Home / الرومانسية / ملك الليل و تمرد الطين / عهد الدم و تاج الرماد

Share

عهد الدم و تاج الرماد

Author: Oum saif
last update publish date: 2026-06-07 05:03:25

​📖 الجزء الثالث عشر: عَهْدُ الدَّمِ وَتَاجُ الرَّمَاد

​انقشعت غيوم الشمال الأرجوانية كلياً عن سماء المقاطعة، وحلّ محلها سكون مهيب يلف أرجاء الحصن الصخري، سكون لا يكسره سوى حفيف الرياح الباردة العابرة بين الشرفات المحطمة. في الساحة الكبرى، انشغل الجنود الفضيون بجمع بقايا دروع الأعداء المتفحمة، بينما كانت نظراتهم تلاحق طيف "ليا" بإجلال ورهبة لم يعهدها أي كائن بشري من قبل؛ فقد أصبحت في عيونهم "الملكة العائدة" التي لا تحميها الظلال فحسب، بل تحمي هي العرش بجبروت طينها المستعر.

​في جناح العرش الصغير، بعيداً عن صخب ساحة المعركة، كان الجو مشحوناً بهدوء من نوع آخر. كان "سعد" مستلقياً على مقعده المخملي الكبير، وقد نزع درعه الفضي الملطخ بالدماء، وبدت ملامحه البالغة الوسامة شاحبة كصخور الجليد، وعيناه السوداوان الكليتان غائرتين قليلاً بفعل نقص طاقة الخلود التي تبرع بنصفها لإنقاذ جسدها. كانت جراحه تلتئم ببطء شديد لا يناسب قوته الأزلية المعهودة، لكن نظراته المثبتة على "ليا" كانت تفيض بهوس متقد، وكأن ضعف جسده زاد من جوع روحه للتمسك بها.

​كانت "ليا" تقف عند النافذة، تراقب النجوم الفضية الخافتة، ورداء الفراء الأسود يحيط بكتفيها فوق ثوبها الأبيض الذي غسلته إيلارا من غبار الحرب. نظرت إلى معصمها الأيمن؛ كان سوار "الرماد الحيّ" هادئاً تماماً، وحروفه الغامضة تتوهج بنور فضي خافت وناعم، كأنه استسلم أخيراً للامتزاج الأبدي بين طينها وظلال الملك.

​"لقد أمرتُ 'إيلارا' بإعداد بلسم الأعشاب البركانية لجراحك،" نطقت ليا دون أن تلتفت إليه، وكان صوتها الفصيح والبليغ يحمل نبرة جافة تحاول إخفاء القلق الذي ساور صدرها البشري عندما رأته يضعف. "لا تفرح كثيراً بجثوّك الخاضع البارحة يا ملك الليل... أنا لم أنقذ عرشك حباً في قيدك، بل لأن كبريائي يرفض أن أكون مديونة بحياتي لرجل يظن أنه يملك روحي."

​انبعثت من صدر "سعد" ضحكة خافتة ممتزجة ببحة ألم رخيمة، وتحرك ببطء لينهض مستنداً على مسند المقعد الخشبي. مشى نحوها بخطوات هادئة رغماً عن ضعف عروقه، حتى وقف خلفها مباشرة، ليفيض أثيره العتيق برائحة المسك والرماد المألوفة ويحاصر حواسها مجدداً.

​"عنادكِ الطيني هو أكثر ما يغذّي خلودي يا صغيرة الذهب..." همس سعد بالقرب من أذنها، ونبرته المستبدة تراجعت قليلاً ليحل محلها عشق عميق ودافئ. "لقد تذوق قادة الشمال جبروت القوة التي منحتكِ إياها، لكنهم لم يعلموا أن القوة الحقيقية كانت في عينيكِ الذهبيتين اللامعتين بالتحدي. أنتِ الآن تحملين نصف حياتي، وكل نبضة في صدركِ البشري هي صدى لنبض قلبي الميت الذي أحييتِهِ. كيف تزعمين التحرر وأنتِ ترتدين روحي كدرع؟"

​التفتت "ليا" إليه بسرعة، ورفعت يدها اليمنى لتضع إصبعها السبابة فوق صدره العاري العريض، تمنعه من الاقتراب أكثر، وثبتت عينيها الذهبيتين في عينيه القاتمتين:

"أنا أرتدي نصف قوتك لأنك فرضتها عليّ بترنيمتك الأسطورية، لكن عقلي ما زال حراً، وطيني لن يصبح يوماً ملكاً لظلالك. الحرب مع الشمال انتهت، لكن طبول المواجهة بيننا لم تهدأ بعد. لقد قلتَ البارحة إنني ملكة هذا الليل الأزلية... فهل أنت مستعد حقاً لمنحي سلطة العرش كاملة، أم أن كلماتك كانت مجرد تخدير لهوسك الخانق؟"

​تغيرت ملامح "سعد" الصارمة، وانقبض فكه بقوة وهو يتأمل جرأتها. لم يعتد طوال عصور خلوده أن تملي عليه امرأة شروطاً، لكن "ليا" لم تكن كأي امرأة؛ إنها الكيان المتمرد الذي حطم قيود الندم في صدره.

​"العرش لكِ يا ليا..." قال سعد بنبرة حاسمة، قطعية لا رجعة فيها. "لكن السلطة في عالمنا ليست مجرد تيجان توضع على الرؤوس، بل هي عهد يُعمد بالدم والولاء أمام قادة المقاطعات السبع. في الغد، سيعقد 'مجلس العهد الجديد' في قاعة العرش الكبرى. سيأتي القادة السبعة ليعلنوا خضوعهم لكِ بعد أن رأوا قوتكِ، وهناك... ستضعين تاج الرماد بنفسكِ، لتصبحي رسمياً شريكة الليل وحاكمة الحصن الصخري."

​انقبض قلب "ليا" قليلاً؛ فقبول التاج يعني التزاماً أبدياً بهذا العالم الفانتازي، ويعني أن طريق عودتها إلى عالم البشر قد يُغلق إلى الأبد. لكنها تذكرت نظرات الخوف في عيون "إيلارا" وجراح الجنود الفضيين، وأدركت أن تراجعها الآن هو خيانة للشجاعة التي أظهرتها في الساحة.

​"سأحضر المجلس يا سعد..." قالت ليا بكبرياء شامخ وخطوات تبتعد عنه نحو الشرفة مجدداً. "وسيرى قادتك السبعة أن الطين البشري يمكنه حكم الظلال دون الحاجة للاختباء وراء ظهر الملك."

​في الصباح الموالي، كانت قاعة العرش الكبرى قد أُعيد ترميمها بسحر الجنود الفضيين، واصطفت على جانبيها مشاعل بيضاء ضخمة تنبعث منها حرارة هادئة تناسب برودة الشتاء الزاحف. على المنصة الشاهقة، أُضيف مقعد ملكي ثانٍ مصنوع من البلور الأسود والذهب الخالص، ليوضع بجانب عرش التنانين القديم الخاص بـ "سعد".

​دخلت "ليا" القاعة برفقة "إيلارا"، وكانت ترتدي ثوباً ملكياً طويلاً من المخمل الأسود القاتم المطرز بخيوط ذهبية تشبه عروق السحر المتوهجة في جسدها، وشعرها الفاحم كان منسدلاً بهيبة تليق بالملكات. مشت بخطوات واثقة، وعيناها الذهب ترصدان القادة السبعة الذين كانوا يقفون في منتصف القاعة برؤوس منحنية، ولم يعد في ملامحهم ذلك الاستخفاف بطينها البشري، بل حل محله رعب حقيقي من القوة التي سحقت قائد الشمال.

​كان "سعد" يجلس على عرشه، مرتدياً رداءه الملكي المطرز بالذهب الأثري، ورغم شحوب وجهه، إلا أن هيبته الطاغية وسلطته الأزلية كانت تملأ أثير القاعة بالكامل. نظر إليها وهي تصعد الدرجات الصخرية نحو العرش المجاور، ونهض من مكانه احتراماً لحضورها، في خطوة صدمت القادة السبعة؛ فملك الليل لم ينهض يوماً لأي كائن في هذا الوجود.

​"أيها القادة المستشارون لممالك الليل،" نطق سعد بصوته العميق الرخيم الذي تردد في أرجاء القاعة الكبرى كهدير الرعد المكتوم. "لقد شهدتم البارحة انكسار جحافل الشمال عند أسوارنا، ولم يكن ذلك بفضل سيفي وحده، بل بفضل جبروت السيدة ليا التي تحمل الآن نصف خلودي ونصف طاقة العهد القديم. إنها تقف أمامكم اليوم ليس كبشرية مستضعفة، بل كملكة حرة تشاركني حكم هذا الليل وصياغة دستوره الجديد."

​تقدم القائد ذو اللحية البيضاء الطويلة، وانحنى بجسده الضخم حتى لامست جبهته الأرض الرخامية، ونطق بصوت يملأه الإجلال: "لقد رأينا جبروتها يا جلالة الملك، ونحن لا ننكر قانون القوة في عالمنا. السيدة ليا أنقذت الحصن من الدمار الشامل، ونحن نعلن ولاءنا التام لعرشها الجديد وعهد الدم الذي يجمع طينها بظلالك الأزلية."

​توالى القادة السبعة في إعلان الخضوع، وتقدمت "إيلارا" وهي تحمل صينية قطيفة حمراء مستقراً فوقها "تاج الرماد"، وهو تاج دقيق مصنوع من الفضة العتيقة والبلور الأسود الذي يشع بنور ذاتي خافت.

​التفت "سعد" نحو "ليا"، وأمسك بالتاج بيدين ثابتتين رغماً عن ضعفه، وانحنى قليلاً ليضعه فوق رأسها الفاحم، وهمس بنبرة تفيض بالهوس والجاذبية المظلمة: "الآن... اكتمل القيد واكتمل العرش يا ملكتي المتمردة. التاج فوق رأسكِ، ونصف روحي في صدركِ، والعوالم السبعة بأكملها ستنحني أمام تحالف طينكِ وظلالي."

​نظرت "ليا" إلى القادة المنحنين أمامها، ثم إلى "سعد" الذي كان ينظر إليها بنظرات امتلاك وعشق مستميت. ورغم ثقل التاج فوق رأسها، إلا أن كبرياءها البشري لم ينطفئ؛ بل شعرت بأن هذا التاج ليس قيداً جديداً، بل هو السلاح الذي ستستخدمه لتغيير قوانين هذا العالم المظلم وفرض إرادتها رغماً عن قوانين العهد القديم.

​"ارفعوا رؤوسكم أيها القادة،" نطقت ليا بصوت بليغ وفصيح، زلزل صمت القاعة الكبرى وأثار القشعريرة في نفوس الحاضرين. "العهد الجديد قد بدأ، ولن يكون عهداً للدمار أو الحصار. سأحكم هذا الليل بكبرياء طيني، ومن يظن أن ضعفي البشري قد يعود يوماً... فليتذكر مصير قادة الشمال تحت أقدام هذا العرش."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ملك الليل و تمرد الطين   قداس الرماد و انتقام الظلال

    ​📖 الجزء السادس عشر: قُدَّاسُ الرَّمَادِ وَانْتِقَامُ الظِّلَال​كانت الممرات السفلية المؤدية إلى "معبد الرماد القديم" غارقة في عتمة لزجة كأنها حبر أسود سُكب في أعماق الجبل الصخري. لم يكن هناك أثر لمشاعل القصر الزرقاء؛ فالبرودة التي زحفت مع "خسوف الرماد الأسود" أبادت كل ضياء طبيعي، ولم يتبقَّ في الأثير سوى ذلك التوهج الفضي والذهبي المشع من جسد "ليا" ومن عروق السوار الفضي الذي بدأ ينبض بحرارة مسموعة كأنها دقات قلب ثانٍ يطوق معصمها.​كان "سعد" يمشي بجانبها بثقله الملكي المعهود، ورغم أن السم القديم كان ينهش نسيج خلوده المستنزف بفعل الخسوف، إلا أن عينيه السوداوين الكليتين كانتا تشتعلان ببريق وحشي حارق وهو يراقب خطوات "صغيرة الذهب". كان وجودها الدافئ بجانبه، وقبضتها النحيلة التي تمسك بكفه الباردة، هو المصل الوحيد الذي يبقيه صامداً في وجه سحر الجنوب الملعون.​وصلا إلى البوابة الصخرية الضخمة للمعبد، والتي كانت مواربة جزئياً كما خططت "ليا" مع القائد "كايان". من خلف الشق الصخري، انبعثت ترانيم جنائزية حادة، بلغة قديمة تشبه فحيح الأفاعي، وتصاعدت رائحة الكبريت وأوراق الشجر المحروقة لتملأ الفضاء

  • ملك الليل و تمرد الطين   شباك العتمة و فخ الذئاب

    ​📖 الجزء الخامس عشر: شِبَاكُ العَتَمَةِ وَفَخُّ الذِّئَاب​لم يكن ليل الحصن الملكي بعد المعركة الكبرى ليلاً عادياً؛ بل كان أشبه بصفحة سوداء كُتبت بمداد المؤامرات الخفية التي بدأت تزحف من أطراف الممالك السبع. في جناحها الخاص، كانت "ليا" تقف أمام طاولة صخرية دائرية، وقد نزعت "تاج الرماد" لتدعه يتلألأ بنوره الأسود الذاتي بجانب خريطة جلدية قديمة توضح تضاريس المقاطعات السبع وبوابات السحر السريّة التي تربط بينها.​كانت عيناها العسليتان اللامعتان ببريق الذهب تدرسان المسارات بدقة أثارت دهشة "إيلارا" التي كانت تقف بجانبها تحمل مخطوطاً صغيراً أُحكم إغلاقه بخيط من الحرير الأرجواني الداكن الملطخ برائحة الموت والرماد.​"لقد أحضرتُ المخطوط السرّي لطقوس 'مملكة الموتى المستيقظين' يا جلالة الملكة،" همست إيلارا بنبرة مرتجفة يملأها الوجل، وهي تضع المخطوط بحذر على الطاولة. "لقد خاطرتُ بظلالي لأستعيده من قبو المراسلات الخفية قبل أن يتم تدميره. إن خائن 'الغسق الغربي'، الشيخ ذو اللحية البيضاء، قد أرسل بالفعل الرموز السحرية لملك الجنوب 'مالك أريش'، وهم يستعدون لتفعيل 'خسوف الرماد الأسود' في الليلة القادمة."

  • ملك الليل و تمرد الطين   عهد الدم و تاج الرماد

    ​📖 الجزء الثالث عشر: عَهْدُ الدَّمِ وَتَاجُ الرَّمَاد​انقشعت غيوم الشمال الأرجوانية كلياً عن سماء المقاطعة، وحلّ محلها سكون مهيب يلف أرجاء الحصن الصخري، سكون لا يكسره سوى حفيف الرياح الباردة العابرة بين الشرفات المحطمة. في الساحة الكبرى، انشغل الجنود الفضيون بجمع بقايا دروع الأعداء المتفحمة، بينما كانت نظراتهم تلاحق طيف "ليا" بإجلال ورهبة لم يعهدها أي كائن بشري من قبل؛ فقد أصبحت في عيونهم "الملكة العائدة" التي لا تحميها الظلال فحسب، بل تحمي هي العرش بجبروت طينها المستعر.​في جناح العرش الصغير، بعيداً عن صخب ساحة المعركة، كان الجو مشحوناً بهدوء من نوع آخر. كان "سعد" مستلقياً على مقعده المخملي الكبير، وقد نزع درعه الفضي الملطخ بالدماء، وبدت ملامحه البالغة الوسامة شاحبة كصخور الجليد، وعيناه السوداوان الكليتان غائرتين قليلاً بفعل نقص طاقة الخلود التي تبرع بنصفها لإنقاذ جسدها. كانت جراحه تلتئم ببطء شديد لا يناسب قوته الأزلية المعهودة، لكن نظراته المثبتة على "ليا" كانت تفيض بهوس متقد، وكأن ضعف جسده زاد من جوع روحه للتمسك بها.​كانت "ليا" تقف عند النافذة، تراقب النجوم الفضية الخافتة، ورداء

  • ملك الليل و تمرد الطين   جبروت الطين و انكسار الممالك

    ​📖 الجزء الثاني عشر: جَبَرُوتُ الطِّينِ وَانْكِسَارُ المَمَالِك​وقفت "ليا" على حافة الشرفة المحطمة كأنها آلهة إغريقية قديمة صُبّت من ذهب ونور، لترسم بجسدها النحيل رادعاً أسطورياً وسط العواصف الأرجوانية التي تضرب الحصن الملكي. لم يعد جسدها ذلك الطين الهش الذي يرتجف من نسمات الشتاء؛ فقد سرى فيه برد الخلود الأثري، وامتزجت في عروقها دماء الملوك الأزلية التي قدمها لها "سعد" في وثيقة الفداء الأكثر جنوناً وهوساً في تاريخ الممالك السبع.​نظرت إلى الأسفل، حيث كان "سعد" جاثياً على ركبة واحدة، يستند بيده المرتعشة على مقبض سيفه الأسود العريض، وجسده الصلب الذي طالما تحدى العصور يبدو شاحباً، مستنزَفاً، يخرج منه وميض فضي خافت يصارع جراحه النازفة. لقد تخلى عن نصف روحه وحياته من أجل ألا يمس طينها بشرر هذه الحرب، ليصبح هو الهدف الأسهل لسيوف الأعداء المتربصين.​تحرك قادة الشمال الثلاثة، وعيونهم الحمراء المستعرة تلمع بنشوة النصر الزائف بعد أن رأوا وهن "ملك الليل". رفع القائد الأكبر، وهو كائن عملاق ذو درع مصنوع من صخور الجليد الأسود، سيفه الضخم الملوث بالسم، وصرخ بصوت زلزل الساحة:"لقد هُزم ملك الليل! ل

  • ملك الليل و تمرد الطين   لهيب الثغر و طوفان الظلال

    ​📖 الجزء الحادي عشر: لَهيبُ الثَّغْرِ وَطُوفَانُ الظِّلَال​أعادت طاقة الظلال الكثيفة "ليا" إلى جناحها الملكي بعنف هادئ، لترتمي فوق الحرير الناعم لسريرها الشاهق، وهي تلهث كعصفور بشري حوصر في قفص من الأعاصير. انغلق الباب الخشبي العظيم بقوة توازي غضب مليكها، ودوت من خلفه تعاويذ إغلاق أثرية جعلت الصخور البركانية الجدارية تتوهج بخطوط ذهبية دقيقة، معلنةً فرض الحصار المطلق عليها.​نهضت "ليا" بسرعة، ونفضت خصلات شعرها الفاحم الطويل وراء كتفيها، وعيناها العسليتان اللامعتان ببريق الذهب تشتعلان بقهر وعناد لا يعرف الانكسار. نظرت إلى معصمها الأيمن؛ كان سوار "الرماد الحيّ" ينبض بعنف، وحروفه السحرية تفرز حرارة مستعرة تكاد تحرق جلدها، كأنه يعاقبها على جرأتها ومحاولتها تسليم نفسها لملوك الشمال.​"تباً لكَ يا سعد... وتباً لعقودك ولعنتك الأزلية!" هتفت ليا بقهر وهي تضرب بقبضتها على الجدار الصخري الأملس، والدموع الحارقة تنحدر فوق وجنتيها الشاحبتين. "لقد أفسدتَ كل شيء بكبريائك الأعمى! كنتُ سأنهي هذه الحرب، كنتُ سأنتزع هذا القيد وأعيد إليك سلام عالمك، لكنك فضلت أن تكون مستبداً ومجنوناً يحرق كل من حوله."​خ

  • ملك الليل و تمرد الطين   طبول الشمال و خدعة الطين

    ​📖 الجزء العاشر: طُبُولُ الشِّمَالِ وَخِدْعَةُ الطِّين​مرت ثلاثة أيام على مواجهة المكتبة الأثرية، وكان القصر الملكي خلالها يعيش حالة من الغليان الصامت الذي يسبق الانفجار الكبير. لم تعد أضواء المشاعل الزرقاء في الممرات مستقرة، بل كانت تتراقص بعنف وتحمل أحياناً مسحة من اللون الأرجواني الداكن، في إشارة سحرية إلى أن جيوش ملوك الشمال قد بدأت بالفعل في تحريك جحافلهم نحو الحدود البركانية لمقاطعة "سعد". كان "ملك الليل" غائباً تماماً عن الأنظار، يقضي وقته في تحصين البوابات الأثرية وقيادة الجيوش الفضية، تاركاً "ليا" داخل جناحها تحت حراسة مشددة لا تسمح حتى للهواء بالخروج دون إذن.​لكن "ليا" لم تكن تلك الفتاة التي تستسلم للحصار؛ فالمعرفة التي استقتها من مخطوطات "الرماد الأزلي" عن خطيئة "سعد" القديمة وعن "ترنيمة الفداء المتبادل" غيرت مسار تفكيرها بالكامل. لم تعد تبحث عن مهرب عشوائي يودي بحياتها في غابات الظلام، بل أدركت أن كبرياء طينها البشري يفرض عليها أن تكون أشد ذكاءً من قوانين الجن وعقود الخلود.​كانت تجلس أمام النافذة الشاهقة، وتراقب الغيوم السوداء الكثيفة التي بدأت تتجمع في أفق الشمال، محم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status