📖 الجزء الأول: ترانيم الرماد وعيون الذهبكانت عقارب الساعة الجدارية العتيقة تقترب من منتصف الليل، مصدرةً تكتكات رتيبة تشبه ضربات قلبٍ يحتضر في زاوية الغرفة الضيقة. في تلك الشقة المتواضعة الواقعة في أطراف المدينة المنسية، كانت "ليا" تقف أمام نافذتها الزجاجية المطرزة بقطرات المطر الهاطل بغزارة. كان الجو بارداً، برودةً تتسلل إلى العظام وتزرع في النفس قشعريرة مبهمة، لكن "ليا" لم تكن تشعر ببرودة الطقس بقدر ما كانت تشعر ببرودة الخوف الصامت الذي ينهش صدرها منذ أسابيع.أرجعت خصلات شعرها الفاحم، الطويل والمموج، إلى الوراء خلف كتفيها، ثم اقتربت أكثر من الزجاج المقابل لوجهها، لتنعكس صورتها في العتمة. ملامحها كانت تتسم بجمال ساحر، عتيق، يحمل براءة الطفولة وعمق المأساة؛ بشرة بيضاء نقية كمرمر صُقل بعناية، وشفتان كرزيتان ناعمتان. لكن الميزة التي طالما جعلت الجميع يطيل النظر إليها، وربما يتوجس منها خيفةً، هي عيناها. لم تكن عيناها عادية قط؛ كحل طبيعي يحيط بحدقتين عسليتين غريبتين، تميلان إلى لون الذهب الخالص في الضوء، وتلمعان ببريق غامض كأنما تخفيان خلفهما أسرار حضارات بادت ولم يبقَ منها سوى الرماد
Last Updated : 2026-06-02 Read more