لكن الصندوق بدأ يفتح وحده. رفع غطاؤه ببطء. ظهر بداخله لفافة بردي. وعليها ختم الإسكندر. نور أخذتها. كانت يدها ترتجف. فكّت الختم. بدأت القراءة. --- "أنا الإسكندر، الذي ظن العالم أنه جاء ليحكم مصر." ثم: "لكنني جئت لأبحث عن شيء أقدم من اسمي." نور رفعت عينيها. واصلت. "في سيوة، قيل لي إنني ابن آمون." "لكن الكاهن أخبرني بسر آخر." "قال إنني لست أول من حمل دم الملوك." مريم: "دم الملوك؟" نور تابعت. "هناك ملك مصري قديم، سبقني إلى المعرفة." "لم يترك ذهبًا." "ترك مكتبة." إياد: "المكتبة." نور: "أيوه." واصلت: "في تلك المكتبة توجد أسرار ملوك ماتوا منذ قرون." "لكن أعظم سر فيها هو سر الموت نفسه." توقفت. كان هناك سطر ممزق. ثم: "وجدت قبره." "لكنني لم أجد جسده." "وجدت ما تركه." ثم سطر آخر: "وبسببه عرفت أنني إذا مت، فلا يجب أن يدفن جسدي في المكان الذي يظنه الجميع." --- رفعت نور رأسها. "إذن الإسكندر كان يعرف أنه سيموت." محمود: "نعم." "وعرف أين سيكون قبره." "نعم." إياد: "لكن لماذا أخفى ذلك؟" قال محمود: "لأن القبر لم يكن الهدف." نور: "أمال إيه؟" "المكتبة." --- فجأة انطلقت رصاصة. ارتطمت بالحجر بجوار رأس محمود. اندفع إياد وأطلق النار على مصدرها. عمّت الفوضى. صرخ نادر: "خذوا البردية!" اندفع أحد رجاله نحو نور. لكن أمها اعترضته. ضربها الرجل. صرخت نور: "ماما!" اندفع محمود. أمسك الرجل وأسقطه. لكن رجلًا آخر هجم عليه. إياد اشتبك مع اثنين. يوسف وسامح دخلا المعركة من جانبين مختلفين. كان الممر ضيقًا. والرصاص يرتد بين الجدران. وفجأة... صدر صوت عميق من تحت الأرض. توقف الجميع. مرة أخرى. دقّة. ثم الثانية. ثم الثالثة. لكن هذه المرة لم تكن الأرض هي التي اهتزت. كان التمثال. تمثال الإسكندر خلف محمود بدأ يتحرك. انفتح صدره. ظهرت داخله حجرة صغيرة. وفي الحجرة... كان هناك تاج. تاج ذهبي بسيط. قالت أم نور: "لا..." نظر محمود إلى التاج. "لقد فتح نفسه." --- قال نادر: "خذوه." لم يتحرك أحد. كان التاج يلمع بضوء غريب. قال سامح: "هذا ليس ذهبًا." اقترب. "إنه معدن آخر." محمود: "ليس معدنًا." نور: "إيه ده؟" محمود: "رمز." "رمز لإيه؟" "للمكتبة." أخذ التاج. كانت بداخله قطعة صغيرة محفور عليها اسم. نور اقتربت. قرأت: "أحمس." قالت: "أحمس؟" محمود: "الملك الذي سبق الإسكندر." إياد: "أحمس الأول؟" هز محمود رأسه. "ليس أحمس الذي يعرفه التاريخ." نور: "يعني ملك آخر؟" "أقدم." ثم قال: "والأغرب أن اسمه لم يُذكر في أي سجل رسمي." --- نادر تقدم. "أعطني التاج." محمود: "لا." "أعطنيه." "أنت لا تعرف ما الذي تحمله." "أعرف أنه الطريق." نور: "إلى المكتبة." نادر: "نعم." "إذن لماذا تبحث عن المقبرة؟" ابتسم. "لأن المكتبة داخلها." محمود: "خطأ." "ماذا؟" "المكتبة ليست داخل المقبرة." ثم نظر إلى نور. "المقبرة داخل المكتبة." ساد الصمت. --- نور لم تفهم. "إزاي؟" محمود: "لأن المكتبة ليست غرفة." "أمال؟" "هي مدينة." قالت مريم: "مدينة؟" "مدينة كاملة تحت الأرض." إياد: "مستحيل." "الإسكندر لم يبحث عن قبر." ثم أشار إلى الجدار. "بحث عن المدينة التي بناها الملك القديم." نور: "وأين هي؟" محمود: "تحت مصر." --- قال نادر: "كفاكم." أخرج مسدسه. "أريد الخريطة." نور: "أي خريطة؟" "البردية." "لا." رفع سلاحه. لكن قبل أن يطلق... سمعوا صوتًا آخر. هذه المرة لم يكن من خلفهم. كان من عمق الأرض. صوت باب ضخم يتحرك. ثم ظهر شق في أرضية الغرفة. بدأ يتسع. صرخ سامح: "ابتعدوا!" انهارت الأرض. سقط أحد الرجال. ثم آخر. تراجع الجميع. محمود أمسك نور. إياد أمسك أمها. يوسف جذب مريم. أما نادر... فقد سقط نصف جسده داخل الشق. صرخ. مد يده. لكن أحدًا لم يساعده. اختفى. ثم أغلق الشق. كأن الأرض ابتلعته. --- ساد صمت رهيب. قالت نور: "هو مات؟" محمود: "لا أعرف." ثم نظر إلى التاج. كان الضوء قد اختفى. لكن ظهرت خريطة على الجدار. خريطة ضخمة. مصر القديمة. وفي وسطها نقطة. ليست سيوة. وليست الإسكندرية. وليست الأقصر. كانت في مكان آخر. قال إياد: "إيه المكان ده؟" سامح اقترب. قرأ الإحداثيات. ثم تجمد. "أبيدوس." محمود: "نعم." نور: "أبيدوس." تذكرت البرديات. الرموز. أبو الهول الثاني. والسر الذي لم ينته. قالت: "إذن كل الطرق كانت بتوصل لأبيدوس." محمود: "لأن الإسكندر لم يترك السر في سيوة." "أين؟" "في أبيدوس." --- أم نور تقدمت. قالت: "هناك شيء يجب أن تعرفيه قبل أن نذهب." نور: "إيه؟" "والدك لم يكن يحرس المقبرة فقط." "أمال؟" "كان يحرس شيئًا داخلها." "إيه؟" نظرت إلى محمود. قال: "أبوكِ كان آخر شخص يعرف مكان المكتبة." نور: "لكن أنت تعرف." هز رأسه. "كنت أعرف الطريق." ثم أشار إلى الخريطة. "أما مكان المدخل الحقيقي، فلم يكن يعرفه إلا والدك." نور: "إذن لماذا أنت هنا؟" قال محمود: "لأنني أعتقد أن والدك ترك العلامة الأخيرة." --- سألت نور: "فين؟" محمود: "تحت أبي الهول الثاني." "رجعنا لنفس المكان." "نعم." "لكننا فتشنا كل شيء." "ليس كل شيء." "إيه اللي فاتنا؟" نظر إليها. "قدمه." نور: "إحنا فتحنا اللي تحت قدمه." "فتحتم المدخل الأول." "إذن؟" "هناك قدم أخرى." تجمدت. إياد: "الرجل عنده قدمين." محمود: "والسر تحت الثانية." --- أخرج محمود قطعة من البردي. كانت تحمل رسمًا لأبي الهول الثاني. لكن هذه المرة كان التمثال مرسومًا من الخلف. وتحت قدمه اليسرى... علامة. قال: "هذه هي النقطة التي لم تجدها والدتك." أم نور: "لأننا لم نعرف معناها." نور: "وأبويا؟" "عرفها." "ولماذا لم يخبركم؟" محمود: "لأنه اكتشف أن هناك شخصًا آخر يتتبعنا." نور: "نادر." "نعم." "إذن أبي عاد إلى أبي الهول." "وعندما وصل، وجد شيئًا." "إيه؟" محمود نظر إليها. "وجد أن المدخل الحقيقي لم يعد مغلقًا." --- قال يوسف: "نحن نضيع الوقت." نظر إليه محمود. "صحيح." إياد: "إذن نرجع." نور أمسكت البردية. "نرجع." لكن أمها أمسكت يدها. "نور." "نعم؟" "هناك شيء آخر." "إيه؟" "لا تبحثي عن والدك وحده." "ليه؟" قالت: "لأنك عندما تجدينه، ستكتشفين أن الشخص الذي نبحث عنه جميعًا ليس والدك." نور: "مين؟" أمها نظرت إلى التمثال. ثم قالت: "الرجل الذي دفن الإسكندر." --- في تلك اللحظة، جاء صوت من خلفهم. صوت ضعيف. ضحكة. استداروا. كان نادر يقف على الجانب الآخر من الغرفة. وجهه ملطخ بالدم. لكنه حي. وفي يده... البردية التي ظنت نور أنها ما تزال معها. صرخت: "إزاي؟" ابتسم. "لأنك لم تأخذي الأصل." نظر محمود إلى نور. ثم إلى نادر. قال: "لقد خدعنا." نادر رفع البردية. "الآن لدي الطريق." ثم ضغط على شيء في يده. انفتح جدار خلفه. ظهر ممر جديد. وقال: "وأنا أعرف أين ينتهي." ثم اختفى داخل الممر. اندفع إياد خلفه. لكن الباب أغلق. ضربه بيده. "اللعنة!" محمود قال: "لا تحاول." "ليه؟" "لأن الممر لا يفتح من هذا الجانب." نور: "إذن نرجع إلى أبي الهول." محمود: "نعم." أمها: "لكن بسرعة." نور: "ليه؟" قالت أمها: "لأن نادر لن يذهب إلى المقبرة." "أمال؟" "سيذهب إلى المكتبة." ثم نظرت إلى ابنتها. "ولو وصل إليها قبلنا..." توقفت. نور: "إيه اللي هيحصل؟" قالت أمها: "سيعرف السر الذي جعل الإسكندر يخفي قبره." --- خرجوا من المعبد قبل الفجر. كانت السماء قد بدأت تتحول إلى لون رمادي باهت. الصحراء ساكنة. لكن نور لم تعد ترى فيها فراغًا. كل ذرة رمل أصبحت تخفي سؤالًا. ركبوا السيارات. جلس محمود في المقدمة إلى جوار إياد. نور جلست بجوار أمها. وللمرة الأولى منذ سبعة عشر عامًا... كانت تستطيع أن تنظر إليها وتسألها كل ما تريد. لكنها لم تفعل. ليس الآن. كانت تفكر في شيء آخر. البردية. التاج. أبيدوس. وأبو الهول الثاني. قال إياد: "نور." "نعم؟" "في حاجة." أخرج هاتفه. كانت هناك صورة التقطها قبل مغادرتهم. صورة للجدار الذي ظهرت عليه الخريطة. لكن في زاوية الصورة... ظهر نقش لم ينتبهوا إليه. كبّره. ظهرت كلمتان: "القدم الثانية." وتحتها... رقم: 115. توقفت نور عن التنفس. قالت: "مائة وخمسة عشر." محمود نظر إليها. "ده مش رقم فصل." "إذن إيه؟" قال: "رقم الغرفة." إياد: "غرفة 115." نور: "وأين هي؟" أجاب محمود: "لا أعرف." ثم نظر إلى الخريطة. وفجأة تغيّر وجهه. "انتظروا." "إيه؟" "الغرفة 115..." صمت. ثم قال: "ليست في أبيدوس." نور: "أين؟" أشار إلى الخريطة. كانت النقطة الأخيرة... في مكان لم يتوقعه أحد. تحت أبي الهول الثاني مباشرة. --- وفي مكان آخر، كان نادر يمشي داخل ممر مظلم. كان يحمل البردية. وعندما وصل إلى نهاية الممر، وضعها على حجر دائري. انفتح الباب. ظهر أمامه درج طويل. وفي أسفل الدرج... كانت هناك بوابة هائلة. وعليها نقش واحد: "مقبرة الإسكندر." ابتسم نادر. وقال: "وجدتك." لكن عندما اقترب... ظهرت كتابة جديدة فوق البوابة. لم تكن موجودة قبل لحظات. قرأها. فتغير وجهه. كان مكتوبًا: "من يدخل يبحث عن الإسكندر، سيجد الحارس." ثم: "ومن يبحث عن الحارس، سيجد نفسه." وفجأة... جاء صوت من خلف البوابة. صوت رجل. قديم. لكنه واضح. قال: "نادر..." تراجع. "من هناك؟" جاء الصوت مرة أخرى: "ألم تتعلم بعد؟" توقف. ثم: "أنا لم أدفن الإسكندر..." سكت الصوت لحظة. ثم أكمل: "الإسكندر هو من دفنني." وانطفأ الضوء. وفي الظلام... بدأ شيء ضخم يتحرك خلف البوابة.الفصل الخمسون: الجسد الذي انتظر ألفي عامتوقفت نور في منتصف الدرج.لم يكن الصوت وهمًا.لم يكن صدى.كان صوتًا واضحًا خرج من أعماق المقبرة."تأخرتِ يا نور."تجمد إياد خلفها.رفع سلاحه، ونظر إلى الظلام.قال:"مين هناك؟"لم يجب أحد.لكن نور كانت تعرف الصوت.ليس لأنها سمعته في الماضي.بل لأنها شعرت به داخل ذاكرتها.الإسكندر.قالت بصوت مرتجف:"أنت؟"جاءت الإجابة من الأسفل:"ليس بعد."نظر إياد إليها."يعني إيه ليس بعد؟"لم تجب.كانت تنزل.خطوة.ثم أخرى.حتى وصلت إلى آخر الدرج.كان المكان واسعًا.واسعًا بصورة لا تتناسب مع المساحة التي رأوها من الخارج.كانت هناك أعمدة ضخمة، وعلى كل عمود مشهد مختلف من حياة الإسكندر.ولم يكن بينها مشهد واحد يطابق ما يعرفه التاريخ.قال سامح:"دي مش مقبرة."أجاب قسطنطين:"لا."ثم نظر إلى نور."هذه غرفة الانتظار."---في منتصف القاعة كان هناك تابوت حجري.لكن التابوت لم يكن مغلقًا.كان مفتوحًا.اقتربت نور ببطء.رأت جسد رجل يرقد بداخله.كان يبدو في الثلاثين تقريبًا.شعره أسود.ملامحه هادئة.ملامح وجه عرفتها من التماثيل والرسومات القديمة.الإسكندر.قال إياد:"مستحيل."
الفصل التاسع والأربعون: ليان والوصية الأخيرةلم يكن اسم ليان مجرد اسم بالنسبة إلى نور.بمجرد أن نطقت به، شعرت أن شيئًا عميقًا داخلها قد انفتح.لم تكن تعرف المرأة.ومع ذلك، كانت تعرف صوتها.تعرف نظرتها.تعرف حتى الطريقة التي كانت تقف بها بجوار الإسكندر.وكأنها لم تكن ذكرى قديمة، بل حياة كاملة عاشت نور تفاصيلها ثم أُجبرت على نسيانها.وقف إياد أمامها."نور."لم تجبه."نور، بصي لي."رفعت عينيها إليه.قال:"إنتِ كويسة؟"هزت رأسها."مش عارفة."ثم قالت:"أنا شفتها.""ليان؟"أومأت."كانت مع الإسكندر."تدخل سامح:"في رؤيتك؟""نعم.""وماذا فعلت؟"صمتت نور.ثم قالت:"قتلته."ساد الصمت.لكن قسطنطين لم يبدُ متفاجئًا.قال إياد:"إنت كنت عارف."نظر إليه قسطنطين."كنت أعرف أنها ستتذكر.""مش ده سؤالي."صمت.اقترب إياد منه."هل كانت ليان هي التي قتلت الإسكندر؟"أجاب:"نعم."قال إياد:"ولماذا؟"نظر قسطنطين إلى نور."لأن الإسكندر طلب منها ذلك."---شهقت نور."مرة ثانية؟""ماذا؟""كل شخص يقتله كان بيقول إنه طلب منه."قالت بغضب:"هل الإسكندر كان يريد الموت فعلًا؟"أجاب قسطنطين:"نعم.""لماذا؟""لأنه لم يكن
الفصل الثامن والأربعون: قاتل الإسكندرظل صوت أم المدينة معلقًا في الظلام."لأن القاتل... كان واحدًا منكم."لم يتحرك أحد.حتى نور، التي اعتادت خلال رحلتها أن تواجه أسرارًا تفوق قدرة العقل على الاحتمال، شعرت هذه المرة أن الكلمات أصابت مكانًا مختلفًا داخلها.واحد منكم.لم تقل المرأة: أحد الحراس.ولم تقل: أحد أعدائه.قالت واحدًا منكم.أي أن القاتل كان قريبًا.قريبًا جدًا.نظر إياد إلى سامح.ثم إلى سارة.ثم إلى والد نور.وأخيرًا إلى أمها.أما نور فكانت تحدق في الظلام أمامها.قال إياد بهدوء:"محدش يتحرك."رفع الجميع أعينهم إليه.أكمل:"من اللحظة دي، محدش يخرج من المكان لوحده."قال سامح:"تقصد إن القاتل ممكن يكون واحد فينا؟"أجاب إياد:"أنا مش عارف."ثم نظر إلى نور."لكن لازم نعرف."---أضاءت نور المفتاح الأبيض.انتشر ضوء ضعيف في القاعة.كانت المدينة الثامنة قد اختفت.لم يبق منها سوى الأعمدة السبعة والباب الأسود في نهاية القاعة.لكن شيئًا آخر ظهر.على الأرض.كانت هناك سبع علامات دائرية.كل علامة تحمل رمزًا.رمز نور.رمز إياد.رمز سامح.رمز سارة.رمز والد نور.رمز أمها.أما العلامة السابعة فك
الفصل السابع والأربعون: ابنة المدينة التي لم تولدلم يكن أحد يعرف من أين جاء الصوت.ظل يتردد في أعماق الجزيرة، عميقًا وثقيلًا، كأنه لم يخرج من حنجرة بشرية، بل من قلب الأرض نفسها."أخيرًا عادت ابنتي."توقفت نور في مكانها.لم تنظر إلى إياد.لم تنظر إلى أمها.كانت تحدق في الرمال تحت قدميها.قال إياد:"نور؟"لم تجبه.عاد الصوت.أوضح هذه المرة.أقرب."نور..."أغلقت عينيها.وفجأة رأت مدينة.لم تكن مدينة مصرية.ولا يونانية.ولا تشبه أي مدينة عرفتها من قبل.كانت أبراجها بيضاء، ترتفع فوق بحر أسود، وجسور من الحجر الذهبي تربط بين مبانيها.وفي وسط المدينة كان هناك تمثال ضخم لامرأة تحمل مفتاحًا.اقتربت نور من التمثال في رؤيتها.كانت المرأة تشبهها.ثم سمعت صوت طفلة."أمي."استدارت.كانت طفلة صغيرة تقف خلفها.شعرها أسود طويل.وعيناها تشبهان عيني نور.قالت الطفلة:"أين كنتِ؟"اقتربت نور منها."من أنتِ؟"ابتسمت الطفلة."أنتِ تعرفين."ثم اختفت.فتحت نور عينيها.كانت أمها تمسك بكتفها."نور!"تنفست بسرعة.قال إياد:"إيه اللي حصل؟"قالت:"شفت مدينة."قال سامح:"أي مدينة؟"أجابت:"مدينة تحت البحر."نظر الج
الفصل السادس والأربعون: الإسكندر الذي لم يمتظل الجميع واقفين حول البردية.لم يتحرك أحد.حتى البحر بدا وكأنه توقف للحظة.كانت نور تقرأ الجملة الأخيرة مرة أخرى:"أنا حي."ثم رفعت عينيها ببطء.قالت:"ده مستحيل."أجاب إياد:"بعد كل اللي شفناه، كلمة مستحيل مبقتش مفيدة."لكن نور لم تبتسم.كانت تنظر إلى توقيع الإسكندر.لم يكن مجرد اسم.كانت تعرف هذا الخط.رأته من قبل.على أول بردية وجدتها.وعلى جدار المقبرة.وفي الغرفة التي ظهر فيها الإسكندر لأول مرة.قالت:"التوقيع حقيقي."اقترب سامح."إزاي متأكدة؟"أشارت إلى الحرف الأخير."الإسكندر كان بيعمل علامة صغيرة هنا."قالت وهي تمرر إصبعها فوق البردية:"دي موجودة."قال إياد:"يعني البردية أصلية."أجاب والد نور:"أو أن شخصًا يعرف الإسكندر جيدًا كتبها."قالت نور:"لا."نظرت إليه."هو كتبها."---كان هناك صوت قادم من البحر.صوت يشبه احتكاك معدن ضخم بالصخور.التفت الجميع.الماء بدأ يتحرك بطريقة غريبة.ارتفعت موجة كبيرة بالقرب من السفينة السوداء.ثم ظهرت قمة جسم ضخم تحت الماء.قال سامح:"إيه ده؟"تراجع إياد."كل الناس ترجع للخلف."لكن نور لم تتحرك.كانت
الفصل الخامس والأربعون: الرجل الذي لم يكن الإسكندرلم تتحرك نور.كان الرجل يقف في نهاية القاعة، محاطًا بضوء أبيض خافت، وفي يده تاج ذهبي يشبه التاج الذي ظهر في رؤاها القديمة.كان طويلًا.ثابتًا.وجهه لا يحمل آثار العمر، رغم أن صوته كان عميقًا وكأنه خرج من بئر عميقة في قلب التاريخ.قال:"أخيرًا وصلتِ."لم تجبه نور.كان تحذير المرأة لا يزال يتردد في رأسها:"عندما ترينه، لا تصدقي أول كلمة يقولها."اقترب إياد منها، ورفع مصباحه."مين أنت؟"رفع الرجل عينيه إليه."أنت لست الشخص الذي كنت أنتظره."قال إياد:"وأنا مش مستني حد يستناني."ابتسم الرجل.ثم عاد ينظر إلى نور."أنتِ الحارسة."قالت:"لا أعرف من تكون.""بل تعرفين.""لا.""ذاكرتك تعرف."وضعت نور يدها على رأسها.كانت الصور تتدفق فجأة.مدينة قديمة.امرأة تحمل مفتاحًا.رجل يرتدي تاجًا.الإسكندر.ثم وجه هذا الرجل.لكن كلما حاولت أن تتذكر، تبدلت الصورة.مرة كان الرجل يشبه الإسكندر.ومرة يشبه والدها.ومرة...كان يشبهها هي.تراجعت.قال إياد:"نور؟"همست:"أنا شفتك قبل كده."ابتسم الرجل."أعرف.""في أحلامي.""ليست أحلامًا.""إذن ماذا؟"قال:"ذكريا







