INICIAR SESIÓNولم يكن ما يزيد خوفنا سوى حقيقة يعرفها الجميع.
فعلى مدار سنوات طويلة، ومنذ أن خضعت عائلات منطقتنا لأعراف كبار وشيوخ العشائر، لم يحدث قط أن تنازلت عائلة عن دم قتيلها. أبدًا. حتى أولئك الذين كانوا يعيشون في ضيق شديد، وكانت الدية كفيلة بانتشالهم من الفقر، لم يبيعوا دماء أبنائهم بالمال. كانوا يختارون القصاص، مهما بلغت حاجتهم. فكيف سيكون الحال مع سليمان الهاشمي؟ ذلك الرجل الذي يُعد واحدًا من أكبر أثرياء البلاد، وليس منطقتنا فحسب. في بلدته يمتلك عشرات المنازل، والمزارع الشاسعة، والأراضي الممتدة التي تكاد تعادل نصف المنطقة. أما شركاته المنتشرة في أنحاء البلاد، بل وخارجها أيضًا، فحدِّث ولا حرج. كان المال بالنسبة إليه مجرد رقم. ولذلك، لم يكن أحد يتوقع أن يلين قلبه أو يقبل الدية. ومع ذلك... لم يفقد والدي وعمي الأمل. ولم نفقده نحن أيضًا. في كل ليلة، كنا نرفع أيدينا إلى السماء، ندعو الله أن يبدل القلوب، وأن يكتب العفو بدلًا من الدم، وأن يأتي اليوم الذي يعود فيه مالك وخالد، وتنتهي هذه الكارثة التي سرقت منا طعم الحياة. انتبهت من شرودي على صوت أمي وهي تمسح ما تبقى من دموعها بطرف حجابها، محاولة أن تبدو متماسكة. قالت بصوت متعب: — هيا يا ملك... لنُعِدَّ الفطور. لا يصح أن يأتي عمك إلينا في هذا الوقت ثم يغادر دون أن يتناول لقمة واحدة. ابتسمت لها ابتسامة صغيرة، وربتُّ على يدها بحنان. — لا تتعبي نفسك يا أمي، سأُحضِّر كل شيء. أنتِ ارتاحي قليلًا. نظرت إليَّ لحظة، ثم قالت بهدوء: — حسنًا... اذهبي وأيقظي أختك رنا لتساعدك. هززت رأسي برفض لطيف. — دعيها تنام. لقد سهرت حتى الفجر تذاكر لاختبارها، ولم يتبقَّ على موعد ذهابها إلى الجامعة سوى ساعة واحدة. من الأفضل أن ترتاح قليلًا، ولا تقلقي... سأهتم بكل شيء. أومأت أمي برأسها في صمت. كانت تنظر إلى الفراغ بعينين شاردتين، وكأن عقلها ما زال عالقًا بذلك الاجتماع الذي يدور في الطابق السفلي. تركتها بهدوء، ثم نزلت إلى المطبخ. استقبلني المكان بسكون غريب، لا يقطعه سوى صوت الساعة المعلقة على الحائط. غسلت يدي، ثم بدأت في إعداد مائدة الإفطار. كنت أتحرك بين الأواني والموقد بحركات اعتدت عليها منذ سنوات، بينما كان ذهني بعيدًا تمامًا عما تفعله يداي. كنت أصغي في كل لحظة لأي صوت يصدر من مجلس الرجال. كنت أترقب فتح الباب... أو ارتفاع الأصوات... أو حتى انتهاء الاجتماع. لكن... لم يحدث شيء. مر الوقت بطيئًا، وما زال والدي وعمي في الداخل، وكأن الحديث بينهما لا يريد أن ينتهي. تنهدت بصمت، وأخذت أتمتم بالدعاء بيني وبين نفسي، راجيةً أن يحمل هذا الصباح خبرًا يطفئ تلك النار المشتعلة في صدورنا منذ عام كامل. وبعد أن انتهيت من إعداد الطعام، سمعت وقع خطوات سريعة تقترب من المطبخ. التفتُّ، لأجد رنا تدخل وهي تعدل حجابها على عجل، وقد بدا من ملامحها أنها مستيقظة على غير عادتها. اقتربت من الثلاجة وهي تقول بابتسامة خفيفة: — صباح الخير يا ملك. ابتسمت لها ورددت: — صباح النور يا رنا. أتستعدين للخروج؟ فتحت زجاجة ماء، ثم شربت منها عدة رشفات متتالية قبل أن تجيب: — نعم. أنتِ تعلمين أنني عندما يكون لدي اختبار، لا أستطيع النوم جيدًا. استيقظت قبل أن يرن المنبه من شدة التوتر. نظرت إلى ساعة الحائط، ثم قلت: — لكن الوقت ما زال مبكرًا. ابتسمت وهي تغلق زجاجة الماء. — أعلم... لكنني سأغادر الآن على أي حال، فأنا أريد مراجعة بعض الملاحظات قبل دخول الامتحان مع اصدقائي. فتحت أحد الأدراج، وأخرجت علبة لحفظ الطعام، ثم قدمتها إليها. — خذي... لقد أعددت لكِ الإفطار. اتسعت ابتسامتها، واقتربت تحتضنني سريعًا. — آه يا أختي الحبيبة... شكرًا لكِ. وضعت العلبة داخل حقيبتها، ثم نظرت إليَّ باستغراب وقالت: — لكن... لماذا أعددتِ الفطور مبكرًا؟ وأين أمي؟ تنهدت، ثم رويت لها كل ما حدث منذ الصباح. أخبرتها بمجيء عمي المفاجئ، وباجتماعه مع أبي، وبحالة أمي التي لم تتوقف عن البكاء. ما إن انتهيت من الحديث حتى تغيرت ملامح رنا، واختفت ابتسامتها تمامًا. اقتربت مني، وأمسكت بيدي بقوة، ثم همست بحزن: — يا إلهي... إلى متى سيظل هذا الكابوس يطاردنا؟ متى سينتهي كل هذا... وتعود حياتنا كما كانت؟خرج صالح من المنزل برفقة إبراهيم، واتجها معًا إلى الموعد الذي طال انتظاره، بينما بقيت القلوب في المنزل معلقة بهما، وكأن أرواح الجميع قد خرجت معهما.وقفت ملك ورنا في الشرفة تتابعان السيارة وهي تبتعد شيئًا فشيئًا.لم تتحدث أي منهما.كانت ملك تضع يدها على صدرها، تحاول تهدئة ضربات قلبها المتسارعة، بينما كانت رنا تمسك بذراعها دون أن تشعر.ظلت السيارة تبتعد حتى اختفت عن أنظارهما.همست رنا:— يا رب...أغلقت ملك عينيها.— آمين.— يا رب يرجعوا لنا بخير.— يا رب ترجع لنا مالك.قالتها ملك بصوت مكسور، وكأنها لم تعد تهتم بشيء آخر في الدنيا.وفجأة جاءهما صوت من خلفهما:— هل ذهب أبي؟التفتت الاثنتان.كان هيثم واقفًا عند باب الشرفة، وقد بدا على وجهه القلق.قالت رنا:— أجل... ذهب.اقترب هيثم منهما، ونظر إلى الطريق الذي اختفت فيه السيارة.— هل ذهب هو وعم إبراهيم إلى سليمان الهاشمي؟أومأت ملك.— نعم.تنهد هيثم، ثم جلس على المقعد القريب منهما.— كنت أظن أنني عندما أستيقظ سأجد أن كل هذا مجرد حلم.نظرت إليه رنا.— وأنا أيضًا.صمت هيثم لحظة، ثم قال:— حسن لم يستطع تحمل الضغط الموجود في البيت.سألته ملك:—
كانت سياراة العم إبراهيم قد وصلت إلى أسفل المنزل.توقفت السيارة أمام البوابة، وبقي العم إبراهيم جالسًا في الداخل، ينتظر أخاه صالح حتى ينزل، فلم يكن يريد أن يتأخرا أكثر عن الموعد المحدد.أخرج هاتفه، واتصل بأخيه.— صالح، أنا في الأسفل. انزل، علينا أن نتحرك.— حسنًا، سأخرج الآن.أغلق صالح الهاتف، ثم ظل واقفًا للحظات داخل مكتبه.كان يعرف أن ما ينتظره ليس لقاءً عاديًا.منذ أن وصلته رسالة سليمان الهاشمي، وهو يشعر بأن شيئًا ثقيلًا يجثم فوق صدره.لكنه لم يكن يريد أن يرى أحد من أبنائه هذا الخوف.وبالأخص ملك ورنا. وزوجته ليلى.أخذ نفسًا عميقًا، ثم فتح باب المكتب وخرج.وما إن خرج حتى وجد ابنتيه تجلسان أمام الباب وكأنهما كانتا تنتظرانه منذ وقت طويل.توقفت عيناه عليهما.كانتا تراقبانه بقلق واضح.رفع صالح حاجبيه متظاهرًا بالاستغراب، ثم ابتسم وقال:— ما الأمر؟ لماذا تجلسان هكذا؟وقفت رنا وملك في اللحظة نفسها، واتجهتا نحوه.كانت رنا أول من تحدثت.— أبي... لقد أقلقتنا.نظر إليها صالح.— أقلقتكِ؟— نعم. لماذا حبست نفسك في المكتب كل هذا الوقت؟ وما الذي يحدث يا أبي؟ترددت لحظة قبل أن تسأله:— ماذا يريد س
في الجهة الأخرى من البلاد، وعلى بُعد ساعات من منزل عائلة الراجحي، كان رجل آخر يستعد للقاء سيغير حياة الجميع.كان يجلس في مكتبه داخل قصره، ذلك القصر الذي لم يكن مجرد منزل بالنسبة إلى عائلة الهاشمي، بل أشبه بقلعة ضخمة تليق باسم العائلة ونفوذها.كان سليمان الهاشمي يجلس خلف مكتبه، مستندًا إلى مقعده الجلدي، وقد بدا هادئًا بصورة تثير القلق.في الثامنة والعشرين من عمره فقط، كان من المفترض أن يكون في ذلك العمر منشغلًا ببناء مستقبله، أو الاستمتاع بما حققه من نجاح، لكن سليمان لم يكن رجلًا عاديًا.كان كبير عائلة الهاشمي.والمسؤول عن اسمها ومكانتها.والوريث الأكبر لثروة ضخمة امتدت أملاكها وشركاتها داخل البلاد وخارجها.ورغم صغر سنه، كان اسمه وحده كافيًا ليجعل الكثيرين يعيدون التفكير قبل أن يتخذوا أي قرار يتعلق بعائلته.لم يكن احترام الناس له نابعًا من أمواله فقط.فالمال يمكن أن يشتري الكثير، لكنه لا يصنع الهيبة وحده.أما سليمان...فكان يمتلك الاثنين.المال والنفوذ.وكان يعرف جيدًا كيف يستخدم كليهما.رفع عينيه إلى الجهاز اللوحي الموضوع أمامه.لم يكن يتصفح الأخبار، ولم يكن يتابع تقارير شركاته، ولم ي
مرَّ الأسبوع سريعًا، وكأن الأيام كانت تتعمد الركض بنا نحو ذلك اليوم الذي لم يكن أحد منا يريد أن يأتي.وها قد جاء.اليوم الذي سيذهب فيه أبي وعمي إبراهيم إلى منزل سليمان الهاشمي.اليوم الذي انتظرناه جميعًا بقلوب مرتجفة، ندعو الله من أعماقنا أن ينتهي اللقاء على خير، وأن يكون هناك مخرج من تلك الكارثة التي أرهقت عائلتنا لأكثر من عام.لكنني...لم أكن مطمئنة.منذ أن استيقظت هذا الصباح، وأنا أشعر بشيء غريب يضغط على صدري.لم يكن مجرد خوف عادي.كنت خائفة...بل مرعوبة.ذلك الشعور الذي يجعلك عاجزًا عن تفسير ما يحدث بداخلك، وكأن قلبك يعرف شيئًا لم يصل إلى عقلك بعد.كان أبي جالسًا في مكتبه، وقد أغلق الباب على نفسه منذ الصباح، ينتظر مجيء عمي إبراهيم حتى يذهبا معًا إلى اللقاء المتفق عليه.وقبل أن يدخل أبي إلى مكتبه، قال بصرامة:— لا أريد أن يدخل عليَّ أحد، ولا أريد إزعاجًا من أي شخص.ومنذ ذلك الوقت وأنا أجلس على الأريكة المقابلة لباب مكتبه، أنتظر خروجه.لم أكن أعرف ماذا يفعل في الداخل.ربما يراجع بعض الأوراق.ربما يتحدث مع أحد رجال العائلة.وربما...كان يحاول أن يستجمع شجاعته للقاء رجل مثل سليمان اله
خرجت من غرفتي على صوت أمي وهي تناديني، وقد تناسيت ذلك الشعور الغريب بالقلق الذي انتابني قبل قليل، أو ربما أقنعت نفسي بأنني لا داعي لأن أقلق من شيء لا أعرفه.وجدت أمي تنتظرني أمام باب غرفتها.وقبل أن أصل إليها، قالت وهي تنظر إليّ بشيء من الضيق المصطنع:— ما الأمر يا ملك؟ أنا أنادي عليك منذ مدة!ابتسمت وأنا أقترب منها وقلت:— لا شيء يا أمي، كنت شاردة ولم أسمعك، وما إن سمعت صوتك حتى أتيت فورًا.هزت أمي رأسها وقالت:— حسنًا. لقد ذهب أبوك إلى عمله منذ مدة، وعمتك فاطمة والعاملة في المطبخ بدأتا إعداد طعام الغداء. اذهبي وساعديهما، فأنا أشعر ببعض الإرهاق وسآخذ دوائي وأستريح قليلًا، ثم أنضم إليكم في المطبخ.اقتربت منها أكثر، ووضعت يدي حول كتفيها، ثم نظرت إلى وجهها بقلق.— أمي...قالت وهي تنظر إليّ:— ماذا؟— أرجوكِ، إذا كنتِ متعبة فلا تخفي عني الأمر. سأخذك أنا وهيثم إلى المستشفى.ابتسمت ليلى بحنان، ثم قالت:— لا يا ملك، حقًا أنا بخير. كل ما في الأمر أنني لم أنم جيدًا ليلة أمس.ضيقت عيني وأنا أتفحص وجهها.— أرجوك يا أمي، أخبريني بالحقيقة.ضحكت أمي بخفة، وقالت:— قلت لك إنني بخير ولست متعبة.ثم د
استيقظت ببطء، وكأنني أعود إلى العالم من مكان بعيد.كان أول ما شعرت به هو ثقل رأسي، ثم ذلك الألم الخفيف الذي امتد إلى جسدي كله، وكأنني خضت معركة طويلة وأنا نائمة.فتحت عيني بصعوبة، وظللت لثوانٍ أحدق في السقف دون أن أفهم أين أنا.ثم أدرت رأسي ببطء.غرفتي...كنت مستلقية فوق سريري، والغطاء يغطي جزءًا من جسدي.لكن كيف وصلت إلى هنا؟آخر شيء أتذكره هو...الغرفة.أمي.صوت صراخي.الملابس التي ألقيتها أرضًا...ثم...لا شيء.حاولت أن أرفع يدي إلى رأسي، لكنني توقفت عندما رأيته.كان أبي جالسًا على طرف السرير.ظل ساكنًا تمامًا، ينظر إلى وجهي وكأنه يحاول أن يطمئن إلى أنني بخير، أو ربما كان يبحث في ملامحي عن شيء لم يستطع الوصول إليه بالكلمات.التقت عيناي بعينيه.وبقينا نتبادل النظرات في صمت.لم أبدأ الحديث.ولم يكن لدي أي رغبة في ذلك.بعد لحظات، قال أبي بصوت حانٍ لم أعتده منه في الأيام الماضية:— ملك...كيف حالك يا ابنتي؟بماذا تشعرين؟ظلت عيناي معلقتين بوجهه، لكنني لم أجب.كنت أستمع إلى صوته، وفي الوقت نفسه بدأت الذاكرة تعود إليّ قطعةً قطعة.كل شيء.كلماته.كلمات أمي.خالد.الجامعة.الزواج.كل شيء عاد د







