تسجيل الدخولصعدت الدرج بخطوات متعثرة، ولا تتذكر متى فتحت الباب، ولكن :صوت إغلاقه خلفها وهدوء هذا المنزل القديم بدا لها كإشارة خضراء للانهيار..
رمت كل ما بيدها من أكياس وحقيبتها على الأرض وركضت نحو الصالة بشفاه متقوسة بغصة، وارتمت على الارض بجانب الاريكة واضعة ذراعيها عليها دافنة وجهها بينهما بدأ كتفاها يهتزان بانتظام، وصوت نحيبها يتسلل من تحت ذراعيها وعبر قماش الأريكة ليمزق صمت المكان بلحن كئيب يزيد المكان كئابة ورماديّةً أكثر مما هو عليه شهقت بقوة، ثم جاء صوتها البائس متسائلا بيأس: " لـ..لِ..لماذا؟ آه؟ آآه...~ واهتز صدرها بقوة إثر الشهقات القوية، فأخدت ثانية لتبلع ريقها مما جعل الهدوء يعم وقبل أن تنطلق أصواتها مجددا مستأنفة سيمفونيتها الحزينة، اخترق الصمتَ رنينٌ ضعيف يعود للهاتف الأرضي جعلها تنتفض لا إراديا رفعت رأسها نحو الهاتف ليظهر وجهها المحمر بشدة مبللا بالعرق والدموع والمخاط شهقت فاهتز صدرها بعنف ووقفت بسرعة متجهة نحو ذلك الهاتف بينما تمسح ماء أنفها بـ كم قميصها وقفت أمام الهاتف تنظر له عابسة بشدة، لا تعرف ماذا تفعل ولا لماذا أتت هنا أساسا! لماذا لم تتجاهله وتكمل بكاءها؟ فكرت في كم أنها بائسة لدرجة أنها تقترب من هاتف لتسمع رنينه لعل ذلك يخفف عنها بطريقة ما، ولكي تجيب لعل سماعها لصوت بشري يحدثها هي خصيصا قد يجعلها تشعر بأنها ما تزال حية وتستحق بضع ثوانٍ من حياة شخص ما حتى لو كان مجهولا ارتجف ذقنها بالغصة بينما تمد يدها نحو الهاتف وتشيح بعينيها جانبا كأنها بفعلتها هذه تدوس على بقايا كرامتها، غير مصدقة أنها وصلت لهذه الدرجة من البؤس والجوع للاهتمام رفعت الهاتف لأذنها وابتلعت غصتها مترقبة أي كلمة وهي تشعر بذل سحيق، وسرعان ما أتاها ذلك الصوت الخشن نفسه، ولكن بنبرة فيها مداعبة خفية: " أوه! لم أتوقع أن تجيبي بهذه السرعة، هل يجب أن نسجل هذا الحدث في التاريخ؟ ازداد عبوسها وهي تعقد حاجبيها بانزعاج من سماجة هذا الرجل، ولكنها بقيت صامتة عابسة بانتظار التالي " مرحبا؟ هل أنتِ هنا أم أن الأشباح هي من ردت عليّ؟ " فرقت شفاهها ونبست بحدة رغم صوتها المبحوح: " الأشباح! " " آآه وأنا كنت أتسائل عن أي معجزة حدثت لتجيب الآنسة ليديا بهذه السرعة! " لم تجب ليديا ولم تكن لتجيب أساسا، وإنما بقيت عالقة عند تلك الكلمتين.. ' الآنسة ليديا ' هي لم تعد السيدة كارتر بعد الآن.. لم تعد متزوجة! لقد اختفى زواجها من حياتها تماما كأنه لم يكن، ولم يترك سوى الذكريات الأليمة ولكن.. هل فعلا كانت متزوجة؟ لربما كان مجرد حلم بائس.. هل كانت السيدة كارتر في يوم من الايام أم أنها تتوهم كل شيء؟ صوت الرجل انتشلها من أفكارها وأعادها إلى أرض الواقع. لقد كان يتحدث بنفس النبرة المداعبة لكن كان واضحا بأنها مصطنعة وأنه كان يغلف بها جديته " إذن أيتها الأشباح أخبريني، كيف حال ليديا؟ صوتها لا يبدو بخير، هل هي مريضة؟ " ارتخت ملامحها التي كانت مشدودة بتفكير وذبلت بحزن. لم تُجب، فقال بعد فترة: " حسنا، أين هي إذن؟ " أجابت مباشرة بصوت خافت وبائس: " في الجحيم.. " .. في الزقاق خلف العمارة القديمة، اتكأ جوناثان على الحائط ورفع يده يمسح على رأسه فوق القلنسوة، والكمامة تغطي ملامحه التي كان الارتباك واضحا عليها من خضراوتيه. تنحنح قليلا بتردد، ثم نبس: " لماذا..؟ مالذي حدث؟ " .. فكرت بسؤاله فعلا.. مالذي حدث؟ يا ترى لماذا صادفت ذلك الموقف وتذكرت وجعها أساسا؟ كشّرت فجأة وعبست بشدة. يدها ضغطت على الهاتف، وشفاهها المزمومة بغصة انفرجت كي تتحدث بصوت متحشرج بسبب الغصة والغضب معا، ورددت سؤاله: " مالذي حدث؟ " وسّعت منخاريها كي تاخد نفسا عميقا بما أن الغصة تجعل شفتاها تلتصقان رغما عنها، وحين استجمعت شتاتها تحدثت بصعوبة وهي تضغط برأس سبابتها على الطاولة: " ما حدث هـ.هو أن شخصا ما.. حـ.حثني على الخروج.. شـ.خص غـ بي.. وأنا.. كنت غبية بـما يكفي.. لـ أستمع لـ.له! " أنهت كلامها وشفاهها باتت ترتعد أكثر وهي تحاول ألا تبكي منتظرة جوابه. وبعد ثوانٍ، صدر صوته مستفزا بالنسبة لها، عاديا وكأن شيئا لم يحصل " آه إذن فقد خرجتِ؟ " عبست أكثر وقد امتلأت عيونها بالدموع فلم تستطع أن تنطق حرفا، بينما تابع هو: " ماذا حدث إذن؟ هل صدمتك سيارة فكسرت أطرافكِ؟ هل دهستك شاحنة فجعلت منك عصيدة بشرية؟ هل استيقظت في المشفى فاقدة لأحد أطرافك أو بصرك؟ آه.. أم أنكِ أشفقت على حالِ الفقراء والمتشردين واليتامى؟ " فتحت فاهها وهي ترمش بدهشة من كلامه، ولكنها عقدت حاجبيها باستنكار وكانت على وشك أن تثور عليه لكنه قاطعها بسرعة " قبل أن تبدأي بـ سبِّي -كما اعتدتِ مؤخرا- دعيني أشرح كلامي! " صمت غاضبة وهي ترفع حاجبها بانتظار كلامه " أنا لا أقصد التقليل من مشاعرك أو من وضعك أو مما تعانينه أيا كان، لكل منا مشاكله، ولكن فقط لا أريدك أن تنسي النعم، لا أريدكِ أن تغفلي عن الجانب الايجابي، ولا تنسِ بأن هنالك حالات أسوء بكثير أيا كان ما تعانينه.. " صمت لبرهة، وهي مستمعة له وماتزال مكشرة وعابسة " لا أقول أن تحتقري وضعك بمقارنته مع الحالات الاسوء، ولكن أن تستمدي قوتك وتشعري بقيمة ما مازلت تملكينه أمام أشخاص فقدو أكثر مما فقدتِ " .. صمت حين لم يعرف كيف يتابع، فهو لا يعرف كيف يوصل لها الفكرة التي في رأسه وليس متأكدا من أنها قد تفهم ما يقول وتاخده بعين الاعتبار. وقبل أن ينطق مجددا، جاءه صوتها عاليا: " أنتَ وغد فاشل حتى في إشعار الناس أنهم على قيد الحياة! إذهب أنت وقارن حياتك بالمساكين وعش بسعادة وهناء كما تريد أمـ.أما أنا فلا تحدثني مجددا أتسمع!؟ سوف أقتلع هذا الهاتف اللعين وأرميه من النـ- زجرها بحدة قبل حتى أن تكمل الكلام:" إياكِ " بمجرد أن نطقت بتلك الكلمات تغيرت نظرته تماما، سكنت ملامحه واحتدت نظرته وهو يهمس بفحيح " إياكِ ومجرد التفكير في الأمر مجددا.. أتفهمين؟ " .. توقفت بعد تحذيره، وسكنت لفترة.. عبست أكثر وكورت قبضتيها وهي تشعر بالعجز الشديد، فها هو ذا هذا المزعج يمنعها حتى من اقتلاع هذا الهاتف! نعم.. هي لن تجرؤ حتى على التفكير في ذلك مجددا.. لقد هددها! هي جبانة.. ربما عنيدة ولكنها جبانة تخاف حتى من ظلها فكيف لا تخاف من تهديدٍ من رجل مجهول بصوتٍ خشن؟ غضبها الآن تضاعف أكثر، مما جعل دموعها تسقط أكثر وهي تضع الهاتف بحدة تغلق الخط. كتفت يديها تحت صدرها وهي تحدق جانبا عاقدة حاجبيها تحاول عدم البكاء كي تقنع نفسها بأنها قوية، فأخدت بدلا من ذلك تسبه وتلفق إليه أسوء الصفات، وتتوعد بأنها لن تحدثه مجددا، لقد هددها لكي لا تقتلع الهاتف ولكنه لن يمنعها عن عدم الرد! ... | في صباح اليوم التالي | في نفس العمارة، وفي الطابق الذي فوق شقة ليديا، كانت نفس الفتاة التي دلّتها على الطريق للسوبرماركت. ترتدي بيجامة وردية بعدما غيرت ملابس المدرسة، وكانت البيجامة تبدو باهتة من كثرة الغسيل والبقع التي عليها. كانت جالسة في صالة بيتهم المتواضع، أمام طاولة بها طعام الغداء " أوف مالح جدا! " نطقت عجوز بصوتها المتهالك ودفعت الصحن بعيدا، فعضت الفتاة على شفاهها وزفرت أنفاسها التي كانت تحبسها، ثم أمسكت بالصحن وهي تقوم " سوف أطبخ لك غيره " أوقفتها العجوز بسرعة: " لا لاداعي! لا بأس لن آكل، سآكل الخبز فقط " أصرت الفتاة " لا جدتي! لا بأس، سوف أطبخ لك " أصرت الجدة وهي تمسك بذراع الفتاة بيدها المجعدة: " قلت لا! أعرف أن ابنتي تتعب كثيرا بين الدراسة والبيت، لا تتعبي نفسك أكثر. هاتِ لي الخبز من المطبخ " عبست الفتاة وقبلت رأس العجوز: " آسفة جدتي، في المرة القادمة سأكون أكثر حذرا " ونهضت كي تجلب لها الخبز. دخلت للمطبخ وحملت كيس الخبز،وحين كانت على وشك الخروج رن هاتفها الذي نسيته بجانب الموقد سابقا. تقدمت منه فوجدت رقما مجهولا، فعقدت حاجبيها وهي تتسائل من يكون. أمها؟ أبوها؟ هل غيرو رقمهم؟ أمسكت الهاتف، وأجابت على المكالمة " مرحبا؟ " فأتاها صوت رجولي ناعم وحنون: " آآهٍ ما أحلى صوتكِ. حلوتي، لن تصدقي كم اشتقت لك.." عقدت حاجبيها بانزعاج، وتمتمت: " أنت؟ "عقدت حاجبيها بانزعاج، وصاحت مباشرة: " من أين لك برقمي!؟ " سمعت تنهيدة حالمة من الطرف الآخر، ثم أتى صوته هائما: " آآهٍ ما أحلى صوتك... ما أحلى حضورك.. حتى وأنت غاضبة تبقين لطيفة " قالت متجاهلة غزله:" سألتك من أين عرفت رقمي؟ " قال بصوت لعوب: " يقولون إن العاشق يفعل أي شيء من أجل معشوقته.. حتى أنه يسرق هاتف صديقتها ليأخد منه رقمها " شهقت إيفي واضعة يدها على فمها، وصاحت على الشاب: " هل أنت مجنون!؟ سرقت هاتف صديقتي؟ أعده حالا! " " حقا؟ يبدو غاليا.. كنت أفكر في بيعه في الواقع، ولكن سأعيده لها من أجل عيونك، بشرط " استشاطت إيفي غضبا " شرط!؟ وتجرؤ على إعطاء الشروط؟ " " لا تقلقي يا لطيفة، شرطي بسيط جدا، وسوف أسلمك الهاتف الآن " ضيقت عينيها بحذر: " وما هو هذا الشرط؟ " " إنزلي بعد ساعة، سأعطيك الهاتف وأخبرك بالشرط، حسنا؟ " أغلقت الهاتف في وجهه، وعبست بغضب وهي تتمتم: " أيها الصيني القذر! " ... | بعد ساعة | كانت إيفي تقف متخصرة بملامح متجهمة. وقفت أمام الباب تستظل بسقفه وقد وضعت أكياس البقالة بجانبها وهي تنتظر، فقد خرجت لشراء البقالة وقررت أن تنتظره لربما كان جادّا
صعدت الدرج بخطوات متعثرة، ولا تتذكر متى فتحت الباب، ولكن :صوت إغلاقه خلفها وهدوء هذا المنزل القديم بدا لها كإشارة خضراء للانهيار.. رمت كل ما بيدها من أكياس وحقيبتها على الأرض وركضت نحو الصالة بشفاه متقوسة بغصة، وارتمت على الارض بجانب الاريكة واضعة ذراعيها عليها دافنة وجهها بينهما بدأ كتفاها يهتزان بانتظام، وصوت نحيبها يتسلل من تحت ذراعيها وعبر قماش الأريكة ليمزق صمت المكان بلحن كئيب يزيد المكان كئابة ورماديّةً أكثر مما هو عليه شهقت بقوة، ثم جاء صوتها البائس متسائلا بيأس: " لـ..لِ..لماذا؟ آه؟ آآه...~ واهتز صدرها بقوة إثر الشهقات القوية، فأخدت ثانية لتبلع ريقها مما جعل الهدوء يعم وقبل أن تنطلق أصواتها مجددا مستأنفة سيمفونيتها الحزينة، اخترق الصمتَ رنينٌ ضعيف يعود للهاتف الأرضي جعلها تنتفض لا إراديا رفعت رأسها نحو الهاتف ليظهر وجهها المحمر بشدة
كانت الساعة تشير للحادية عشر حين فتحت باب الشقة، وقد كانت العمارة القديمة مظلمة فلم تشعر بفرق كبير لهذا خرجت وأغلقته ورائها ثم أخدت تنزل الدرجات وعلى وجهها ملامح الاشمئزاز من اتساخها واهترائها وتحطمها نزلت الطابقين حتى إذا اقتربت من باب الخروج بدأ الممر يضيء شيئا فشيئا كلما اقتربت، وحين تجاوزت الباب الحديدي تماما لتصبح في الشارع أغلقت عينيها بألم تلقائيا. وضعت يدها فوق عينيها كي تظللهما وفتحتهما قليلا تحاول الاعتياد على النظر سمعت صوتا عاليا ومفزعا على جانبها فانتفضت واستدارت بسرعة لتجدها مجرد دراجة نارية يقوم صاحبها باستعراض أصواتها أمام مجموعة من الفتيات العائدات من الثانوية، واللاتي ناظرنه بإعجاب بينما واحدة منهن قلبت عينيها بسخط وسحبت صديقاتها بعيدا رمشت وهي توسع قليلا في فتح عينيها بعد أن اعتادت على الضوء قليلا ثم نظرت حولها جيدا لتجده شارعا متواضعا كل بناياته قديمة ولكنه نابض بالحياة... شمس ساطعة، عصافير وطيور تغرد، سيارات تمر، صرخات أطفال، وصرخات أمهات كذلك، رائحة الطعام... هذه أجواء جعلت ملامحها تتكشر بضيق لم تفهم سببه نظرت مجددا فوجدت فتاة الثانوية الساخطة تتقدم
•بعد ثلاثة أيام : مرت ثلاثة أيام منذ ذلك اليوم المشؤوم، وليديا ليست بخير تماما ولم تتحسن ولكن على الأقل تراجعت عن تلك الفكرة الغبية. جلست على الأريكة بعد أن أنهت تناول فطورها الشهي كالعادة، إذ إن ذلك الرجل يرسل لها الطعام كل يوم. تنهدت ونظرت حولها بيأس، هي تشعر بالوحدة القاتلة.. لكن رغم ذلك فالأمر ليس سيئا لدرجة أن تنتحر، لذا هي تلوم نفسها على ما كانت مقدمة على فعله في لحظة ضعف منها. على كل حال ذلك البيت كان باردا ومملا ليس فيه لمحة حنان، مارك كان جافا متبلدا منذ البداية ولم تكن تتوقع منه شيئا فعليا، ووالدها ليس في البلاد ولربما لم يسمع بما حدث، هذه هي الحقيقة. على كل حال يبقى الأمر مؤلما... الوحدة ليست بالشيء الهين، والحب من طرف واحد ناهيك عن رغبته في الزواج عليها قد كسر قلبها ولكنها تعلم أنه كما قال ذلك الرجل يومها فإنها فترة كباقي الفترات وسوف تمر، يوما ما ستخرج من هذه الدوامة من فقدان الشغف ومن الذبول والاكتئاب المرير. لم تشعر بنفسها وهي تستلقي هنالك وتحدق في الحائط لفترة طويلة، حتى سمعت الهاتف يرن لم تعلم هل كانت نائمة أم شاردة أم في غيبوبة، ولكنها قامت على كل حا
زفر زفيرا قويا، ثم تابع: " أنا معك. مابكِ؟ مالذي يجري معك؟ " ضغطت على السماعة بكلتا يديها، عيناها التاهئتان المغرورقتان جعلتاها تبدو كطفلة ضائعة، فنظرت حولها بتوهان، غير عارفة ماذا تقول وكيف تعبّر، فلم تجد ما تقوله الرجل على الطرف الآخر قابله صمت طويل، أنفاس متعثرة، وشهقات من بقايا البكاء والذعر، فمنحها فترة قصيرة من الصمت قبل أن يهمس بلطف: " ماذا هناك همم؟ هل أنتِ حزينة؟ " أنصتت لكلماته بنبرته الهادئة التي هدأت من روعها قليلا، فانكمشت ملامحها بعبوس إثر سؤاله وأومأت برأسها كأنه يراها هو لم يسمع ردا، لكنه سمع وتيرة أنفاسها التي تغيرت بفعل هزها لرأسها ثم عادت لطبيعتها، فقال بصوت منخفض مجددا: " أنتِ حزينة؟ هل أنتِ أيضا تركوكِ لوحدك؟ هل أنتِ أيضا تخلوا عنك؟ " ازداد تركيزها مع كلامه، تبدو منصاعة وغير واعية تماما بعد نوبة الهلع تلك فكانت لا تدرك ما يحدث حقا، فلم تلاحظ أن هذا الصوت هو نفس صوت من كان يطرق على الباب، والذي يعود لنفس الرجل الذي اتصل سابقا. أومأت مجددا، فسمع ذلك، وقال بحقد مجاريا لمشاعرها؛ لكي يشعرها بأن أحدا يشعر مثلها: " إنهم لعناء! كيف يفعلون هذا بنا؟ كيف
" تبا لما لا تردين أين كنتِ !؟ " تجمدت ليديا بضع ثوان، محاولة استيعاب أن اللعين الذي أيقظها وقطع حلمها يتجرأ أيضا على الشتم والصراخ عليها رمشت بعيونها المتوسعة، ثم حاولت إخراج بضع أحرف من شفتيها المنفرجتين بصدمة لكن لم تستطع. كل ما أخرجته كان تنهيدة ساخرة غير مصدقة ثم ضغطت أسنانها مع بعض بِغيض. " أيها ال.. وتجرؤ على السب أيضا؟ " همست، ثم ارتفع صوتها في الأخير، لكن لم يقابلها سوى صوته الحاد مجددا: " سألتك أين كنتِ! ماذا كنتِ تفعلين لما تأخرت؟ " صاحت بنفاذ صبر: " وما شأن لعنتك أين كنت! أنت حقا متطفل! " ترقبت جوابه الوقح لترد عليه، لكن قابلها الصمت لثانيتين، ثم تنهيدة عميقة، ثم عاد صوته مجددا؛ منخفضا وحادا: " ليديا.. لا تتطاولي بالكلام. سأكرر مجددا: لما تأخرتِ عن الإجابة؟ " كان مصرا على معرفة سبب تأخرها فلم تتردد في إخباره عبر صراخها الذي تصم له الآذان : " لأنني كنت مشغولة بأشياء أهم من بعض المتطفلين المزعجين اللعناء الذين لولاهم لكانت مدة انفصالي عن الحياة اللعينة قد طالت ! هل ارتحت الآن!؟ هل ارتحت بمعرفة إفسادك ليومي اللعين الذي لم يكن جيدا أساسا هل ارتحت بإيقاظك لي من نومي!







