تسجيل الدخولفي مجلس الرجال، حيث خيّم الصمت الثقيل على أرجاء المكان، جلس إبراهيم الراجحي إلى جوار شقيقه الأصغر صالح، وكلٌّ منهما يحمل فوق كتفيه همًّا يكاد يسحقه.
كان إبراهيم، الشقيق الأكبر، رجلًا تجاوز الخمسين من عمره، عُرف بين أبناء عشيرته بالحكمة ورجاحة العقل، لكن السنوات الأخيرة سرقت من وجهه كثيرًا من ملامح الطمأنينة، حتى غزا الشيب رأسه قبل أوانه. رزقه الله ثلاثة أبناء كانوا أغلى ما يملك في هذه الحياة. خالد... ابنه البكر، ذو السبعة والعشرين عامًا، والذي كان يعده امتدادًا له، وسنده بعد أن يشتد به العمر. وكان خطيب ملك.. ثم يوسف، الابن الأوسط، البالغ من العمر خمسةً وعشرين عامًا. وأخيرًا ابنته الوحيدة، شهد، ذات الثلاثة والعشرين عامًا، مدللة العائلة وصاحبة القلب الرقيق. لطالما تمنى إبراهيم أن يرزقه الله عددًا أكبر من الأبناء، لكن زوجته عانت سنوات طويلة من مشكلات صحية أخرت حملها، حتى منّ الله عليها بأطفالها الثلاثة. وبعد ولادة شهد، أصيبت بمرض خطير في الرحم، أنهى حلم الإنجاب إلى الأبد. لذلك، لم يكن إبراهيم يرى أبناءه مجرد أولاد... بل كانوا حياته كلها. وكانت فكرة فقدان أحدهم كفيلة بتحطيمه. ولهذا، لم يكن يشغله الآن سوى أمر واحد. أن يعود خالد إليه سالمًا، مهما كان الثمن. أما صالح... فكان الشقيق الأصغر لإبراهيم، يليه ثلاث شقيقات هن فاطمة، وزينب، ووفاء. وكان أكثر حظًا في عدد أبنائه. رزقه الله خمسة. أكبرهم حسن ، الذي حمل اسم جده، وكان يبلغ السادسة والعشرين من عمره. ثم رنا، ذات الثلاثة والعشرين عامًا، والتي كانت أقرب الناس إلى ابنة عمها شهد، فقد جمعتهما الدراسة والصداقة منذ الصغر، وها هما في عامهما الجامعي الأخير. وبعد رنا، رزقه الله بتوأم... مالك وملك. كانا في العشرين من عمرهما، يدرسان في السنة الثانية بالجامعة، ولم يكن أحد يتخيل أن يأتي يوم يصبح فيه اسم مالك حديث المنطقة بأكملها. أما أصغر الأبناء، فكان هيثم، ذو الثمانية عشر عامًا، الطالب في الصف الثالث الثانوي، والذي لم يعرف من الحياة سوى الدراسة وأحلام المستقبل، قبل أن تقلب تلك الحادثة حياة أسرته رأسًا على عقب. عاد الصمت يخيّم على مجلس الرجال. كان كل واحد منهما غارقًا في أفكاره، بينما بدت عقارب الساعة وكأنها تتحرك ببطء شديد. تنهد صالح طويلًا، ثم رفع رأسه نحو أخيه وسأله بصوت مثقل بالهموم: — ألم يقل المرسال شيئًا آخر؟ ظل إبراهيم صامتًا للحظات، قبل أن يهز رأسه نفيًا ويجيب: — لا... كل ما قاله أنه عاد إلى البلاد، ويريد مقابلتنا نحن الاثنين فقط في منزله. قطب صالح حاجبيه، وقال في حيرة: — وما رأيك أنت؟ ماذا تظن أنه يريد؟ زفر إبراهيم ببطء، وأجاب وهو يحدق في الفراغ: — لا أعلم يا صالح... لو كان يريد الصلح، لما طلب لقاءنا بمفردنا. كان سيطلب اجتماعًا يضم شيوخ وكبار العشائر كما جرت العادة، ليطرح شروطه أمام الجميع. توقف لحظة، ثم أردف: — ولو كان يريد فقط أن يسأل عن مكان خالد ومالك... فهو يعلم كما يعلم جميع أهل المنطقة أننا لا نعرف أين هما. أطرق صالح برأسه، ثم قال بصوت خافت: — معك حق. لقد أقسمنا جميعًا أمام رجال العشائر، واضعين أيدينا على المصحف الشريف، أننا لا نعلم مكانهما. ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك. ساد الصمت من جديد. لكن هذه المرة كان أكثر قسوة. وبعد لحظات، قال صالح وكأنه يتحدث مع نفسه: — وحتى لو... لو كان قد عرف مكانهما بالفعل، لما طلب لقاءنا. كان سيأخذ بثأره مباشرة... وربما كنا الآن نتسلم جثتيهما بدلًا من انتظار أي خبر عنهما. ما إن انتهت كلماته، حتى انتفض إبراهيم من مكانه بعنف، واتسعت عيناه في فزع، وصاح بصوت مرتجف اختلط فيه الغضب بالخوف: — لا يا صالح! لا تقل هذا الكلام أمامي. ثم قبض على رأسه بكلتا يديه، وقد خانته دموعه لأول مرة منذ بداية الحديث، وقال بصوت مكسور: — لن أسمح... والله لن أسمح لأحد أن يقتل ابني. إن عاد خالد، فسأحميه بروحي قبل جسدي. لن أتركه يضيع مني... ليس بعد كل ما عشته من أجله.قال بصوت مختنق:— أنا مستعد أدفع لك كل اللي أملكه.لم يتغير وجه سليمان.— كل شيء.رفع إبراهيم يده.— أبيع الأراضي.ثم قال:— أبيع البيوت.وتابع بسرعة:— أبيع المزارع... أبيع كل ما أملك.توقف قليلًا.— حتى لو خرجت من عندك مفلسًا.لم يرد سليمان.اقترب إبراهيم أكثر.— فقط لا تقتل ابني.ارتجف صوته.— أرجوك يا سليمان.ثم هبطت دمعة من عينه دون أن يشعر.— أرجوك... لا تقتل خالد.ظل صالح صامتًا.لم يكن قادرًا حتى على الكلام.أما إبراهيم فاستمر:— خذ الدية التي تريدها.— خذ أي مبلغ.— اطلب الرقم الذي تريده.— سأدفعه.ثم قال بيأس:— فقط أعطني ابني.رفع سليمان حاجبه قليلًا.ثم قال:— انتهيت؟نظر إليه إبراهيم في صدمة.— ماذا؟— هل انتهيت من عرضك؟لم يفهم إبراهيم.— أي عرض؟قال سليمان:— المال.ثم أضاف ببرود:— أنت تظن أنني أبحث عن المال؟صمت إبراهيم.جلس من جديد وهو يحدق فيه.رفع سليمان ساقًا ووضعها فوق الأخرى، ثم استند إلى ظهر مقعده.— لو كنت أريد المال، لكنت أخذته منذ زمن.قال إبراهيم:— إذن ماذا تريد؟لم يجبه.مرت عدة ثوانٍ.ثم قال سليمان:— أستطيع أن أنهي كل شيء.نظر إليه الرجلان.أكمل:— أستط
. ظل إبراهيم وصالح ينظران إلى سليمان في انتظار أن يكمل حديثه، لكن سليمان لم يتعجل. كان جالسًا في مكانه بهدوء غريب، مستندًا إلى ظهر المقعد، وكأن الكلمات التي قالها منذ لحظات لم تكن كفيلة بقلب حياة الرجلين رأسًا على عقب. مرّت عدة ثوانٍ ثقيلة. ثوانٍ بدت لإبراهيم أطول من عام كامل قضاه بعيدًا عن ابنه. ثم رفع سليمان عينيه إليهما وقال بهدوء: — خالد ومالك ليسا معي بمعنى أنني أحتجزهما. توقف قليلًا، ثم أضاف: — الموضوع أبسط من ذلك... وأخطر في الوقت نفسه. قطّب إبراهيم جبينه. — ماذا تقصد؟ قال سليمان: — أنا فقط أعرف المكان الذي يختبئان فيه. تبادل إبراهيم وصالح نظرة سريعة. لم يفهم أي منهما ما الذي يريده سليمان تحديدًا. أكمل سليمان: — هما يعتقدان أنهما اختارا مكانًا لا يمكن لأحد أن يصل إليهما فيه، ويعتقدان أن اختفاءهما طوال هذه المدة جعلهما في مأمن... لكنهما مخطئان. ثم أشار بيده إلى أحد رجاله الواقف بالقرب من الباب. — أحضر الجهاز. تقدم الحارس فورًا، وغادر الغرفة. لم يسأل إبراهيم ما الجهاز، ولم يسأل صالح أيضًا. كانا ينتظران. بعد لحظات عاد الحارس وفي يده حاسوب محمول. تقدم ووضعه ع
دخلت سيارة إبراهيم الراجحي من البوابة الخارجية لقصر سليمان الهاشمي، وما إن عبرت البوابة حتى أُغلقت خلفها ببطء، وكأنها تعزل الرجلين عن العالم الخارجي وتدفع بهما إلى مكان لا يعرفان ما الذي ينتظرهما داخله.واصلت السيارة سيرها حتى وصلت إلى البوابة الداخلية للقصر.توقفت.نظر إبراهيم إلى صالح للحظة، ثم فتح باب السيارة ونزل.نزل صالح خلفه، وأغلق باب السيارة وهو يرفع عينيه إلى القصر أمامه.كان المكان مهيبًا بصورة جعلته يشعر بثقل غريب في صدره.لم يكن قصرًا عاديًا.كل شيء فيه كان يقول إن صاحبه رجل اعتاد أن يأمر... وأن يُطاع.وقبل أن يتبادلا أي كلمة، تقدم منهما رجل بدا من هيئته أنه أحد الحراس.وقف أمامهما وقال باحترام:— سليمان بيه في انتظاركم. تفضلوا.ثم استدار وبدأ السير.تبادل إبراهيم وصالح نظرة قصيرة، ثم تبعاه.كانت خطواتهما ثقيلة، وكلما اقتربا من الداخل ازداد شعورهما بالقلق.وصلا إلى غرفة واسعة مخصصة لمجالس الرجال.فتح الحارس الباب وأشار إليهما بالدخول.— تفضلوا بالجلوس، سليمان بيه قادم.دخل إبراهيم وصالح وجلسا إلى جوار بعضهما.أما الحارس فأغلق الباب خلفه وغادر.ساد الصمت.مرت دقيقة.ثم دقي
خرج صالح من المنزل برفقة إبراهيم، واتجها معًا إلى الموعد الذي طال انتظاره، بينما بقيت القلوب في المنزل معلقة بهما، وكأن أرواح الجميع قد خرجت معهما.وقفت ملك ورنا في الشرفة تتابعان السيارة وهي تبتعد شيئًا فشيئًا.لم تتحدث أي منهما.كانت ملك تضع يدها على صدرها، تحاول تهدئة ضربات قلبها المتسارعة، بينما كانت رنا تمسك بذراعها دون أن تشعر.ظلت السيارة تبتعد حتى اختفت عن أنظارهما.همست رنا:— يا رب...أغلقت ملك عينيها.— آمين.— يا رب يرجعوا لنا بخير.— يا رب ترجع لنا مالك.قالتها ملك بصوت مكسور، وكأنها لم تعد تهتم بشيء آخر في الدنيا.وفجأة جاءهما صوت من خلفهما:— هل ذهب أبي؟التفتت الاثنتان.كان هيثم واقفًا عند باب الشرفة، وقد بدا على وجهه القلق.قالت رنا:— أجل... ذهب.اقترب هيثم منهما، ونظر إلى الطريق الذي اختفت فيه السيارة.— هل ذهب هو وعم إبراهيم إلى سليمان الهاشمي؟أومأت ملك.— نعم.تنهد هيثم، ثم جلس على المقعد القريب منهما.— كنت أظن أنني عندما أستيقظ سأجد أن كل هذا مجرد حلم.نظرت إليه رنا.— وأنا أيضًا.صمت هيثم لحظة، ثم قال:— حسن لم يستطع تحمل الضغط الموجود في البيت.سألته ملك:—
كانت سياراة العم إبراهيم قد وصلت إلى أسفل المنزل.توقفت السيارة أمام البوابة، وبقي العم إبراهيم جالسًا في الداخل، ينتظر أخاه صالح حتى ينزل، فلم يكن يريد أن يتأخرا أكثر عن الموعد المحدد.أخرج هاتفه، واتصل بأخيه.— صالح، أنا في الأسفل. انزل، علينا أن نتحرك.— حسنًا، سأخرج الآن.أغلق صالح الهاتف، ثم ظل واقفًا للحظات داخل مكتبه.كان يعرف أن ما ينتظره ليس لقاءً عاديًا.منذ أن وصلته رسالة سليمان الهاشمي، وهو يشعر بأن شيئًا ثقيلًا يجثم فوق صدره.لكنه لم يكن يريد أن يرى أحد من أبنائه هذا الخوف.وبالأخص ملك ورنا. وزوجته ليلى.أخذ نفسًا عميقًا، ثم فتح باب المكتب وخرج.وما إن خرج حتى وجد ابنتيه تجلسان أمام الباب وكأنهما كانتا تنتظرانه منذ وقت طويل.توقفت عيناه عليهما.كانتا تراقبانه بقلق واضح.رفع صالح حاجبيه متظاهرًا بالاستغراب، ثم ابتسم وقال:— ما الأمر؟ لماذا تجلسان هكذا؟وقفت رنا وملك في اللحظة نفسها، واتجهتا نحوه.كانت رنا أول من تحدثت.— أبي... لقد أقلقتنا.نظر إليها صالح.— أقلقتكِ؟— نعم. لماذا حبست نفسك في المكتب كل هذا الوقت؟ وما الذي يحدث يا أبي؟ترددت لحظة قبل أن تسأله:— ماذا يريد س
في الجهة الأخرى من البلاد، وعلى بُعد ساعات من منزل عائلة الراجحي، كان رجل آخر يستعد للقاء سيغير حياة الجميع.كان يجلس في مكتبه داخل قصره، ذلك القصر الذي لم يكن مجرد منزل بالنسبة إلى عائلة الهاشمي، بل أشبه بقلعة ضخمة تليق باسم العائلة ونفوذها.كان سليمان الهاشمي يجلس خلف مكتبه، مستندًا إلى مقعده الجلدي، وقد بدا هادئًا بصورة تثير القلق.في الثامنة والعشرين من عمره فقط، كان من المفترض أن يكون في ذلك العمر منشغلًا ببناء مستقبله، أو الاستمتاع بما حققه من نجاح، لكن سليمان لم يكن رجلًا عاديًا.كان كبير عائلة الهاشمي.والمسؤول عن اسمها ومكانتها.والوريث الأكبر لثروة ضخمة امتدت أملاكها وشركاتها داخل البلاد وخارجها.ورغم صغر سنه، كان اسمه وحده كافيًا ليجعل الكثيرين يعيدون التفكير قبل أن يتخذوا أي قرار يتعلق بعائلته.لم يكن احترام الناس له نابعًا من أمواله فقط.فالمال يمكن أن يشتري الكثير، لكنه لا يصنع الهيبة وحده.أما سليمان...فكان يمتلك الاثنين.المال والنفوذ.وكان يعرف جيدًا كيف يستخدم كليهما.رفع عينيه إلى الجهاز اللوحي الموضوع أمامه.لم يكن يتصفح الأخبار، ولم يكن يتابع تقارير شركاته، ولم ي






