INICIAR SESIÓN•بعد ثلاثة أيام :
مرت ثلاثة أيام منذ ذلك اليوم المشؤوم، وليديا ليست بخير تماما ولم تتحسن ولكن على الأقل تراجعت عن تلك الفكرة الغبية. جلست على الأريكة بعد أن أنهت تناول فطورها الشهي كالعادة، إذ إن ذلك الرجل يرسل لها الطعام كل يوم. تنهدت ونظرت حولها بيأس، هي تشعر بالوحدة القاتلة.. لكن رغم ذلك فالأمر ليس سيئا لدرجة أن تنتحر، لذا هي تلوم نفسها على ما كانت مقدمة على فعله في لحظة ضعف منها. على كل حال ذلك البيت كان باردا ومملا ليس فيه لمحة حنان، مارك كان جافا متبلدا منذ البداية ولم تكن تتوقع منه شيئا فعليا، ووالدها ليس في البلاد ولربما لم يسمع بما حدث، هذه هي الحقيقة. على كل حال يبقى الأمر مؤلما... الوحدة ليست بالشيء الهين، والحب من طرف واحد ناهيك عن رغبته في الزواج عليها قد كسر قلبها ولكنها تعلم أنه كما قال ذلك الرجل يومها فإنها فترة كباقي الفترات وسوف تمر، يوما ما ستخرج من هذه الدوامة من فقدان الشغف ومن الذبول والاكتئاب المرير. لم تشعر بنفسها وهي تستلقي هنالك وتحدق في الحائط لفترة طويلة، حتى سمعت الهاتف يرن لم تعلم هل كانت نائمة أم شاردة أم في غيبوبة، ولكنها قامت على كل حال. ارتدت خفها وتوجهت نحو الرواق بخطوات بطيئة رفعت السماعة ووضعتها على أذنها، وسرعان ما جاء صوته كالعادة هذه الأيام: " مرحبا " " مرحبا " سمعت دقا على الباب، تزامنا مع كلامه: " افتحي، إنه الطعام " أجابت بطاعة: " حسنا " ووضعت السماعة على الطاولة كي لا ينفصل الخط؛ كما أوصاها سابقا، وفتحت الباب لتجد كيسين. الأبيض هو كيس الطعام كالعادة، ولكن ماذا عن الأزرق؟ أدخلتهم باستغراب وأغلقت الباب ثم ذهبت إلى حيث الهاتف ووضعته على الطاولة بجانبه كي تتفقد محتوياتهم الأول كان فعلا يحتوي على طعام الغداء، والثاني فتحته لتجد فيه كيسا منفصلا به مكسرات وشوكولاطة، أخرجته باستغراب تتفقده، ثم نظرت لترى ما تبقى فوجدت معطفا قطنيا وقبعة صوفية ووشاحا.. نظرت إليهم بهدوء، ثم للهاتف حملت السماعة وأعادتها لأذنها، فجائها صوته الخشن: " تلقيت الأمانة؟ " " نعم " أجاب مباشرة مثل العادة: " حسنا، إلى اللقاء " وقبل أن يغلق الخط أوقفته " انتظر " نظرت إلى ما أرسله، ثم نبست بهدوء: " لديّ ملابس " صمت لفترة، ثم قال بعتاب خفيف: " إذن في المرة القادمة حين أسأل عمّا ينقصك لا تقولي لا شيء بل قولي شيئا واضحا لكي أعلم ماذا أرسل " عقدت حاجبيها بانزعاج وأجابت بحدة: " ماذا بك لماذا تصرخ؟ " أجابها بهدوء وحدة خفيفة: " أنا لا أصرخ أنا فقط أخبرك " تابعت منفعلة: " حقا؟ من أنت أساسا!؟ " رد بسرعة: " وهل يهمك؟ " " برأيك أنت هل قد يهمني معرفة هوية المزعج الذي يوبخني الآن ويتصل فقط حين أنام!؟ " " لا أظن " " حقا؟ " صمتت بغير تصديق، وصمتَ هو كذلك، فمرّت لحظة من الهدوء فجأة، لا أحد تحدث، فقط أنفاسهما الهادئة. سمعت تنهيدة تصدر منه، ثم جاء صوته مجددا: " كيف حالك؟ " كان سؤاله مباشرا، يسألها عن حالها فعلا، لا لف ولا دوران ولا شفقة، فقط اهتمام مباشر جعلها تجيب وهي تعبث بالوشاح الأخضر الذي اشتراه: " ليس جيدا، ولكن أفضل، لكن... " رفعت الوشاح أكثر، ثم قالت: " لماذا هذا الوشاح لونه أخضر، -بعيدا عن جودته الرديئة-؟ " هي ليست معتادة على هذه الأشياء الرديئة.. هي فقط تعرف الأوشحة الحريرية وليس هذا الشيء القطني البسيط على الطرف الآخر رفع جوناثان حاجبه الايمن، وأجاب: " نحن نعتذر لأنه لا يرضي جلالتك، هل تريدينه في المرة القادمة أصفر فوسفوري أم أزرق نيلي أم لون لا وجود له أساسا؟ " عقدت حاجبيها منزعجة من سخريته وغير فاهمة تماما لما يقول، فتابع مستنكرا سؤالها: " كيف ' لماذا لونه أخضر '؟ إنه لون عادي عشوائي، إن كنتِ تريدين لونا آخر كان بإمكانك فقط القول " تكشرت ملامحها في غضب، ونطقت بغيض شديد: " أنت...! لماذا تصر على عنادي وتعكير مزاجي والسخرية مني!؟ هل جننت!؟ أنت مزعج جدا لا تتصل بي مجددا لأنني حينها سأخنقك بوشاحك الأخضر البالي! " ووضعت السماعة بقوة اهتزت لها الطاولة وأخدت تتنفس بغضب عابسة بشدة " أحمق.. غبي أحمق مزجع جدا! " حملت كيس الطعام ثم اتجهت به نحو الصالة وجلست واضعتا إياه على الطاولة أمامها، وقالت بسخط بينما تخرج الطعام: " غبي أحمق! هذا ما كان ينقص يومي الرائع! " أخرجت طبق بطاطا ودجاج مقلي، وبدأت تعض بقوة وتمضغ كأنها تمضغ رأسه الأخرق. لما كلما تحدثت إليه ينتهي بها الأمر غاضبة هكذا؟ أمسكت بقطعة دجاج ونظرت لها بعداوة، ضغطت عليها بأصابعها وهمست لها بوعيد: " كم أشتهي هرس رأسه الفارغ مثلما أفعل بكِ الآن " ثم أدخلتها فمها تاكل بامتعاض. بينما على الجهة الأخرى، سمع جوناثان رنين نهاية المكالمة بعد صراخها مباشرة، فأبعد الهاتف عن أذنه ونظر له باستغراب: " ما بها هذه؟ هل هي دوما هكذا أم أنها مسألة هرمونات أم أنني فعلت شيئا خاطئا؟ " .... حين حان وقت العشاء، تلقى جوناثان رسالة من رجل التوصيل الذي كلفه بتوصيل طعام ليديا، يخبره بأنه قد وصل. فاتصل جوناثان بها كالعادة لكي يخبرها أن تفتح الباب لكنها لم ترد عليه عقد حاجبيه ونفث دخان سيجارته الذي تصاعد في ظلام الليل وأعاد الاتصال مجددا ثم اتكأ بمرفقه على السور المتهالك للشرفة التي هو فيها، وأخد ينتظر. انتهى الاتصال مجددا دون رد منها مما جعله قلبخ ينقبض. استقام بسرعة واتصل بالعامل، وما هي إلا ثوان حتى رد الرجل فسأل جوناثان بسرعة:" هل وضعت الطلب؟ " " نعم، وضعته وأنا الآن أنزل " " طرقت الباب؟ " " لم أفعل في الواقع، ألست من يعلمها بأن تفتح فما فائدة طرقي؟ " هز جوناثان رأسه وقال: " عد واطرق ثم أخبرني إن فتحت " " حسنا " قطع الاتصال وأبقى الهاتف في يده ينظر له بتركيز منتظرا أي خبر، وأخد يدخن بصمت. لم تمر مدة طويلة حتى اتصل به الرجل فأجاب بسرعة ليسمع ما طمئنه: " لقد فتحت لي وأخدت الطلب بل انتزعته من يدي بقوة، كانت تبدو غاضبة " رفع حاجبه باستمتاع، ثم هز رأسه بيأس وودع الرجل قبل أن يغلق الهاتف ويرمي السيجارة ليعود للداخل. ... في اليوم التالي، كانت ليديا نائمة على الأريكة كما العادة، فتلك الغرفة باردة وموحشة ومخيفة، إذا دخلت لها يصبح أمر الخروج منها صعبا. كانت نائمة بسلام حتى فتحت عينيها وكشرت ملامحها بسبب رنين الهاتف ذاك أصدرت أصواتا متذمرة ثم وقفت مباشرة واتجهت تترنح بسبب النوم حتى وصلت للطاولة وسحبه الهاتف بعنف تصيح بصوت مبحوح: " أرجوك أرجوك أرجوك توقف ! لماذا تتصل فقط عندما أكون نائمة هل تضع كاميرات لتنظر متى أنام فتتصل؟ " نظرت أمامها بسخط طفولي ولكن حقيقي وهي تنتظر جوابه متناسية قرارها الذي اتخذته أمس بألّا ترد على اتصالاته " وما أدراني أنا بمواقيت نومك العجيبة؟ لقد اتصلت أمس أبكر فكنت نائمة والذي قبله اتصلت متأخرا فكنت نائمة أيضا فماذا أفعل؟ " " أففف! " تأففت بسخط وهي ترجع شعرها المبعثر بعصبية ثم قالت وهي تنظر للساعة التي تشير للعاشرة: " لا يهم. ماذا تريد؟ " هذا ليس وقت الفطور ولا وقت الغداء لهذا بالطبع لم يتصل ليعلمها بوصول الغداء " لقد.. تركت لك شيئا أمام الباب، اذهبي خذيه وعودي " عقدت حاجبيها باستغراب وهي تنظر نحو الباب ثم وضعت الهاتف على الطاولة وتقدمت ببطء فتحت الباب بخفة ونظرت حولها باستغراب ولكنها لم تجد شيئا. نظرت للأسفل قليلا فوجدت بعض الأوراق النقدية عند قدميها مما جعلها تستغرب انحنت لتحملها بين يديها تقلبها بريبة ووقفت تنظر لها بغير فهم قبل أن تغلق الباب وتعود لتقف أمام الهاتف بقيت ممسكة بالمال تتفقده، ولم يكن بالمبلغ الكبير، وقد كانت الأوراق بعضها مهترئ وبعضها ملطخ بشيء أسود حملت الهاتف وأعادته لأذنها سائلة: " ما هذا؟ " " أنتِ اليوم من سيخرج ليشتري الطعام، وانظري لربما تحتاجين أشياء أخرى فاشتريها، ربما أشياء خاصة بالنساء " فتحت فمها لترد وتخبره بأن لا مزاج لها للخروج! ولكن صمتت حين أدركت أن كلامه صحيح، فلقد تذكرت أمر الفوط الصحية التي على وشك النفاذ ولن تكفيها للمرة القادمة ولكنها على كل حال تذمرت: " لماذا؟ أنا لا أريد الخروج وأساسا لدي مال لكي أشتري ما ينقصني! " هو لم يصدق كلامها لأنه يعلم جيدا أن حسابها فارغ، ولكنه لم يشأ أن يحرجها فقال ببساطة: " هيا أسرعي قبل أن يحل الليل فيخطفك المجرمون! " ثم أغلق الهاتف. توسعت عيونها ووقفت بارتباك لا تعرف أين تذهب ولا ماذا تفعل فهل تغسل وجهها أم ترتب شعرها أم ترتدي الملابس لتخرج أم- نظرت أعلى قليلا، حيث الساعة المعلقة، والتي تشير إلى ما بعد العاشرة بقليل فعقدت حاجبيها باستغراب ثم سرعان ما استوعبت الأمر فشهقت بسبب تلاعبه بمزاجها وتمتمت: " أيها الوغد! " . .عقدت حاجبيها بانزعاج، وصاحت مباشرة: " من أين لك برقمي!؟ " سمعت تنهيدة حالمة من الطرف الآخر، ثم أتى صوته هائما: " آآهٍ ما أحلى صوتك... ما أحلى حضورك.. حتى وأنت غاضبة تبقين لطيفة " قالت متجاهلة غزله:" سألتك من أين عرفت رقمي؟ " قال بصوت لعوب: " يقولون إن العاشق يفعل أي شيء من أجل معشوقته.. حتى أنه يسرق هاتف صديقتها ليأخد منه رقمها " شهقت إيفي واضعة يدها على فمها، وصاحت على الشاب: " هل أنت مجنون!؟ سرقت هاتف صديقتي؟ أعده حالا! " " حقا؟ يبدو غاليا.. كنت أفكر في بيعه في الواقع، ولكن سأعيده لها من أجل عيونك، بشرط " استشاطت إيفي غضبا " شرط!؟ وتجرؤ على إعطاء الشروط؟ " " لا تقلقي يا لطيفة، شرطي بسيط جدا، وسوف أسلمك الهاتف الآن " ضيقت عينيها بحذر: " وما هو هذا الشرط؟ " " إنزلي بعد ساعة، سأعطيك الهاتف وأخبرك بالشرط، حسنا؟ " أغلقت الهاتف في وجهه، وعبست بغضب وهي تتمتم: " أيها الصيني القذر! " ... | بعد ساعة | كانت إيفي تقف متخصرة بملامح متجهمة. وقفت أمام الباب تستظل بسقفه وقد وضعت أكياس البقالة بجانبها وهي تنتظر، فقد خرجت لشراء البقالة وقررت أن تنتظره لربما كان جادّا
صعدت الدرج بخطوات متعثرة، ولا تتذكر متى فتحت الباب، ولكن :صوت إغلاقه خلفها وهدوء هذا المنزل القديم بدا لها كإشارة خضراء للانهيار.. رمت كل ما بيدها من أكياس وحقيبتها على الأرض وركضت نحو الصالة بشفاه متقوسة بغصة، وارتمت على الارض بجانب الاريكة واضعة ذراعيها عليها دافنة وجهها بينهما بدأ كتفاها يهتزان بانتظام، وصوت نحيبها يتسلل من تحت ذراعيها وعبر قماش الأريكة ليمزق صمت المكان بلحن كئيب يزيد المكان كئابة ورماديّةً أكثر مما هو عليه شهقت بقوة، ثم جاء صوتها البائس متسائلا بيأس: " لـ..لِ..لماذا؟ آه؟ آآه...~ واهتز صدرها بقوة إثر الشهقات القوية، فأخدت ثانية لتبلع ريقها مما جعل الهدوء يعم وقبل أن تنطلق أصواتها مجددا مستأنفة سيمفونيتها الحزينة، اخترق الصمتَ رنينٌ ضعيف يعود للهاتف الأرضي جعلها تنتفض لا إراديا رفعت رأسها نحو الهاتف ليظهر وجهها المحمر بشدة
كانت الساعة تشير للحادية عشر حين فتحت باب الشقة، وقد كانت العمارة القديمة مظلمة فلم تشعر بفرق كبير لهذا خرجت وأغلقته ورائها ثم أخدت تنزل الدرجات وعلى وجهها ملامح الاشمئزاز من اتساخها واهترائها وتحطمها نزلت الطابقين حتى إذا اقتربت من باب الخروج بدأ الممر يضيء شيئا فشيئا كلما اقتربت، وحين تجاوزت الباب الحديدي تماما لتصبح في الشارع أغلقت عينيها بألم تلقائيا. وضعت يدها فوق عينيها كي تظللهما وفتحتهما قليلا تحاول الاعتياد على النظر سمعت صوتا عاليا ومفزعا على جانبها فانتفضت واستدارت بسرعة لتجدها مجرد دراجة نارية يقوم صاحبها باستعراض أصواتها أمام مجموعة من الفتيات العائدات من الثانوية، واللاتي ناظرنه بإعجاب بينما واحدة منهن قلبت عينيها بسخط وسحبت صديقاتها بعيدا رمشت وهي توسع قليلا في فتح عينيها بعد أن اعتادت على الضوء قليلا ثم نظرت حولها جيدا لتجده شارعا متواضعا كل بناياته قديمة ولكنه نابض بالحياة... شمس ساطعة، عصافير وطيور تغرد، سيارات تمر، صرخات أطفال، وصرخات أمهات كذلك، رائحة الطعام... هذه أجواء جعلت ملامحها تتكشر بضيق لم تفهم سببه نظرت مجددا فوجدت فتاة الثانوية الساخطة تتقدم
•بعد ثلاثة أيام : مرت ثلاثة أيام منذ ذلك اليوم المشؤوم، وليديا ليست بخير تماما ولم تتحسن ولكن على الأقل تراجعت عن تلك الفكرة الغبية. جلست على الأريكة بعد أن أنهت تناول فطورها الشهي كالعادة، إذ إن ذلك الرجل يرسل لها الطعام كل يوم. تنهدت ونظرت حولها بيأس، هي تشعر بالوحدة القاتلة.. لكن رغم ذلك فالأمر ليس سيئا لدرجة أن تنتحر، لذا هي تلوم نفسها على ما كانت مقدمة على فعله في لحظة ضعف منها. على كل حال ذلك البيت كان باردا ومملا ليس فيه لمحة حنان، مارك كان جافا متبلدا منذ البداية ولم تكن تتوقع منه شيئا فعليا، ووالدها ليس في البلاد ولربما لم يسمع بما حدث، هذه هي الحقيقة. على كل حال يبقى الأمر مؤلما... الوحدة ليست بالشيء الهين، والحب من طرف واحد ناهيك عن رغبته في الزواج عليها قد كسر قلبها ولكنها تعلم أنه كما قال ذلك الرجل يومها فإنها فترة كباقي الفترات وسوف تمر، يوما ما ستخرج من هذه الدوامة من فقدان الشغف ومن الذبول والاكتئاب المرير. لم تشعر بنفسها وهي تستلقي هنالك وتحدق في الحائط لفترة طويلة، حتى سمعت الهاتف يرن لم تعلم هل كانت نائمة أم شاردة أم في غيبوبة، ولكنها قامت على كل حا
زفر زفيرا قويا، ثم تابع: " أنا معك. مابكِ؟ مالذي يجري معك؟ " ضغطت على السماعة بكلتا يديها، عيناها التاهئتان المغرورقتان جعلتاها تبدو كطفلة ضائعة، فنظرت حولها بتوهان، غير عارفة ماذا تقول وكيف تعبّر، فلم تجد ما تقوله الرجل على الطرف الآخر قابله صمت طويل، أنفاس متعثرة، وشهقات من بقايا البكاء والذعر، فمنحها فترة قصيرة من الصمت قبل أن يهمس بلطف: " ماذا هناك همم؟ هل أنتِ حزينة؟ " أنصتت لكلماته بنبرته الهادئة التي هدأت من روعها قليلا، فانكمشت ملامحها بعبوس إثر سؤاله وأومأت برأسها كأنه يراها هو لم يسمع ردا، لكنه سمع وتيرة أنفاسها التي تغيرت بفعل هزها لرأسها ثم عادت لطبيعتها، فقال بصوت منخفض مجددا: " أنتِ حزينة؟ هل أنتِ أيضا تركوكِ لوحدك؟ هل أنتِ أيضا تخلوا عنك؟ " ازداد تركيزها مع كلامه، تبدو منصاعة وغير واعية تماما بعد نوبة الهلع تلك فكانت لا تدرك ما يحدث حقا، فلم تلاحظ أن هذا الصوت هو نفس صوت من كان يطرق على الباب، والذي يعود لنفس الرجل الذي اتصل سابقا. أومأت مجددا، فسمع ذلك، وقال بحقد مجاريا لمشاعرها؛ لكي يشعرها بأن أحدا يشعر مثلها: " إنهم لعناء! كيف يفعلون هذا بنا؟ كيف
" تبا لما لا تردين أين كنتِ !؟ " تجمدت ليديا بضع ثوان، محاولة استيعاب أن اللعين الذي أيقظها وقطع حلمها يتجرأ أيضا على الشتم والصراخ عليها رمشت بعيونها المتوسعة، ثم حاولت إخراج بضع أحرف من شفتيها المنفرجتين بصدمة لكن لم تستطع. كل ما أخرجته كان تنهيدة ساخرة غير مصدقة ثم ضغطت أسنانها مع بعض بِغيض. " أيها ال.. وتجرؤ على السب أيضا؟ " همست، ثم ارتفع صوتها في الأخير، لكن لم يقابلها سوى صوته الحاد مجددا: " سألتك أين كنتِ! ماذا كنتِ تفعلين لما تأخرت؟ " صاحت بنفاذ صبر: " وما شأن لعنتك أين كنت! أنت حقا متطفل! " ترقبت جوابه الوقح لترد عليه، لكن قابلها الصمت لثانيتين، ثم تنهيدة عميقة، ثم عاد صوته مجددا؛ منخفضا وحادا: " ليديا.. لا تتطاولي بالكلام. سأكرر مجددا: لما تأخرتِ عن الإجابة؟ " كان مصرا على معرفة سبب تأخرها فلم تتردد في إخباره عبر صراخها الذي تصم له الآذان : " لأنني كنت مشغولة بأشياء أهم من بعض المتطفلين المزعجين اللعناء الذين لولاهم لكانت مدة انفصالي عن الحياة اللعينة قد طالت ! هل ارتحت الآن!؟ هل ارتحت بمعرفة إفسادك ليومي اللعين الذي لم يكن جيدا أساسا هل ارتحت بإيقاظك لي من نومي!
![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)






