LOGINكانت الساعة تشير للحادية عشر حين فتحت باب الشقة، وقد كانت العمارة القديمة مظلمة فلم تشعر بفرق كبير لهذا خرجت وأغلقته ورائها ثم أخدت تنزل الدرجات وعلى وجهها ملامح الاشمئزاز من اتساخها واهترائها وتحطمها
نزلت الطابقين حتى إذا اقتربت من باب الخروج بدأ الممر يضيء شيئا فشيئا كلما اقتربت، وحين تجاوزت الباب الحديدي تماما لتصبح في الشارع أغلقت عينيها بألم تلقائيا. وضعت يدها فوق عينيها كي تظللهما وفتحتهما قليلا تحاول الاعتياد على النظر سمعت صوتا عاليا ومفزعا على جانبها فانتفضت واستدارت بسرعة لتجدها مجرد دراجة نارية يقوم صاحبها باستعراض أصواتها أمام مجموعة من الفتيات العائدات من الثانوية، واللاتي ناظرنه بإعجاب بينما واحدة منهن قلبت عينيها بسخط وسحبت صديقاتها بعيدا رمشت وهي توسع قليلا في فتح عينيها بعد أن اعتادت على الضوء قليلا ثم نظرت حولها جيدا لتجده شارعا متواضعا كل بناياته قديمة ولكنه نابض بالحياة... شمس ساطعة، عصافير وطيور تغرد، سيارات تمر، صرخات أطفال، وصرخات أمهات كذلك، رائحة الطعام... هذه أجواء جعلت ملامحها تتكشر بضيق لم تفهم سببه نظرت مجددا فوجدت فتاة الثانوية الساخطة تتقدم نحو البناية حيث هي تقف فاستوقفتها بأدب: " عذرا، أين أجد سوبرماركت؟ " استدارت الفتاة وأشارت بيدها ناحية اليسار قائلة: " إذهبي من هنا ثم عندما تجدين صيدلية استديري يسارا وتابعي السير وستجدينها " ذلك الفتى الذي كان يستعرض بدراجته ما إن رأى الفتاة استدارت حيث هو غمز لها بمغازلة مما جعلها تستدير نحو ليديا وهي توسع عيونها بشكل مرعب غاضب وتعض شفتها بقوة مما جعل ليديا تتراجع خطوة وتومئ قائلة باستغراب: " حـــ..حسنا، شكرا " ثم سارت حيث أشارت لها الفتاة التي دخلت لنفس البناية فاكتشفت أنها جارتها. عندما وصلت لتمر بجانب ذلك الشاب لم تستطع منع عيونها من التوجه نحوه، فنظرت له لتجده جالسا في دراجته يسند خده إلى كفه وينظر لمدخل البناية بهيام فهزت رأسها وهي تهمس بداخلها: " مجانين.. " تابعت سيرها كما أشارت الفتاة، وهي بداخلها تشتم قرارها بالاستماع لذلك الرجل فهي ليس لها مزاج للخروج، لو أنها أخبرته هو أن يشتري لها فوطا صحية لكان أفضل! دخلت السوبرماركت أخيرا، وقد كان مكتظا فانزعجت بداخلها ومشت بخطواتها المرتخية عشوائيا لأول رواق قابلها فكان قسم الخضروات وقفت تنظر لما هنالك وعيناها ذابلتان بوضوح، ثم أمسكت بسلة وأخدت تسير وتلتقط بضع حبات من بعض الخضر دون تعبير يذكر. بطاطا، بصل، طماطم، جزر.. فجأة تجمدت يدها على حبة خيار، ورغما عنها وجدت كل حواسها تركز مع صوت بكاء الرضيع الذي انطلق في المكان الفوضوي زائدا عليه فوضى أخرى. رمشت بسرعة وهي تستعيد ثبات ملامحها بصعوبة، وقد رسمت الصلابة على وجهها وهي تتظاهر بأن لا شيء يعنيها تابعت تسوقها حتى انتقلت لقسم اللحوم فاشترت صدر دجاج وأضافته لسلتها. توقفت أمام البراد الكبير تنظر لما يوجد بداخله ثم فتحته لتاخد قارورة حليب وعلبة جبن وزبدة، وحين أمسكت بالمقبض كي تغلق دفة البراد التي فتحتها، تجمدت مجددا وتيبست ملامحها " ماما ماما أريد هذا ! " " ماما أريد العصير ! " بلعت ريقها وأخفضت بصرها، ثم سرعان ما عضت على شفاهها وأغلقت الدفة ثم أعطت ظهرها لمصدر الصوت وذهبت في الاتجاه المعاكس حسنا... مارك جرح نازف ومؤلم، سوف يندمل مع الوقت وسوف تنساه أو على الأقل تتخطاه رغم الذكرى السيئة التي ستبقى في ذاكرتها، ولكن موضوع الأطفال... صعب كيف تتقبل أنها لن تصبح أما أبدا وهي من عشقت الصغار منذ كانت طفلة؟ كيف تعيش مع حقيقة عقمها بينما هي امرأة كباقي النساء أقصى أحلامها أن تحمل طفلا بداخلها؟ كيف وكل امرأة تتوق لاحتضان تلك الكتلة الصغيرة بين يديها؟ كيف..؟ وجدت نفسها أمام الكاونتر تدفع بأغراضها كي تحاسب. هي لن تحتمل ثانية أخرى في هذا المكان.. تنهدت بعمق راسمة ملامح خاوية مجددا، ثم نظرت للجانب فوجدت قسم الحفاظات وبجانبه الفوط الصحية فذهبت وأخدت بعضا لها وعادت تحاسب. " ثمانية باوندات وتسعة آنستي " قالت المحاسبة مبتسمة فبادلتها ليديا ابتسامة لم تصل لعينيها حتى، وأخرجت المال من محفظتها وقدمته لها وهي تنظر إلى مدى اهترائه، وتسائلت: 'منذ متى لم أدفع نقدا؟ ' حملت أغراضها وخرجت فضربتها الشمس ولفحتها نسمات باردة ولكن دافئة في الوقت ذاته فتنهدت بعمق ثم انطلقت عائدة نحو البناية، ولكن مجددا... أطفال.. أطفال أطفال أطفال.. أطفال في كل مكان! يلعبون أمامها، فأدارت وجهها لتجدهم على الجهة الأخرى أيضا. رفعت وجهها وعينيها عن مستواهم فوجدت امرأة تسير باتجاهها وتحمل طفلة بين يدها، طفلة لطيفة جدا وظريفة، شعرها القصير ممسوك بدبوس شعر أحمر على شكل كرزة، وشفاهها التي تشبه تلك الكرزة ملطخة بلعابها بينما تقضم أصبعها وتنظر لليديا بفضول عفوي.. لم تستطع ليديا ألا تنظر. أم الطفلة لاحظت نظرات ليديا المريبة لطفلتها مع اقترابها، فأبعدت ابنتها للجهة الأخرى وهي تراقب تعابير ليديا بعدم ارتياح ثم عبرت الشارع مبتعدة عنها تماما. ولكن ليديا لم تهتم ولم تنتبه لما فعلته الام بل أعادت نظراتها أمامها وهذه المرة لم تستطع الاحتمال اهتز صدرها بعنف وهي تسرع بخطواتها، وقد زمت شفاهها بقوة بينما عيونها امتلأت بالدموع خلفها، كان جوناثان يسير مخفيا ملامحه تماما عبر قلنسوة القميص والكمامة، بينما عيونه تراقب ظهرها وكيف تسير باضطراب، ثم حين وصلت للبناية واستدارت لتدخل بسرعة لمح الدموع وملامحها المنكمشة بألم، وهنالك ربط الخيوط بسرعة وفهم الأمر... كله بسبب الاطفال.. هو يعرف، لقد أخبره ليو بالفعل. فجأة اصدمت كرة بقدميه فنظر للأسفل ليجد طفلين يستبقان نحوها بمرح حتى سقطا عند قدميه يتشاجران عليها، وكم اشتهى حينها أن يرفع قدمه ويركلهما بعيدا كما يركلون الكرة، فهم السبب فيما يحصل مع ليديا! لقد جعلها تخرج كي تغير الجو قليلا لا لكي تتذكر آلامها!عقدت حاجبيها بانزعاج، وصاحت مباشرة: " من أين لك برقمي!؟ " سمعت تنهيدة حالمة من الطرف الآخر، ثم أتى صوته هائما: " آآهٍ ما أحلى صوتك... ما أحلى حضورك.. حتى وأنت غاضبة تبقين لطيفة " قالت متجاهلة غزله:" سألتك من أين عرفت رقمي؟ " قال بصوت لعوب: " يقولون إن العاشق يفعل أي شيء من أجل معشوقته.. حتى أنه يسرق هاتف صديقتها ليأخد منه رقمها " شهقت إيفي واضعة يدها على فمها، وصاحت على الشاب: " هل أنت مجنون!؟ سرقت هاتف صديقتي؟ أعده حالا! " " حقا؟ يبدو غاليا.. كنت أفكر في بيعه في الواقع، ولكن سأعيده لها من أجل عيونك، بشرط " استشاطت إيفي غضبا " شرط!؟ وتجرؤ على إعطاء الشروط؟ " " لا تقلقي يا لطيفة، شرطي بسيط جدا، وسوف أسلمك الهاتف الآن " ضيقت عينيها بحذر: " وما هو هذا الشرط؟ " " إنزلي بعد ساعة، سأعطيك الهاتف وأخبرك بالشرط، حسنا؟ " أغلقت الهاتف في وجهه، وعبست بغضب وهي تتمتم: " أيها الصيني القذر! " ... | بعد ساعة | كانت إيفي تقف متخصرة بملامح متجهمة. وقفت أمام الباب تستظل بسقفه وقد وضعت أكياس البقالة بجانبها وهي تنتظر، فقد خرجت لشراء البقالة وقررت أن تنتظره لربما كان جادّا
صعدت الدرج بخطوات متعثرة، ولا تتذكر متى فتحت الباب، ولكن :صوت إغلاقه خلفها وهدوء هذا المنزل القديم بدا لها كإشارة خضراء للانهيار.. رمت كل ما بيدها من أكياس وحقيبتها على الأرض وركضت نحو الصالة بشفاه متقوسة بغصة، وارتمت على الارض بجانب الاريكة واضعة ذراعيها عليها دافنة وجهها بينهما بدأ كتفاها يهتزان بانتظام، وصوت نحيبها يتسلل من تحت ذراعيها وعبر قماش الأريكة ليمزق صمت المكان بلحن كئيب يزيد المكان كئابة ورماديّةً أكثر مما هو عليه شهقت بقوة، ثم جاء صوتها البائس متسائلا بيأس: " لـ..لِ..لماذا؟ آه؟ آآه...~ واهتز صدرها بقوة إثر الشهقات القوية، فأخدت ثانية لتبلع ريقها مما جعل الهدوء يعم وقبل أن تنطلق أصواتها مجددا مستأنفة سيمفونيتها الحزينة، اخترق الصمتَ رنينٌ ضعيف يعود للهاتف الأرضي جعلها تنتفض لا إراديا رفعت رأسها نحو الهاتف ليظهر وجهها المحمر بشدة
كانت الساعة تشير للحادية عشر حين فتحت باب الشقة، وقد كانت العمارة القديمة مظلمة فلم تشعر بفرق كبير لهذا خرجت وأغلقته ورائها ثم أخدت تنزل الدرجات وعلى وجهها ملامح الاشمئزاز من اتساخها واهترائها وتحطمها نزلت الطابقين حتى إذا اقتربت من باب الخروج بدأ الممر يضيء شيئا فشيئا كلما اقتربت، وحين تجاوزت الباب الحديدي تماما لتصبح في الشارع أغلقت عينيها بألم تلقائيا. وضعت يدها فوق عينيها كي تظللهما وفتحتهما قليلا تحاول الاعتياد على النظر سمعت صوتا عاليا ومفزعا على جانبها فانتفضت واستدارت بسرعة لتجدها مجرد دراجة نارية يقوم صاحبها باستعراض أصواتها أمام مجموعة من الفتيات العائدات من الثانوية، واللاتي ناظرنه بإعجاب بينما واحدة منهن قلبت عينيها بسخط وسحبت صديقاتها بعيدا رمشت وهي توسع قليلا في فتح عينيها بعد أن اعتادت على الضوء قليلا ثم نظرت حولها جيدا لتجده شارعا متواضعا كل بناياته قديمة ولكنه نابض بالحياة... شمس ساطعة، عصافير وطيور تغرد، سيارات تمر، صرخات أطفال، وصرخات أمهات كذلك، رائحة الطعام... هذه أجواء جعلت ملامحها تتكشر بضيق لم تفهم سببه نظرت مجددا فوجدت فتاة الثانوية الساخطة تتقدم
•بعد ثلاثة أيام : مرت ثلاثة أيام منذ ذلك اليوم المشؤوم، وليديا ليست بخير تماما ولم تتحسن ولكن على الأقل تراجعت عن تلك الفكرة الغبية. جلست على الأريكة بعد أن أنهت تناول فطورها الشهي كالعادة، إذ إن ذلك الرجل يرسل لها الطعام كل يوم. تنهدت ونظرت حولها بيأس، هي تشعر بالوحدة القاتلة.. لكن رغم ذلك فالأمر ليس سيئا لدرجة أن تنتحر، لذا هي تلوم نفسها على ما كانت مقدمة على فعله في لحظة ضعف منها. على كل حال ذلك البيت كان باردا ومملا ليس فيه لمحة حنان، مارك كان جافا متبلدا منذ البداية ولم تكن تتوقع منه شيئا فعليا، ووالدها ليس في البلاد ولربما لم يسمع بما حدث، هذه هي الحقيقة. على كل حال يبقى الأمر مؤلما... الوحدة ليست بالشيء الهين، والحب من طرف واحد ناهيك عن رغبته في الزواج عليها قد كسر قلبها ولكنها تعلم أنه كما قال ذلك الرجل يومها فإنها فترة كباقي الفترات وسوف تمر، يوما ما ستخرج من هذه الدوامة من فقدان الشغف ومن الذبول والاكتئاب المرير. لم تشعر بنفسها وهي تستلقي هنالك وتحدق في الحائط لفترة طويلة، حتى سمعت الهاتف يرن لم تعلم هل كانت نائمة أم شاردة أم في غيبوبة، ولكنها قامت على كل حا
زفر زفيرا قويا، ثم تابع: " أنا معك. مابكِ؟ مالذي يجري معك؟ " ضغطت على السماعة بكلتا يديها، عيناها التاهئتان المغرورقتان جعلتاها تبدو كطفلة ضائعة، فنظرت حولها بتوهان، غير عارفة ماذا تقول وكيف تعبّر، فلم تجد ما تقوله الرجل على الطرف الآخر قابله صمت طويل، أنفاس متعثرة، وشهقات من بقايا البكاء والذعر، فمنحها فترة قصيرة من الصمت قبل أن يهمس بلطف: " ماذا هناك همم؟ هل أنتِ حزينة؟ " أنصتت لكلماته بنبرته الهادئة التي هدأت من روعها قليلا، فانكمشت ملامحها بعبوس إثر سؤاله وأومأت برأسها كأنه يراها هو لم يسمع ردا، لكنه سمع وتيرة أنفاسها التي تغيرت بفعل هزها لرأسها ثم عادت لطبيعتها، فقال بصوت منخفض مجددا: " أنتِ حزينة؟ هل أنتِ أيضا تركوكِ لوحدك؟ هل أنتِ أيضا تخلوا عنك؟ " ازداد تركيزها مع كلامه، تبدو منصاعة وغير واعية تماما بعد نوبة الهلع تلك فكانت لا تدرك ما يحدث حقا، فلم تلاحظ أن هذا الصوت هو نفس صوت من كان يطرق على الباب، والذي يعود لنفس الرجل الذي اتصل سابقا. أومأت مجددا، فسمع ذلك، وقال بحقد مجاريا لمشاعرها؛ لكي يشعرها بأن أحدا يشعر مثلها: " إنهم لعناء! كيف يفعلون هذا بنا؟ كيف
" تبا لما لا تردين أين كنتِ !؟ " تجمدت ليديا بضع ثوان، محاولة استيعاب أن اللعين الذي أيقظها وقطع حلمها يتجرأ أيضا على الشتم والصراخ عليها رمشت بعيونها المتوسعة، ثم حاولت إخراج بضع أحرف من شفتيها المنفرجتين بصدمة لكن لم تستطع. كل ما أخرجته كان تنهيدة ساخرة غير مصدقة ثم ضغطت أسنانها مع بعض بِغيض. " أيها ال.. وتجرؤ على السب أيضا؟ " همست، ثم ارتفع صوتها في الأخير، لكن لم يقابلها سوى صوته الحاد مجددا: " سألتك أين كنتِ! ماذا كنتِ تفعلين لما تأخرت؟ " صاحت بنفاذ صبر: " وما شأن لعنتك أين كنت! أنت حقا متطفل! " ترقبت جوابه الوقح لترد عليه، لكن قابلها الصمت لثانيتين، ثم تنهيدة عميقة، ثم عاد صوته مجددا؛ منخفضا وحادا: " ليديا.. لا تتطاولي بالكلام. سأكرر مجددا: لما تأخرتِ عن الإجابة؟ " كان مصرا على معرفة سبب تأخرها فلم تتردد في إخباره عبر صراخها الذي تصم له الآذان : " لأنني كنت مشغولة بأشياء أهم من بعض المتطفلين المزعجين اللعناء الذين لولاهم لكانت مدة انفصالي عن الحياة اللعينة قد طالت ! هل ارتحت الآن!؟ هل ارتحت بمعرفة إفسادك ليومي اللعين الذي لم يكن جيدا أساسا هل ارتحت بإيقاظك لي من نومي!







