Home / الرومانسية / ملك الليل و تمرد الطين / طبول الشمال و خدعة الطين

Share

طبول الشمال و خدعة الطين

Author: Oum saif
last update publish date: 2026-06-06 04:47:19

​📖 الجزء العاشر: طُبُولُ الشِّمَالِ وَخِدْعَةُ الطِّين

​مرت ثلاثة أيام على مواجهة المكتبة الأثرية، وكان القصر الملكي خلالها يعيش حالة من الغليان الصامت الذي يسبق الانفجار الكبير. لم تعد أضواء المشاعل الزرقاء في الممرات مستقرة، بل كانت تتراقص بعنف وتحمل أحياناً مسحة من اللون الأرجواني الداكن، في إشارة سحرية إلى أن جيوش ملوك الشمال قد بدأت بالفعل في تحريك جحافلهم نحو الحدود البركانية لمقاطعة "سعد". كان "ملك الليل" غائباً تماماً عن الأنظار، يقضي وقته في تحصين البوابات الأثرية وقيادة الجيوش الفضية، تاركاً "ليا" داخل جناحها تحت حراسة مشددة لا تسمح حتى للهواء بالخروج دون إذن.

​لكن "ليا" لم تكن تلك الفتاة التي تستسلم للحصار؛ فالمعرفة التي استقتها من مخطوطات "الرماد الأزلي" عن خطيئة "سعد" القديمة وعن "ترنيمة الفداء المتبادل" غيرت مسار تفكيرها بالكامل. لم تعد تبحث عن مهرب عشوائي يودي بحياتها في غابات الظلام، بل أدركت أن كبرياء طينها البشري يفرض عليها أن تكون أشد ذكاءً من قوانين الجن وعقود الخلود.

​كانت تجلس أمام النافذة الشاهقة، وتراقب الغيوم السوداء الكثيفة التي بدأت تتجمع في أفق الشمال، محملة ببرق أحمر غريب ينذر بقدوم قادة الفصائل المتمردة. تحركت يدها اليسرى ببطء لتلمس السوار الفضي المحيط بمعصمها الأيمن، وارتسمت على شفتيها ابتسامة غامضة تحمل ملامح خطة جريئة قد تقلب موازين هذه اللعبة الأسطورية.

​انفتح الباب ببطء، ودخلت "إيلارا" وهي تحمل رداءً ثقيلاً من الفراء الأسود لحمايتها من البرودة الشديدة التي بدأت تزحف من مقاطعات الشمال، وكان وجهها البنفسجي يحمل علامات إرهاق شديد من جراء التوتر السائد في الحصن.

​"سيدة ليا..." نطقت إيلارا بصوت منخفض مرتجف. "الأخبار القادمة من الجبهة الأمامية مرعبة. ملوك الشمال الثلاثة قد اتحدوا، وجيوش هياكل الظلام قد تجاوزت الوادي البركاني الأخير. جلالة الملك سعد يرفض التراجع أو التفاوض، وقد أقسم قادة جيشه الفضي أنهم سيموتون عند البوابات لحمايتكِ. القصر قد يتحول إلى ساحة دمار في أي لحظة."

​التفتت "ليا" نحوها، ولم يكن في عينيها العسليتين اللامعتين ببريق الذهب أي أثر للذعر، بل كان فيهما هدوء واثق صدم الخادمة الشابة. وقفت برداء الأبيض الفضفاض، وتحركت نحو "إيلارا" قائلة بنبرة فصيحة وبليغة:

"الحرب لن تشتعل في هذا الحصن يا إيلارا... ولن يسمح طيني البشري بأن تُسفك قطرة دم واحدة من جنودكم بسبب هوس سيدكِ المظلم. لقد وجدْتُ الطريقة التي تنهي هذا الجنون، وعليكِ أن تساعديني إن كنتِ حقاً تبغين السلام لملككِ ولعالمكِ."

​ارتبكت "إيلارا" وتراجعت خطوة إلى الوراء وعيناها البنفسجيتان تتسعان بوجل: "م المساعدة؟ يا سيدة ليا، جلالة الملك سيحيلني إلى رماد تذروه الرياح لو علم أنني خالفتُ أوامره أو ساعدتكِ على التمرد."

​"أنا لا أطلب منكِ تهريبي،" قالت ليا وهي تقترب منها وتضع كفها الدافئة على كتف الخادمة الباردة ببرود وثقة. "الهروب الجسدي مستحيل ما دام هذا السوار يطوق معصمي. لكنني أطلب منكِ شيئاً آخر... أريدكِ أن توصلي رسالة سرية ومختومة إلى قادة جيش الشمال عبر بوابات المراسلة الخفية في القصر. رسالة لا يعلم عنها 'سعد' شيئاً."

​"رسالة إلى أعداء الملك؟" شهقت إيلارا بذعر مطلق. "هذه خيانة عظمى! ملوك الشمال سيعتبرونها خدعة وستقتلكِ مخلوقاتهم بمجرد اقترابكِ."

​"لن يقتلوني،" أجابت ليا بنبرة حاسمة وممتلئة بكبرياء لا ينكسر. "في هذه الرسالة، سأعرض عليهم صفقة لا يمكنهم رفضها. سأخبرهم أن 'ملكة الليل' العائدة مستعدة لتسليم نفسها عند الحدود الشمالية طواعية، بشرط أن ينسحبوا بجيوشهم فوراً ويعلنوا السلم الأبدي مع مقاطعة سعد. ملوك الشمال يبغون تصفيتي لكسر عرش سيدكِ وإهانة كبريائه، وإذا خرجتُ إليهم بإرادتي، فستنتهي ذريعة الحرب."

​"ولكن الملك سعد...!" قاطعتها إيلارا والدموع تترقرق في عينيها. "إذا علم أنكِ سلمتِ نفسكِ لأعدائه، فسيحرق عوالم الشمال والجن معاً! إنه يفضل الفناء على أن يراكِ بين أيديهم."

​"لن يعلم إلا بعد أن أصل إلى الحدود وتغلق البوابات السحرية وراء خروجي،" تابعت ليا وعيناها تشعان ببريق ذكاء حاد. "وعندما أصل إلى هناك، وأواجه قادة الشمال بوجهي البشري وبنفور مطلق، سأثبت لسيدكِ ولقوانينه الأزلية أن كبرياء الطين البشري أقوى من عقود حمايته. بمجرد أن أقف خارج الأسوار بإرادتي المحضة متحدية هوسه، سيفقد السوار طاقته وينفتح، وعندها سأكون حرة... حرة من ظله ومن لعنتكم الأسطورية."

​بدت "إيلارا" متخبطة بين ولائها الأعمى لملكها "سعد" وبين رغبتها في إنقاذ الحصن من فوضى الدمار الشامل. نظرت إلى وجه "ليا" الصارم والجميل بكبرياء متمرد، وشعرت بأن هذه البشرية تملك شجاعة تضاهي شجاعة الملوك الأزلية.

​"حسنًا يا سيدة ليا..." همست إيلارا بنبرة متهدجة وهي تنحني برأسها. "سأخاطر بحياتي وأرسل الرسالة عبر ظلال المراسلة القديمة. لكن أرجوكِ... تذكري أن قلب الملك سعد ليس حجرًا بركانيًا، وإذا انكسر كبرياؤه بذهابكِ، فقد يبتلع الظلام هذا العالم بأكمله."

​في الليلة التالية، كان القصر يعيش الساعات الأكثر ظلمة ورهبة. كانت أصوات طبول الحرب القادمة من أفق الشمال تدوي في الأثير كضربات رعد متواصلة لا تتوقف، معلنةً وصول طلائع جيوش الأعداء إلى السهول البركانية المحيطة بالحصن.

​كانت "ليا" تقف في جناحها، وقد ارتدت رداء الفراء الأسود الثقيل فوق ثوبها الحريري الأبيض، وعقلها يستعرض تفاصيل خطتها. تلقت قبل قليل إشارة خفية من "إيلارا" تؤكد أن قادة الشمال قد وافقوا على الصفقة السرية، وبأنهم ينتظرون وصول "صغيرة الذهب" عند 'بوابة الرماد الحدودية' في منتصف الليل، مقابل سحب خطوط جيوشهم الأمامية.

​تحركت نحو الباب بخطوات وئيدة وصامتة، مستغلةً انشغال الحراس الفضيين بتوزيع الدفاعات عند الأسوار الخارجية. مشت في الأروقة المظلمة كأنها طيف عابر، مستعينة بالمعرفة الجغرافية التي اكتسبتها خلال جولاتها السابقة في القصر. كان السوار حول معصمها ينبض بحرارة متزايدة، كأنه يستشعر نيتها في الابتعاد وخروجها نحو الخطر الخارجي، لكن "ليا" كانت تضغط عليه بيدكها اليسرى بقوة، مجبرةً جسدها على تحمل الألم من أجل الحرية وإنقاذ الأرواح.

​وصلت إلى الممر السري المؤدي إلى البوابات السفلية للجناح الغربي، وكانت على بعد خطوات قليلة من مخرج الحصن، عندما شعرت فجأة ببرودة مميتة تجتاح الممر بأكمله، وبتلاشي الضوء الشحيح للمشاعل ليحل محله ذلك السواد الكاحل والأزلي.

​تصلب جسدها، وتوقفت دقات قلبها في صدرها وهي تسمع وقع الخطوات الهادئة، الصامتة، والمألوفة التي تقترب منها من الأمام، وليس من الخلف هذه المرة. رائحة المسك والرماد والمطر الحارق ملأت الأثير لتعزلها عن العالم بالكامل وتعلن عن حضوره المرعب والمستبد.

​انبثق "سعد" من بين الظلال الكثيفة، واقفاً كالجدار الفولاذي الأسود الذي يسد طريقها نحو الخارج. كان يرتدي درع الحرب الفضي الداكن الملطخ بدماء المناوشات الحدودية، وعيناه السوداوان الكليتان تشتعلان بنار جهنّية غاضبة لدرجة أن الحروف السحرية المنقوشة على درعه كانت توهج بلون أحمر قاني. ملامحه البالغة الوسامة كانت صارمة كالموت، وفكه ينقبض بقوة تكاد تكسر عظام وجهه الحاد.

​لم ينطق بكلمة لثوانٍ، بل ظل ينظر إليها بتلك النظرة الخانقة المليئة بالهوس والجنون والعشق المستميت، نظرة حاكم علم بالخيانة والخدعة قبل أن تكتمل فصولها.

​"إلى أين يا ملكة قلبي المظلم؟" نطق سعد أخيراً بصوته العميق الرخيم الذي يحمل هديراً كصوت الزلازل تحت الأرض. "أتظنين أن ظلال المراسلة في قصري قد تخفي عني رسائل بشرية من طين؟ أتظنين أنني سأسمح لكِ بالسير بقدميكِ الحافيتين نحو ذئاب الشمال لتسلمي نفسكِ طواعية من أجل إنقاذ عرشي؟"

​تحلت "ليا" بكل ما تملك من كبرياء وعناد، ورفعت رأسها لتتحدى غضبه وعيناها الذهبيتان تشعان ببريق التحدي:

"نعم يا سعد! سأذهب إليهم لأنني أرفض أن أكون دمية في حربك الأسطورية! أرفض أن تسفك دماء جيوشك وتضعف نفسك بنصف خلودك من أجل التكفير عن خطيئتك القديمة! أنا ليا، ولن أسمح لهوسك بأن يحرق العالمين. دعني أخرج... فخروجي بإرادتي ونفوري منك هو الطريقة الوحيدة لكسر هذا السوار اللعين واستعادة حريتي!"

​خطى "سعد" خطوة واحدة خاطفة نحوها، وامتدت يده الكبيرة والقوية لتقبض على معصمها الأيمن المقيد برقة مجبرة وحارقة، وجذب جسدها النحيل إليه بقوة حتى اصطدم صدرها البشري بدرعه الفولاذي البارد، وهيمن بطوله الفارع وهيبته الطاغية على كل حواسها.

​انحنى فوق وجهها الشاحب، ونطق بنبرة تقطر هوساً مستبداً وعشقاً جنونياً زلزل أركان الممر المظلم:

"لقد أخبرتكِ مسبقاً يا صغيرة الذهب... لو كان ثمن سلامتكِ هو إبادة الممالك السبع بأكملها وتحويل عوالم الشمال إلى رماد، لفعلتُ ذلك وأنا أبتسم! خديعتكِ الطينية لن تنجح، ولن تخرجي من هذه الأسوار إلا على جثتي الخالدة. الحرب قد بدأت بالخارج، وفي الداخل... ستظلين سجينة هذا الصدر وهذا العرين رغماً عن كبريائكِ المتمرد."

​أطلق "سعد" صيحة سحرية خافتة، لتنبعث من يده طاقة ظلال كثيفة أحاطت بجسد "ليا" ونقلتها في لمح البصر عائدة إلى الجناح الملكي المغلق، لتبدأ معها أولى فصول الحصار الأكبر وسط أصوات طبول الحرب التي أعلنت عن بدء المعركة الشاملة بين ملك الليل وجيوش الشمال من أجل بشرية الطين المتمردة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ملك الليل و تمرد الطين   قداس الرماد و انتقام الظلال

    ​📖 الجزء السادس عشر: قُدَّاسُ الرَّمَادِ وَانْتِقَامُ الظِّلَال​كانت الممرات السفلية المؤدية إلى "معبد الرماد القديم" غارقة في عتمة لزجة كأنها حبر أسود سُكب في أعماق الجبل الصخري. لم يكن هناك أثر لمشاعل القصر الزرقاء؛ فالبرودة التي زحفت مع "خسوف الرماد الأسود" أبادت كل ضياء طبيعي، ولم يتبقَّ في الأثير سوى ذلك التوهج الفضي والذهبي المشع من جسد "ليا" ومن عروق السوار الفضي الذي بدأ ينبض بحرارة مسموعة كأنها دقات قلب ثانٍ يطوق معصمها.​كان "سعد" يمشي بجانبها بثقله الملكي المعهود، ورغم أن السم القديم كان ينهش نسيج خلوده المستنزف بفعل الخسوف، إلا أن عينيه السوداوين الكليتين كانتا تشتعلان ببريق وحشي حارق وهو يراقب خطوات "صغيرة الذهب". كان وجودها الدافئ بجانبه، وقبضتها النحيلة التي تمسك بكفه الباردة، هو المصل الوحيد الذي يبقيه صامداً في وجه سحر الجنوب الملعون.​وصلا إلى البوابة الصخرية الضخمة للمعبد، والتي كانت مواربة جزئياً كما خططت "ليا" مع القائد "كايان". من خلف الشق الصخري، انبعثت ترانيم جنائزية حادة، بلغة قديمة تشبه فحيح الأفاعي، وتصاعدت رائحة الكبريت وأوراق الشجر المحروقة لتملأ الفضاء

  • ملك الليل و تمرد الطين   شباك العتمة و فخ الذئاب

    ​📖 الجزء الخامس عشر: شِبَاكُ العَتَمَةِ وَفَخُّ الذِّئَاب​لم يكن ليل الحصن الملكي بعد المعركة الكبرى ليلاً عادياً؛ بل كان أشبه بصفحة سوداء كُتبت بمداد المؤامرات الخفية التي بدأت تزحف من أطراف الممالك السبع. في جناحها الخاص، كانت "ليا" تقف أمام طاولة صخرية دائرية، وقد نزعت "تاج الرماد" لتدعه يتلألأ بنوره الأسود الذاتي بجانب خريطة جلدية قديمة توضح تضاريس المقاطعات السبع وبوابات السحر السريّة التي تربط بينها.​كانت عيناها العسليتان اللامعتان ببريق الذهب تدرسان المسارات بدقة أثارت دهشة "إيلارا" التي كانت تقف بجانبها تحمل مخطوطاً صغيراً أُحكم إغلاقه بخيط من الحرير الأرجواني الداكن الملطخ برائحة الموت والرماد.​"لقد أحضرتُ المخطوط السرّي لطقوس 'مملكة الموتى المستيقظين' يا جلالة الملكة،" همست إيلارا بنبرة مرتجفة يملأها الوجل، وهي تضع المخطوط بحذر على الطاولة. "لقد خاطرتُ بظلالي لأستعيده من قبو المراسلات الخفية قبل أن يتم تدميره. إن خائن 'الغسق الغربي'، الشيخ ذو اللحية البيضاء، قد أرسل بالفعل الرموز السحرية لملك الجنوب 'مالك أريش'، وهم يستعدون لتفعيل 'خسوف الرماد الأسود' في الليلة القادمة."

  • ملك الليل و تمرد الطين   عهد الدم و تاج الرماد

    ​📖 الجزء الثالث عشر: عَهْدُ الدَّمِ وَتَاجُ الرَّمَاد​انقشعت غيوم الشمال الأرجوانية كلياً عن سماء المقاطعة، وحلّ محلها سكون مهيب يلف أرجاء الحصن الصخري، سكون لا يكسره سوى حفيف الرياح الباردة العابرة بين الشرفات المحطمة. في الساحة الكبرى، انشغل الجنود الفضيون بجمع بقايا دروع الأعداء المتفحمة، بينما كانت نظراتهم تلاحق طيف "ليا" بإجلال ورهبة لم يعهدها أي كائن بشري من قبل؛ فقد أصبحت في عيونهم "الملكة العائدة" التي لا تحميها الظلال فحسب، بل تحمي هي العرش بجبروت طينها المستعر.​في جناح العرش الصغير، بعيداً عن صخب ساحة المعركة، كان الجو مشحوناً بهدوء من نوع آخر. كان "سعد" مستلقياً على مقعده المخملي الكبير، وقد نزع درعه الفضي الملطخ بالدماء، وبدت ملامحه البالغة الوسامة شاحبة كصخور الجليد، وعيناه السوداوان الكليتان غائرتين قليلاً بفعل نقص طاقة الخلود التي تبرع بنصفها لإنقاذ جسدها. كانت جراحه تلتئم ببطء شديد لا يناسب قوته الأزلية المعهودة، لكن نظراته المثبتة على "ليا" كانت تفيض بهوس متقد، وكأن ضعف جسده زاد من جوع روحه للتمسك بها.​كانت "ليا" تقف عند النافذة، تراقب النجوم الفضية الخافتة، ورداء

  • ملك الليل و تمرد الطين   جبروت الطين و انكسار الممالك

    ​📖 الجزء الثاني عشر: جَبَرُوتُ الطِّينِ وَانْكِسَارُ المَمَالِك​وقفت "ليا" على حافة الشرفة المحطمة كأنها آلهة إغريقية قديمة صُبّت من ذهب ونور، لترسم بجسدها النحيل رادعاً أسطورياً وسط العواصف الأرجوانية التي تضرب الحصن الملكي. لم يعد جسدها ذلك الطين الهش الذي يرتجف من نسمات الشتاء؛ فقد سرى فيه برد الخلود الأثري، وامتزجت في عروقها دماء الملوك الأزلية التي قدمها لها "سعد" في وثيقة الفداء الأكثر جنوناً وهوساً في تاريخ الممالك السبع.​نظرت إلى الأسفل، حيث كان "سعد" جاثياً على ركبة واحدة، يستند بيده المرتعشة على مقبض سيفه الأسود العريض، وجسده الصلب الذي طالما تحدى العصور يبدو شاحباً، مستنزَفاً، يخرج منه وميض فضي خافت يصارع جراحه النازفة. لقد تخلى عن نصف روحه وحياته من أجل ألا يمس طينها بشرر هذه الحرب، ليصبح هو الهدف الأسهل لسيوف الأعداء المتربصين.​تحرك قادة الشمال الثلاثة، وعيونهم الحمراء المستعرة تلمع بنشوة النصر الزائف بعد أن رأوا وهن "ملك الليل". رفع القائد الأكبر، وهو كائن عملاق ذو درع مصنوع من صخور الجليد الأسود، سيفه الضخم الملوث بالسم، وصرخ بصوت زلزل الساحة:"لقد هُزم ملك الليل! ل

  • ملك الليل و تمرد الطين   لهيب الثغر و طوفان الظلال

    ​📖 الجزء الحادي عشر: لَهيبُ الثَّغْرِ وَطُوفَانُ الظِّلَال​أعادت طاقة الظلال الكثيفة "ليا" إلى جناحها الملكي بعنف هادئ، لترتمي فوق الحرير الناعم لسريرها الشاهق، وهي تلهث كعصفور بشري حوصر في قفص من الأعاصير. انغلق الباب الخشبي العظيم بقوة توازي غضب مليكها، ودوت من خلفه تعاويذ إغلاق أثرية جعلت الصخور البركانية الجدارية تتوهج بخطوط ذهبية دقيقة، معلنةً فرض الحصار المطلق عليها.​نهضت "ليا" بسرعة، ونفضت خصلات شعرها الفاحم الطويل وراء كتفيها، وعيناها العسليتان اللامعتان ببريق الذهب تشتعلان بقهر وعناد لا يعرف الانكسار. نظرت إلى معصمها الأيمن؛ كان سوار "الرماد الحيّ" ينبض بعنف، وحروفه السحرية تفرز حرارة مستعرة تكاد تحرق جلدها، كأنه يعاقبها على جرأتها ومحاولتها تسليم نفسها لملوك الشمال.​"تباً لكَ يا سعد... وتباً لعقودك ولعنتك الأزلية!" هتفت ليا بقهر وهي تضرب بقبضتها على الجدار الصخري الأملس، والدموع الحارقة تنحدر فوق وجنتيها الشاحبتين. "لقد أفسدتَ كل شيء بكبريائك الأعمى! كنتُ سأنهي هذه الحرب، كنتُ سأنتزع هذا القيد وأعيد إليك سلام عالمك، لكنك فضلت أن تكون مستبداً ومجنوناً يحرق كل من حوله."​خ

  • ملك الليل و تمرد الطين   طبول الشمال و خدعة الطين

    ​📖 الجزء العاشر: طُبُولُ الشِّمَالِ وَخِدْعَةُ الطِّين​مرت ثلاثة أيام على مواجهة المكتبة الأثرية، وكان القصر الملكي خلالها يعيش حالة من الغليان الصامت الذي يسبق الانفجار الكبير. لم تعد أضواء المشاعل الزرقاء في الممرات مستقرة، بل كانت تتراقص بعنف وتحمل أحياناً مسحة من اللون الأرجواني الداكن، في إشارة سحرية إلى أن جيوش ملوك الشمال قد بدأت بالفعل في تحريك جحافلهم نحو الحدود البركانية لمقاطعة "سعد". كان "ملك الليل" غائباً تماماً عن الأنظار، يقضي وقته في تحصين البوابات الأثرية وقيادة الجيوش الفضية، تاركاً "ليا" داخل جناحها تحت حراسة مشددة لا تسمح حتى للهواء بالخروج دون إذن.​لكن "ليا" لم تكن تلك الفتاة التي تستسلم للحصار؛ فالمعرفة التي استقتها من مخطوطات "الرماد الأزلي" عن خطيئة "سعد" القديمة وعن "ترنيمة الفداء المتبادل" غيرت مسار تفكيرها بالكامل. لم تعد تبحث عن مهرب عشوائي يودي بحياتها في غابات الظلام، بل أدركت أن كبرياء طينها البشري يفرض عليها أن تكون أشد ذكاءً من قوانين الجن وعقود الخلود.​كانت تجلس أمام النافذة الشاهقة، وتراقب الغيوم السوداء الكثيفة التي بدأت تتجمع في أفق الشمال، محم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status