LOGINالفصل التاسع: مكتبة الإسكندر
لم تفهم نور في البداية ما سمعته. كان الصوت قد جاء من أعماق القاعة، حادًا ومذعورًا، وكأنه صادر عن شخص رأى شيئًا لا ينبغي لأحد أن يراه. ثم تكرر الصراخ: "أغلقوا الأبواب! نادر وصل!" التفتت نور إلى والدها. "نادر؟" لم يجب. كانت عيناه معلقتين بالظلام خلفها. قالت: "بابا!" اقترب منها وأمسك بيدها. "لا تتحركي." "لكن نادر..." "ليس هو أخطر شيء هنا." "أمال إيه؟" نظر إلى التابوت في نهاية القاعة. "ذلك." شعرت نور بقشعريرة. "إنت قلت إن الإسكندر..." قاطعها: "قلت لك إن ما ترينه هنا ليس ما يظنه الناس." ثم أضاف: "ولا تثقي بكل ما أقول." نور حدقت فيه. "إنت أبويا فعلًا؟" تغير وجهه. كان السؤال قد أصابه في مكان أعمق مما توقعت. قال: "نعم." "وأنت حي بقالك سبعة عشر سنة؟" "نعم." "ولماذا لم ترجع؟" "لأنني لم أستطع." "ولماذا؟" نظر خلفه. "لأنني كنت أحرس المكتبة." "من ماذا؟" "من الذين يريدون فتحها." --- ظهر محمود وسامح وإياد ومريم وأم نور داخل القاعة. كانوا جميعًا ينظرون حولهم بدهشة. لم يكن أحد منهم يتكلم. المكان لم يشبه أي مقبرة عرفوها. كانت القاعة تمتد لمسافة هائلة، حتى إن نهايتها اختفت داخل ظلام أزرق. صفوف من الأعمدة الحجرية ارتفعت إلى سقف لا يمكن رؤيته. وعلى جانبي القاعة كانت هناك رفوف ضخمة. لكنها لم تحمل كتبًا. كانت تحمل لفائف بردية. ألواحًا حجرية. صناديق خشبية. وأوعية مختومة. قالت مريم: "دي مكتبة فعلًا." رد سامح: "ليست مكتبة." التفتت إليه. "أمال إيه؟" قال: "أرشيف." اقترب من أحد الرفوف. كان على كل رف رقم. ١. ٢. ٣. حتى ١١٤. ثم رف واحد فارغ. وعليه الرقم: ١١٥. توقف سامح. قال: "غرفة الحارس الأخير." --- اقتربت نور من الرف. كان فارغًا. قالت: "فين اللي كان هنا؟" أجاب والدها: "أُخذ منذ سنوات." "بواسطة مين؟" "نادر." إياد: "لكن نادر وصل منذ دقائق." هز والد نور رأسه. "لا." "إذن متى؟" "منذ سبعة عشر عامًا." صمت الجميع. قال إياد: "أنت تقصد..." "نادر لم يبدأ البحث عن المكتبة الآن." ثم نظر إلى نور. "كان يبحث عنها قبل ولادتك." --- قالت نور: "إذن ليه كل اللي حصل كان مرتبط بيا؟" والدها: "لأنك لم تكوني الهدف." "أمال؟" "كنتِ الدليل." "دليل على إيه؟" "على أن السلالة ما زالت موجودة." قالت أمها: "كفاية." التفتت إليها نور. "لا." كان صوتها هذه المرة أكثر قوة. "أنا تعبت من الأسرار." "نور..." "لا يا ماما." ثم نظرت إلى أبيها. "عايزة أعرف كل حاجة." أخذ والدها نفسًا عميقًا. "حسنًا." --- جلس الجميع حول طاولة حجرية في منتصف القاعة. أشعل والد نور مصباحًا صغيرًا. قال: "منذ أكثر من ألفي عام، وصل الإسكندر إلى مصر." قال إياد: "ده معروف." "لكن ما ليس معروفًا هو أنه لم يكن أول ملك أجنبي يصل إلى أسرار مصر." فتح صندوقًا صغيرًا. أخرج منه قطعة بردي. "كان هناك رجال قبله." نور: "فراعنة؟" "بعضهم." "والباقي؟" "رحالة، كهنة، علماء." "وماذا وجدوا؟" "وجدوا أن المصريين القدماء كانوا يحتفظون بسجلات لا تُكتب إلا عندما يكون السر أكبر من أن يُحفظ في المعابد." سامح: "سجلات الموت." هز والد نور رأسه. "وسجلات الحياة." ثم أخرج لفافة أخرى. "الإسكندر اكتشف أن هناك مكتبة سرية تحت الأرض." نور: "وهنا؟" "نعم." "ولماذا سميت مكتبة الإسكندر؟" "لأن الإسكندر كان أول من جمع أجزاءها." قال سامح: "لكنه لم يبنها." والد نور: "لا." "إذن من بناها؟" رفع الرجل عينيه. "الملك الذي لا يعرفه التاريخ." --- تقدمت نور. "أحمس؟" "لا." "إيمحتب؟" "لا." "إذن من؟" أجاب والدها: "اسمه محا من السجلات." ثم وضع يده على البردي. "كان يسمى أمنحوتب الحارس." قال سامح: "هذا الاسم غير موجود في أي قائمة ملوك." "لأنه لم يكن ملكًا بالمعنى المعروف." "أمال؟" "كان حارس المعرفة." قال إياد: "يعني إيه؟" "كان مسؤولًا عن حماية السجلات التي لا يجب أن تصل إلى العامة." نور: "ولماذا؟" والدها: "لأن بعضها يتحدث عن أشياء لو عرفها الناس، لتغير التاريخ." --- ظهر صوت من أعماق القاعة. دقات. ثم دقات أخرى. توقف الجميع. نظر والد نور إلى الظلام. "بدأ العد." نور: "أي عد؟" "منذ أن دخلنا." "إلى ماذا؟" "لا أعرف." "أنت تعرف." صمت. قالت: "بابا." نظر إليها. "ما الذي سيحدث؟" أجاب: "عندما تصل الدقات إلى سبع..." توقف. "سيُفتح التابوت." نظر الجميع إلى التابوت في نهاية القاعة. إياد: "وإيه المشكلة؟" قال والد نور: "لأننا لا نعرف ما بداخله." مريم: "مش قبر الإسكندر؟" هز رأسه. "لا." "أمال؟" "قبر الحارس." --- دقة ثالثة. ثم رابعة. اقترب سامح من التابوت. "لازم نمنعه." والد نور: "لا." "ليه؟" "لأننا لا نستطيع." "إذن ماذا نفعل؟" "ننتظر." قالت نور: "إلى متى؟" "حتى نعرف من يفتح التابوت." دقة خامسة. ثم ساد الصمت. الدقة السادسة. اهتزت الأرض. وفي اللحظة نفسها... انطفأت كل المصابيح. صرخت مريم. سمعوا خطوات. خطوات كثيرة. ثم جاء صوت رجل من الظلام: "لم تتغيروا." رفع إياد سلاحه. "نادر." ضحك الرجل. "أخيرًا." ظهر ضوء. ثم ظهر نادر. لكنه لم يكن وحده. كان خلفه سبعة رجال. وفي يده البردية الأصلية. قال: "وجدتكم." --- والد نور وقف أمام نور. "ارجعوا." نادر: "لماذا؟" "لأنك لا تعرف ماذا تفعل." "أعرف أكثر منك." "أنت لا تعرف حتى لماذا اخترتك المكتبة." "أعرف أنني أحتاج إلى السجل." "أي سجل؟" ابتسم نادر. "السجل الأخير." تغير وجه والد نور. "مستحيل." نور: "ما هو السجل الأخير؟" نادر: "الشيء الذي يخشاه أبوك أكثر من الموت." قالت: "ما هو؟" والدها: "لا تسمعيه." نادر: "السجل الذي يثبت أن الإسكندر لم يمت هنا." نور: "أين مات إذن؟" نادر: "هذا هو السر." --- تقدم نادر. "أعطني المفتاح." والد نور: "لا." "أنت تعرف أين هو." "لن تحصل عليه." "إذن ستجبرني." رفع أحد الرجال سلاحه. لكن إياد تحرك بسرعة. انطلق الرصاص. انفجر جزء من عمود. سقط الغبار. بدأ الجميع يتحرك. أمسكت أم نور ابنتها. "خليكِ ورايا." "لا." "نور!" "أنا مش ههرب." ظهر محمود أمامهما. قال: "إلى الرفوف." "ليه؟" "لأن القاعة ستُغلق." --- بدأت أبواب جانبية في القاعة تتحرك. كان كل باب يحمل رمزًا مختلفًا. قال سامح: "كل باب يؤدي إلى قسم من المكتبة." محمود: "وأين الغرفة 115؟" سامح: "في النهاية." إياد: "إذن نذهب." والد نور: "لا." "لماذا؟" "لأن الغرفة 115 ليست مكانًا." قال سامح: "أنت قلت ذلك من قبل." "وكنت مخطئًا." نظر الجميع إليه. "ماذا اكتشفت؟" قال: "الغرفة 115 شخص." --- توقفت نور. "شخص؟" والدها: "نعم." "من؟" "الحارس الأخير." "ومن هو؟" لم يجب. ثم جاء صوت من خلفهم: "أنا." التفت الجميع. كان نادر يقف على بعد خطوات. لكن صوته لم يكن صوته. كان أكثر عمقًا. أكثر هدوءًا. وأبرد. نظر إلى نور. "أنا الغرفة 115." قال والدها: "لا." ابتسم نادر. "كنت تعرف أنني سأصل." "كنت أعرف أنك ستُستخدم." "بواسطة من؟" نظر إلى التابوت. "بواسطة الحارس." --- الدقة السابعة جاءت. لكن التابوت لم يفتح. بل حدث شيء آخر. اشتعلت النقوش الموجودة على الأعمدة. واحدًا بعد الآخر. بدأت القاعة كلها تضيء. وعلى الجدران ظهرت صور. حروب. ملوك. مدن. بحار. ثم ظهر الإسكندر. كان يمشي في هذه القاعة. لكن المفاجأة لم تكن في وجوده. كانت في الرجل الذي يمشي بجواره. رجل مصري. وجهه هو وجه نادر. شهقت نور. "ده..." قال والدها: "ليس نادر." "مين؟" "سلفه." ظهرت صورة أخرى. ثم أخرى. نفس الوجه. عبر القرون. مرة في ملابس مصرية. مرة في ملابس يونانية. مرة في ملابس رومانية. ثم في العصر الحديث. حتى وصلت الصورة الأخيرة. كان فيها نادر. قال سامح: "إذن..." والد نور: "العائلة نفسها كانت تحرس المكتبة." نادر: "وتحاول استعادتها." --- قالت نور: "لماذا؟" نظر إليها نادر. "لأنها ليست ملكًا للبشر." "أمال ملك مين؟" "ملك من يعرف كيف يستخدمها." والدها: "لهذا السبب قتلت أناسًا." "لم أقتل أحدًا." إياد: "الحارس الذي وجدناه؟" "كان يعرف الكثير." "فمات." "كان موته ضروريًا." نور: "أنت مجنون." ابتسم نادر. "ربما." ثم نظر إلى التابوت. "لكنني قريب جدًا." --- تحرك نادر نحو التابوت. والد نور اعترض طريقه. "لن تمر." "ابتعد." "لا." نادر أخرج سكينًا. لكن قبل أن يصل إليه... انطلق صوت من التابوت. "محمود." تجمد والد نور. كان الصوت يعرف اسمه. نور نظرت إليه. "بابا؟" قال الصوت: "محمود..." ثم: "أنت وعدتني." والدها أغلق عينيه. "أعرف." نادر: "من هذا؟" والد نور: "لا شأن لك." الصوت عاد: "افتح." محمود: "لا." "افتح." "قلت لا." "أنت وعدت." "وعدتك أن أحميها." ثم نظر إلى نور. "ولن أفتح." --- نادر ضحك. "أخيرًا." "ماذا؟" "عرفت من هو الحارس." محمود: "لا تعرف شيئًا." "الحارس ليس في التابوت." ثم أشار إلى نور. "إنه هي." ساد الصمت. نور شعرت بأن قلبها توقف. "أنا؟" نادر: "نعم." محمود: "لا." "بل نعم." والدها اقترب منها. "نور، اسمعيني." "هل أنا الحارس؟" صمت. "بابا." "أنتِ لستِ الحارس." "إذن لماذا يقول ذلك؟" "لأنهم يريدونك أن تصدقي." نادر: "لأن الحقيقة أسهل من الكذبة." نور: "قل لي الحقيقة." محمود نظر إليها طويلًا. ثم قال: "أنتِ الحارسة الأخيرة." --- انفجرت القاعة بالضوء. صرخت مريم. تراجعت أم نور. حتى سامح لم يستطع الكلام. نور: "أنا؟" والدها: "نعم." "من إمتى؟" "منذ ولادتك." "كيف؟" "لم يكن اختيارًا." "إذن ماذا كان؟" "وصية." "من؟" أشار إلى التابوت. "من الرجل الذي دفنه الإسكندر." نور: "إيمحتب؟" هز رأسه. "نعم." --- فتحت نور عينيها. بدأت الصور على الجدران تتغير. ظهر إيمحتب. ثم الإسكندر. ثم رجل يحمل طفلًا. طفلة صغيرة. نور. ثم ظهر محمود وهو يحملها. وظهر خلفه إيمحتب. كان يضع يده على رأس الطفلة. قال صوت قديم: "عندما تبلغ السابعة والعشرين..." توقفت الصورة. نور شهقت. "أنا سبعة وعشرين." محمود: "أعرف." "إذن كل شيء كان محسوبًا." "نعم." "اختفاؤك." "نعم." "اختفاء أمي." "نعم." "الخرائط." "نعم." "البرديات." "نعم." نور نظرت إلى أمها. "كنتِ تعرفين." بكت أمها. "نعم." --- اقتربت نور من التابوت. قال والدها: "لا." "لازم أعرف." "إذا فتحته..." "ماذا؟" "لن تكون حياتك كما كانت." نور: "حياتي انتهت من زمان." ثم وضعت يدها على التابوت. بدأ الحجر يبرد. ثم تحول إلى حرارة شديدة. ظهر نقش: "إلى الحارسة الأخيرة." ثم: "إذا فتحتِ هذا الباب، ستعرفين لماذا لم يُدفن الإسكندر." رفعت نور عينيها. "لماذا؟" جاء الصوت: "لأنه لم يمت." --- تراجع الجميع. نادر ابتسم. "كنت أعلم." لكن الصوت تابع: "ولم يعد وحده." انفتح التابوت. لم يكن بداخله جثمان. كان بداخله باب. باب صغير يؤدي إلى مكان مظلم. وعلى الباب نقش: "طريق الإسكندر." قال سامح: "مستحيل." إياد: "إلى أين يؤدي؟" والد نور: "إلى المكان الذي دفن فيه الإسكندر." نور: "لكن قلت إنه لم يمت." "جسده مات." "إذن؟" "الذي لم يمت..." توقف. "هو سره." --- وفجأة خرج من الباب رجل. كان يرتدي ملابس قديمة. وجهه شاحب. وشعره طويل. وفي يده سيف. رفع الجميع أسلحتهم. الرجل لم يتحرك. نظر إلى نور. ثم قال باليونانية القديمة جملة قصيرة. لم يفهمها أحد. لكن والد نور فهمها. تغير وجهه. قال: "ماذا قال؟" سامح: "ماذا؟" أجاب والد نور: "قال..." ثم نظر إلى نور. "الإسكندر ينتظرها." وفي اللحظة نفسها... أُغلقت جميع أبواب المكتبة. وسُمع صوت نادر من خلفهم: "والآن..." ثم ضحك. "لن يخرج أحد." ومن أعماق المكتبة... بدأت مئات البرديات تتحرك وحدها. كأن ريحًا غير مرئية مرت بينها. ثم سقطت واحدة أمام نور. فتحتها. وكان أول سطر فيها: "هذه ليست قصة موت الإسكندر." والسطر الثاني: "إنها قصة المكان الذي أخفى فيه أعظم سر في تاريخ البشر." أما السطر الأخير... فجعل الدم يتجمد في عروقها: "وإذا كنتِ تقرئين هذا الآن، فقد بدأ الإسكندر يبحث عنك."الفصل 110: مدينة الملك الأخيرلم يكن ظهور النجوم التسع في وضح النهار أمرًا يمكن تجاهله.رفعت نور رأسها إلى السماء، وظلت تحدق فيها بينما كانت النجمة التاسعة تتحرك ببطء، وكأنها لا تنتمي إلى السماء أصلًا، بل تُسحب نحو نقطة محددة فوق الأفق.قال إياد:"الجميع إلى السيارة."لم يتحرك أحد.قال نادر:"أنت شايف اللي أنا شايفه؟"أجابه سليم:"للأسف."قال نادر:"كنت أتمنى تقول لي إني بهلوس."ابتسم سليم رغم التوتر."لو كنا وحدنا، كنت قلت لك."لكن نور لم تسمعهما.كانت تنظر إلى النجمة.شيء بداخلها كان يعرفها.ليس كذكرى.بل كإحساس.مثل شخص يسمع اسمه من بين آلاف الأصوات.قالت:"هي لا تتحرك عشوائيًا."اقترب إياد."ماذا تقصدين؟"أشارت."انظر."بدأت النجمة التاسعة تنخفض.ثم تحركت فوق الصحراء.خط مستقيم.حتى توقفت فوق أطلال المعبد البعيد.قالت نور:"إنها تشير إلى هناك."---اقترب يوسف.كان وجهه مختلفًا.لم يكن الخوف وحده في عينيه.كان هناك شيء آخر.شيء يشبه الندم.قال:"لا يجب أن نذهب."التفتت إليه نور."أنت تعرف المكان.""نعم.""ما هو؟"صمت.ثم قال:"مدينة الملك الأخير."قال سليم:"أنت قلت إنها ليست موجود
الفصل 109: الباب التاسعكان الباب التاسع يفتح ببطء.ببطء شديد، كأن من يقف خلفه لا يريد الخروج سريعًا، بل يريد أن يمنح الموجودين وقتًا كافيًا ليفهموا أن ما يحدث ليس حلمًا.صرير الحجر كان أشبه بأنين قديم.كلما اتسعت الفجوة، خرج منها هواء بارد.ليس هواءً طبيعيًا.كان باردًا إلى درجة أن أنفاسهم تحولت إلى دخان أبيض، رغم أن القاعة نفسها لم تكن باردة قبل لحظات.تراجعت نور خطوة.أما آدم فظل واقفًا أمامها.قال إياد:"لا أحد يتحرك."لكن أحد الورثة السبعة تحرك بالفعل.كان رجلًا مسنًا يحمل رمز الشمس على صدره.رفع يده نحو الباب.قال:"أغلقوه."لم يتحرك أحد.صرخ:"قلت أغلقوه!"التفتت إليه ألفا.قالت بهدوء:"لا يمكن.""أنتِ تعرفين الطريقة.""كنت أعرف.""إذن افعليها."هزت رأسها."الطريقة انتهت منذ أن كتبت نور اسمها على التابوت."نظر الجميع إلى نور.قال الرجل:"ماذا فعلتِ؟"أجابته:"دفنت الإسكندر."ضحك بسخرية."أنتِ لم تدفني شيئًا."ثم أشار إلى الباب التاسع."أنتِ فتحتِه."---قال سليم:"انتظر."اقترب من الجدار.كانت هناك سبعة رموز.ثم ثامن.والآن ظهر التاسع.أخرج الكتاب.فتحه بسرعة.الصفحات التي كانت
الفصل 108: أمُّ الملكةلم يتحرك أحد.حتى الهواء داخل القصر بدا وكأنه توقف.كان الباب الذي انفتح في نهاية القاعة أضخم من أي باب رأوه من قبل، مصنوعًا من حجر أسود لا يعكس الضوء، وعلى سطحه نقوش دائرية تتداخل مع بعضها كأنها خريطة لسماء لم يعرفها أحد.لكن أكثر ما أخاف نور لم يكن الباب.بل الصوت الذي خرج منه."ابنتي..."كان صوتًا نسائيًا.قديمًا.هادئًا.ومع ذلك حمل شيئًا جعل قلب نور ينقبض.التفتت إلى أمها.كانت واقفة في مكانها، ووجهها شاحب.قالت نور:"أنتِ تعرفين هذا الصوت."لم تجب أمها.اقتربت نور."أمي."رفعت المرأة عينيها إليها."نعم.""من هي؟"صمتت لحظة طويلة.ثم قالت:"أمي."تبادل إياد وسليم ونادر النظرات.قال نادر:"يعني... جدتك؟"هزت أم نور رأسها."ليست جدتي بالمعنى الذي تعرفونه."قال سليم:"إذن ماذا تكون؟"نظرت المرأة إلى الباب."كانت أول امرأة تحمل ذاكرة البشر."---بدأت الأرض تهتز.تحركت الأحجار تحت أقدامهم.قال يوسف:"يجب أن نغادر."اعترضت نور:"لا."نظر إليها."نور...""لن أهرب."ثم تقدمت خطوة."هربت طوال حياتي من أشياء لم أفهمها."رفعت القلم الذهبي."هذه المرة سأعرف."قال إياد:
الفصل 107: أخوها الذي لم تعرفهلم تستطع نور أن ترفع عينيها عن الورقة.كانت الكلمات القليلة التي كتبتها أمها أثقل من كل ما عرفته طوال حياتها.ابحثي عن أخيك.ثم الاسم:آدم.ظلت تحدق فيه حتى بدأت الحروف تتداخل أمام عينيها.قال إياد بهدوء:"نور..."لم تجبه."هل أنتِ بخير؟"رفعت رأسها ببطء."آدم أخي."لم تكن تسأل.كانت تقول حقيقة بدأت تتشكل داخلها رغم أنها لم تستطع تصديقها.اقترب سليم."ربما الاسم لا يعني ذلك."قالت نور:"أمي كتبت ابحثي عن أخيك."ثم رفعت الورقة."وكتبت اسمه."قال نادر:"لكن آدم كان موجودًا معنا قبل ما ندخل المدينة."قال إياد:"وهذا لا يعني أنه ليس أخاها."نظر الجميع إليه.تابع:"إذا كانت أمها تعرف آدم، وإذا كان آدم مرتبطًا بالحراس، وإذا كان يحمل جزءًا من الذاكرة..."توقف.قال سليم:"فهذا يفسر الكثير."---وقفت نور."علينا أن نجده."قال إياد:"سنفعل.""الآن.""نور، لا نعرف أين هو.""أمي تعرف."قال سليم:"لكنها اختفت.""لم تمت."قالت نور بحزم."أنا متأكدة."نظر إياد إليها."كيف؟"وضعت يدها على صدرها."لأنني شعرت بيدها."ثم:"عندما سقطت، لم تكن يد شخص يحتضر."---لم يعترض إيا
الفصل المائة وستة: الأب الذي لم يمتظلّت نور تحدّق في الرجل الواقف خلف الباب.لم تستطع أن تتحرك.لم تستطع حتى أن تتنفس بصورة طبيعية.المصباح الصغير الذي يحمله الرجل أضاء نصف وجهه، لكن النصف الآخر بقي في الظلام.ومع ذلك...لم تكن بحاجة إلى الضوء لتعرفه.ذلك الصوت.تلك الوقفة.الطريقة التي كان يميل بها رأسه عندما يريد أن يخفي شيئًا.كلها أشياء عرفتها منذ طفولتها.قالت بصوت بالكاد خرج منها:"يوسف؟"رفع الرجل المصباح.ظهر وجهه كاملًا.كان أكبر سنًا مما تتذكر.شعره أصبح أبيض عند الجانبين.وجهه امتلأ بالتجاعيد.لكن عينيه بقيتا كما هما.عيني الرجل الذي كانت تناديه يومًا:أبي.قال:"نعم."ارتجفت شفتاها."أنت حي."أجاب:"كنت."تراجعت خطوة."كنت؟"ابتسم بحزن."أنا حي الآن، لكن ليس بالطريقة التي تظنينها."---اندفع إياد إلى الأمام.وقف بين يوسف ونور."ابتعد عنها."نظر يوسف إليه طويلًا.ثم قال:"أنت إياد."تجمد إياد."كيف تعرفني؟""لأنني كنت أراقبك منذ سنوات."قال إياد:"إذن كنت تعرف كل شيء.""ليس كل شيء.""لكن بما يكفي.""نعم."اقترب إياد أكثر."وأين كنت طوال هذه السنوات؟"أجاب يوسف:"أحاول أن أ
الفصل المائة والخامس: مدينة الأصللم يكن ما رأته نور مدينة بالمعنى الذي تعرفه.كانت مدينة تحت البحر، نعم، لكن البحر لم يكن فوقها.كان يحيط بها من كل جانب كأنه سماء زرقاء لا نهاية لها، تتخللها كائنات مضيئة تتحرك ببطء، بينما كانت أبراج المدينة تمتد إلى أعلى في صمت مهيب.لم تكن هناك أمواج.ولا رمال.ولا أصوات.فقط مدينة كاملة محفوظة تحت الماء.مدينة لم تمسها القرون.قال نادر بصوت منخفض:"أنا بدأت أشك إننا لسه على كوكب الأرض."لم يضحك أحد.كان إياد ممسكًا بيد نور بقوة.أما سليم فظل يحدق في المدينة، والكتاب مفتوح بين يديه، وصفحاته تتحرك وحدها.قال:"هذه ليست مدينة تحت البحر."نظر إليه إياد."ماذا تكون إذن؟"قال سليم:"إنها مدينة محمية من البحر."ثم رفع عينيه."الماء هو الذي لا يستطيع دخولها."---تقدمت نور خطوة.شعرت بالدفء.الغريب أن الهواء في المكان كان طبيعيًا.لا رطوبة.لا اختناق.قالت:"كيف نتنفس؟"أجاب آدم:"لأننا لسنا تحت البحر.""لكننا نراه.""نعم.""كيف؟"لم يجب.قالت أم نور:"لأن مدينة الأصل ليست في المكان الذي تظنينه."التفتت نور إليها."أين نحن؟"قالت:"بين الذاكرة والواقع."--







