เข้าสู่ระบบزفر زفيرا قويا، ثم تابع:
" أنا معك. مابكِ؟ مالذي يجري معك؟ " ضغطت على السماعة بكلتا يديها، عيناها التاهئتان المغرورقتان جعلتاها تبدو كطفلة ضائعة، فنظرت حولها بتوهان، غير عارفة ماذا تقول وكيف تعبّر، فلم تجد ما تقوله الرجل على الطرف الآخر قابله صمت طويل، أنفاس متعثرة، وشهقات من بقايا البكاء والذعر، فمنحها فترة قصيرة من الصمت قبل أن يهمس بلطف: " ماذا هناك همم؟ هل أنتِ حزينة؟ " أنصتت لكلماته بنبرته الهادئة التي هدأت من روعها قليلا، فانكمشت ملامحها بعبوس إثر سؤاله وأومأت برأسها كأنه يراها هو لم يسمع ردا، لكنه سمع وتيرة أنفاسها التي تغيرت بفعل هزها لرأسها ثم عادت لطبيعتها، فقال بصوت منخفض مجددا: " أنتِ حزينة؟ هل أنتِ أيضا تركوكِ لوحدك؟ هل أنتِ أيضا تخلوا عنك؟ " ازداد تركيزها مع كلامه، تبدو منصاعة وغير واعية تماما بعد نوبة الهلع تلك فكانت لا تدرك ما يحدث حقا، فلم تلاحظ أن هذا الصوت هو نفس صوت من كان يطرق على الباب، والذي يعود لنفس الرجل الذي اتصل سابقا. أومأت مجددا، فسمع ذلك، وقال بحقد مجاريا لمشاعرها؛ لكي يشعرها بأن أحدا يشعر مثلها: " إنهم لعناء! كيف يفعلون هذا بنا؟ كيف يمكنهم التخلي عنا هكذا!؟ إنهم حقيرون! أليس كذلك؟ " ليديا كشّرت ملامحها بحقد، وأومأت بتأكيد، وانبعث صوتها المبحوح مؤكدا: " نعم! لعناء! هـ.هم س.س- " اششششش.. " قاطعها، فتوقفت وهي تشهق بشدة، ثم تابع " لا تسبّي كثيرا، أنتِ امرأة راقية ومحترمة. لا يليق بكِ هذا " قال، مانعا إياها عن الشتم مذكرا لها بمكانتها وبما كانت عليه، فعبست شفاهها وامتلأت عيونها بالعبرات وهي تجيب متسائلة: " أيليق بيَ إذن الهجر؟ أيليق بيَ التشرد والفقر؟ أيليق بيَ العيش وحيدة في هذا المكان المقرف؟ " صمت، لسانه أُلجم. ماذا يجيب الآن؟ ماذا يقول كي يخفف عنها حاليا؟ صمت مليّا، وهي واقفة في ذلك الرواق مركزة معه كأنها لم تكن على وشك قتل نفسها قبل قليل.. " لا، لا يليق بك.. " اعترف بمعاناتها، أنها لا تستحق الهجر أو التشرد، لا تستحق الوحدة. هزت رأسها للأعلى والأسفل وهي تبتسم بمرارة " لكن.. " نبس بجدية وحزم، فعقدت حاجبيها تلقائيا " أتعرفين مالذي لا يليق بكِ حقا؟ أتعرفين مالذي لا يليق بامرأة لطيفة وقوية مثلك؟ امرأة تحملت الكثير من ظلم هذه الحياة؟ " نظرت للحائط بشك " ماذا؟ " " الاستسلام " صمت. صَمتَ عقلها تماما وبقي رنين الكلمة يتردد صداه داخل رأسها. ارتخت ملامحها، نظرت للمطبخ حيث تركت الأدراج والخزائن مفتوحة وأخدت تستوعب ما كانت مقدمة على فعله. أكانت حقا على وشك الاستسلام؟ لم يكن هذا موجودا في قاموسها من قبل.. حتى حين أمضت شهورا في محاولات اختراق برودة زوجها ولم تنجح لم تستسلم حركت رأسها بخفة، يمينا وشمالا، رافضة الاعتراف بذلك " أنا لم أستسلم " ثم عبست، وشعرت بالرغبة في النحيب مجددا، فخرج صوتها حين أكملت خافتا ومهزوزا، الغصة واضحة فيه " أنا فقط.. متعبة " عيونه الخضر ضعفت وهو يحدق في باب شقتها بينما يقف في رواق البناية، ثم لان صوته وهو يقول برجاء: " المتعب يا ليديا يرتاح.. يأخذ فترة لنفسه، عطلة من الحياة، يرمم فيها نفسه، يبحث عن صلب المشاكل ويحاول حلّها، أو على الأقل مواجهتها.. كل شيء ينتهي... كل شيء... صدقيني ارجعي بضع سنوات إلى الوراء، ارجعي إلى فترة ما، حيث كنتِ تعانين من مشكلة ما، أزمة كبيرة ظننت أنك لن تفلتي منها وأنك ستعيشين تعيسة بسببها بالتأكيد مررت بشيء كهذا.. صحيح؟ " " بلى.. " " ثم ماذا؟ " هل كانت مخاوفك في محلها؟ " " هل توقفت الحياة عندها؟ " " هل أكملت كل لحظة من حياتك تتذكرينها؟ " " أم أنكِ تخطيتها؟ وأكملت حياتك.. وضحكتِ من بعدها.. وعشتِ.. همم؟ " صمتت.. جزء اقتنع،وجزء لا يزال يتألم.. جزء استقوى وجزء يئس لأبعد حد " إسمعيني، أنتِ متعبة، وسترتاحين. لا تفكير في طعام ولا شراب ولا هموم. هل سيأتي إليك أحد؟ " ضحكت ضحكة مريرة اهتز لها صدرها بشدة، ثم نبست بسخرية " من تقصد بـ ' أحد '؟ من رموني ولم يسألو عني حتى مع علمهم أن لا مكان لي؟ أم من سافروا وانشغلوا حتى عن اتصال؟ أم ' أصدقائي ' الذين اختفوا فجأة؟ " لم يواسيها ولم يضعفها مجددا، بل قال بحزم؛ أو بالأحرى أمر: " إذن ستبقين في هذه الشقة، ستكون بيتك الحقيقي بعيدا عن زيف القصور الفاخرة ونفاقها وقسوتها. فيها انهرت وتحطمت، ومنها ستخرجين يوما ما مرفوعة الرأس شامخة، قوية لا ترثينهم بل تلعنين يوم عرفتهم. لكن الآن، ستبقين..سترتاحين.. طعام؟ سيصلك لبابك. شراب؟ سيصلك لبابك. ثياب؟ أغراض؟ أي شيء سيصلك لبابك، لا داعي لترهقي نفسك بالتفكير. اتفقنا؟ " " أنا نعسانة... سأذهب لأنام " " ستنامين بالطبع، لكن بعد أن تتناولي فطورك " أغلقت عينيها بتعب فهي متعبة حتى من إخباره برفضها، لذا صمتت وكانت على وشك فصل المكالمة حين أتاها صوته مجددا: " إنه أمام بابك، إفتحي وخديه " وضعَت السماعة فقابله رنين نهاية المكالمة فأنزل هاتفه وتنهد بعمق واضعا يده على قلبه. لقد كاد قلبه يتوقف عن العمل حرفيا! يده اليسرى لاتزال ترتجف بشدة من فرط الأدرينالين، ولايزال يشعر بالاضطراب والخوف عيونه الخضراء تثبتت على باب شقتها، يده مازالت على قلبه الذي يخفق بسرعة، وقال بصوت مكتوم بسبب الكمامة التي يرتديها: " لماذا... لماذا لازلت أهتم؟ " انفتح باب شقتها مصدرا صريرا تردد في البناية القديمة فانتفض واختبأ بسرعة خلف الجدار أطل برأسه بخفة فوجدها بحالة يرثى لها تنحني لتحمل كيس الطعام الذي أرسله في الصباح ولكنها لم تفتح لتستلمه مما أقلقه وجعله يأتي إلى هنا، وهو يحمد الله أنه أتى وإلا..... وقفت ورفعت رأسها تنظر بعيونها الذابلة حولها فسحب رأسه بسرعة كي لا تراه، وبعد فترة سمع الباب يغلق مجددا فتنهد بعمق ثم خرج من مكانه ونظر لبابها لآخر مرة قبل أن ينزل الدرج.عقدت حاجبيها بانزعاج، وصاحت مباشرة: " من أين لك برقمي!؟ " سمعت تنهيدة حالمة من الطرف الآخر، ثم أتى صوته هائما: " آآهٍ ما أحلى صوتك... ما أحلى حضورك.. حتى وأنت غاضبة تبقين لطيفة " قالت متجاهلة غزله:" سألتك من أين عرفت رقمي؟ " قال بصوت لعوب: " يقولون إن العاشق يفعل أي شيء من أجل معشوقته.. حتى أنه يسرق هاتف صديقتها ليأخد منه رقمها " شهقت إيفي واضعة يدها على فمها، وصاحت على الشاب: " هل أنت مجنون!؟ سرقت هاتف صديقتي؟ أعده حالا! " " حقا؟ يبدو غاليا.. كنت أفكر في بيعه في الواقع، ولكن سأعيده لها من أجل عيونك، بشرط " استشاطت إيفي غضبا " شرط!؟ وتجرؤ على إعطاء الشروط؟ " " لا تقلقي يا لطيفة، شرطي بسيط جدا، وسوف أسلمك الهاتف الآن " ضيقت عينيها بحذر: " وما هو هذا الشرط؟ " " إنزلي بعد ساعة، سأعطيك الهاتف وأخبرك بالشرط، حسنا؟ " أغلقت الهاتف في وجهه، وعبست بغضب وهي تتمتم: " أيها الصيني القذر! " ... | بعد ساعة | كانت إيفي تقف متخصرة بملامح متجهمة. وقفت أمام الباب تستظل بسقفه وقد وضعت أكياس البقالة بجانبها وهي تنتظر، فقد خرجت لشراء البقالة وقررت أن تنتظره لربما كان جادّا
صعدت الدرج بخطوات متعثرة، ولا تتذكر متى فتحت الباب، ولكن :صوت إغلاقه خلفها وهدوء هذا المنزل القديم بدا لها كإشارة خضراء للانهيار.. رمت كل ما بيدها من أكياس وحقيبتها على الأرض وركضت نحو الصالة بشفاه متقوسة بغصة، وارتمت على الارض بجانب الاريكة واضعة ذراعيها عليها دافنة وجهها بينهما بدأ كتفاها يهتزان بانتظام، وصوت نحيبها يتسلل من تحت ذراعيها وعبر قماش الأريكة ليمزق صمت المكان بلحن كئيب يزيد المكان كئابة ورماديّةً أكثر مما هو عليه شهقت بقوة، ثم جاء صوتها البائس متسائلا بيأس: " لـ..لِ..لماذا؟ آه؟ آآه...~ واهتز صدرها بقوة إثر الشهقات القوية، فأخدت ثانية لتبلع ريقها مما جعل الهدوء يعم وقبل أن تنطلق أصواتها مجددا مستأنفة سيمفونيتها الحزينة، اخترق الصمتَ رنينٌ ضعيف يعود للهاتف الأرضي جعلها تنتفض لا إراديا رفعت رأسها نحو الهاتف ليظهر وجهها المحمر بشدة
كانت الساعة تشير للحادية عشر حين فتحت باب الشقة، وقد كانت العمارة القديمة مظلمة فلم تشعر بفرق كبير لهذا خرجت وأغلقته ورائها ثم أخدت تنزل الدرجات وعلى وجهها ملامح الاشمئزاز من اتساخها واهترائها وتحطمها نزلت الطابقين حتى إذا اقتربت من باب الخروج بدأ الممر يضيء شيئا فشيئا كلما اقتربت، وحين تجاوزت الباب الحديدي تماما لتصبح في الشارع أغلقت عينيها بألم تلقائيا. وضعت يدها فوق عينيها كي تظللهما وفتحتهما قليلا تحاول الاعتياد على النظر سمعت صوتا عاليا ومفزعا على جانبها فانتفضت واستدارت بسرعة لتجدها مجرد دراجة نارية يقوم صاحبها باستعراض أصواتها أمام مجموعة من الفتيات العائدات من الثانوية، واللاتي ناظرنه بإعجاب بينما واحدة منهن قلبت عينيها بسخط وسحبت صديقاتها بعيدا رمشت وهي توسع قليلا في فتح عينيها بعد أن اعتادت على الضوء قليلا ثم نظرت حولها جيدا لتجده شارعا متواضعا كل بناياته قديمة ولكنه نابض بالحياة... شمس ساطعة، عصافير وطيور تغرد، سيارات تمر، صرخات أطفال، وصرخات أمهات كذلك، رائحة الطعام... هذه أجواء جعلت ملامحها تتكشر بضيق لم تفهم سببه نظرت مجددا فوجدت فتاة الثانوية الساخطة تتقدم
•بعد ثلاثة أيام : مرت ثلاثة أيام منذ ذلك اليوم المشؤوم، وليديا ليست بخير تماما ولم تتحسن ولكن على الأقل تراجعت عن تلك الفكرة الغبية. جلست على الأريكة بعد أن أنهت تناول فطورها الشهي كالعادة، إذ إن ذلك الرجل يرسل لها الطعام كل يوم. تنهدت ونظرت حولها بيأس، هي تشعر بالوحدة القاتلة.. لكن رغم ذلك فالأمر ليس سيئا لدرجة أن تنتحر، لذا هي تلوم نفسها على ما كانت مقدمة على فعله في لحظة ضعف منها. على كل حال ذلك البيت كان باردا ومملا ليس فيه لمحة حنان، مارك كان جافا متبلدا منذ البداية ولم تكن تتوقع منه شيئا فعليا، ووالدها ليس في البلاد ولربما لم يسمع بما حدث، هذه هي الحقيقة. على كل حال يبقى الأمر مؤلما... الوحدة ليست بالشيء الهين، والحب من طرف واحد ناهيك عن رغبته في الزواج عليها قد كسر قلبها ولكنها تعلم أنه كما قال ذلك الرجل يومها فإنها فترة كباقي الفترات وسوف تمر، يوما ما ستخرج من هذه الدوامة من فقدان الشغف ومن الذبول والاكتئاب المرير. لم تشعر بنفسها وهي تستلقي هنالك وتحدق في الحائط لفترة طويلة، حتى سمعت الهاتف يرن لم تعلم هل كانت نائمة أم شاردة أم في غيبوبة، ولكنها قامت على كل حا
زفر زفيرا قويا، ثم تابع: " أنا معك. مابكِ؟ مالذي يجري معك؟ " ضغطت على السماعة بكلتا يديها، عيناها التاهئتان المغرورقتان جعلتاها تبدو كطفلة ضائعة، فنظرت حولها بتوهان، غير عارفة ماذا تقول وكيف تعبّر، فلم تجد ما تقوله الرجل على الطرف الآخر قابله صمت طويل، أنفاس متعثرة، وشهقات من بقايا البكاء والذعر، فمنحها فترة قصيرة من الصمت قبل أن يهمس بلطف: " ماذا هناك همم؟ هل أنتِ حزينة؟ " أنصتت لكلماته بنبرته الهادئة التي هدأت من روعها قليلا، فانكمشت ملامحها بعبوس إثر سؤاله وأومأت برأسها كأنه يراها هو لم يسمع ردا، لكنه سمع وتيرة أنفاسها التي تغيرت بفعل هزها لرأسها ثم عادت لطبيعتها، فقال بصوت منخفض مجددا: " أنتِ حزينة؟ هل أنتِ أيضا تركوكِ لوحدك؟ هل أنتِ أيضا تخلوا عنك؟ " ازداد تركيزها مع كلامه، تبدو منصاعة وغير واعية تماما بعد نوبة الهلع تلك فكانت لا تدرك ما يحدث حقا، فلم تلاحظ أن هذا الصوت هو نفس صوت من كان يطرق على الباب، والذي يعود لنفس الرجل الذي اتصل سابقا. أومأت مجددا، فسمع ذلك، وقال بحقد مجاريا لمشاعرها؛ لكي يشعرها بأن أحدا يشعر مثلها: " إنهم لعناء! كيف يفعلون هذا بنا؟ كيف
" تبا لما لا تردين أين كنتِ !؟ " تجمدت ليديا بضع ثوان، محاولة استيعاب أن اللعين الذي أيقظها وقطع حلمها يتجرأ أيضا على الشتم والصراخ عليها رمشت بعيونها المتوسعة، ثم حاولت إخراج بضع أحرف من شفتيها المنفرجتين بصدمة لكن لم تستطع. كل ما أخرجته كان تنهيدة ساخرة غير مصدقة ثم ضغطت أسنانها مع بعض بِغيض. " أيها ال.. وتجرؤ على السب أيضا؟ " همست، ثم ارتفع صوتها في الأخير، لكن لم يقابلها سوى صوته الحاد مجددا: " سألتك أين كنتِ! ماذا كنتِ تفعلين لما تأخرت؟ " صاحت بنفاذ صبر: " وما شأن لعنتك أين كنت! أنت حقا متطفل! " ترقبت جوابه الوقح لترد عليه، لكن قابلها الصمت لثانيتين، ثم تنهيدة عميقة، ثم عاد صوته مجددا؛ منخفضا وحادا: " ليديا.. لا تتطاولي بالكلام. سأكرر مجددا: لما تأخرتِ عن الإجابة؟ " كان مصرا على معرفة سبب تأخرها فلم تتردد في إخباره عبر صراخها الذي تصم له الآذان : " لأنني كنت مشغولة بأشياء أهم من بعض المتطفلين المزعجين اللعناء الذين لولاهم لكانت مدة انفصالي عن الحياة اللعينة قد طالت ! هل ارتحت الآن!؟ هل ارتحت بمعرفة إفسادك ليومي اللعين الذي لم يكن جيدا أساسا هل ارتحت بإيقاظك لي من نومي!







